لقد أشعلت القضية الفلسطينية الساحة المصرية مجددًا. فمنذ أن طرح ترامب مخطط تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء أصبح هو الشغل الشاغل للجماهير المصرية، والموضوع الأهم على طاولة الحوار من البرامج التلفزيونية الركيكة إلى جلسات المقاهي بين الأصدقاء، ومن وسائل التواصل الاجتماعي إلى أماكن العمل والدراسة.

إن القضية الفلسطينية لطالما كانت عنصرًا أساسيًا في السياسة المصرية، لا سواء في سياسة الحكام أو المحكومين، ودائمًا ما بائت كل المحاولات إلى فصل القضية الفلسطينية عن القضية المصرية بالفشل.
كان بالفعل هناك غضب مكتوم واضح عند الجماهير المصرية بسبب حملة الإبادة الجماعية التي شنتها آلة الإجرام الصهيونية على الشعب الفلسطيني طوال الـ15 شهرًا الماضيين. كما كان هناك إحباط ممزوج بالغضب بسبب خيانة النظام وتواطؤه في هذه المذبحة بغلق معبر رفح والرضوخ لشروط الصهاينة فيما يخص إدخال المساعدات إلى القطاع واحتلال معبر رفح من الجانب الفلسطيني، بالإضافة إلى قمع المتضامنين مع الشعب الفلسطيني.
وكان ينظر كثير من المصريين إلى موقف النظام بالخزي. وطوال الشهور الماضية كان النظام يحاول أن يوازن نفسه بين غضب الجماهير من جانب وغضب الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب آخر. ولكن مع طرح مسألة التهجير بشكل واضح أخذت الأمور منحى مختلف.
نشهد الآن موجة من الدعاية القومية الرخيصة تشنها الطبقة السائدة، وهدفها محاولة تصوير السيسي وكأنه المدافع عن القضية الفلسطينية والسيادة الوطنية المصرية. نعتقد أنه لا فائدة من الدخول في صراع ديكة مع الدعاية التي تحاول تصوير السيسي بالمنقذ وخليفة عبد الناصر، بل وربما خليفة صلاح الدين الذي سيهزم الصليبيين الجدد في معركة حطين الحديثة ويحرر القدس. فهذه دعاية هيستيرية لا تغني ولا تسمن من جوع. إن المهم من وجهة نظرنا هو فحص الحجة الأساسية: هل صحيح إن الطبقة السائدة الرأسمالية في مصر ونظامها يدافعون عن القضية الفلسطينية والسيادة الوطنية المصرية؟
إن النظام المصري يصعد من نبرته المضادة للتهجير وتصريحات ترامب والإسرائيليين، وبقايا المعارضة الناصرية والليبرالية والإصلاحية كالعادة خانوا مبادئهم واصطفوا خلف النظام في “معركته” ضد التهجير بأسم الوطنية والعروبة ودور مصر الريادي، وثلة صغيرة من اليساريين المتشرذمين فاقدين للبوصلة ولا يعرفون يمينهم من شمالهم.
هذا هو الواقع الذي يطل علينا اليوم، والذي سيكون آثاره عميقة، ونستطيع أن نقول إن الموقف الحالي الذي يدور حول التهجير سيكون مؤسسًا لما بعده. ودورنا هو أن نفهم ماذا يحدث؟ ولماذا يحدث؟ وما هي الاحتمالات التي تنفتح أمامنا؟ وما هي آثار كل احتمال من هذه الاحتمالات على الصراع الطبقي والاجتماعي؟ وعلى هذا ما هي مهام الشيوعيون الثوريون في مصر في اللحظة الدقيقة الحالية؟
إن وظيفتنا الآن هي أبعد ما تكون عن التصفيق والاصطفاف مع النظام بالطبع، ولكنها أيضًا أبعد ما تكون عن النواح الانعزالي والصراخ العصبوي، بل هي كما عبر عنها الفيلسوف العظيم سبينوزا: “إن وظيفتنا لا نضحك أو نبكي بل أن نفهم.”
نفاق الرأسمالية المصرية ونظامها
إن النظام الرأسمالي الاستبدادي المصري، تاريخيًا وحتى الآن، ينظر إلى القضية الفلسطينية من زاويتين: الأولى، تأثر الجماهير المصرية وارتباطها بها. والثانية، ورقة قوة وضغط في معرض مساومته مع الإمبريالية وتعزيز مكانته الإقليمية، وهو ما يُعبر عنه دائمًا بالحديث عن أهمية مصر الجيوسياسية، فيجرى إطباق الحصار على قطاع غزة عندما يود النظام مخاطبة ود الأمريكان والصهاينة، وتخفف القبضة على القطاع في وقت الخلاف بينهم.
إن أي حديث للطبقة السائدة الرأسمالية ونظامها العسكري عن مناصرة مزعومة للقضية الفلسطينية هي محض ادعاء وقح تكذبه الحقائق التاريخية. إن للطبقة السائدة تاريخ طويل من خيانة القضية الفلسطينية، مع التأكد من الظهور بمظهر المدافع عن الشعب الفلسطيني، منذ نزوع عبد الناصر نحو التسوية في روجرز وإتمامها على يد السادات في كامب ديفيد تجاوزًا للقضية الفلسطينية، إلى التجارة مع الدولة الصهيونية برعاية الولايات المتحدة الأمريكية في الكويز، ومن العمل حرس حدود للدولة الصهيونية من أجل تأمين حدودها مع سيناء وضبط قطاع غزة، إلى تصدير الغاز إلى إسرائيل بثمن بخس ثم الآن استيراد الغاز من إسرائيل.
إن قطاع غزة بالذات تعرض إلى حصار شرس شارك فيه النظام المصري جنبًا إلى جنب مع الدولة الصهيونية منذ خروج إسرائيل من غزة عام 2005، وزاد عام 2007 مع فوز حماس بالانتخابات. إن النظامين المصري والصهيوني حولوا غزة إلى أكبر سجن مفتوح في العالم لأكثر من 2 مليون فلسطيني. صحيح إن النظام الصهيوني هو المسؤول المباشر عن حصار غزة، ولكن النظام المصري لا يقل إجرامًا عنه نظرًا إلى أن حدود غزة محاصرة بالقوات الإسرائيلية من كل جانب وتمثل الحدود المصرية المنفذ الوحيد للقطاع إلى العالم.
وعندما صعد السيسي راكبًا دبابته إلى السلطة اتبع نفس المنوال. فمن الرغبة في السلام الدافئ مع إسرائيل إلى ضرب البنية التحتية القديمة (من أنفاق ومخازن سلاح…الخ) التي كانت تمتد إلى سيناء للفصائل الفلسطينية، خصوصًا مع قدرة التنظيمات الجهادية في سيناء على استخدام تلك الأنفاق، وتلك الأنفاق حُفرت باتفاق بين المهربين على الجانبين -المصري والفلسطيني- والنظام المصري في عهد مبارك في معرض اتفاقاته مع الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حماس القادمة حديثًا إلى السلطة حينها.
بالإضافة إلى غلق دائم استمر سنوات لمعبر رفح منذ عام 2014 وحتى عام 2019، ومحاولة الضغط مرارًا من أجل قبول كافة الفصائل الفلسطينية باتفاقية أوسلو واعترافها بإسرائيل، وهو ما حدث ضمنًا مع البرنامج السياسي لحماس الصادر عام 2017 الذي تقر فيه بقبولها دولة فلسطينية على حدود يونيو 1967.
وبشكل عام لم تكن العلاقات الرسمية المصرية الإسرائيلية أكثر قربًا واستقرارًا مما كانت عليه في عهد السيسي. لقد شن نظام السيسي منذ عام 2013 حملة دعاية هيستيرية مناهضة للفلسطينيين وقضيتهم، وبذلك حاولوا وصم قطاع غزة كله بالإرهاب، بالإضافة إلى العمل على فصل الجماهير المصرية عن القضية الفلسطينية أكثر فأكثر.
ولكن بمرور الوقت حدث تحول في الموقف المصري الرسمي من حماس مع تعاونها مع الجيش المصري في حربه ضد داعش في سيناء، كما إعلانها المبطن في برنامج 2017 عن قطع علاقاتها التنظيمية بالإخوان المسلمين في مصر، مع استمرار نظرة النظام إلى حماس باعتبارها عامل جالب للاضطرابات حتى الآن.
وجاء العدوان الإجرامي الأخير على غزة لكي يقلب كل معادلة الطبقة السائدة في مصر. فلم يعد بإمكان الديكتاتور الترويج إلى السلام الدافئ مع إسرائيل في وقت ترى فيه الجماهير إخوانهم وأخواتهم في غزة يقتلون بالآلاف، وفي وقت تتزايد فيه مخاطر التهجير، ويستشري إحساس عام بالعجز والإحباط والغضب. وتعود مشاعر العداء لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية إلى صدارة المشهد بشكل لم نشهده منذ سنوات عدة.
وقد تجلى عفن نظام عبد الفتاح السيسي مع غلق معبر رفح أمام المسافرين والمصابين مع بداية العدوان الصهيوني الإجرامي على قطاع غزة بعد 7 أكتوبر عام 2023. فقد أخذ عشرات آلاف الدولارات إتاوة من الفلسطينيين الذين يريدون مغادرة معبر رفح مع بداية العدوان عن طريق المهرب وتاجر المخدرات السابق ورجل الأعمال الحالي وعراب سيناء وقبائلها إبراهيم العرجاني القريب من النظام، والذي يعمل واجهة لعدد من الضباط الأقوياء. وهو ما فضحه العديد من الفلسطينيين المغادرين من معبر رفح في بداية الحرب، كما فضحه مجرم الحرب نتنياهو عندما قال: “إن الأغنياء في غزة دفعوا رشاوى لحرس الحدود المصريين من أجل مغادرة غزة.”
إن الديكتاتورية العسكرية المنحطة في مصر أغلقت المعبر أمام حركة المسافرين بدعوى محاربة التهجير، ولكنها على أرض الواقع كونت ثروات طائلة من هذه الإتاوات على الأفراد الخارجين من غزة.
ولكن ليست السلطة فقط هي المتورطة في التربح على حساب الشعب الفلسطيني، بل الطبقة السائدة الرأسمالية في مصر برمتها غارقة في وحل الدماء والخيانة هذا. فقد وصل إجمالي التبادل التجاري بين مصر وإسرائيل خلال الـ6 أشهر الأولى عام 2024 إلى 246.6 مليون دولار، أي زاد التبادل التجاري بين الرأسمالية المصرية والإسرائيلية في الحرب بنسبة 53% عما قبلها. لقد زودت رائحة دماء الفلسطينيين شراهة هؤلاء المجرمين للربح.

وقد حققت أكثر من 300 شركة مصرية أرباحًا طائلة عن طريق التجارة مع الدولة الصهيونية في وقت كان الشعب الفلسطيني يُقتل فيه بأشرس آلة عسكرية في المنطقة وأكثرها عدوانية، وعلى رأس هذه الشركات تقع شركات: “قطونيل مصر لصناعة الملابس والجوارب” و”فريش اليكتريك” للأجهزة المنزلية و”هارفست فودز” للأغذية وغيرهم. وهذا يبين بوضوح حدود المقاطعة الاستهلاكية الفردية التي انخرطت فيها الجماهير المصرية بقوة منذ بداية العدوان، كما يبين ضرورة المقاطعة العمالية الفعالة.
إن يد الرأسمالية المصرية “الوطنية” ملوثة بدم الشعب الفلسطيني. ففي الوقت الذي كان يُقتل فيه عشرات آلاف الفلسطينيين بصواريخ الدولة الصهيونية، ويُجبر كل سكان غزة على افتراش الرمال والنوم في العراء، وفي الوقت الذي كانت تُقصف فيه المستشفيات ويموت الأطفال في الشوارع من البرد والجوع، كان خط التجارة ممدودًا بين مصر وإسرائيل، وكان رجال الأعمال على الجانبين المصري والإسرائيلي يحققون مكاسب طائلة بغض النظر عن الإبادة الجماعية في غزة، وهذا بموافقة الديكتاتورية العسكرية الحاكمة في مصر والدولة الصهيونية في إسرائيل.
لهذا نقول إن الطبقة السائدة الرأسمالية المصرية برمتها هي طبقة تابعة وعميلة جينيًا، ولا يمكن أن يحقق الشعب المصري سيادته الوطنية فعلًا إلا عندما يتخلص من حكم وسيادة الطبقة الرأسمالية عليه، وأي أوهام حول السيادة يحاول أن يصدرها نظامها العسكري وممثلها السياسي في السلطة هي محض أكاذيب وقحة. إن هذه هي الطبقة الرأسمالية التي يدعونا الناصريون والقوميون وبعض اليساريون أن نصطف خلفها!
والحقيقة إن الاصطفاف الذين يدعوننا إليه ما هو إلا دعوة للتعاون الطبقي من أجل التخلي عن الراية الثورية والعمالية المستقلة، وأن نتغاضى عن كل جرائم الديكتاتورية العسكرية، لا سواء في حق الجماهير المصرية أو الشعب الفلسطيني، في سبيل “معركة” قومية متوهمة.
ولم يقتصر الأمر على هذا، بل رأينا جميعًا بأم أعيننا سفينة حربية إسرائيلية تعبر قناة السويس يوم 2 نوفمبر عام 2024، وسط استهجان وسباب المصريين المارين بالصدفة، مع تعليق أحدهم: “أهو مصر وإسرائيل مع بعض”، وهو ما برره النظام حينها باتفاقيات حرية الملاحة المبرمة في عهد الإمبراطورية العثمانية عام 1888! وكأن مبدأ حرية الملاحة والمرور يطبق فقط على الأقوياء والمعتدين مثل الصهاينة، أما الشعوب المضطهَدة، مثل الشعب الفلسطيني، فيجب أن تخضع للحصار والموت في صمت والتربح على حساب جثثهم وجرحاهم وحقوقهم. هذا بعد أيام من رسو سفينة كاثرين في ميناء الإسكندرية، وحامت شبهات إنها محملة بمواد عسكرية من أجل نقلها إلى إسرائيل، وهو ما نفاه النظام حينها.
بالإضافة إلى التسامح مع قصف إسرائيل يوم 22 أكتوبر عام 2023 لموقع مصري عبر الحدود قيل إنه بالخطأ، ومن غير المعروف حتى الآن عدد القتلى أو المصابين الناجمين عن ذلك القصف. وخرق اتفاقية كامب ديفيد نفسها باحتلال محور فيلادلفيا ومعبر رفح من الجانب الفلسطيني. فأي سيادة وطنية يصدع رؤسنا بها النظام وأتباعه؟!
إن هذه الوقائع تجعل النظام المصري والرأسمالية المصرية شريكًا أساسيًا في العدوان الصهيوني والإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، ليسوا فقط متواطئين بالحصار والعمالة كما كانوا طوال تاريخهم الرأسمالي الحقير منذ قيام الجمهورية عام 1952.
هذا دون الحديث عن جعل الدكتاتورية العسكرية مصر مرتعًا للمضاربين والمستثمرين الأجانب الباحثين عن يد عاملة رخيصة يستغلونها في غياب قوانين عمل منصفة ودون حماية اجتماعية، ودون الحديث عن إثراء أقلية صغيرة من القطط السمان على حساب قوت الشعب وحاضره ومستقبله، ودون الحديث عن رهن الديكتاتورية العسكرية الاقتصاد المصري برمته للدائنين والمانحين، ودون الحديث عن الخصخصة وبيع البلد بالقطعة لأولياء النعمة الخليجيين. فعن أي سيادة وطنية يتحدثون هؤلاء السفلة؟!
إننا نقف على النقيض من القوميين والناصريين والإصلاحيين المستعدين للتضحية بمصالح الطبقة العاملة المصرية والشعب الفلسطيني من أجل مواقف قومية ركيكة لا تهدف إلى تحرير فلسطين حقًا أو إلى السيادة الوطنية المصرية المفترضة حقًا، ولكنها تهدف إلى عدم الاصطدام بالغضب الجماهيري وترسيخ دعائم الديكتاتورية العسكرية أكثر فأكثر وغسل عارها. والذين دائمًا ما خذلوا الجماهير وأضاعوا الفرص تلو الفرص للحركة العمالية والثورية منذ ثورة 2011 وحتى الآن.
نحن ندرك إن الديكتاتورية العسكرية في مصر لا تهدف إلى خدمة مصالح الشعب الفلسطيني، ولا يمكن أن ننجر إلى الاصطفاف مع النظام القمعي أو أن نخضع إلى دعاية “الوحدة الوطنية” الكاذبة التي لا تهدف إلا إلى تدعيم سلطة الديكتاتورية العسكرية، وإشاعة السلبية بين الجماهير، والتعمية على التناقضات الداخلية بحجة إن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
إن السياسة الخارجية لأي نظام هي امتداد لسياسته الداخلية، ومن المستحيل لنظام رجعي قمعي ممثل لمصالح الرأسمالية والإمبريالية مثل النظام المصري أن يكون تقدميًا في السياسة الخارجية ولو للحظة. ولكن ليس غريبًا على الناصريين والقوميين الاصطفاف الحالي، فهم حتى الأمس القريب كانوا يصطفون مع الجزار بشار الأسد. إن أهمهم هو الناصري حمدين صباحي، وهو معروف بمواقفه المؤيدة لبشار الأسد في “حربه” الكونية ضد الاستعمار والصهيونية، وبكاءه على رحيله من سوريا ورثاء قلب العروبة النابض!
هل يؤيد النظام المصري التهجير؟ ولماذا؟
كما رأينا، فإن النظام في مصر منقوع في الخيانة والعمالة والتبعية والخضوع للإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية، ودائمًا ما يتعاملون معه من موقع السيد الذي يتعامل مع عبده. ولكن الآن يجب أن نسأل أنفسنا سؤال واضح: هل يؤيد النظام المصري التهجير؟ الإجابة: لا، بالطبع لا يؤيد التهجير. ولكن دوافع رفض النظام للتهجير مختلفة كليًا عن دوافع رفض الجماهير، ونحن الشيوعيون منهم، للتهجير.
لقد رفض النظام المصري -ومعه بقية الأنظمة العربية- التهجير لأنه سوف يمس سلطته بشكل مباشر وقد يسقطها، في حين تغاضى عن مذبحة الإبادة الجماعية لأنها لم تكن تمثل تهديدًا مباشرًا له وسلطته، وكان غير راضيًا عنها فقط بقدر عمق تأثر الشعب بها.
فالنظام لا يرفض التهجير لأسباب إنسانية أو سياسية تتعلق بالحق الفلسطيني كما يروج هو عن نفسه الآن، بل لأن هذا لا يناسب مصالحه ببساطة، فالنظام يعلم أن تنفيذ مخطط التهجير سيؤدي إلى إشعال الوضع في الداخل، ومن المرجح للغاية أن يسقط في هذه الأحداث العاصفة.
صحيح إن النظام المصري تابع وذليل للإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية، ولكنه تابع وذليل من أجل مصلحته وليس حبًا في التعبية والذل، وببساطة التهجير يعني نهايته، وهو الشيء الذي لا يمكن أن يوافق عليه طوعيًا. إن بعض اليساريين العصبويين والنشطاء السياسيين المحترقين الذين أرهقتهم السنون والضائعين في براري السياسة المصرية يتخيلون النظام مكون من أشخاص بحوافر وقرون كما الشياطين، ولهذا يعجزون دائمًا عن تفسير أي شيء عندما يتصرف النظام بشكل لا يتطابق مع وصفة الشر المطلقة الموجودة في أذهانهم. ولكن هذه الطريقة الطفولية في التفكير لن تفعل سوى أن تفقدهم مصداقيتهم -إن تبقى منها شيئًا أصلًا-، وأن تفقدهم ما تبقى من قواهم العقلية، هذا إن تبقى شيئًا منها هي الآخرى.
ولكننا على العكس من ذلك ندرك أن محرك النظام في النهاية هو مصالحه الطبقية والشخصية. نحن لا نحتاج إلى اختلاق الأكاذيب ونسج الروايات لكي نعلن قذارة وخيانة الطبقة السائدة الرأسمالية ونظامها الديكتاتوري في مصر، بل نحتاج فقط إلى قول الحقيقة. إن النظام المصري ضد التهجير لأنه مدرك لإمكانية اشتعال الوضع.
فقد رأى قبل 7 أكتوبر جندي مصري اسمه محمد صلاح يعبر الحدود المصرية الإسرائيلية من معبر العوجة يوم 3 يونيو عام 2023 ويقتل 3 جنود إسرائيليين على الأقل، ويُقتل هو في ذلك الاشتباك. كما رأى بعد يوم واحد من عملية 7 أكتوبر، أي يوم 8 أكتوبر عام 2023، إطلاق أمين شرطة مصري النار على فوج سياحي إسرائيلي في الإسكندرية، مما أدى إلى مقتل سائحين إسرائيليين والمرشد السياحي المصري وإصابة آخر، ويُقتل هو الآخر في ذلك الاشتباك، هذا قبل كل المذابح والإبادة التي شاهدناها على مدار الـ15 شهرًا الماضية. ورأى أمين شرطة يعتلي أحد أكبر لوحات الإعلانات وأكثر مركزية في مدينة الإسكندرية في شهر مارس عام 2024 ويخلع زيه الميري وهو يهتف: “السيسي خاين وعميل”، هذا بعد أيام من حرق الجندي الأمريكي آرون بوشنل نفسه احتجاجًا على المذبحة الإسرائيلية بحق غزة ودعم الإمبريالية الأمريكية لها. بالإضافة إلى جنودًا مصريين، في شهر مايو عام 2024، يطلقون النار على الجنود الإسرائيليين المحتلين لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني، لكي يشتعل اشتباك مسلح بين الجانبين قُتل على أثره جندي مصري وإصابة عدد من الجنود الآخرين.
إن هذه الحوادث تعبر بشدة عن مدى عمق الغضب والاحتقان بين الجماهير. فنحن نتحدث في حالتين منهما عن مجندين، أي من أبناء العمال والفلاحين الفقراء، ساقهم التجنيد الإجباري ليقفوا وجهًا لوجه مع جنود الجيش الصهيوني، واحد قبل العدوان وواحدًا في ظله، والاثنين تصرفا بنفس الطريقة تقريبًا. وفي حالتين أخرتين نتحدث عن أمناء شرطة في الخدمة، أي من أكثر الفئات رجعية وانتهازية. فما بالنا بالغضب المتراكم لدى الطبقة العاملة والشباب الثوري، والذي يشعر النظام جيدًا بحرارته عند مؤخرته.
ولهذا حاول أن يتحكم في الجماهير المصرية منذ بداية العدوان بمزيج من القمع ومحاولة الظهور بمظهر معادٍ للعدوان. ولكنه في نفس الوقت يصادر كل إمكانات العمل الجماهيري لعلمه بحتمية ارتداده عليه. وهذا ما حدث بالفعل، حيث سمح بخروج عدة مظاهرات تضامنية في بداية العدوان، ولكنها سرعان مع هتفت ضده بجانب هتافها ضد الصهاينة. وقد منع بعدها كل مظاهر التضامن مع فلسطين إلا عندما يتأكد بشكل كامل من خضوعها لسقفه، مع قمع عشرات الشباب الذين ما يزالون في السجون حتى اليوم.
وهناك عامل آخر يدفع النظام المصري إلى رفض مخطط التهجير، فالنظام ينظر بقلق بالغ إلى تمدد إسرائيل أكثر من ذلك، ويعلم أن دوره سوف يأتي في المستقبل إن سُمح لها بالتمدد في الحاضر. كما إنه يعلم جيدًا إن تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء هو بداية القصة وليس نهايتها. فحينها سيدخل الفلسطينيون يحملون الغضب والكراهية ليس فقط ضد إسرائيل كالعادة بل وأيضًا ضد النظام المصري الذي سمح بتهجيرهم، مع كل خبراتهم القتالية وأسلحتهم، وسرعان ما سوف يعيدون بناء بنيتهم التحتية في صحراء سيناء الشاسعة، وحينها سوف يشنون الهجمات على إسرائيل، والتي بدورها سترد عليهم.
إن هذا سيورط النظام المصري في مواجهة مباشرة مع الفلسطينيين أو مع إسرائيل، وهما احتمالان لا ترغب الطبقة الرأسمالية السائدة ونظامها فيهما بالتساوي نظرًا إلى مخاطرهما الواسعة. وقد فهم السيسي ذلك من اليوم الأول للعدوان عندما قال في مؤتمره مع المستشار الألماني شولتز الذي انعقد بعد أيام قليلة من بداية العدوان يوم 18 أكتوبر عام 2023:
“إن نقل المواطنين الفلسطينيين من القطاع إلى سيناء ببساطة خالص عبارة عن إن احنا بننقل فكرة المقاومة، فكرة القتال، من قطاع غزة إلى سيناء، وبالتالي تصبح سيناء هي قاعدة لانطلاق العمليات ضد إسرائيل، وفي الحالة دي حيبقى من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها وعن أمنها القومي، تقوم في إطار رد فعلها تتعامل مع مصر، وتقوم بتوجيه ضربات للأراضي المصرية.”
إنه هنا يحذر من أن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء سيؤدي إلى دفع مصر مرة أخرى إلى خط المواجهة مع إسرائيل، وهو محق في ذلك. وهو هنا لا يرى المجهول ولا يتنبأ بما لم نره من قبل، فهذا ما حدث في تجربة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان، وبالتأكيد يضع هذه التجارب نصب عينيه.
ولهذا عمل النظام المصري منذ بداية العدوان على تقديم كل الاقتراحات الممكنة وغير الممكنة إلى إسرائيل وأمريكا، وهو ما كان دائمًا يقابل بالتجاهل. وكان من أبرز الاقتراحات جدية هو ما عبر عنه السيسي في نفس المؤتمر مع المستشار الألماني شولتز بـ” إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وطرحنا ده، أن تكون فيه قوات أممية أو من الناتو أو قوات عربية تضمن أمن واستقرار كل من الشعب الإسرائيلي والمواطن الإسرائيلي والشعب الفلسطيني والمواطن الفلسطيني”. ومن الممكن أن يتم تضمين هذا المقترح بشكل أو بآخر في الخطة المصرية التي تُطبخ الآن.
إن رائحة الخيانة تطفح من كل مسام النظام. فهو يطالب بأن يشترك الجميع، بمن فيهم الجيوش العربية في قمع الشعب الفلسطيني، في ظل استقلال وهمي، بدلًا من التماس المباشر والدائم بين الجيش الصهيوني والجماهير الفلسطينية الذي يُنتج توترات دائمة لا تريدها الطبقات السائدة في المنطقة. مع التأكد من نزع سلاح الفصائل الفلسطينية. ولكن اشتراك الجيوش العربية في حكم قطاع غزة لن يؤدي سوى إلى إراقة مزيد من الدم الفلسطيني بيد “الأشقاء”.
إن هذا الطرح يهدف إلى تحويل غزة إلى ضفة غربية أخرى تكون مرتعًا للقوات الصهيونية وعصابات المستوطنين الفاشية، لكي ترتاح الطبقات السائدة في المنطقة من عامل الراديكالية الفلسطيني.
والآن مع طرح مخطط التهجير بشكل فج وواضح لا يوجد أمام النظام المصري إلا اختيارين: إما إثارة حفيظة الصهاينة والولايات المتحدة مع احتمالية التعرض إلى ضغوط، وإما إثارة غضب الجماهير والسقوط لا محالة. ويبدو أنه يفضل الاختيار الأول، وهو الاختيار الصائب بناءً على مصالحه بالطبع. فإثارة حفيظة إسرائيل والولايات المتحدة يمكن تحمل تبعاته إلى حين انقشاع غيوم المعركة، كما إنه ينفض عنه التبعية والعمالة الواضحة، ويستخدمه من أجل تلميع صورته أمام الجماهير التي تكون شديدة الحساسية في وقت الحرب أكثر من وقت “السلم”، أما الانفضاح أمام الجماهير وإثارة لهيب غضبها في وقت تطاير فيه جثث الشعب الفلسطيني أمام أعينها يعني أن أيامه باتت معدودة.
مآلات المستقبل
إن الوضع شديد الحساسية بالنسبة للنظام، وهو يقاوم بكل ما أوتي من قوة ضغوط ترامب. ويبدو أنه ناجح في ذلك، حتى الآن على الأقل. وقد ساعده صلف الإسرائيليين الذين ورطوا الأردن والسعودية بألا يتصدر وحيدًا معارضة الإمبريالية الأمريكية.
وقد لاحظ العالم في السنوات القليلة الماضية الضعف النسبي الذي أصاب الإمبريالية الأمريكية على الساحة العالمية: من أوكرانيا إلى سوريا، ومن العراق إلى أفغانستان. إن هذا الضعف النسبي للإمبريالية الأمريكية يوفر هامش مناورة للأنظمة التابعة والقوى الإقليمية، ويجلعها لا تخضع بالضرورة لكل طلباتها، خصوصًا عندما تكون هذه الطلبات مستحيلة التنفيذ وضد مصالح الطبقات السائدة المحلية، وطُرحت بمنتهى الوقاحة والإجرام مما يجعل من المميت لهذه الأنظمة الرضوخ لها أمام جماهيرها، بالضبط كما طرحها ترامب.

إن النظام المصري يصعد من خطاباته المناهضة للتهجير، بل ويلوح بسقوط معاهدة كامب ديفيد، وهي معاهدة السلام الأهم بالنسبة إلى إسرائيل، وهو بهذا يحاول أن يوصل رسالة إلى الإمبريالية الأمريكية إن التهجير يعني اضطراب المنطقة برمتها.
هنا نقطة مهمة يجب أن ندركها جيدًا. فلو فشل مخطط التهجير الحالي -وهو احتمال وارد- قد نشهد فترة من استتباب الوضع للديكتاتورية العسكرية الحاكمة، واستمرار انحصار التحركات العمالية في جبهة المطالب الاقتصادية فقط، وهذا بعد أن انفتحت الفترة الماضية احتمالية انتقال النضالات الاقتصادية إلى نضال سياسي.
حيث يستخدم النظام الآن ضغوط الإمبريالية الأمريكية من أجل الترويج لنفسه على أنه حامي الجماهير ضد الفوضى والمناهض للهيمنة الغربية والمدافع عن السيادة الوطنية، والآن مانع التهجير. وهو بهذا يهدف إلى خلق نوعًا من “الوحدة الوطنية” في الداخل المصري. والحقيقة إن طرح ترامب خطة التهجير بتلك الوقاحة ومعارضة النظام له زاد من الدعم الجماهيري للنظام في مواجهة عاصفة الإمبريالية التي تود أن تُقبر الفلسطينيين على حساب المصريين.
إن هذا الخطاب يلقى صدى معين بين الجماهير نظرًا لكرهها الطبيعي للإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية، خصوصًا مع غياب أي صوت عمالي وثوري مستقل. وكلما زادت ضغوط الإمبريالية فيما يخص التهجير والقضية الفلسطينية سيزيد رصيد الديكتاتورية من الاستقرار. حيث ستنظر الجماهير في هذه الحالة إلى الديكتاتورية العسكرية باعتبارها أهون الشرين في مقابل أهوال التدخلات الإمبريالية والاضطرابات الإقليمية.
وهذا منطقي، فالجماهير تنظر للإمبريالية الأمريكية باعتبارها الشيطان الأعظم، وهم على حق فهي بالفعل القوة الأكثر رجعية في العالم، والإمبريالية الإسرائيلية هي القوة الأكثر رجعية ودموية في المنطقة. ولهذا نقول إن تدخلات الإمبريالية هي من أهم العوامل المعيقة للثورة في المنطقة، ونرفع دائمًا شعارات: لا للتدخلات الإمبريالية، ولا للعقوبات الاقتصادية.
لو فشل مخطط التهجير الحالي ستُقام الأفراح والليالي الملاح في كل شاشات التلفزيون ومنصات الدولة على وسائل التواصل الاجتماعي على شرف “القائد” المفدى والعسكري المغوار الذي منع التهجير وصان التراب الوطني. في هذه الحالة من المرجح أن تتمتع الديكتاتورية العسكرية بفترة هادئة نسبيًا، ولكن من الغير المرجح أن تطول كثيرًا نظرًا لأنه حتى في قلب العاصفة تدور الآن عدة إضرابات عمالية من أجل تطبيق الحد الأدنى للأجور، ونظرًا إلى عمق الأزمة الرأسمالية في مصر والعالم. ولكن سيرورة الثورة سوف تتعرقل قليلًا بعد تسارعها في السنوات القليلة الماضية.

ولكن، إذا ما نجحت الإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية في إخضاع الديكتاتورية العسكرية في مصر وتنفيذ مخطط التهجير فسوف تسقط ورقة التوت التي تغطي عفن النظام، وسوف تنفتح فترة ثورية في مصر من المرجح جدًا أن يسقط النظام فيها. كما ستسود الاضطرابات الاجتماعية والتحولات الثورية المنطقة برمتها. حيث ستكون هذه هي القشة التي ستقسم ظهر بعير الجماهير المثقل بالفقر والقمع والإحباطات. وستتحول القضية الفلسطينية إلى نقطة مرجعية لكل التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ظلت تتراكم تحت السطح طيلة العشر سنوات الماضية.
برنامج عمالي من أجل مناهضة آلة الحرب الإسرائيلية والأمريكية
من المهم الآن أن ترفع كل القوى العمالية واليسارية برنامجًا مناهضًا لآلة الحرب الإسرائيلية والأمريكية، ومناهضًا لتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه، ويكون برنامج قائم على أساس عمالي مستقل وليس قائم على تذيل الديكتاتورية العسكرية الحاكمة التي دفعت بالقضية الفلسطينية إلى حافة الهاوية، ونزعت من الجماهير والعمال كل سبل المقاومة الجماهيرية الفعالة، والتي كانت من الممكن للغاية أن توقف آلة الحرب والهمجية.
إن نقطة البداية يجب أن تكون هي رفع مطلب قطع العلاقات (التجارية والسياسية) بين مصر وإسرائيل. لا يصح أن يُقتل الشعب الفلسطيني ويُدفع للتهجير في حين يتربح مجموعة من مصاصي الدماء الرأسماليين في مصر بتجارتهم مع الصهاينة. ولا يجوز أن تتبرع آلاف الأسر المصرية من عرق جبينها ومن طعام أطفالها إلى قوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية إلى غزة بينما يُغيث مصاصي الدماء الرأسماليين في مصر الصهاينة. بل ويجب أيضًا مصادرة الشركات والمصانع التي تربحت من التجارة مع الصهاينة في ظل المذبحة، ووضعها تحت رقابة العمال.

بالإضافة إلى رفع مطلب ألا تتحول قناة السويس إلى ممر عبور الأسلحة إلى الدولة الصهيونية لكي تنفذ بها مجازرها بحق الشعب الفلسطيني، وعدوانها على بقية بلدان المنطقة. إن هذا يُعد مشاركة فعالة في المجزرة الصهيونية بحق غزة وليس مجرد تواطؤ. إن المشهد المذل لعبور السفينة الحربية الإسرائيلية قناة السويس في حين تتساقط الصواريخ على رؤوس الفلسطينيين يجب ألا يمر مرور الكرام، ويجب الدفع بكل قوة من أجل عدم تكراره.
يجب أن يقترن هذا بمطلب ضرورة الإفراج عن المعتقلين السياسيين على خلفية التضامن مع فلسطين، وأن نعمل على انتزاع حريتنا السياسية والنقابية انطلاقًا من القضية الأهم الآن: القضية الفلسطينية ومسألة التهجير. يجب الدفع من أجل تنظيم الطبقة العاملة من أجل إدخال المساعدات وتوفير الرعاية الصحية للمصابين في القطاع، وإعادة إعماره، وهذا تحت إشراف وتنظيم النقابات العمالية والمهنية. وفي هذا الصدد نحيي دعوة نقيب المهندسين، طارق النبراوي، إلى تشكيل لجنة فنية من أجل دراسة إعادة إعمار غزة، ولكن المهم هو الدفع من أجل أن تكون هذه اللجنة فاعلة حقًا، وليست شكلية ورهنًا وتابعًا للسلطة.
إننا لا نتوجه بهذه المطالب إلى النظام أو مصاصي الدماء الرأسماليين، فنحن ندرك جيدًا إنهم لن يوافقوا عليها لأنها ضد مصالحهم الطبقية والسلطوية، وسوف يقمع النظام من يدفع إليها إن اقتضت الضرورة كما قمع المتضامنين مع فلسطين منذ بداية العدوان.
بل نتوجه بها إلى الحركة العمالية والنقابية التي يجب أن ترفع هذه المطالب عاليًا وتعمل على تنفيذها بالأساليب العمالية والجماهيرية مثل: المؤتمرات التضامنية والوقفات الاحتجاجية في أماكن العمل والنقابات والإضرابات العمالية، وتنسيق العمل بين النقابات المهنية والعمالية. وفي هذا الصدد من الممكن أن تؤدي نقابة الصحفيين -وغيرها من النقابات ذات الحضور المستقل الوزان مثل المهندسين والأطباء- دورًا بارزًا ونقطة بداية لهذه الجبهة العمالية والجماهيرية.
إن الطبقة العاملة في مصر -والمنطقة والعالم- تمتلك قوة مهولة تمكنها من إيقاف آلة الحرب الصهيونية، ولكنها لم تعبر عن نفسها حتى الآن. لو كان للطبقة العاملة المصرية قيادة ثورية لكان يمكن استخدام كافة الوسائل والإمكانات الاقتصادية والسياسية والعسكرية من أجل نصرة فلسطين، ولكانت تحولت مصر من تابع ذليل يحاول أن يقاوم ضغوط سيده الإمبريالي الأمريكي والإسرائيلي إلى خط دفاع حقيقي عن الشعب الفلسطيني وحقوقه، ولكانت حوصرت وقطعت المصالح الإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، بالإضافة إلى توجيه الطبقة العاملة المصرية نداءً طبقيًا لكل عمال العالم من أجل حصار ومقاطعة آلة الحرب الإسرائيلية، أي هؤلاء العمال الذين بدؤوا في التحرك بالفعل في المظاهرات المنتشرة في كل بلدان العالم، والذي شنوا إضرابات في عدة موانئ من أجل رفض شحن السفن المحملة بالأسلحة إلى إسرائيل.
إن هناك الكثير والكثير مما تستطيع أن تقدمه الطبقة العاملة المصرية، بالتعاون مع الطبقة العاملة العالمية، للقضية الفلسطينية، وكل ما يعوقها هو استمرار سيطرة الرأسمالية على السلطة في كل البلدان، وهو ما يشكل عائقًا كبيرًا لأي تطور للحركة الفلسطينية ولأي استراتيجية فعالة لمواجهة الدولة الصهيونية. بالإضافة إلى سيطرة قيادات خائنة على النقابات العمالية والحركة اليسارية والعمالية، وهو ما يجب على الحركة العمالية واليسارية تجاوزه.
من أجل جبهة عمالية وجماهيرية!
من أجل قطع كل العلاقات التجارية والسياسية بالدولة الصهيونية!
من أجل مصادرة الشركات والمصانع التي تربحت من التجارة مع الصهاينة على حساب الدم الفلسطيني!
من أجل منع السفن الحربية الصهيونية ومن يعاونها من عبور قناة السويس!
من أجل تنظيم الطبقة العاملة لنصرة الشعب الفلسطيني!
خاتمة
إن دور الشيوعيين الثوريين في هذه اللحظة هي فضح أكاذيب النظام وادعاءاته حول مناصرة القضية الفلسطينية وكل أوهام السيادة الوطنية. يجب أن نحصن أنفسنا ضد فيروس “الاصطفاف الوطني” الذي دائمًا ما يصيب الناصريين والقوميين والاصلاحيين، كما يجب ألا نفقد توازننا وأن نبقى مرتبطين بالطبقة العاملة كما هي بالفعل وليس كما نتمناها.
إن هناك رغبة عميقة لدى الجماهير العاملة لنصرة الشعب الفلسطيني، ولكن ما يكبل هذه الرغبة هي الدكتاتورية العسكرية الحاكمة الجاثمة على صدر الشعب المصري، ومصالح الرأسمالية المصرية القذرة المرتبطة بآلاف الخيوط بالإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية. إن الطبقة السائدة الرأسمالية في مصر ونظامها العسكري هما العقبة الأهم والأكبر في طريق نصرة الشعب الفلسطيني وتحرره، ولهذا لا بد من إسقاطها بثورة اشتراكية تمثل نقيض ما يمثله النظام الرأسمالي المصري المنحط.
من المهم أن نعرف إن وقف إطلاق النار وفشل مخطط التهجير الحالي لن يعني الخير للشعب الفلسطيني، بالرغم من أهميته بالطبع. ولكنه لن ينهي الاحتلال والقتل والمعاناة والحصار والاستيطان، فهو لن يعني أكثر من بقاء الفلسطينيين في ظروف البدائية يفترشون الخيام فريسة لآلة القتل الصهيونية في ظل التدمير الواسع للقطاع، ويجعلهم رهنًا لإرادة الدولة الصهيونية في إكمال الاتفاق، ورهنًا لرضاء القوى الإقليمية “الضامنة” عليهم.
كما من المهم أن ندرك إنه حتى لو توصلت إسرائيل والفصائل الفلسطينية إلى اتفاق “دائم” لوقف إطلاق النار، فهو سيكون “دائمًا” إلى حين اندلاع الصراع مرة أخرى، وتاريخ القضية الفلسطينية خير دليل على ذلك. لأن الدولة الصهيونية قائمة بالأساس على قمع وقتل وتشريد الفلسطينيين، ولا يمكن أن تمنح الفلسطينيين حقوقهم، وأي حل على أساس رأسمالي سوف يتضمن القتل والتهجير والتشريد للفلسطينيين، ولهذا يجب إسقاط الدولة الصهيونية الرأسمالية في إسرائيل. وفي نفس الوقت، طالما إن الشعب الفلسطيني المقهور والمضطهَد لم يحصل على حقه في وطن وفي حياة كريمة وإنسانية فسوف يظل ينتفض ويقاوم دائمًا.
من الصعب تخيل إمكانية تحرير فلسطين دون تحول ثوري في المنطقة يُسقط الحكومات الخائنة والخانعة التي تحاصر الفلسطينيين، كما تقمع شعوبها وتفقرهم وتجعلهم رهينة للقوى الإمبريالية. لا يمكن هزيمة الدولة الصهيونية وتحرير فلسطين إلا بإشراك جماهير المنطقة في الصراع، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا بنضال طبقي وثوري، أي لا يمكن أن تتحرر فلسطين إلا في سياق نضال ثوري ضد الرأسمالية والإمبريالية في المنطقة والعالم يمتد إلى فلسطين، وهو ما سيكون له تأثيرًا كبيرًا على الدولة الصهيونية والمجتمع الإسرائيلي نفسه.
إن تحرر فلسطين، في نهاية المطاف، سيظل هدف بعيد المنال طالما ظلت الطبقات السائدة الرأسمالية قائمة في المنطقة والعالم. حيث لا يمكن حل هذه القضية المركزية في ظل الرأسمالية، ويتطلب حلها إسقاط كل الأنظمة الرأسمالية الرجعية في المنطقة، وعلى رأسها النظام الرأسمالي الصهيوني المجرم في إسرائيل، بالإضافة إلى الأنظمة الرأسمالية الرجعية العربية، من أجل بناء فدرالية اشتراكية لكل شعوب الشرق الأوسط.
إن مفتاح تحرر فلسطين هو انتصار الثورة الاشتراكية في بلد مهم مثل مصر والأردن، أو في بلد إمبريالي مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، يتغير بموجبه ميزان القوى في المنطقة والعالم لمصلحة الشعب الفلسطيني لأول مرة منذ النكبة.
إننا الآن في مرحلة دقيقة للغاية، ومجددًا تسبقنا الحركة، فلو كان هناك حزب شيوعي ثوري قوي في مصر لكان اختلف الوضع كليًا. لهذا فإن المهمة الأهم والأكثر إلحاحًا لكل الثوريين/ات والشيوعيين/ات في مصر الآن ما تزال هي العمل على بناء حزبهم الشيوعي الثوري القائم على النظرية الماركسية الصحيحة، وفي هذا السياق من المهم بمكان دراسة القضية الفلسطينية والرؤية الشيوعية الثورية لحلها. حيث مجددًا تتضح حقيقة إن حل القضية الفلسطينية مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمسار الثورة في مصر والمنطقة. ولا بديل عن العمل الشاق من أجل بناء الحزب الشيوعي الثوري الذي سيكون قادرًا على تغيير طبيعة الصراع الطبقي في مصر والمنطقة إلى الأبد، والذي ندعوكم إلى الانضمام إلينا في بنائه.
لا للتهجير!
عاشت فلسطين حرة!
تسقط الدولة الصهيونية!
تسقط الإمبريالية الأمريكية!
أفرجوا عن المتضامنين مع القضية الفلسطينية!
الحرية للمعتقلين السياسيين!
تسقط الحكومات العربية العميلة!
تسقط النظام الرأسمالي!
من أجل فدرالية اشتراكية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، جزء من فدرالية اشتراكية عالمية!
النداء الاشتراكي – مصر
20 فبراير/شباط 2025