لم يُستقبل حلول عام 2026 بفرقعة زجاجات الشمبانيا، بل بالأصوات المبهجة للانفجارات القوية والأضواء الساطعة التي أنارت شوارع العاصمة الفنزويلية النائمة، لتقدم لسكانها المحظوظين عرضًا مذهلًا ومجانيًا للألعاب النارية في غسق الليل.

وخرج صوت من واشنطن قائلًا:
“على الأرض السلام، وبالناس المسرة”. حسناً، لكل الناس تقريبًا، على أي حال…
وحلت عظمة الرب على رؤوس الأشرار في كاراكاس. أولئك الذين كانوا يتاجرون بالمخدرات وبكل أنواع المواد السامة التي انهمرت على سكان الولايات المتحدة الأمريكية الأبرياء.
وكانوا إرهابيين يصدرون الأسلحة النووية إلى أركان الأرض الأربعة. وكانوا شيوعيين وملحدين ونباتيين وآكلي لحوم بشر ومثليين، وأشياء أخرى كثيرة أفظع من أن توصف.
دوى الصوت، وعلى الفور ظهر أسطول جبار من السفن الحربية مدججًا بالسلاح ومبحرًا كلمح البرق في اتجاه البحر الكاريبي، مصممًا على إتمام القضية المقدسة المتمثلة في إحلال السلام على الأرض، بدءً من فنزويلا.
والآن، فإن الرب، الذي أهانه بشدة أولئك الأشرار الذين أذنبوا في حقه برفضهم العنيد اتباع أوامره، كان تحت تصرفه ترسانة هائلة من الأسلحة وأقوى جيش شهده العالم على الإطلاق.
حاملة الطائرات العملاقة يو إس إس جيرالد فورد، والمدمرتان يو إس إس غريفلي ويو إس إس ستوكديل، بالإضافة إلى الطرادات والسفن البرمائية وكافة الوسائل الأخرى البحرية للدمار.
إن عرضًا ضخمًا كهذا للقوة المسلحة كفيل ببث الرعب في قلوب أكثر المذنبين عنادًا. وقد تم توجيهه الآن بكل قوته الرهيبة نحو عدو جديد.
في ذلك الوقت، كان هناك رجال قد انطلقوا في رحلة صيد سلمية، غير مدركين الخطيئة الكبرى التي ارتكبوها في حق رب البيت الأبيض.
فانهمرت عليهم بركات صانع السلام. فتملكهم خوف شديد. ولأنهم كانوا متمسكين بملذات هذا العالم بشكل غير منطقي، تشبثوا يائسين ببقايا قاربهم المحطم، بينما أبلغ الطيارون الشجعان، الذين أنزلوا هذا الحكم المستحق على رؤوسهم، قاعدتهم حسب الأصول:

“تمت المهمة بنجاح!”
عندما تلقى القائد بيت هيغسيث، قائد قوات الأتقياء، هذه الأخبار السارة، شعر برضا تام. لكنه استشاط غضبًا حين علم بوجود بعض الناجين الذين تشبثوا بعناد بحطام سفينة الصيد المدمرة، بدافع تمسك غير منطقي بالحياة في هذا العالم المذنب.
وعلى الفور، أصدر القائد الشجاع هيغسيث أمره: “اقتلوهم جميعًا!”
دون أدنى تردد، ودون ذرة خوف، لم يتوان طيارينا البواسل عن تنفيذ الأمر بسرعة مثيرة للإعجاب.
وبهذه الوسائل الفعالة، اتضحت للعالم أجمع سيادة جنود الرب على أعدائه، وتبين لهم المعنى الحقيقي لكلمة السلام.
إلا أن بعض الأفراد غير المنطقيين شككوا في قانونية مثل هذه العمليات. فهم يتساءلون بإلحاح مزعج عن الحق الذي يخول للبحرية الأمريكية إغراق قوارب صغيرة وقتل ركابها بدم بارد في المياه الدولية.
كما يطرحون أسئلة مستفزة حول السبب وراء عدم تقديم ولو دليل واحد يدين هؤلاء بالتورط في تجارة المخدرات.
في الماضي، كان خفر السواحل الأمريكي يضبط القوارب المشتبه بها، ويصعد على متنها لتفتيشها بحثًا عن أدلة على وجود مخدرات، ومن ثم يسمح لها بمواصلة طريقها، أو يعتقل أطقمها ويقدمهم للمحاكمة.
لكن طرق الرب غامضة ولا تُسبر أغوارها، ولا يجوز للبشر الفانين التشكيك فيها. إن هذه الاستفسارات المشينة لا تأخذ في الحسبان حقيقة أن صانع السلام العظيم في البيت الأبيض غير ملزم بمراعاة مثل هذه التفاصيل القانونية الدقيقة، فهو يجمع في شخصه بين سلطة القاضي وهيئة المحلفين والجلاد في آن واحد.
وهذا الإجراء يوفر الكثير من الوقت والنفقات على دافع الضرائب الأمريكي المثقل بالأعباء بالفعل.
وهكذا، أصبحت المسرح معدًا للفصل الثاني من هذه الدراما الكاريبية.
كان نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، يتصرف بطريقة غير منطقية للغاية. فبعد شهور من النقاشات المملة، وافق على كل المطالب التي فرضتها واشنطن، باستثناء مطلب واحد: فقد رفض التنحي عن الرئاسة ومغادرة البلاد من الباب الخلفي.
كان هذا العناد غير المفهوم أكبر من أن يحتمله الرجل القابع في المكتب البيضاوي.
وعقب عشرات الضربات القاتلة للقوارب الصغيرة قرب الساحل الفنزويلي، بدأ الأسطول الجبار بمصادرة ناقلات النفط الفنزويلية.
إن الاستيلاء على سفن تابعة لدولة أجنبية تمارس تجارة سلمية في عرض البحر لا يمت للنشاط الدبلوماسي الطبيعي بصلة بل هو أقرب إلى كونه عملًا صريحًا من أعمال القرصنة. ومع ذلك، وبدلًا من أي محاولة لتبرير هذه الأساليب، تفاخر دونالد ترامب بها علانية، وصرح بأنه ينوي الاحتفاظ بالنفط المصادر لصالح الولايات المتحدة.
وهكذا، تتبع القرصنة عملية سرقة علنية، حيث تستولي دولة ببساطة على ممتلكات دولة أخرى لمصلحتها الخاصة.
ونلاحظ هنا أن أيًا من هذه الأفعال لم يواجه أدنى شكوى أو انتقاد أو احتجاج من أي من الدول التي تسمى حضارية وديمقراطية، والمنتمية لما كان يُعرف بـ”التجمع الغربي”.
عند هذه النقطة، يمكن الاحتفال بمأدبة السلام والإنسانية الكبرى بأسلوب لائق. وكان الطبق الأول على قائمة الطعام هو مقبلات صغيرة ممتعة.
المقبلات
في 25 ديسمبر، أعلن دونالد ترامب أن القوات الجوية الأمريكية العظيمة قد أنجزت لتوها مهمة ناجحة في صنع السلام في نيجيريا البعيدة.
وقد صرح ترامب لموقع بوليتيكو بأنه أمر بضربات 25 ديسمبر لتكون بمثابة “هدية عيد الميلاد”، وهي عبارة عن ضربات “قوية وقتالة” ضد مسلحين مرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
ولا شك أن هذا الطبق الصغير الممتع كان يهدف إلى إرضاء عدد كبير من المخبولين دينيًا الذين يشكلون جزءً كبيرًا من قاعدته الانتخابية.
فمنذ مدة، وقادة هؤلاء المهووسين يقرعون طبول الحرب بسبب المذابح التي أُفيد بوقوعها ضد المسيحيين في المنطقة الشمالية من نيجيريا.
كانت هذه بلا شك محاولة لتأجيج المشاعر المناهضة للإسلام، وبالتالي تقديم دعم متزايد لإسرائيل بشكل غير مباشر داخل الولايات المتحدة.
بيد أن هذه الرواية فندها المسؤولون النيجيريون، الذين أشاروا إلى أن تنظيم داعش يذبح المسلمين والمسيحيين على حد سواء دون تمييز. وصرح وزير الخارجية النيجيري، يوسف ميتاما توغار، للبي بي سي بأنها كانت “عملية مشتركة” و”لا علاقة لها بدين معين”.
ولكن، مهلًا! لماذا ندع الحقائق تفسد قصة جيدة؟
الطبق الرئيسي
الآن أصبح الطبق الرئيسي جاهزًا للتقديم. ففي الساعات الأولى من صباح يوم 3 يناير، أمر الرجل القابع في المكتب البيضاوي قواته الجوية القوية بشن سلسلة من الهجمات بالقنابل على كاراكاس الغافلة في منتصف الليل.

استيقظ السكان المذعورون من سباتهم على وقع سلسلة من الانفجارات العنيفة، كما أُفيد بوقوع غارات مماثلة في مدن أخرى. كان الغرض مزدوجًا: إحداث حالة من الصدمة والترويع، وشل حركة أي مقاومة محتملة.
لكن النية الجوهرية كانت مختلفة تمامًا. فقد استهدفت صرف الأنظار عن الهدف الحقيقي لهذا الهجوم: اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو.
وقد تحقق هذا الهدف بسرعة مذهلة وبمقاومة تكاد لا تُذكر. وبُثت المغامرة بأكملها على الهواء مباشرة في مقر إقامة ترامب في فلوريدا، في نادي مار إيه لاغو في بالم بيتش.
وفي تلك الأجواء المريحة والباذخة، كان رئيس السلام وزملاؤه يشاهدون ما يحدث، كما لو كان حلقة من مسلسل تلفزيوني طويل.
تابعوا باهتمام ذلك المشهد الملهم لرجل أعزل لا يملك وسيلة للدفاع عن نفسه وزوجته، وهما يرتديان ملابس النوم، بينما تجرهما قوات خاصة مدججة بالسلاح.
تفاعلوا مع المشهد ببهجة لم يخفوها، كما لو كانوا يتابعون نتائج مباراة كرة قدم في ملعب مزدحم، أو تلك اللحظة في أحد الأفلام حين يتغلب جيمس بوند أخيرًا على مينغ القاسي.
لم يكن ينقص الصورة سوى علبة الفشار وكوب كوكا كولا لتكتمل. إلى هذه القمم الشاهقة ارتفع فن الدبلوماسية الدولية في الدوائر القيادية بالولايات المتحدة الأمريكية.
ورأى رب الجنود نصر قوته، فاستحسنه.
“مذهلة” و”عبقرية”
أشاد الرجل القابع في البيت الأبيض بالضربات العسكرية الأمريكية على كاراكاس واصفًا إياها بأنها كانت “مذهلة” و”عبقرية”.
وقال ترامب إن الضربات نُفذت بدقة تكتيكية ودون وقوع أي خسائر بشرية في صفوف الأمريكيين. ووصف المهمة بأنها كانت “عبقرية من الناحية التكتيكية” و”حدث مذهل”، بينما وصف مادورو مرة أخرى بأنه “رجل عنيف” ومسؤول عن “عمليات قتل جماعي”.
كما انتقد ترامب المشرعين المعارضين لرفضهم الاعتراف بما أسماه نجاحًا كبيرًا.
وصف رسول السلام في البيت الأبيض العملية بأنها كانت “عملية عسكرية استثنائية” تضمنت استخدام معدات وأسلحة في مجالات الجو والبر والبحر.
تباهى بأن 152 طائرة و”الكثير من الأحذية على الأرض” نفذوا المهمة دون مقتل “أي شخص” من الجانب الأمريكي، بينما قُتل “الكثير والكثير” من الكوبيين.
في الواقع، قُتل حوالي 50 عضوًا من الحرس الشخصي للرئيس، كان 32 منهم كوبيين. ولا يُعرف العدد الإجمالي للضحايا المدنيين، لكن الحكومة الفنزويلية قدمت رقمًا يصل إلى 100 قتيل في المجمل. وقد تسبب القصف، إلى جانب الضحايا، في أضرار جسيمة للمنشآت العسكرية والمدنية على حد سواء.
وسط هذا الخليط من التفاخر المتبجح، هناك كلمات معينة يمكننا القول إنها تحمل رنة الحقيقة. وعلى رأس هذه الكلمات تأتي “مذهلة” و”استثنائية”.
أسئلة بلا إجابات
السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن يتعلق بلغة التفاخر حول القوة العسكرية الأميركية الهائلة. ومما لا شك فيه أن الولايات المتحدة تمتلك هذه القوة، بل إنها تملك في الواقع أكبر القوات المسلحة في العالم في الوقت الحاضر، وإن كان استمرار ذلك لأي مدى هو مسألة أخرى تمامًا.
ولكن، بأي منطق كان من الضروري استخدام 20% من البحرية الأمريكية القوية جدًا من أجل إغراق بضعة قوارب صيد صغيرة في منطقة الكاريبي وقتل الرجال العزل والمحرومين من وسائل الدفاع على متنها؟

بأي شكل يبرهن هذا على القوة الجبارة للأسطول والقوات الجوية الأمريكية؟
ثانيًا، لماذا كان من الضروري استخدام 125 طائرة قاذفة مقاتلة، وعدد كبير، لم يُحدد، من “الأحذية على الأرض” المكونة أساسًا من وحدات قوات النخبة الخاصة، من أجل اعتقال رجل أعزل وزوجته وهما يرتديان ملابس النوم؟
إذا صرفنا النظر عن كل صخب وضجيج القنابل والانفجارات، وكل تلك القوة العسكرية الهائلة التي استُعرضت في تلك الليلة، وسألنا: ما هو المضمون الجوهري لهذه العملية القذرة برمتها؟ فلا يمكن تلخيصها إلا في كلمة واحدة: اختطاف فردين.
ورغم أن الأمريكيين لا يحبون كلمة “اختطاف”، إلا أنه من الصعب العثور على أي كلمة أخرى لوصف ما حدث بالفعل. إن أي عصابة مافيا نصف محترفة كان بإمكانها تنفيذ مثل هذا النشاط بكفاءة تامة دون الحاجة للجوء إلى استخدام هذا الكم الهائل من العتاد العسكري. إذ كان عليهم ببساطة اختيار الزمان والمكان المناسبين للتنفيذ.
ولكن قد يعترض البعض بأن الأمر كان مختلفًا تمامًا، فنيكولاس مادورو كان على رأس دولة قوية تمتلك جهازًا دفاعيًا مهيبًا لحمايته.
يبدو هذا الاعتراض منطقيًا تمامًا، لكنه يخطئ الهدف كليًا. السؤال هو: لماذا لم يتم تفعيل هذا الجهاز المهيب؟ لقد كانت السماء فوق كاراكاس تعج بالمروحيات الأمريكية.
وهذه المروحيات عبارة عن آلات ثقيلة وبطيئة الحركة تطير على ارتفاع منخفض، وبالتالي فهي أهداف سهلة حتى للصواريخ أرض-جو البسيطة المحمولة، والمصممة خصيصًا لهذا الغرض.
وهناك عدد كبير من هذه الأسلحة في أيدي كل من الجيش والميليشيات المدنية الموالية للنظام. ومع ذلك، وعلى حد علمنا، لم يُستخدم أي منها على الإطلاق. لقد تمكن الأمريكيون من نشر قواتهم دون أي معارضة تُذكر، ولم تكن هناك حاجة لأي بطولة خاصة لأنهم لم يواجهوا أي مقاومة.
استنتاج لا مفر منه
إن هذه الأمور بلا شك “مذهلة” و”استثنائية” في آن واحد. وليس هناك سوى استنتاج واحد لا مفر منه: لم يكن لهذه العملية برمتها أن تتم لولا أنها كانت، بتعبير بوليسي، “عملية من الداخل”.
وقد اتضحت هذه الحقيقة جليًا من خلال تصريحات البيت الأبيض بأن وكالة الاستخبارات المركزية كانت تمتلك “عميلًا داخل النظام نفسه”. وبتعبير آخر، كان لديهم مخبر واحد أو أكثر زودوهم بكل المعلومات المطلوبة لتنفيذ هذه المداهمة، وضمنوا لهم عدم وجود أي مقاومة. لا يمكن أن يكون هناك تفسير آخر لما حدث.
إن كل ذلك التباهي والتفاخر بجنود أمريكا وطياريها الأبطال لا يعدو كونه دخانًا كثيفًا من النفاق صُمم للتغطية على هجوم وقح وجبان ضد عدو أعزل تعرض للخيانة من الداخل.
وكيف يمكن تفسير حقيقة مقتل جميع الكوبيين الذين شكلوا عنصرًا أساسيًا في الحرس الشخصي لمادورو، في حين لم يُقتل فرد واحد من المهاجمين الأمريكيين، بل ولم يُصب أحد منهم بجروح كما يبدو؟
لقد كان هؤلاء الرجال بلا شك جنودًا متمرسين في القتال، أشداء ومدججين بالسلاح، وكانوا أكثر من قادرين على إبداء دفاع فعال ضد القوات الخاصة الأمريكية. وبدلًا من ذلك، من الواضح أنه تمت تصفيتهم دون أن يتمكنوا من إبداء أي شيء يشبه المقاومة الفعالة.
وبعد أن أُخذوا على حين غرة تمامًا، كان أي دفاع سيصبح غير منظم وغير فعال على الإطلاق ضد مهاجمين مدججين بالسلاح، اكتفوا بحصدهم كالذباب، قبل المضي قدمًا في تنفيذ مهمتهم الخطيرة والبطولية المتمثلة في اعتقال فردين أعزلين ومرتعدين في منتصف الليل.
“العدالة الأمريكية”؟
قال الرجل القابع في البيت الأبيض إن مادورو وزوجته سيليا فلوريس “سيواجهان القوة الكاملة للعدالة الأمريكية”. ولكن أي نوع من العدالة يمكنهما توقعه في محكمة أمريكية؟ لقد حوكما بالفعل وصدر ضدهما حكم بالإدانة عبر محاكمة إعلامية، صرح فيها رئيس الولايات المتحدة بأنهما مذنبان بارتكاب أعمال إرهابية، وأنهما في الواقع يترأسان كارتل مخدرات كبيرًا يتخفى في هيئة حكومة.
بيد أن التقارير الإخبارية الأخيرة تشير إلى أن وزارة العدل الأمريكية قد راجعت ادعاءاتها ضد القائد الفنزويلي بشكل كبير.
ففي عام 2020، اتهم المدعون العامون الأمريكيون مادورو بقيادة “كارتل الشمس” (Cartel de los Soles)، وصوروه على أنه منظمة قوية لتهريب المخدرات.
وفي يوليو 2025، صنفت وزارة الخزانة الأمريكية “كارتل الشمس” منظمة إرهابية، وفي نوفمبر كرر وزير الخارجية ماركو روبيو الادعاء ذاته، وهو الادعاء الذي استُخدم كسبب رئيسي للهجوم على فنزويلا.
والآن، فجأة ودون أدنى مبرر، سحبت وزارة العدل الأمريكية هذا الادعاء بهدوء. إذ تبين الآن أن ما يسمى بـ”كارتل الشمس” لم يكن له وجود قط، بل كان مجرد محض اختراع وكالة الاستخبارات المركزية أو منظمة مشبوهة أخرى في العالم المظلم لأجهزة الاستخبارات الأمريكية.
وبالنظر إلى أن هذا الادعاء كان الركيزة الأساسية في مبررات الهجوم الشامل على فنزويلا، فمن المنطقي افتراض إسقاط القضية برمتها ضد عائلة مادورو والسماح لهم بالرحيل.
ولكن هل سيحدث هذا؟ طبعًا لا! إن ما يُشار إليه بـ”العدالة الأمريكية” على سبيل السخرية، يقتضي إدانتهم بالتهم الموجهة إليهم والحكم عليهم بالسجن لمدد طويلة. لا توجد نتيجة أخرى ممكنة.
تخيل للحظة أنه تم إعلان “براءتهم”.
في هذه الحالة، من المفترض أن يعود مادورو إلى كاراكاس، حيث سيعود فورًا إلى منصبه رئيسًا لفنزويلا. وبذلك، سيُجهض السبب الكلي للمهمة، ويصبح الرجل القابع في البيت الأبيض أضحوكة للعالم أجمع.
إن مثل هذه النتيجة ببساطة غير واردة. فمصير الزوجين المعتقلين محسموم مسبقًا. وعلى حد تعبير قائد الشرطة في الأفلام الغربية: “سنمنحك محاكمة عادلة، ثم سنشنقك”.
منطلق جديد
يُقال إن الإجراء المتخذ ضد فنزويلا يكاد يكون بلا سابقة، لكن الأمر ليس كذلك في الحقيقة. فعلى مدار عقود، دأبت الإمبريالية الأمريكية مرارًا وتكرارًا على اتخاذ إجراءات للإطاحة بحكومات وقادة اعتبرتهم عقبة أمام أهدافها.
وهناك أمثلة كثيرة على ذلك في أمريكا الوسطى والجنوبية. ليس فقط الإطاحة بنورييغا في بنما، والتي تقدم نموذجًا مطابقًا تمامًا، بل أيضًا الإطاحة بسلفادور الليندي في تشيلي، وفرض الديكتاتوريات العسكرية في الأرجنتين، والبرازيل عام 1964، وجمهورية الدومينيكان وغرينادا وهايتي، بلدان أخرى كثيرة.

لقد تحقق كل ذلك عبر العنف بشكل أو بآخر. وهناك أمثلة عديدة في بقية العالم، بما في ذلك فيتنام، وإيران عام 1953، والكونغو عام 1961، ومؤخرًا العراق وليبيا، على سبيل المثال لا الحصر.
وبهذا المعنى، ليس من الدقة وصف ما حدث بأنه شيء جديد تمامًا. لكنه من ناحية واحدة يُعد جديدًا بلا شك، ويمثل نقطة تحول جوهرية في العلاقات الدولية.
في الماضي، كان الإمبرياليون يحاولون دائمًا تبرير أفعالهم العدوانية والافتراسية بشتى أنواع الحجج الأخلاقية والقانونية. وفي هذا الصدد، من المثير للاهتمام مقارنة السلوك الأمريكي الأخير بسلوكها في الفترة التي سبقت غزو العراق عام 2003.
في ذلك الوقت، ذهب الأمريكيون إلى أبعد الحدود لتقديم مبرر للغزو، الذي كان هدفه الحقيقي في الجوهر هو الاستيلاء على النفط العراقي.
ولتحقيق هذه الغاية، اخترعوا قصة “أسلحة الدمار الشامل” الوهمية تمامًا، والتي زُعم أن نظام بغداد يمتلكها. وتبين لاحقًا أن ذلك كان كذبة صريحة وعملية احتيال، لكنها كانت كذبة ضرورية لتبرير فعل عدواني وافتراسي.
هذا ليس بالأمر الثانوي على الإطلاق كما قد يظن البعض. ففي كل حرب، يجب على المعتدي دائمًا العثور على سبب ما لتبرير عدوانه: حق تقرير المصير، الدفاع عن الديمقراطية، وغيرها من الأسباب الزائفة تمامًا. فبدون ورقة التوت الضرورية هذه، ستنكشف الطبيعة الافتراسية والعدوانية لأفعالهم على الفور، وسيفقدون حتمًا الدعم الدولي.
لكن في هذه الحالة، قرر دونالد ترامب الاستغناء عن مثل هذه الشكليات المزعجة، وتسمية الأشياء بمسمياتها. فلم يعد يكلف نفسه عناء تكرار الادعاءات السخيفة بأن مادورو كان يترأس كارتل مخدرات لا وجود له.
إن تلك القصة، التي كانت زائفة بشكل واضح دومًا، شكلت الأساس لوابل هائل من الدعاية التي مهدت الطريق للعدوان العسكري ضد دولة ذات سيادة.
وهو الآن يعتبرها عبئًا غير ضروري، وقد ألقى بها دون مراسم كقطعة ملابس عديمة الفائدة. وهكذا، تقف الطبيعة الافتراسية الحقيقية لأفعاله الآن مكشوفة تمامًا.
فهو يقول علانية إن هدفه كان ببساطة الاستيلاء على نفط فنزويلا. وقد كان بإمكانه فعل ذلك دون القيام بعمل عسكري، بما أن مادورو قد وافق بالفعل على منح أمريكا حرية الوصول إليه. لكن من الواضح أن ترامب أراد أكثر من ذلك – أكثر بكثير.
ففي أحدث تصريحاته، أبلغ العالم بأن الأمريكيين سيستولون بالكامل على نفط فنزويلا، ليس جزءً منه، ولا حتى أغلبيته – بل كل قطرة منه. يجب تسليم كل شيء لشركات النفط الأمريكية الكبرى.
وفي غضون ذلك، يطالب الفنزويليين بتسليم كل المخزونات المتاحة من النفط لوضعها في الصندوق الذي سيتحكم فيه هو، دونالد ترامب، ويستخدمه كما يراه مناسبًا.
في المستقبل، ستُمنع فنزويلا من التجارة مع أي بلد آخر غير الولايات المتحدة، وسيتعين عليها شراء أي سلع تحتاجها من الشركات الأمريكية بالأسعار التي يقررها الأمريكيون.
ولضمان تنفيذ ذلك، فرضت الولايات المتحدة حصارًا يمنع أي سفينة من حمل النفط الفنزويلي إلى أي مكان في العالم خارج الولايات المتحدة.
وهذا يحول فنزويلا فعليًا إلى وضع المستعمَرة المستعبَدة للولايات المتحدة. وهذه هي نهاية الصراع.
هذا، على الأقل، هو ما يأمله الأمريكيون. ولكن في الواقع، قد تنقلب الأمور بشكل سيء للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، والأسوأ من ذلك بالنسبة لشعب فنزويلا المكلوم.
فبرغم كل التباهي والتفاخر بالثروات الهائلة التي سيتم استخراجها من فنزويلا لصالح الاحتكارات الأمريكية الكبرى، قد تأتي الحقائق مغايرة تمامًا.
سواء كانت فنزويلا تتربع على أكبر احتياطيات نفط في العالم أم لا، فإن ذلك يتغاضى عن حقيقة أن معظم هذا النفط يصعب استخراجه وتكلفته باهظة في التكرير. كما يتجاهل حقيقة أنه بعد عقود من نقص الاستثمار أصبحت صناعة النفط في فنزويلا بحاجة ماسة للإصلاح والتحديث.
وكل هذا لن يكون عامل جذب كبيرًا لشركات النفط الأمريكية، التي لا ترغب في إنفاق مبالغ ضخمة في فنزويلا دون ضمانات واضحة للأرباح المستقبلية، ودون الضمانات اللازمة من الخزانة الأمريكية.
وهذا يعني أن فنزويلا، بدلًا من أن تكون مصدرًا للأرباح، قد تظل استنزافًا مستمرًا للموارد الأمريكية، في وقت تخضع فيه هذه الموارد بالفعل لضغوط شديدة من جميع الجهات.
الحقيقة المجردة هي أن إدارة ترامب قد اندفعت نحو مغامرة في فنزويلا، قد تتحول في النهاية إلى عامل قوي يمكن أن يجرها نحو الهاوية.
من التالي؟
كل هذا يجب أن يجعل الرجل القابع في البيت الأبيض يتصرف بحذر أكبر بكثير مما فعل مؤخرًا. ولكن هل سيفعل؟ إنه يعطي انطباع الرجل الذي يتخبط مندفعًا من مغامرة سيئة التخطيط إلى أخرى في محاولة يائسة لتعزيز سمعته وقاعدته الانتخابية، التي بدأت تظهر عليها علامات مقلقة على التراجع والانهيار.
وكأنه رجل سكر منتشيًا بالنجاح، يشعر الآن بجرأة تدفعه لخوض مغامرات جديدة، طالما أنه لا يبدو أن هناك من يستطيع إيقافه.

وبينما يتلفت بحثًا عن هدف آخر، يرى عددًا من الأنظمة يفضل رؤيتها تختفي من على وجه الأرض. وتأتي كوبا، بطبيعة الحال، على رأس القائمة.
ومن الواضح تمامًا أن الشخص الذي كان يدفع بقوة للتدخل في فنزويلا هو ماركو روبيو، الذي جعلته أصوله الكوبية عدوًا لدودًا لكوبا، وبالتالي لفنزويلا أيضًا، التي باتت الآن ممنوعة من إرسال أي كميات إضافية من النفط إلى الدولة الجزيرة.
يود ماركو روبيو بشدة مهاجمة كوبا، لكن لسوء الحظ، فإن التجارب السابقة لا تملأ البنتاغون بحماس كبير لمثل هذه الخطوة. فالكوبيون مسلحون جيدًا ومستعدون لمثل هذا الاحتمال. علاوة على ذلك، فإن تحالفاتهم الدولية مع بلدان مثل روسيا والصين أكثر صلابة بكثير مما كان عليه الحال مع فنزويلا.
لذلك ربما تُوضع قضية كوبا في الأدراج على مضض في الوقت الحالي. ثم هناك كولومبيا، التي يودون التعامل معها أيضًا، لكن كولومبيا بلد معقد للغاية، يغرق في السلاح ويمتلئ بالجماعات المستعدة لإبداء مقاومة شرسة.
وبناءً عليه، فهي ليست هدفًا مغريًا. ولكن هناك احتمال آخر، أكثر شهية بكثير: جزيرة غرينلاند.
غرينلاند
حتى وقت قريب جدًا، لم يكن هناك أي حديث يُذكر عن غرينلاند، فقد كانت بلدًا صغيرًا مجهولًا يقع في مكان ما هناك على شواطئ المحيط المتجمد الشمالي، حيث انشغل حفنة من السكان بسلام في صيد الأسماك والفقمات بشكل أساسي.
ثم يأتي دونالد ترامب ليعلن للعالم أنه ينوي جعل غرينلاند جزءً من الولايات المتحدة. وصرح قائلًا: “أريد غرينلاند.. إنها لنا. إنها ملك شرعي للولايات المتحدة، وهي ضرورية للأمن القومي”.
استمع قادة أوروبا إلى هذه التصريحات في حالة من الذهول التام، قائلين: “بالتأكيد لا يمكن أن يكون الرجل جادًا. لا يمكن أن يعني ما يقول. غرينلاند تتبع الدنمارك، والدنمارك عضو في حلف الناتو!”.
ومع ذلك، إذا كان هناك شيء واحد تعلمناه عن دونالد ترامب، فهو: إنه يعني ما يقول، ويفعل ما يقول إنه سيفعله. وهذا الأمر يخلق الآن حالة من الذعر في جميع أنحاء أوروبا.
إنهم يحاولون يائسين إقناع الرجل القابع في البيت الأبيض بتغيير مساره، لكن كل هذه المحاولات تذهب أدراج الرياح، فليس لدى دونالد ترامب أي نية لتغيير مساره، بل ينوي الاستحواذ على غرينلاند، بطريقة أو بأخرى.
يصرخ القادة الأوروبيون عبثًا بأن خطوة كهذه ستكون نهاية حلف الناتو. لكن دونالد ترامب لم يكن يومًا صديقًا حميمًا للناتو على أي حال، ولن ينزعج كثيرًا إذا ما اختفى الحلف غدًا.
إنه عصر جديد، عصر الإمبريالية الجامحة، الذي تكون فيه القوة هي الحق، وحيث سيُقسم العالم بأسره إلى مناطق نفوذ بين القوى العظمى.
ولسوء حظ الأوروبيين فقد انحدرت قارتهم إلى مستوى يرثى له، لدرجة أنها لم تعد تُصنف ضمن تلك الفئة.
ينتقل اهتمام دونالد ترامب الآن من أمريكا اللاتينية إلى منطقة أخرى من العالم، حيث المصالح الأمريكية المهمة، وحيث يواصل السعي وراء هدفه المعلن: السلام.
أقصد، بطبيعة الحال، الشرق الأوسط.
عام جديد، حروب جديدة
وابتهج رب الجنود بانتصار شعب إسرائيل، وتهلل بذبح المديانيين الكفرة. [1]
ورحب الرجل القابع في البيت الأبيض برفيق سلاحه وزميله في نصرة قضية السلام والوئام المقدسة: بنيامين نتنياهو.
واجتمعا على مأدبة معًا وابتهجا بانتصارات شعب إسرائيل المجيدة، هذا الشعب المختار من لدن القدير، والمتلقي الممتن لمبالغ طائلة من الأموال والأسلحة من الولايات المتحدة الأمريكية.
وسأل الرجل القابع في البيت الأبيض نتنياهو عن أحوال المرحلة الثانية من مبادرته للسلام في غزة.
عندها، بدت ملامح الجدية على زعيم بني إسرائيل، وأجاب: “أيها العاهل المرهوب، يؤسفني أن أبلغك أننا لا نستطيع الانتقال إلى المرحلة الثانية، لأن أبناء غزة قوم غلاظ الرقاب ويرفضون إلقاء سلاحهم، كما أمرت”.
فاستشاط الرجل القابع في البيت الأبيض غضبًا، وقال: “ليعرفوا غضب الرب. ليعاقبوا بالسيف والنار، حتى يتعلموا احترامنا ويفعلوا ما يؤمرون”.
فأجابه زعيم بني إسرائيل: “أيها الرب العظيم، هناك مشكلة صغيرة أخرى، فالإمبراطورية الفارسية الشريرة تهدد السلام مرة أخرى، وتعيد بناء مخزوناتها النووية وتصنع صواريخ جديدة”.
-“لكن هذا مستحيل! ألم أدمر برنامجهم النووي بالمتفجرات الشديدة؟”
-“أيها الرب المرهوب، هؤلاء الفرس دهاة كالحية في جنة عدن، وبالغوا في المكر، فقد وجدوا طرقًا للالتفاف على ذلك.”
-“إذن سوف ننهال عليهم بالسيف والنار. سنضربهم ضربة شعواء ونلقي بهم في الظلمة الخارجية حيث البكاء وصرير الأسنان.”
-“ليكن كذلك، أيها الرب العظيم. لتكن مشيئتك!”
وعاد أدراجه إلى القدس والابتسامة تمتد من الأذن إلى الأذن، وفي جعبته عقد جديد للأسلحة يضمه تحت ذراعه.
وهكذا ينتظر العالم مزيدًا من الحروب والانفجارات والموت والدمار.
طوبى لصانعي السلام، فإنهم سيرثون جائزة نوبل للسلام – عاجلًا أم آجلًا.
أشكركم على اهتمامكم بهذا الشأن.
وعام سعيد!
الهوامش:
[1] في حال لم تكن على دراية بهذه الواقعة اللطيفة من الكتاب المقدس، يمكنك العثور عليها مشروحة بالتفصيل في سفر العدد 31. تستحق القراءة!9 يناير/كانون الثاني 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية