الرئيسية / الأممية الشيوعية الثورية / تاريخنا / جذور الحزب الشيوعي الثوري

جذور الحزب الشيوعي الثوري

ننشر في ما يلي هذه المقالة الهامة التي كتبها الرفيق ألساندرو جياردييلو، العضو القيادي في الحزب الشيوعي الثوري بإيطاليا، الفرع الإيطالي للأممية الشيوعية الثورية، والتي يشرح فيها الجذور التاريخية للحزب الشيوعي الثوري بإيطاليا والأممية الشيوعية الثورية، عبر خيط لم ينقطع من النضال الحازم، في جميع الظروف، دفاعا عن النظرية الماركسية والثورة الاشتراكية.


ماذا نريد؟ ليس أقل من الإطاحة بالنظام الرأسمالي وبناء الشيوعية، أي مجتمع بلا حواجز الطبقة والجندر والجنسية والدين، مجتمع قادر على تحرير الموارد اللازمة لعلاج كوكب لا تنفك أمراضه عن التفاقم بشكل متزايد.

بعبارة أخرى، نحن نريد بناء مجتمع قائم على خدمة احتياجات المجتمع وليس على خدمة أرباح أقلية ضئيلة. ولكي نحقق هذا الهدف من الضروري القضاء على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والدول القومية، واللتان أصبحتا عقبة مطلقة أمام تطور مجتمع سلمي ومتناغم، خالٍ من جميع أشكال الاضطهاد.

وبهذا المعنى نشير إلى المساهمة السياسية والنظرية لماركس وإنجلز، والأفكار التي ألهمت ثورة أكتوبر ومدرسة الاستراتيجية الثورية التي تمثلها المؤتمرات الأربعة الأولى للأممية الشيوعية، عندما كان لينين ما يزال على قيد الحياة.

كما أننا نستلهم من المعركة التي خاضها تروتسكي ضد الستالينية، أولا بتشكيل المعارضة اليسارية ثم بميلاد الأممية الرابعة.

لكن تلك الأممية، ولأسباب سنشرحها في هذا النص، أثبتت بعد وفاة تروتسكي (الذي تعرض للاغتيال في غشت 1940 على يد قاتل ستاليني)، أنها غير كافية. ونحن لا نعترف إلا بمؤتمرها التأسيسي في عام 1938، وخاصة بيانها السياسي، البرنامج الانتقالي، الذي صاغه تروتسكي نفسه.

فبعد وفاة تروتسكي (وكثير من زعماء المعارضة الروسية في المعسكرات في سيبيريا، أو على أيدي القتلة الستالينيين) لم يعد لدى الأممية الرابعة الكوادر ذات الخبرة للتعامل مع الوضع السياسي الجديد.

تيد غرانت

كان الرفيق تيد غرانت هو الوحيد الذي قاد النضال ضد انحرافات قادة الأممية الرابعة مثل بابلو، كانون، ماندل، مايتان، بيير فرانك، إلخ. وبالتالي سنتناول العديد من أعمال تيد غرانت، التي تم جمعها في مجموعة The Unbroken Thread (الخيط المتصل). تمثل تلك الوثائق والمقالات والمساهمات السياسية ثروة من الأفكار التي نحن عازمون تماما على إحيائها في الحزب الجديد والأممية الجديدة.

يطلق علينا البعض في الحركة اسم الغرانتيين، بينما يطلق علينا آخرون اسم تروتسكيين أو ماركسيين أو ماركسيين ثوريين. ونحن لا نعارض أيا من تلك الأسماء، بل نعتبر أن جميعها خاصة بنا، لكننا نفضل أن نطلق على أنفسنا اسم شيوعيين ثوريين. وقد كان هذا هو القرار نفسه الذي اتخذه تيد غرانت في عام 1944، أي قبل 80 عاما بالضبط، عندما أطلق على حزبه اسم الحزب الشيوعي الثوري.

لقد اغتصبت الستالينية مصطلح الشيوعية، وشوهت سمعته في نظر ملايين البروليتاريين. الأمر لا يتعلق بالماضي فحسب، بل يتعلق بالحاضر أيضا، حيث يوجد نظام -النظام الصيني- يطلق على نفسه اسم الشيوعية، ويزين علمه باللون الأحمر والمطرقة والمنجل، لكنه أعاد الرأسمالية ويؤسس سلطته على الاستغلال الجامح للبروليتاريا الصينية، التي لا يختلف وضعها كثيرا عما وصفه إنجلز قبل 180 عاما في كتابه “حالة الطبقة العاملة في إنجلترا”.

تيد غرانت، الرابطة الأممية للعمال والحزب الشيوعي الثوري

كان مؤسس حركتنا، إسحاق بلانك، المعروف باسم تيد غرانت، شابا من جنوب إفريقيا انتقل إلى لندن في سن 21 عاما، بنية واضحة وهي الانضمام إلى الحركة التروتسكية. كان قد قرأ في مكتبة يسارية في جنوب أفريقيا الصحف التروتسكية التي وصلت من الولايات المتحدة وقرر دعم أفكارها، وهو ما قام به طوال حياته. وكما كان يحب تيد غرانت أن يقول: “عندما تتغلغل أفكار معينة في دمك فإنها لا تغادرك أبدا”.

وعندما وصل إلى لندن، في عام 1934، بدأ بحماسه الكبير المميز، في بناء قوى الماركسية الثورية. عملت مجموعته المكونة من 30 رفيقا بلا كلل على بناء الأممية الرابعة، ولكنهم في عام 1938 رفضوا قبول الإملاءات التي فرضها جيمس كانون (سكرتير حزب العمال الاشتراكي – SWP، الفرع الأمريكي للأممية الرابعة) الذي أراد فرض اندماج بدون أساس سياسي مبدئي على المجموعات التروتسكية الثلاث المختلفة الموجودة في إنجلترا (بالإضافة إلى واحدة في اسكتلندا).

جيمس كانون

المناورات البيروقراطية التي مارسها كانون وغيره من قادة الأممية الرابعة ضد تيد غرانت ومجموعته قد تم شرحها بشكل وافٍ في كتاب The History of British Trotskyism (تاريخ التروتسكية البريطانية).

إن ما حدث باختصار هو أن المنظمة التي أسسها تيد غرانت وجوك هاستون ورالف لي، الرابطة الأممية للعمال (WIL)، والتي لم تقبل المناورات البيروقراطية التي مارسها كانون، وجدت نفسها مستبعدة من المؤتمر التأسيسي للأممية الرابعة في عام 1938.

في ذلك المؤتمر، اتضحت الفوضى التي أسسها كانون، والتي أطلق عليها اسم الرابطة الاشتراكية الثورية (RSL)، واعتبرها فرعا رسميا. فبسبب أنها كانت تعاني من العديد من الخلافات السياسية وجدت نفسها ترتكب كل الأخطاء السياسية الممكنة أثناء الحرب العالمية الثانية، وتطبق موقف لينين “الانهزامية الثورية” بطريقة صورية وعصبوية.

خلال الحرب العالمية الثانية، وجد هؤلاء السادة أنفسهم يخوضون في أماكن العمل حملة بشعار: “انتصار هتلر هو أهون الشرين”. وهو موقف سخيف، يتعارض مع الموقف الذي دافع عنه تروتسكي، في منفاه في كويوكان (مكسيكو سيتي)، والمعروف باسم “السياسة العسكرية البروليتارية”.

كانت تلك السياسة تقوم على قبول التجنيد في جيوش الحلفاء، والنضال داخلها ضد التسلسل الهرمي العسكري من خلال المطالبة بانتخاب الضباط، ورقابة العمال والنقابات العمالية على ظروف الجنود، والدعاية العلنية للأفكار الشيوعية ولتأميم وسائل الإنتاج وللإطاحة بالبرجوازية ولتأسيس حكومة العمال، ولشن حرب ثورية ضد جيش هتلر.

وفي حين رفضت الرابطة الاشتراكية الثورية، التي كانت الفرع الرسمي للأممية الرابعة في بريطانيا، موقف تروتسكي، قامت الرابطة الأممية للعمال (التي لم يتم منحها حتى وضع فرع متعاطف) بعمل خارق داخل صفوف الجيش البريطاني. وكما قال تيد غرانت، فإن رفاقنا، على الرغم من كونهم “أبناء غير شرعيين للأممية الرابعة”، كانوا الوحيدين الذين تبنوا الموقف العسكري الذي رسمه تروتسكي.

كانت النتيجة أنه بينما تفككت الرابطة الاشتراكية الثورية، فقد نمت الرابطة الأممية للعمال على المستويين التنظيمي والسياسي إلى الحد الذي دفع الرفاق في مارس 1944 إلى تأسيس الحزب الشيوعي الثوري، بعد ضم ما تبقى من الرابطة الاشتراكية الثورية. وقد تم الاعتراف بالحزب الشيوعي الثوري بكونه الفرع البريطاني للأممية الرابعة، ولكن مناورات قادة الأممية الرابعة، بدافع من الاستياء وسياسات الهيبة الشخصية، كانت قد بدأت للتو.

أسباب انحطاط الأممية الرابعة

بعد الحرب، استمر القادة الجدد للأممية الرابعة يرددون، مثل الببغاوات، المنظور الذي وضعه تروتسكي في البرنامج الانتقالي في عام 1938، والذي قال فيه:

“إن الوضع السياسي العالمي ككل يتميز بشكل رئيسي بأزمة تاريخية لقيادة البروليتاريا. لقد بلغ الشرط الاقتصادي للثورة البروليتارية بالفعل أعلى نقطة يمكنه الوصول إليها في ظل الرأسمالية. لقد ركدت القوى الإنتاجية للبشرية. (…)

“إن الأممية الرابعة تعلن حربا لا هوادة فيها على بيروقراطيات الأممية الثانية والثالثة وأممية أمستردام والأناركية النقابية، كما تعلن الحرب على المنظمات الوسطية التي تدور في فلكها؛ وعلى الإصلاحية بدون إصلاحات؛ والديمقراطية المتحالفة مع الغيبيو؛ والسلمية بدون سلام؛ واللاسلطوية في خدمة البرجوازية؛ وعلى “الثوريين” الذين يعيشون في خوف مميت من الثورة. كل تلك المنظمات ليست بشائر للمستقبل، بل هي بقايا متحللة من الماضي. إن عصر الحروب والثورات سوف يدمرها تماما”.

لكن هذا التحليل الذي كان صحيحا تماما في عام 1938، لم يعد صحيحا بعد الحرب. وبدلا من أن يقوم زعماء الأممية الرابعة بـ”التحليل الملموس للوضع الملموس” تشبثوا بكلمات تروتسكي. الواقع أن الحرب أنتجت تطورات جديدة وغير متوقعة لم يكن بوسع حتى الثوري العبقري تروتسكي أن يتنبأ بها.

ميشيل بابلو

على الرغم من أن الواقع كان يسير في اتجاه مختلف تماما، فقد استمر بابلو وكانون وشركاؤهما في الدفاع عن خط “كارثي” يتوقع في الأساس أزمة عمودية ودائمة للنظام الرأسمالي، وارتفاعا سريعا في الصدامات بين القوى الثورية وبين القوى الرجعية في شكل دكتاتوريات بونابرتية جديدة. بينما كانت فرضية استقرار الرأسمالية وصعود الديمقراطيات البرلمانية البرجوازية خارجة عن منظورهم.

لقد كان تيد غرانت الزعيم التروتسكي الوحيد في أوروبا الذي طرح تلك الفرضية. يتعمد كثير ممن يسمون أنفسهم “مؤرخين” تجاهل هذه الحقيقة التي يعتبرونها مجرد تفاصيل صغيرة.

لا يذكر بيير فرانك، في كتابه عن تاريخ الأممية الرابعة الذي كتبه عام 1979[1]، وجود الرابطة الأممية للعمال والحزب الشيوعي الثوري، على الرغم من أن الحزب الشيوعي الثوري كان الفرع الأكثر أهمية في الحركة التروتسكية في أوروبا أثناء الحرب.

وقد تبنى ليفيو مايتان، الذي كان أحد القادة الرئيسيين للأممية الرابعة، نفس الموقف، حيث ذكر في أحد كتبه ما يلي:

“لم يكن هناك من بين الزعماء السياسيين والاقتصاديين المستوحين من الماركسية، على الأقل في حدود علمنا، من تنبأ، في أواخر الأربعينيات أو أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، بالازدهار المطول الذي سيشمل البلدان الرأسمالية لمدة ربع قرن تقريبا، متجاوزا كل السوابق التاريخية”[2].

ولم يكتف بأن يتظاهر بأنه لا يتذكر مواقف تيد غرانت فحسب، بل إنه، كما كانت طريقته دائما، تعامل بشكل متساهل إلى حد ما مع الأخطاء التي ارتكبوها (هو ورفاقه):

كتب قائلا: “وفقا للفرضية التي ما زلنا نعتبرها بعيدة كل البعد عن كونها بلا أساس، كان من الممكن اتباع مسار مختلف ومنظور مختلف. (…) لم يكن هناك أي سوء فهم من جانبنا للتحول الذي اتسمت به أحداث عام 1948. (…) ومع ذلك، كنا نميل إلى نسبية تلك التقييمات، وافتراض تفاقم الركود الاقتصادي والهشاشة فوق ميزان القوى المتطور في الساحة السياسية. وبهذا المعنى فقد كانت هناك نظرة أحادية الجانب، وقصور جوهري في تحليلنا (…)”[3].

لقد كان مايتان بارعا في تحويل الأخطاء الصارخة ذات العواقب المدمرة إلى مجرد هفوات بسيطة.

ولكي نكون منصفين، فقد دافعت أقلية من الحزب الاشتراكي العمالي الأمريكي، بقيادة فيليكس مورو وألبرت غولدمان، عن مواقف مماثلة لمواقف الحزب الشيوعي الثوري البريطاني، وإن كان ذلك على أساس أقل حزما (وهو ما يعود أيضا لأسباب موضوعية تتعلق بالاضطهاد الذي تعرض له التروتسكيون الأمريكيون بعد الحرب من قبل جهاز الدولة).

لقد قاد تيد غرانت ورفاقه في الحزب الشيوعي الثوري المعركة ضد انحطاط الأممية الرابعة حتى نهاية الحرب.

وفيما يلي بعض المقاطع الرئيسية: ففي مارس 1945، وفي نص بعنوان “تغير علاقة القوى في أوروبا ودور الأممية الرابعة”[4]، عدل تيد غرانت منظور تروتسكي لعام 1938 والمنظور الذي كان قد صاغه هو نفسه في يونيو 1942 (التحضير لحسم السلطة)[5]:

“صحيح أن الثورة المضادة الرأسمالية في مراحلها المبكرة، سوف تتخذ، في غضون فترة قصيرة من الزمن بعد إنشاء الحكومة العسكرية، شكلا “ديمقراطيا”. سوف تجمع البرجوازية بين منح التنازلات الوهمية وبين الانتقام والقمع ضد القوى الثورية. لا يمكن للثورة القادمة في أوروبا أن تكون سوى الثورة البروليتارية. ومع ذلك، فمن المحتم في مراحلها المبكرة أن تنجح المنظمات القديمة للبروليتاريا في وضع نفسها في قيادة الجماهير. (…). من الممكن، على أساس الدعم الذي قدمته الستالينية والإصلاحية الكلاسيكية للإمبريالية العالمية (وهذا أحد العوامل الموضوعية التي يجب أخذها في الاعتبار) أن تنجح الإمبريالية العالمية، لفترة من الزمن، في تأمين “استقرار” الأنظمة الديمقراطية البرجوازية في بعض البلدان”.

وفي العام التالي، في وثيقة منظورات اقتصادية، أبريل 1946، قال[6]:

“سوف تسيء الأممية الرابعة إلى سمعتها إذا رفضت الاعتراف بالانتعاش الحتمي، وسوف تضلل كوادرها وكذلك الجماهير العريضة من خلال التنبؤ بالركود الدائم وبإيقاع بطيء للانتعاش في أوروبا الغربية، بينما الأحداث تتخذ شكلا مختلفا”.

وقد استمر الجدال في غشت 1946 مع نص “الديمقراطية أو البونابرتية في أوروبا – رد على بيير فرانك”[7]:

“يحاول فرانك أن يساوي بين جميع الأنظمة في أوروبا الغربية و”البونابرتية”. (…) ويزعم أنه (…) من المستحيل أن تكون هناك أي أنظمة غير بونابرتية أو فاشية حتى وصول البروليتاريا إلى السلطة في أوروبا. (…) وينكر وجود أنظمة ديمقراطية في أوروبا اليوم لأن “لا مكان لها حرفيا”. (…) لقد وصف الحزب الشيوعي الثوري البريطاني الأنظمة في أوروبا الغربية (فرنسا وبلجيكا وهولندا وإيطاليا) بأنها أنظمة ثورة مضادة في شكل ديمقراطي. (…) وقد أظهرت الأحداث في إيطاليا البصيرة المذهلة لتروتسكي. فقد اضطرت البرجوازية إلى السماح بالتخلص من الملك، وتمكن الخونة الاشتراكيون والستالينيون من دفع الثورة البروليتارية النامية إلى قنوات “دولة برلمانية ديمقراطية”.

إن هزيمة السيرورات الثورية في اليونان وإيطاليا وفرنسا وبلجيكا، في أعوام 1943-1945، والتي تحولت بسبب الستالينية إلى طريق مسدود، وتدمير القوى المنتجة والعمالة الفائضة أثناء الحرب، فضلا عن التدفق الهائل للاستثمارات الأمريكية إلى أوروبا (خطة مارشال)، قد خلقت الظروف الملائمة لدورة صاعدة جديدة للرأسمالية ولازدهار اقتصادي.

وقد كان أحد تأثيراتها السياسية تعزيز الإصلاحية من خلال السماح لقوى الاشتراكية الديمقراطية والستالينية باكتساب المواقع. وعلاوة على ذلك فقد استفاد الستالينيون من الهيبة الهائلة التي اكتسبها انتصار الجيش الأحمر على الجيش النازي في ستالينغراد. وليس من قبيل المصادفة أن تتحول الأحزاب الشيوعية إلى أحزاب جماهيرية، كما حدث مع الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، مع اختلافات واضحة حسب البلدان، ولكن في سيرورة كان لها نفس الأساس في كل مكان تقريبا.

تسبب كل ذلك في سد الطريق لفترة كاملة أمام تطور الأممية الرابعة، التي لم تتمكن من أن تحقق قاعدة جماهيرية إلا في بلدين فقط في العالم، بلدين شبه مستعمَرين: بوليفيا وسريلانكا.

في مقابلة مع موقع Marxist.com[8] في عام 2004، قال الرفيق تيد غرانت، في إشارة إلى قادة الأممية الرابعة:

“لقد كانوا يساريين متطرفين جدا. لقد كانوا يعتقدون أن الثورة موجودة على مرمى حجر وحاولوا أن ينكروا حدوث أي انتعاش اقتصادي، في الوقت الذي كان يجري أمام عيونهم. لقد كانوا يتحدثون عن الانهيار الاقتصادي، بينما قلنا نحن إنه، على العكس من ذلك، سوف تشهد الرأسمالية -لعدة أسباب ذكرتها لاحقا في وثيقة “will there be a slum” – انتعاشا اقتصاديا، رغم أن لا أحد منا توقع أن يطول ذلك الازدهار كل الفترة التي أمضاها.

“ومن ثم لن يكون في إمكاننا، ولمرحلة من التاريخ، أن نحقق سوى مكاسب متواضعة. لقد كانت المهمة الأساسية هي تكوين الكوادر والحفاظ على قوانا والعمل على كسب المناضلين واحدا تلو الآخر، وربما كسب مجموعات صغيرة موجودة هنا وهناك والاستعداد لحدوث تغير في الأوضاع.

 “لكن ماندل وبابلو وشركائهما لم يقبلوا بالوقائع. لقد أنكروا إمكانية قيام أنظمة الديمقراطية البرجوازية وتوقعوا في المقابل قيام أنظمة بونابارتية (دكتاتورية). نحن عارضنا هذا الجنون، وأشرنا إلى وجود حكومة حزب العمال في بريطانيا، وإلى مشاركة الأحزاب الشيوعية في فرنسا وإيطاليا في الحكومة، حيث كانوا يطبقون سياسة رجعية طبعا، لكنها -كانت كما شرحنا- رجعية برداء ديمقراطي. غير أنهم لم يفهموا شيئا من كل ذلك”.

إرنست ماندل

لقد أنكر قادة الأممية الرابعة، مثل ماندل وبابلو وكانون، الواقع واستمروا في ذلك لمدة خمسة عشر عاما أخرى على الأقل، على الرغم من وجود من فعلوا ما هو أسوأ، فقد استمر بيير لامبرت، زعيم الفرع الفرنسي، الذي انفصل عن الأممية الرابعة في عام 1952، في إنكار وجود أي تطور للقوى المنتجة طوال القرن العشرين وحتى يوم وفاته في عام 2008.

كان الجيش الأحمر يشكل دولا على غرار الاتحاد السوفياتي (نطلق عليها اسم البونابارتية البروليتارية أو الدول العمالية المشوهة) في جميع أنحاء أوروبا الشرقية. وفي عام 1949 استولى الستالينيون الصينيون، بقيادة ماو، على السلطة.

توصل بابلو إلى استنتاج مفاده أن البيروقراطية الستالينية لعبت دورا ثوريا وليس مضادا للثورة كما ادعى تروتسكي. وكانت الأطروحة، التي طورها بابلو في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، تقول إن البيروقراطية الستالينية قد تحولت من كونها “زائدة طفيلية”، كما أسماها تروتسكي في كتابه الثورة المغدورة، فصارت مرحلة مشروعة على الطريق نحو الاشتراكية، وهي المرحلة الانتقالية التي ستستمر لقرون[9].

كان لهذا التحليل التأثير الحتمي المتمثل في خلق موقف التكيف مع البيروقراطية الستالينية، وأدى على المستوى التكتيكي إلى تبني تكتيك الدخولية العميقة في الأحزاب الشيوعية.

بالإضافة إلى الأوهام حول النظام في يوغوسلافيا تيتو، الذي كانوا يعتبرونه دولة عمالية سليمة نسبيا، والتي نحيل القارئ بشأنها إلى الرسالة التي كتبها جوك هاستون إلى زعماء اللجنة الرابعة[10].

لقد زعم بابلو وماندل، بعد وفاة ستالين في عام 1953، أن فترة “الإصلاح الذاتي” للستالينية نحو اليسار قد صارت مفتوحة.

أعلن بابلو وأنصاره أن الستالينية والقومية البرجوازية الصغيرة يمكن أن تلعب دورا تقدميا في الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية. وقد دفع هذا بالفرع البوليفي للأممية الرابعة إلى دعم الحركة القومية الثورية في الثورة البوليفية عام 1952، مما أدى إلى هزيمة البروليتاريا. (انظر The 1952 Bolivian Revolution).

في أطروحات المؤتمر العالمي الثالث للأممية الرابعة، الذي عقد عام 1951، تحدث الفصل الخاص ببوليفيا صراحة عن تقديم “دعم نقدي” للحركة القومية الثورية. وعلى هذا الأساس عارض تيد غرانت تكتيكات الدخولية خلال الأربعينيات، وهذا (مع كل الخلافات الأخرى المذكورة) أدى إلى طرده للمرة الثانية من الأممية الرابعة عام 1950، على يد هيلي، الذي أصبح دمية بابلو داخل الحزب الشيوعي الثوري في بريطانيا والذي استولى، من خلال ذلك، بشكل بيروقراطي على الحزب.

من انشقاق 1953 إلى الطرد سنة 1965

في نهاية عام 1953، حدث انشقاق عن الأممية الرابعة بقيادة كانون، الذي شكل اللجنة الأممية للأممية الرابعة، وهو الانشقاق الذي انضم إليه هيلي في بريطانيا، ولومبرت في فرنسا، ولاحقا مورينو في الأرجنتين.

وقد نسب كانون السبب وراء ذلك الانشقاق إلى تكيف بابلو مع الستالينية. وهو التكيف الذي لا يمكن إنكاره بالتأكيد، لكن كانون كان يدعمه بالكامل وكان مشاركا فيه حتى ذلك الحين. لقد دعموا جميعهم خط المؤتمر الثالث لعام 1951 (بمن في ذلك هيلي ولومبرت).

كان السبب الحقيقي لانشقاق كانون في عام 1953 يتعلق أكثر بمفهومه التنظيمي (ما قد نسميه التحكم). فوفقا لكانون، لا ينبغي لقيادة الأممية أن تتدخل في الشؤون الداخلية للفرع الأمريكي، بل يجب أن تدعم دائما مواقف الأغلبية الحزبية.

كان كانون يشك في أن بابلو كان يشارك ويدعم بنشاط مواقف أقلية حزب العمال الاشتراكي، بقيادة كلارك، (الذي طُرد لاحقا في نوفمبر 1953) وكان هذا هو السبب الحقيقي للانشقاق.

كان هناك أيضا اقتراح من كانون، الذي كان يدافع دائما عن فكرة “الفرع القيادي”، أي حق حزب العمال الاشتراكي في أن يقود الأممية الرابعة، على الرغم من أنه كان مقيدا في ذلك بقانون فورهيس القمعي في أمريكا والذي كان يمنع التشكيلات السياسية الأمريكية من الانتماء إلى المنظمات الدولية.

في الواقع، فشلت خطة كانون ولم تعقد اللجنة الأممية ولو مؤتمرا واحدا طيلة 10 سنوات، وعادت في عام 1963 إلى السفينة الأم، لكن ليس قبل أن يتم تهميش خصمها، بابلو، من قبل قيادة الأممية.

شكل تيد غرانت ورفاق منظمتنا في الخمسينيات الرابطة الاشتراكية الثورية. كانوا يعرفون كانون وهيلي جيدا لدرجة أنهم لم يعطوا أدنى مصداقية لانشقاقهما. لكن خروج هيلي من الأممية الرابعة ترك “مكانا فارغا” في بريطانيا. فوجه قادة الأممية نداء إلى الرابطة الاشتراكية الثورية لكي تصبح الفرع الرسمي.

لم تكن الخلافات مع القيادة قد حلت، بل ازدادت اتساعا ولم تعد لدى تيد غرانت أية ثقة في ماندل ومايتان وشركائهما. لكن عند مناقشة هذا الأمر مع الرفاق، تبين أن الرابطة الاشتراكية الثورية كانت معزولة على الصعيد العالمي وبالتالي لم يكن هناك الكثير مما يمكن خسارته. ولم يكن من الممكن استبعاد احتمال أن خوض معركة المعارضة داخل الأممية الرابعة من شأنه أن يؤدي إلى اللقاء بمناضلين جيدين في بلدان أخرى.

في المؤتمر السادس للأممية الرابعة في عام 1961، قدم الرفيق تيد غرانت تقريرا مضادا في المناقشة الاقتصادية وقدم تعديلات كثيرة على كل بند تقريبا في جدول الأعمال.

وبلغت تلك المعركة ذروتها في مؤتمر عام 1965 (المؤتمر الثامن) بتقديم وثيقة بديلة بعنوان “الثورة في المستعمرات والنزاع الصيني السوفياتي”[11].

كان الهدف من تلك الوثيقة هو مكافحة الأوهام حول الماوية والكاستروية ومفاهيم حرب العصابات التي بدأت تشق طريقها نحو الأممية الرابعة. وفي خضم ذلك النقاش جاء الطرد الثالث والأخير لتيد غرانت من الأممية الرابعة.

في كتابه الأخير، يشوه ليفيو مايتان الحقائق مرة أخرى. دعونا نقرأ هذه التحفة الفنية من النفاق:

“فيما يتعلق ببريطانيا، قرر المؤتمر عدم الاعتراف بأي من المنظمتين كفرع، مما أدى إلى انشقاق الرابطة الاشتراكية الثورية، التي كان تيد غرانت أشهر زعمائها، والذي مثله في المؤتمر بيتر تافت [المسمى في الواقع تاف]. وقد أدت الرابطة الاشتراكية الثورية لاحقا إلى ظهور اتجاه “الميلتانت”، الذي لعب لاحقا دورا بارزا في يسار حزب العمال. شخصيا، يجب أن أعترف بأنني قللت من تقدير قدرة غرانت على بناء منظمة كبيرة. لقد كانت لدي علاقات شخصية جيدة معه، لكنني كنت غير صبور تجاه عادته في الاستشهاد بتروتسكي بدقة في كل خطاباته تقريبا، وكان من دواعي سروري أن أراه يصل إلى الاجتماعات وهو محمل بحقيبة مليئة بالكتب والوثائق”[12].

يتحدث ميتان عن الانشقاق، لكن من الواضح تماما أن عدم الاعتراف بأي من المنظمتين البريطانيتين كان في الواقع بمثابة طرد المؤتمر الثامن للمنظمة التي كانت تمثل الفرع البريطاني الرسمي للأممية منذ عام 1957، أي منظمة تيد غرانت الرابطة الاشتراكية الثورية.

لقد توقع تيد غرانت في كتاب “الثورة في المستعمرات والنزاع الصيني السوفياتي”، الخلافات التي نشأت فيما بعد بشأن قضية حرب العصابات الريفية في مؤتمر عام 1969.

كتب تيد غرانت في وقت مبكر من شهر غشت 1964:

“إن هؤلاء الرفاق الذين اكتشفوا حديثا أن الفلاحين وأشباه البروليتاريا وحتى البروليتاريا القروية هم القوة الثورية الرئيسية في ثورات البلدان المستعمرة، لم يفهموا الأهمية الحقيقية للدور الذي لعبته تلك الطبقات. فحيثما يقود البروليتاريا حزب ثوري واع، فإن البرجوازية الصغيرة في المدينة والريف تستطيع، تحت القيادة الحازمة للبروليتاريا، أن تدعم انتصار الطبقة العاملة وإقامة دكتاتوريتها الثورية، أي بمعنى دكتاتورية البروليتاريا، وفقا للقاعدة، حسب تعبير تروتسكي. (…) وهكذا تستطيع تلك الطبقات أن تلعب دورا مهما باعتبارها قوات احتياطية للثورة، وكأداة هدم، لكن رأس حربة الثورة لا يمكن أن تكون إلا الوعي الثوري للطبقة العاملة الصناعية”[13].

إن المسؤولية عن خط حرب العصابات الكارثي (الذي أودى بحياة العديد من الشباب التروتسكيين في الأرجنتين وخارجها) يجب أن تُعزى أولا إلى مايتان (بصفته المسؤول عن العمل في أمريكا اللاتينية) وثانيا إلى ماندل (بصفته الزعيم الرئيسي للأممية الرابعة، بعد خروج بابلو في عام 1965).

لقد اجتاحت الأممية الرابعة حمى كاسترو طيلة فترة من الزمن. وكانت التوقعات عالية بشأن منظمة التضامن الأمريكية اللاتينية التي تأسست في عام 1967 بمبادرة من الكوبيين، بهدف تعزيز النضال المسلح وتأسيس دول اشتراكية جديدة.

ابتلع زعماء الأممية الرابعة المفاهيم العالم ثالثية والبؤرية [Focoism نسبة إلى الموقف الذي يعتبر أن حرب العصابات يمكن أن تصبح “نقطة محورية” للجماهير الساخطة وتؤدي إلى الثورة]، ونسوا كل تعاليم تروتسكي حول هذا الموضوع.

نفس مورينو الذي كتب في عام 1973 وثيقة شديدة الانتقاد ضد مفاهيم حرب العصابات الريفية، كان قد قدم في السنوات السابقة دعما غير نقدي وكامل للمفاهيم “البؤرية”، كما يمكن أن نرى من خلال هذه المقالة النقدية للرفيق فرانشيسكو جيلياني.

دعونا نقارن الكلمات الواضحة لتيد غرانت في كتابه “الثورة في المستعمرات…”، مع ما كتبه مورينو في نفس العام (1964):

يقول مورينو: “إن إعجابنا واحترامنا وتقديرنا لهم كقادة للسيرورة الثورية في أمريكا اللاتينية لا حدود له. وفي حالة فيدل كاسترو، لا شك لدينا في اعتباره، إلى جانب لينين وتروتسكي، أحد أعظم العباقرة الثوريين في هذا القرن”[14].

لكن كاسترو لم يقابل ذلك التملق بكرم مقابل، إذ لم يكتف باضطهاد المناضلين التروتسكيين في كوبا، بل إنه أعلن في خطابه أمام مؤتمر القارات الثلاث في يناير 1966، أمام ممثلي الحركات الثورية والتحررية الوطنية من 82 بلدا في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، أن الأممية الرابعة “مثيرة للاشمئزاز ومقززة” وأنها أصبحت “أداة مبتذلة في يد الإمبريالية والرجعية”.

وعلى النقيض من التوقعات العظيمة التي وضعها زعماء الأممية الرابعة عليها، لم تكن منظمة التضامن الأمريكية اللاتينية (OLAS) أداة لتوسيع نطاق الكفاح المسلح. وقد أدى مقتل تشي غيفارا في بوليفيا، في خضم عمل لم نتردد في وصفه باليائس، إلى وضع حد لأي طموحات بؤرية للنظام الكوبي، الذي بدأ يتطلع نحو الاتحاد السوفياتي الخروتشوفي.

الحقيقة هي أن زعماء الأممية الرابعة كانوا قد فقدوا الثقة تماما في الإمكانيات الثورية للحركة العمالية في أوروبا. وقد بلغت هذه السيرورة ذروتها في نفس الفترة بالضبط عندما كانت الطبقة العاملة في أوروبا تظهر طبيعتها الثورية في ماي 1968 في فرنسا، والخريف الحار في إيطاليا، والحركات الكبرى للبروليتاريا الصناعية في جميع أنحاء أوروبا.

لقد أظهرت الأممية الرابعة مرة أخرى عدم كفاءتها التامة، وكان من المستحيل إعادتها إلى السياسة التروتسكية. فقرر تيد غرانت والرفاق الآخرون أن يديروا ظهورهم لها إلى الأبد وألا يعودوا إلى الوراء. تم تجميع تقييم تلك التجربة في مقال برنامج الأممية، الذي كتب عام 1970، والذي ينص على:

“يُظهر تحليل هذه الوثيقة أن الأمانة المتحدة للأممية الرابعة كانت، على مدى 25 عاما، تترنح من خطأ إلى آخر؛ من سياسة خاطئة إلى نقيضها، ثم إلى مستوى أعلى من الأخطاء مرة أخرى. هذه علامة على تيار برجوازي صغير حقيقي. وبقدر ما يتعلق الأمر بهذه المجموعة، أو على الأقل قيادتها العليا، فقد أصبح ذلك الآن اتجاها عضويا. (…) حتى وصف هذا التيار بالوسطية سيكون بمثابة تكريم له ومجاملة. (…)”.

كان الهدف هو بناء أممية جديدة قائمة على الأفكار الأصيلة للينين وتروتسكي.

وفي عام 1964، أسس تيد غرانت صحيفة الميليتانت، وبدأ في بناء منظمة تمكنت من النمو بشكل كبير بفضل الجمع الماهر بين العمل المستقل وتكتيك الدخولية في حزب العمال.

في الستينيات والسبعينيات، نضجت الظروف المؤاتية للدخولية في جميع أنحاء أوروبا. وفي بريطانيا، تمكن الرفاق أولا من السيطرة على منظمة الاشتراكيين الشباب في حزب العمال (LPYS) في عام 1970، ثم سيطروا على العديد من فروع ودوائر حزب العمال. كان التكتيك ناجحا للغاية لدرجة أنه بحلول الثمانينيات، قادت منظمتنا مدينة ليفربول وكان لها ثلاثة نواب على المستوى الوطني (تيري فيلدز وديف نيلست وبات وول).

سمحت لنا السيطرة على منظمة الاشتراكيين الشباب في حزب العمال بالاتصال بعدد من المناضلين الشباب من اليسار الاشتراكي المتجذرين على الصعيد الأممي، من خلال اجتماعات أممية الاشتراكيين الشباب (YUSOS). وانضمت منظمة شباب الحزب الشيوعي الإيطالي إلى أممية الاشتراكيين الشباب في ثمانينيات القرن العشرين. وفي إسبانيا، أثناء النضال ضد دكتاتورية فرانكو، نشأ تيار يساري داخل منظمة شباب الحزب الاشتراكي بقيادة لويس أوسوريو وألبرتو أريغوي اللذين انضما إلى منظمتنا (بفضل العمل الدؤوب الذي قام به آلان وودز الذي انتقل إلى مدريد في عام 1976، بقي هناك لمدة سبع سنوات). كما قمنا بكسب رفاق من الشباب الاشتراكي في ألمانيا والسويد، وأسسنا اللجنة من أجل أممية عمالية في عام 1974. وفي عام 1974، كانت منظمة ميليتانت تضم 600 رفيق، ثم أصبح عددهم 8000 بعد عشر سنوات. وفي أواخر ثمانينيات القرن العشرين، قدنا حركة جماهيرية شارك فيها أكثر من 10 ملايين مواطن بريطاني رفضوا دفع “ضريبة المجتمع” (Poll Tax) سيئة السمعة. وأدت تلك الحركة إلى إسقاط تاتشر التي حكمت البلاد لمدة 11 عاما.

في تلك السنوات كانت تصدر العديد من الكتب عن حركة الميليتانت، وكانت الصحف الإيطالية مثل L’Unità و La Repubblicaو Corriere  della sera تكتب بانتظام مقالات عن التروتسكيين داخل حزب العمال.

انهيار الستالينية والتسعينيات الحمراء

وجدت منظمة المليتانت نفسها تلعب دورا يتجاوز أبعادها التنظيمية إلى حد كبير. فقد سيطرت على النقابات العمالية ومجالس المصانع والمنظمات العمالية، إلخ.

المؤتمر الوطني لمنظمة المليتانت عام 1988

كان عدد أعضاء المنظمة رسميا 8000 مناضل. وكانت على الأرجح أكبر منظمة تروتسكية في العالم، لكن وعلى الرغم من ذلك فقد كان هناك تفاوت هائل بين حجمها وبين الهدف الاستراتيجي المتمثل في التغيير الاشتراكي للمجتمع، والذي كان من الضروري كسب أغلبية البروليتاريا من أجل تحقيقه.

وعلاوة على هذا، ففي ثمانينيات القرن العشرين، كانت الظروف الموضوعية قد بدأت تصبح أكثر سوءا، لكن العديد من القادة لم يدركوا ذلك أو أنهم أخفوا المشكلة دون وعي.

انخدع بيتر تاف وآخرون بأوهام ثورية، لكن رفاقا آخرين مثل تيد غرانت وآلان وودز بدأوا يدركون أن الوضع لم يعد إيجابيا كما بدا على السطح، وأن العديد من المشاكل كانت تتراكم داخل المنظمة.

أثار ذلك جدلا بين صفوف قيادة المنظمة، حيث كانت الأغلبية بقيادة بيتر تاف وأقلية كان زعيماها الرئيسيان تيد غرانت وآلان وودز.

كان تاف، بصفته الأمين العام، يعتقد أنه يستطيع حل التناقضات المفتوحة ببذل جهد ذاتي، وقدم افتراضات متفائلة للغاية بشأن الظرف الموضوعي (حيث تحدث عن “التسعينيات الحمراء”).

أما تيد غرانت وآلان وودز، من جانبهما، فقد حذرا المنظمة من العواقب التي قد تنتج عن ذلك الغرق داخل الحركة (انخفاض المستوى النظري والسياسي، تناقص متزايد في عدد المشاركين في اجتماعات الفروع، وتنامي النزعات الاقتصادوية والحركية المفرطة). وباختصار فقد كان يتم بناء الحركة على حساب المنظمة. وكان يتم البحث عن طرق مختصرة تنظيمية لحل المشاكل السياسية.

وهكذا تطورت الميول الزينوفييفية، وهو المصطلح الذي يشير إلى الدور الذي لعبه زينوفييف، رئيس الأممية الشيوعية، الذي استخدم بعد وفاة لينين أساليب إدارية لحل النزاعات السياسية، وتميز بأسلوب تحكمي صارم، حيث كان يصدر الأوامر ويفرض القرارات من الأعلى، بدلا من العمل على إقناع الرفاق كما كان الوضع في عهد لينين وتروتسكي.

لم تعترف صحيفة الميليتانت بشكل كامل بهزيمة عمال المناجم في عام 1985، والتي كانت واحدة من أخطر الهزائم في تاريخ الحركة العمالية البريطانية، (والتي أطلقت على نتيجتها اسم “تعادل”). كما لم يلاحظ تاف حتى الهزائم الأخرى التي حدثت في بقية العالم (من شركة فيات في إيطاليا في عام 1980، إلى هزيمة موظفي القطاع العام في فرنسا، ومراقبي الحركة الجوية في الولايات المتحدة، إلخ).

تم اعتبار انهيار أسواق الأسهم، يوم الاثنين أكتوبر 1987، بمثابة دليل على أننا نتجه نحو أزمة رأسمالية عميقة، أزمة فائض الإنتاج مثل تلك التي افترضها ماركس، والتي سرعان ما ستفتح الطريق أمام أوضاع ما قبل ثورية جديدة.

“فبعد كل شيء كان البلاشفة ثمانية آلاف عضو، مثلنا، في فبراير 1917”. كان هذا هو البيان الكئيب الذي أدلى به بوب لابي، زعيم الأغلبية، في أحد الاجتماعات، متناسيا تفصيلة صغيرة، وهي أن البلاشفة كانوا المنظمة الجماهيرية التقليدية للبروليتاريا الروسية حتى قبل الحرب.

وقد ساهمت حقيقة أن منظمة صغيرة مثل منظمتنا في إسبانيا (التي كانت ثاني أكبر فرع داخل الأممية، حيث كان لدينا حوالي ألف مناضل) قادت حركة مشكلة من ملايين الطلاب في عام 1987، ثم اندلع، بعد عام واحد، في الرابع عشر من دجنبر 1988، أحد أهم الإضرابات العامة في تاريخ إسبانيا، بمشاركة عشرة ملايين عامل، في إشعال المزيد من الحماس.

كانت تلك الأحداث تسير في اتجاه معاكس تماما لمسار الظرف الموضوعي. كانت فكرة تاف بإطلاق أحزاب عمالية جديدة، بالاعتماد على قوانا الخاصة، من خلال التخلي عن الدخولية غير مناسبة تماما. لقد ولَّدت أوهاما ضارة ولهذا السبب عارضها تيد غرانت وآلان وودز، وذلك بالتأكيد ليس لأنهما كانا يعتقدان أن الدخولية قد تؤدي إلى نتائج مهمة في ذلك الوقت.

الانقلاب في الاتحاد السوفياتي وانهيار الستالينية

كان النقاش المركزي يدور حول الستالينية. لقد أدى انهيار جدار برلين (1989) والاتحاد السوفياتي (الذي حدث بين غشت ودجنبر 1991) إلى تحول ميزان القوى بشكل كامل لصالح الرأسمالية، التي لم تشهد فقط أسواقا محتملة جديدة تضم أكثر من مليارين ونصف المليار من المستهلكين مفتوحة أمامها، بل استفادت أيضا من التأثيرات السياسية المحبطة التي كانت لذلك الحدث على معظم المناضلين الشيوعيين.

لقد تأجلت أزمة فائض الإنتاج عشرين عاما على الأقل (2008) وكان ذلك بمثابة نسمة من الهواء النقي للنظام الرأسمالي. لكن ما هو الموقف الذي اتخذه الفصيلان داخل اللجنة الأممية للعمال من هذه القضية؟

كتب آلان وودز وتيد غرانت آنذاك نصا بعنوان: “الحقيقة حول الانقلاب”. خلال الانقلاب الذي حدث في روسيا عام 1991، كان هناك على أحد الجانبين مكون ستاليني بقيادة ياناييف، وعلى الجانب الآخر كانت هناك حركة احتجاجية مؤيدة للرأسمالية بقيادة يلتسين.

بينما نشرت صحيفة الميليتانت مقالا، في 22 غشت 1991، تكررت فيه كلمة “الشعب” 13 مرة، وتحدثت عن “سلطة الشعب”، و”الشعب السوفياتي”، و”الشعب الروسي”. إن ما كان لافتا للنظر في مقالات الميليتانت هو الافتقار المطلق إلى المحتوى الطبقي.

النقطة الأساسية هي أن الطبقة العاملة كانت غائبة تماما تقريبا في تلك المظاهرات: فلم يكن هناك سوى إضراب مصنعين في لينينغراد وجزء من عمال المناجم في كوزباس وفوركوتا.

انحازت الأغلبية التافية إلى جانب يلتسين، وهو ما كان بمثابة انحياز إلى جانب الثورة المضادة، بينما دعت الأقلية إلى العمل المستقل من جانب البروليتاريا، وهو ما لم يكن يعني دعم الانقلاب الستاليني، بل تشجيع تعبئة العمال بشكل مستقل عن الفريقين المنخرطين في الصراع.

وإذ نقتبس من “الحقيقة حول الانقلاب” نجد:

“في الفقرة التالية، يضيف المؤلفون (الذين من الواضح أنهم لم يسمعوا قط أن المرء قد يحصل على “الكثير من الأشياء الجيدة”) تناقضا عميقا آخر، وهو أن “تلك التطورات” تزيل عقبة رئيسية أمام تسييس العمال الأمريكيين واستعدادهم لقبول الأفكار الاشتراكية بشكل أكبر”. (الفقرة 119)

لا يملك المرء إلا أن يشعر بالدهشة. لأن الإطاحة بالستالينية في حد ذاتها لا تجعل العمال الأمريكيين مستعدين بأي حال من الأحوال لقبول أفكار الاشتراكية. إن ذلك يتوقف على من يقوم بالإطاحة بالستالينية ولأي غرض. إن هذا التأكيد على العمال الأمريكيين يكشف، أكثر من أي شيء آخر، عن الافتقار التام للفهم عند الفصيل الذي يشكل الأغلبية داخل السكرتاريا الأممية. فلو كانت الحركة الثورية للطبقة العاملة هي التي أطاحت بالبيروقراطية حقا، لكان لذلك تأثير ثوري للغاية على نفسية العمال ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل وفي كل مكان.

لكن حقيقة أن تلك المهمة قد تم إنجازها من قبل قوى الثورة المضادة البرجوازية لها تأثير معاكس تماما. (…) كيف يمكن لانتصار يلتسين والعصابات الموالية للرأسمالية أن “يهيئ العمال الأمريكيين لقبول الأفكار الاشتراكية؟”. إن ذلك لن يؤدي إلا إلى تعزيز الدعاية البرجوازية القائلة بأن “الاشتراكية انتهت”، و”التأميم لا يعمل” و”اقتصاد السوق هو النظام الاقتصادي الوحيد الممكن”.

لقد كان ذلك خطأ صارخا، لكن التافيين لم يكونوا المنظمة التروتسكية الوحيدة التي ارتكبته. لقد خلط المورينيون في الأرجنتين واللومبرتيون في فرنسا، وهما مجموعتان كانتا كبيرتا الحجم (حوالي 6000 من الأعضاء)، بين الثورة المضادة الرأسمالية وبين الثورة السياسية، أو “الثورة الديمقراطية” غير المحددة.

كان لومبرت قد تبنى في عام 1984 شعار “الخط الديمقراطي”، وكذلك فعل مورينو في الندوات الشهيرة في منتصف الثمانينيات، حيث شككا في نظرية تروتسكي عن الثورة الدائمة من أجل دعم مفهوم “الثورة الديمقراطية”. هذا دون أن نتحدث هنا عن الأمانة الموحدة والرابطة الشيوعية الثورية الفرنسية اللتان رأتا في بيريسترويكا غورباتشوف عملية إصلاح ذاتي للستالينية.

لقد دفعت كل تلك المنظمات، التي كانت تتمتع ببعض النفوذ في الثمانينيات، ثمنا باهظا بسبب تلك الأخطاء.

في نهاية المطاف، قامت اللجنة الأممية للعمال بطرد تيد غرانت وآلان وودز في عام 1992، واللذين اضطرا إلى إعادة بناء المنظمة من الصفر.

وهكذا، في عام 1992، نشأ التيار الماركسي الأممي في تاراغونا، والذي انضمت إليه، بالإضافة إلى الأقلية البريطانية، كل الفروع الإسبانية والإيطالية والباكستانية والمكسيكية والفصائل الأقلية في السويد وألمانيا واليونان وفرنسا والدنمارك. لقد كان ينتشر.

وبعد سيرورة طويلة، استمرت ثلاثين عاما، من التصليب السياسي والنظري (سنناقشها في مقالات مستقبلية)، تمت مراكمة الرصيد النظري والسياسي والخبرة اللازمة التي ستكون حاسمة لكي تصبح الأممية الشيوعية الثورية الجديدة عاملا حاسما في بناء تلك الأداة الأممية والجماهيرية، والتي بدونها سيكون من المستحيل تمهيد الطريق للإطاحة بالرأسمالية وبناء المجتمع الشيوعي.

ألساندرو غياردييلو

17 يوليوز 2024

النص الأصلي بالايطالية:

Le origini del Partito Comunista Rivoluzionario

الهوامش:

[1] The Fourth International: the Long March of the Trotskysts

[2] L. Maitan, Tempeste nell’economia mondiale, DataNews 1998, pag. 11

[3] L. Maitan, La strada percorsa, p. 167-168

[4] The Changed Relationship of Forces in Europe and the Role of the Fourth International

[5] Preparing for Power

[6] Economic Perspectives of April 1946

[7] Democracy or Bonapartism in Europe – A Reply to Pierre Frank

[8]  الجذور النظرية لانحطاط الأممية الرابعة – حوار مع تيد غرانت

[9] Where Are We Going?, January 1951

[10] letter written by Jock Haston to the leaders of the Fourth

[11] The Colonial Revolution and the Sino-Soviet Dispute

[12] L. Maitan, Per una storia della Quarta Internazionale, p. 171-172

[13] The Colonial Revolution and the Sino-Soviet Dispute

[14] N. Moreno, Dos metodos frente a la revolución latinoamericana, Estrategia, new series, 1964