الرئيسية / الأممية الشيوعية الثورية / بيانات ومنظورات / رئاسة ترامب تخلق اضطرابات هائلة في جميع أنحاء العالم

رئاسة ترامب تخلق اضطرابات هائلة في جميع أنحاء العالم

ننشر فيما يلي الجزء الأول من سلسلة مكونة من ثلاثة أجزاء لخطاب حول المنظورات العالمية، ألقاه الرفيق خورخي مارتن، يوم الثلاثاء 28 يناير، في اجتماع اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية الثورية.


كما يقولون في الطائرات، “سيداتي وسادتي، يرجى البقاء جالسين مع ربط أحزمة الأمان، لأننا دخلنا منطقة مضطربة”.

لم يمض سوى أسبوع واحد منذ تولى ترامب السلطة، ولم تمر إلا أسابيع قليلة منذ انتخابه في نوفمبر، فإذا بالوضع العالمي قد تحول بأكمله.

لقد شهدنا -من وجهة نظر تصرفات ترامب فقط- وقف إطلاق النار في غزة، والتهديد بالعمل العسكري ضد الدنمارك التي هي بلد عضو في حلف شمال الأطلسي وحليف للولايات المتحدة، وبنما. وسمعنا فكرة أنه يجب أن تصير كندا الولاية رقم 51 للولايات المتحدة، أي ضم الجار الشمالي العضو في حلف شمال الأطلسي.

وليس كل هذا سوى غيض من فيض. إن ما نراه حقا هو تسارع هائل في وتيرة الأحداث في العلاقات العالمية والاقتصاد والسياسة. ومن الواضح أن هذا يؤثر على الوعي أيضا.

بالطبع ليس ترامب هو السبب في كل هذا. إنه بالتأكيد أحد أعراض السيرورات العميقة التي تحدث، لكنه في الوقت نفسه عامل يسرع الأحداث بشكل هائل. لا شك في ذلك.

وبالإضافة إلى الأحداث التي أثارتها تصرفاته، فقد شهدنا في الأسابيع القليلة الماضية أيضا عددا من الأحداث الأخرى: سقوط الحكومة في فرنسا، وسقوط الحكومة في ألمانيا، وسقوط الحكومة في كندا. كما شهدنا إلغاء الانتخابات في رومانيا، والذي كان من شأنه، في أي ظرف آخر، أن يكون حدثا كبيرا، لكنه الآن طغت عليه كل تلك الأحداث الأخرى الأكثر أهمية.

وأمس شهدنا انهيار أسهم التكنولوجيا في السوق الأمريكية. فقد خسرت شركة إنفيديا للتكنولوجيا أكثر من 600 مليار دولار من قيمتها السوقية. وذلك في يوم واحد فقط. هذا أكبر سقوط تشهده أي شركة في يوم واحد، من حيث مقدار الأموال المفقودة، في التاريخ.

الكثير من هذه الأمور مدهشة في حد ذاتها. فقد رأينا، على سبيل المثال، مكالمة هاتفية بين ترامب وفريدريكسن، رئيسة الوزراء الدنماركية، حول رغبة ترامب في ضم غرينلاند، والتي لم تسر على ما يرام على ما يبدو. ووفقا لصحيفة فاينانشال تايمز، التي نقلت عن بعض المصادر الدنماركية، فقد قالت فريدريكسن إنهم صُدموا وأنهم أدركوا الآن أن هذا أمر جدي!

هذه هي المسألة، فترامب بسبب أسلوبه، يمكنك أن تعتقد أنه يتحدث فقط. أو أن كلامه مجرد بداية للمفاوضات. لكنه ليس مجرد مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي. إنه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، القوة الإمبريالية الأكثر أهمية وقوة على وجه الأرض. وبالتالي فإنه عندما يقول شيئا ما، فقد يكون متهورا بعض الشيء في الطريقة التي يقوله بها، لكن عليك أن تنتبه لما يقوله.

قال معلق برجوازي نقلت عنه صحيفة نيويورك تايمز: “لا ينبغي لك أن تأخذ ما يقوله ترامب حرفيا، لكن عليك أن تأخذه على محمل الجد”.

وكما لو أن كل هذا لم يكن كافيا، فقد شهدنا بالأمس صداما بين ترامب وكولومبيا. كان صداما قصير الأمد، لكنني أعتقد أنه كان معبرا للغاية. فقد قام الرئيس الكولومبي بيترو بنشر تغريدة في الرابعة صباحا يحتج فيها على معاملة المهاجرين الكولومبيين المرحلين من قبل الولايات المتحدة. إنهم يتعرضون لمعاملة سيئة. وهو من وجهة نظر ترامب سلوك استعراضي. إنه يحاول أن يظهر أنه يرحل الناس، من خلال معاملتهم كمجرمين يجب ترحيلهم وتقييدهم بالأغلال والأصفاد.

لقد احتج الرئيس الكولومبي بيترو، وأعلن أنه لن يسمح لطائرتين عسكريتين أمريكيتين كانتا تنقلان مهاجرين كولومبيين بالهبوط في البلاد. كانت إحدى الطائرتين في الجو بالفعل، على ما يبدو. فماذا حدث بعد ذلك؟ أصدر ترامب منشورا على وسائل التواصل الاجتماعي يقول فيه إن “الرئيس الاشتراكي لكولومبيا، الذي لا يحظى أصلا بشعبية كبيرة بين شعبه” قرر رفض تلك الطائرات، وبالتالي فإنه سيفرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على جميع السلع الكولومبية، اعتبارا من الآن.

وأضاف أنه سيسحب التأشيرات وتصاريح الدخول إلى الولايات المتحدة من الرئيس بيترو وحكومته وأسرهم. وكل مؤيديهم! أي ملايين الأشخاص!

كما وجه عددا من التهديدات الأخرى. لكنها في الواقع لم تكن مجرد تهديدات. فقد بدأ على الفور في التصرف بناء عليها. ففي اليوم التالي كان هناك حوالي 1500 شخص لديهم مواعيد لتقديم طلبات التأشيرة في السفارة الأمريكية في بوغوتا. فتم بعث رسائل إليهم تفيد بإلغاء جميع المواعيد.

رد بيترو بأن هذا غير مقبول وأن كولومبيا ستفرض تعريفات متبادلة على جميع الواردات الأمريكية. وعلاوة على ذلك فقد قرر إصدار منشور طويل جدا على وسائل التواصل الاجتماعي. لا أعرف ما إذا كنتم قد رأيتموه، قال فيه الكثير من الأشياء. وأشار إلى تراث ساكو وفانزيتي [مناضلين لاسلطويين إيطاليين أُعدما في الولايات المتحدة]، ووصف ترامب بأنه “مالك أبيض للعبيد” وقال إنه لن يصافحه.

ومع ذلك، فبحلول نهاية اليوم، اضطر بيترو إلى التراجع على طول الخط، وأصدر ترامب منشورا آخر على وسائل التواصل الاجتماعي يقول فيه إنه علمه درسا، وأن “أمريكا صارت تحظى بالاحترام مرة أخرى”.

صدر مقال اليوم في صحيفة نيويورك تايمز يصف هذا الصدام، وعنوانه هو “وراء انفجار كولومبيا: رسم خرائط لتكتيكات ترامب للتصعيد السريع”، وتقول الفقرة الافتتاحية:

“لم تكن هناك اجتماعات في غرفة العمليات ولا مكالمات هادئة لتهدئة النزاع مع الحليف. كانت هناك فقط تهديدات وتهديدات مضادة ثم استسلام، ومؤشر على النهج الذي سيتخذه الرئيس تجاه غرينلاند وبنما”.

أدلى السفير الأمريكي السابق، تشارلز فريمان، بملاحظة مثيرة للاهتمام حول ترامب، حيث قال عنه إنه رجل أعمال. إنه لا يعرف ولا يهتم بمعايير الدبلوماسية والعلاقات الدولية بين البلدان، والإجراءات الرسمية والبروتوكول، وكل ذلك. وأضاف أنه ليس مجرد رجل أعمال. خلفيته في مجال العقارات في نيويورك. وهذا قطاع لا توجد فيه أية قواعد أخلاقية على الإطلاق. وكله يعتمد على التنمر والطعن في الظهر.

يبدو بالتأكيد أن هذا هو أسلوب ترامب الذي هو الآن رئيس الولايات المتحدة. وبالطبع فإن هذا له تأثير. من الواضح أن هناك عنصر قوي من هذا في تصرفاته التي قد تبدو أحيانا غير متوقعة. لكن يوجد بالطبع منطق وراء جنونه. ولهذا السبب نحتاج إلى مناقشة ما وراء كل هذا.

حرب ترامب ضد “الدولة العميقة”

يشعر ترامب أنه عندما كان في منصب الرئيس لأول مرة، حاول استيعاب مختلف أجنحة الحزب، وحاول العمل ضمن قواعد الدولة. وأنه نتيجة لذلك تعرض للعرقلة والحصار من طرف ما وصفه بـ “الدولة العميقة” وتم منعه من تنفيذ أجندته الحقيقية. وهناك عنصر من الحقيقة في هذا الاسم.

لكنه الآن أقوى مما كان عليه في المرة الأولى. لديه الآن سيطرة كاملة، أو دعنا نقل سيطرة ساحقة، على الحزب الجمهوري، أكثر بكثير مما كان عليه الحال في عام 2016.

ومن المؤكد أنه يتمتع بسلطة سياسية أكبر بكثير، وهو أقل استعدادا لتقديم أية تنازلات أو السماح لأشخاص آخرين بأن يملوا عليه السياسة التي عليه تطبيقها. وليس عليكم سوى أن تنظروا إلى بعض التدابير الأخرى التي اتخذها في الأسبوع الماضي.

يوم الأربعاء الماضي تم إرسال مسؤولين في مجلس الأمن القومي إلى منازلهم، بعضهم في إجازة وبعضهم الآخر في حالة إيقاف. وهؤلاء هم الأشخاص الذين يقدمون المشورة للحكومة بشأن قضايا مثل إيران وكوريا الشمالية وأوكرانيا والشرق الأوسط بشكل عام، وعدد كبير من الأشياء الأخرى. كان القرار سريعا للغاية، لدرجة أن بعضهم، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز، لم يتمكنوا من مغادرة المبنى، لأن تصاريحهم تم إبطالها حتى قبل أن يتم إخبارهم بأنه سيتم تسريحهم.

ثم في يوم الاثنين، وقع الرئيس ترامب على أمر تنفيذي، بتعليق جميع المساعدات الأجنبية لمدة 90 يوما، في انتظار مراجعة كاملة. فتم تعليق جميع المساعدات الأجنبية وقيل للأشخاص الذين يعملون في المنظمات غير الحكومية في جميع أنحاء العالم، “لا تنفقوا سنتا واحدا من الآن فصاعدا حتى إشعار آخر”. وقد حدث ذعر كبير في أوكرانيا حول ما إذا كان هذا سيؤثر على المساعدات العسكرية أم لا. وكانت هناك الكثير من المشاورات طوال الأسبوع حول هذا الموضوع.

قال ترامب إن هذه التدابير كانت للتأكد من أن الجميع على دراية بسياساته. كما علق أيضا جميع برامج DEI  (برامج “التنوع والمساواة والإدماج”)، ولم يكتف بذلك، بل أصدر تعليماته للموظفين الحكوميين بالإبلاغ عن زملائهم إذا حاولوا بطريقة ما الحفاظ على سياسات مثل هذه، رغم أوامره. وتم إنشاء عنوان بريد إلكتروني سري حيث يمكن للأشخاص الإبلاغ عن زملائهم في القطاعات الحكومية.

إنه في حالة حرب مع المؤسسة الرسمية وما يسميه “الدولة العميقة”. هذا لا يعني بالضرورة أنه سيفوز في جميع المناسبات، لأن الدولة الرأسمالية قوية جدا. لكن وبغض النظر عن النتيجة، فمن الواضح أنه في حالة حرب معها وقد قرر الدفاع عن أجندته، أيا كانت.

نحن أمام تغيير حاسم في الوضع العالمي، وهو تغيير له العديد من الآثار المهمة.

يشكل انتخاب ترامب، الذي تم قبل شهرين فقط -والذي يبدو الآن وكأنه قد حدث منذ فترة طويلة!- تغيرا كبيرا في حد ذاته. وقد استخدمت الطبقة السائدة في الولايات المتحدة والمؤسسة الأمريكية كل الحيل التي في ترسانتها لمنعه من الفوز في تلك الانتخابات. ومع ذلك، فقد فاز. وفاز بنصر مقنع للغاية.

ماذا يعني ذلك؟ لقد رأينا الليبراليين ووسائل الإعلام وما يسمى باليسار يطلقون صرخات عالية قائلين إن ذلك يمثل “تحولا نحو اليمين” في الولايات المتحدة، وأنه جزء من تحول عام نحو اليمين في السياسة العالمية.

لكن هذا لا يفسر شيئا. لأنه إذا قبلت هذه الحجة، فماذا تعني؟ هل كان بايدن يساريا؟ هذا هو المعنى الضمني. دعونا ننظر إلى السياسة الخارجية: لقد كان ترامب “مرشح السلام”، بينما كان بايدن مرشح الحرب. وقد لعبت هذه المسألة دورا في نتيجة الانتخابات، وخاصة في عدد من المناطق ذات النسبة العالية من الناخبين المسلمين والعرب.

بالطبع هناك عناصر رجعية مكنت ترامب من النجاح. لكنها في حد ذاتها لا تفسر أسباب انتصاره. وعلى سبيل المثال فقد كانت هناك العديد من الولايات التي فاز فيها ترامب، أو ارتفعت فيها الأصوات لصالحه بشكل كبير، والتي صوتت في نفس الوقت لصالح المبادرات التشريعية لأجل ترسيخ حقوق الإجهاض في قانون الولايات. وشمل ذلك فلوريدا، حيث حصل التصويت المؤيد للإجهاض على نتيجة أعلى من النتيجة التي حصلت عليها [كامالا] هاريس، على الرغم من أنها لم تصل إلى الحد الأدنى المطلوب.

إن ما شرحناه، وأعتقد أنه صحيح تماما، هو أن السبب الرئيسي وراء فوز ترامب، هو أنه كان قادرا على التقاط ذلك المزاج العميق والواسع الانتشار المناهض للمؤسسة الموجود في الولايات المتحدة، والاتصال به وتوجيهه.

نفس المزاج موجود أيضا في العديد من البلدان الرأسمالية المتقدمة الأخرى. إنه يعبر عن نفسه بطرق مختلفة عديدة. والمؤشر الآخر على ذلك، والذي كان لافتا للغاية، هو رد الفعل على اغتيال الرئيس التنفيذي لشركة United Healthcare على يد لويجي مانجيوني. كان الاغتيال في حد ذاته حدثا مهما، لكن رد فعل الناس على الاغتيال كان أكثر أهمية، حيث كان عبارة عن رد فعل متفهم ومتعاطف؛ ليس مع الرئيس التنفيذي بل مع مانجيوني.

لقد أصبح نوعا من البطل الشعبي. ولم يكن رد الفعل هذا مقتصرا على الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم يساريين فحسب، بل وأيضا العديد من الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم محافظين وجمهوريين، بمن في ذلك العديد من أنصار ترامب. وهذه هي المسألة المهمة.

هذه ظاهرة غريبة للغاية، أليس كذلك؟ وترامب يركب موجة المزاج المناهض للمؤسسة الرسمية. إن هناك أزمة شرعية في كل المؤسسات البرجوازية. وهناك غضب ضد الشركات الكبرى، وضد الساسة من كل الأنواع، وضد الدولة وما إلى ذلك. لكنه ملياردير هو أيضا، والجميع يعلمون أنه ملياردير. كما أنه يحيط نفسه بأصحاب الملايير.

هذا تعبير مشوه للغاية عن ذلك المزاج. لكن من المؤكد أنه تعبير عنه. والسبب واضح أيضا، فقد شهدنا في كل من الولايات المتحدة وأوروبا الإفلاس الكامل لليسار، الذي وقف عاجزا تماما عن البناء اعتمادا على ذلك المزاج.

لقد خرجنا من فترة كانت فيها الشخصيات والأحزاب اليسارية المناهضة للمؤسسة تشهد صعودا في كل مكان في أوروبا وأمريكا، في أعقاب أزمة عام 2008 والحركات الضخمة المناهضة للتقشف في عام 2011. فبوديموس، سيريزا، ميلينشون، كوربين، ساندرز: كلهم ​​فشلوا بشكل كامل. وقد اتضح إفلاس أفكارهم الإصلاحية في الممارسة العملية بطريقة أو بأخرى.

وقد كان المثال الأكثر تطرفا هو حكومة سيريزا في عام 2015، لكن أيضا تأييد بيرني ساندرز لكلينتون في عام 2016. لقد استسلموا وتركوا المجال مفتوحا على مصراعيه لأشخاص مثل ترامب.

العلاقات العالمية

ما الذي سيفعله ترامب؟ أعتقد أنه حتى هو يجهل ما الذي سيفعله.

في خطاب تنصيبه قال “سنفعل أشياء ستصدم الناس”. والناس مصدومون بالتأكيد، على الأقل أنا مصدوم.

وقد قال فريد كيمبي، رئيس Atlantic Council، الذي هو مركز أبحاث يميني، إن ترامب “هو نتيجة وسبب” عصر جديد “سيتميز بمزيد من التدخل الحكومي، وقلة القضايا المشتركة، والمزيد من النزعة التجارية (Mercantilism)، وتراجع التجارة الحرة، والمزيد من تبجح القوى الكبرى”.

هناك بالفعل عنصر قوي من التبجح في الطريقة التي يتصرف بها ترامب. فالقوة الكبرى تُظهر للصغار من هو السيد. ويمكن رؤية ذلك بوضوح في الطريقة التي تعامل بها مع بيترو.

من الواضح أن الشخصيات تلعب دورا كبيرا في التاريخ. والمادية التاريخية لا تنفي ذلك، بل على العكس تؤكده.

وفي الوقت نفسه فإن ترامب هو أيضا انعكاس وتجسيد لاتجاهات أعمق في العلاقات العالمية والسياسة العالمية وأزمة الرأسمالية التي لا بد من تفسيرها.

لقد شرحنا تلك الاتجاهات الأساسية في وثيقة منظورات عالمية لعام 2023، وفي بيان الأممية الشيوعية الثورية وفي المقالات والمناقشات التي أجريناها حول المنظورات والعلاقات العالمية. لقد أدركنا أن الوضع العالمي يهيمن عليه:

أ) الانحدار النسبي للإمبريالية الأمريكية.

ب) صعود قوى إمبريالية جديدة وشابة وديناميكية مثل الصين، والتي بدأت هي أيضا إلى حد ما تصل إلى أقصى حدودها. ويمكننا أن ندرج روسيا ضمن هذه الفئة، بطريقة مختلفة وإلى حد ما.

ج) حقيقة أن هذه الاتجاهات تسمح لعدد من القوى المتوسطة بالتصرف بطريقة أكثر استقلالية، وموازنة كتلة ضد أخرى، وهو ما يمكن رؤيته في العديد من الحالات المختلفة، مثل تركيا والمملكة العربية السعودية والهند وغيرها.

لقد تحدثنا عن الانحدار النسبي للإمبريالية الأمريكية وصعود الصين التي تتحدى الولايات المتحدة للهيمنة على العالم. لكن هناك اتجاه آخر إضافي لم ننتبه إليه كثيرا، وهو الاتجاه الذي أصبح الآن في مركز المعادلة، وهو الأزمة طويلة الأمد للرأسمالية الأوروبية.

أعتقد أن هذا الإطار العام يسمح لنا بتفسير معنى السياسة الخارجية لترامب.

هناك بعض الاختلافات المهمة بين سياسته الخارجية وسياسة بايدن. كانت سياسة بايدن الخارجية تقوم على رفض الاعتراف بحدود القوة الأمريكية، ونتيجة لذلك الاستمرار بحماقة في محاولة الحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة على العالم بأسره.

استمرت تلك الهيمنة قائمة طيلة 30 عاما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لكنها لم تعد موجودة.

يمكن رؤية أحد مظاهر ذلك في حرب أوكرانيا. كانت فكرة الولايات المتحدة هو أنها ستهزم روسيا وتضعفها إلى الحد الذي لن تتمكن معه من غزو أي بلد آخر ضد إرادة واشنطن. وكان بايدن قد قام برحلة شهيرة إلى بولندا في بداية الحرب، حيث قال إن هدف الحرب في أوكرانيا هو تغيير النظام في موسكو.

ولدينا موقف مماثل في الشرق الأوسط، حيث أعطى بايدن لنتنياهو شيكا مفتوحا مع كل العواقب المترتبة على ذلك. وذلك على الرغم من أن بعض تلك العواقب لم تكن بالضرورة تصب في مصلحة الولايات المتحدة في المنطقة.

وعلى النقيض من ذلك فإن سياسة ترامب تتلخص في أن الولايات المتحدة بحاجة إلى الدفاع عن مصالحها الأمنية الوطنية. وأن الولايات المتحدة لديها مجال نفوذها الخاص، والذي يتركز بشكل أساسي في المحيط القريب وفي أمريكا الشمالية. وأنه يجب على الولايات المتحدة تعزيز موقفها هناك، بدلا من إنفاق الكثير من الأموال والرجال في خوض حروب في أماكن بعيدة لا تهم الولايات المتحدة.

وقد تحدث في مؤتمره الصحفي قبل تنصيبه، عن غرينلاند وقناة بنما وكندا والمكسيك.

وكجزء من تلك الخطة لتعزيز مكانة الولايات المتحدة والتركيز على مصالحها الأمنية الوطنية، أعلن أنه يريد إنهاء الحرب في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا. وهو ما قد يؤدي أيضا، ربما، إلى التقارب مع روسيا وفصلها عن الصين.

إنه يعتقد أن مثل هذه السياسة ستسمح للولايات المتحدة بالتركيز على ما يشكل التهديد الرئيسي لهيمنتها على العالم، أي: الصين. ويجب أن نعترف أن هذه السياسة، من وجهة نظر المصالح العامة للطبقة السائدة في الولايات المتحدة، هي أكثر منطقية بكثير من سياسة بايدن.

قد يكون بعضكم قد استمعوا إلى بودكاست Against the Stream وكانت لدينا فيه حلقة تحدثنا فيها كثيرا عن بودكاست لغيديون ريتشمان، وهو ليبرالي من فاينانشال تايمز، أجرى فيه مقابلة مع مستشار فريق ترامب في البنتاغون، دان كالدويل.

واعتقد أن ما قاله كالدويل كان مثيرا جدا للاهتمام. أول شيء قاله هو أنه من قدامى المحاربين في الجيش الأمريكي، وكان قد شارك في الحرب في العراق. هناك الكثير من هؤلاء، أليس كذلك؟ الكثير من قدامى المحاربين في الجيش الذين تم تسييسهم من خلال تجربتهم في المغامرات العسكرية الإمبريالية للولايات المتحدة. وهناك الكثير منهم بين أنصار ترامب ومستشاريه.

يشرح دان كالدويل أن الولايات المتحدة قد قتلت “ما يصل إلى مليون عربي وعراقي وسوري” وأنه تم “قتل أكثر من 4000 جندي أمريكي. إضافة إلى مقتل عدة آلاف آخرين من المتعاقدين”. وبالإضافة إلى ذلك فقد كانت “التكاليف المالية كبيرة. أكثر من 02 تريليون دولار وما زالت مستمرة لأن حرب العراق ما تزال مستمرة”. ويستنتج أن هذه “سياسة خارجية لا أعتقد أنه يمكن لأي شخص أن يقول إنها جعلت الولايات المتحدة أكثر أمانا، أو أنها جعلت العالم أكثر أمانا واستقرارا”.

ولذلك يخلص إلى أن الولايات المتحدة يجب ألا تنتهج هذه السياسة بعد الآن. يجب على الولايات المتحدة أن تركز على مصالحها الأمنية الوطنية الطبيعية. فيسأله الليبرالي غيديون ريتشمان، وهو في حالة من الذعر: “لكن ماذا عن أوكرانيا؟”.

قال ترامب إن حرب أوكرانيا لم يكن ينبغي أن تبدأ أصلا. وقال أيضا إن زيلينسكي لم يكن ينبغي له أن يذهب إلى الحرب أبدا لأن الروس لديهم دبابات أكثر بكثير من أوكرانيا. يمكنكم أن تستنتجوا من هذا طريقة تفكير ترامب: “لا تخض معركة مع عدو أكبر منك”. فموقفه يقوم على الاعتراف بميزان القوى.

وبالعودة إلى دان كالدويل، فإنه عندما سُئل عن أوكرانيا، قال: “للإجابة على سؤالك، وليس للتهرب منه، أقول إن الحرب مأساة. لكن بالنسبة للولايات المتحدة، فإن سيطرة روسيا على دونباس أو شبه جزيرة القرم من عدمها، لا تمثل مصلحة حيوية لنا”.

وكان ترامب قد أدلى بتصريحات مشابهة قال فيها إن الحرب في أوكرانيا كان ينبغي ألا تبدأ أبدا، وأنها نتيجة لاستفزازات حلف شمال الأطلسي ضد روسيا، وأنه يستطيع أن يفهم أن روسيا لديها مصالح أمنية وطنية في أوكرانيا.

يضع دان كالدويل الأمر من حيث الحاجة إلى أن تعترف الولايات المتحدة بأن هناك أشياء يمكنها القيام بها، وأشياء لا يمكنها القيام بها.

“أعتقد أن الولايات المتحدة يجب أن تسعى جاهدة لكي تبقى البلد الأكثر قوة في العالم. لكن هذا من وجهة نظري يختلف عن محاولة تحقيق التفوق. في رأيي إن محاولة أن تكون القوة المهيمنة تختلف عن محاولة أن تكون البلد الأكثر قوة… أنا لا أدعو أو أتبنى أو أقبل بالتراجع الأمريكي. أنا أدافع عن العكس، ونحن بحاجة إلى القيام بأشياء تمكننا من عكس مسار التراجع الأمريكي. وأعتقد أن سعينا وراء التفوق جعلنا أضعف في نهاية المطاف”.

هذه وجهة نظر مثيرة جدا للاهتمام وتعطينا فكرة عن نهج ترامب في السياسة الخارجية. وهذا له آثار معينة. إنه اعتراف بأن الولايات المتحدة لديها مصالحها الأمنية الوطنية الخاصة ومجالات نفوذها الخاصة. ولكن الخلاصة التي تنتج عن ذلك هي أن القوى الأخرى لها أيضا مصالحها الخاصة ويجب التوصل إلى نوع من التفاوض والاتفاق معها.

يتجلى هذا في مقولة ترامب: “السلام من خلال القوة”. وهذا من شأنه أن يجعل العالم بأسره في وضع أقرب إلى ما كان موجودا قبل الحرب العالمية الأولى، مع وجود قوى مختلفة تتقاتل لتقسيم العالم. وهذا له آثار مهمة للغاية ليس فقط على أوكرانيا، التي يريد ترامب الخروج منها، ولكن أيضا، أود أن أقول، على الوضع في تايوان.

السؤال الواضح الذي يطرح نفسه هو: هل من المصلحة الوطنية للولايات المتحدة الدفاع عن تايوان ضد الصين؟ سبق لترامب، في يوليوز من العام الماضي، أن قال إن: “تايوان تبعد 9500 ميل عن الولايات المتحدة. وتبعد 68 ميلا عن الصين… وتكلفنا الكثير من المال”، بينما لا تحصل الولايات المتحدة على أي شيء في المقابل.

قال دان كالدويل، في البودكاست الذي ذكرته، إنه لن يقدم أي التزامات أمنية لتايوان وأنه بدلا من تزويدها بأسلحة متطورة، يجب على الولايات المتحدة أن تزودها بطائرات بدون طيار ودفاعات جوية أرخص حتى تتمكن من ردع الصين عن الاستيلاء عليها.

وجهة نظر ترامب هي أن الصين تشكل فعلا المنافس الرئيسي للولايات المتحدة في العالم. لا شك في ذلك. لكن هذا لا يعني أنه يجب على الولايات المتحدة أن تلتزم بالدخول في حرب معها بشأن تايوان.

ما هو الاستنتاج الذي سيتوصل إليه شي جين بينغ من هزيمة حلف شمال الأطلسي في حرب أوكرانيا؟ سوف يتوصل إلى الاستنتاج الواضح بأن هناك حدودا معينة لمدى القوة الأمريكية.

هناك بالطبع آراء مختلفة، حتى داخل معسكر ترامب، حول الصين. إذ يرى البعض أنها في الجوهر منافس اقتصادي، بينما يعتبر آخرون أنها أصبحت بالفعل خصما عسكريا.

هذه بعض الخطوط العريضة التي تحدد السياسة الخارجية لترامب، فضلا عن حقيقة أنه رجل أعمال في المقام الأول، وبالتالي فإنه أكثر حرصا على استخدام الوسائل الاقتصادية بدلا من الوسائل العسكرية. هذا ما رأيناه في الصدام مع كولومبيا، إذ لم يهدد بإرسال مشاة البحرية، أو تنظيم انقلاب عسكري، بل هدد بإلحاق الألم الاقتصادي من خلال الرسوم الجمركية. وقد استخدم القوة الاقتصادية للولايات المتحدة في مواجهة كولومبيا من أجل تحقيق أهدافه.

وكانت هناك حالة مماثلة مع الدنمارك بشأن غرينلاند. أجل لقد قال إنه لا يستبعد العمل العسكري، لكن السؤال كله كان مطروحا حول شراء غرينلاند، وهدد الدنمارك برسوم جمركية انتقامية.

يوجد ترامب على رأس أقوى قوة إمبريالية في العالم وسياسته إمبريالية بالتأكيد، لكنها سياسة، على عكس سياسة بايدن، تستند إلى درجة معينة من الاعتراف بأن الولايات المتحدة ليست القوة العالمية الوحيدة وأن قوتها لها حدود معينة.

خورخي مارتن

7 فبراير/شباط 2025

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

Trump’s presidency creates enormous turbulence across the world