
«لقد بلغ هذا الانحدار الفكري أدنى مستوياته في أشخاص القادة السياسيين في أوروبا. فقد قادوا هذه القارة التي كانت يومًا ما عظيمة إلى مستنقع من التدهور الاقتصادي والثقافي والعسكري، حيث انتهى بها الأمر إلى حالة من العجز التام.
«وبعد أن ضحوا بكل شيء على مدى عقود من أجل مصلحة الإمبريالية الأمريكية، واعتادوا الدور المهين: التابع الخاضع لواشنطن، يجدون أنفسهم اليوم وقد تخلى عنهم حلفاؤهم السابقون، وتُركوا ليواجهوا مصيرهم وحدهم.
«لقد انكشفت حماقتهم بالكامل الآن مع الهزيمة في أوكرانيا وانهيار أحلامهم العبثية بهزيمة روسيا وتدميرها باعتبارها قوة. وبدلًا من ذلك، يواجهون اليوم روسيا قوية متجددة، تمتلك جيشًا ضخمًا، ومسلحة بأحدث الأسلحة، ومرتكزة على سنوات من الخبرة القتالية.
«وفي هذه اللحظة الحرجة، يجدون أنفسهم وقد تخلت عنهم القوة التي كان يُفترض أن تأتي للدفاع عنهم. وها هم الآن يركضون كالدجاج المذعور، يتسابقون في التعبير عن دعمهم الأبدي الذي لا يتزعزع لفلاديمير زيلينسكي.
«إنهم يصرخون ويزمجرون ضد الرجل في البيت الأبيض، حيث يرونه المسؤول الوحيد عن الكارثة التي حلت بهم فجأة.
«لكن هذه الجوقة الهستيرية ليست سوى تعبير عن الذعر، الذي ليس بدوره سوى تعبير عن الخوف، إنه خوف خالص وأعمى وحاد. وخلف واجهة التحدي الزائفة، يقف هؤلاء القادة مشلولين رعبًا، كأرنب أعمته أضواء سيارة مسرعة نحوه».
كتبت هذه السطور في مقال بعنوان: ما الذي تعنيه ظاهرة دونالد ترامب: تحليل ماركسي، نشرناه في 21 مارس 2025. وهي تصف بدقة الوضع القائم في الوقت الحاضر. ولا أحتاج إلى تغيير كلمة واحدة أو حتى فاصلة.
الدافع إلى كتابة المقال الحالي هو نشر وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، وخطاب بيت هيغسيث في 6 ديسمبر في منتدى ريغان للدفاع الوطني، وهما في الجوهر شيء واحد.
لقد أكد ذلك كل ما قلناه، حتى قبل وصول ترامب إلى السلطة، بشأن استراتيجيته الأساسية. كتبنا عن هذا بإسهاب قبل اثني عشر شهرًا، وأحيل القارئ إلى ذلك المقال. لقد تطور الوضع منذ ذلك الحين، وبلغ الآن نقطة تحول حاسمة. لكن الاستراتيجية الأساسية لم تتغير.
يصف ترامب الوثيقة بأنها «خارطة طريق» لضمان بقاء الولايات المتحدة «أعظم وأنجح أمة في تاريخ البشرية». حتى الآن، يبدو الأمر مقلقًا بما يكفي. لكن ذلك لم يكن سوى فاتح شهية، أما الطبق الرئيسي فلم يقدم بعد. وقد كان سببًا في نوبة حادة من عسر الهضم لدى فئة معينة من الساسة.
الهجوم على أوروبا
تتضمن الوثيقة الجديدة قدرًا من الانتقاد لأوروبا الغربية يتجاوز بكثير الحدود المقبولة دبلوماسيًا، بل وحتى أبسط قواعد اللياقة، مركزة على سياساتها بشأن الهجرة والطاقة النظيفة وغيرها من القضايا.
تدعو الوثيقة إلى استعادة «الهوية الغربية» ومكافحة النفوذ الأجنبي وإنهاء الهجرة الجماعية، مع التركيز بصورة أكبر على أولويات الولايات المتحدة مثل «مكافحة عصابات المخدرات».
يرى الرجل القابع في البيت الأبيض نفسه الخبير الأول في مثل هذه الأنشطة، وتشمل أساليبه إغراق القوارب الصغيرة في الكاريبي، وقتل الصيادين التعساء الذين تصادف وجودهم على متنها، وأخيرًا وليس آخرًا، أعمال قرصنة تتضمن الاستيلاء على ناقلات نفط ضخمة وسرقة حمولاتها من أجل إثراء أرض الحرية.
وتتنبأ الوثيقة بثقة بأنه إذا استمرت السيرورات الحالية، فإن أوروبا المتدهورة والمنحلة «ستتغير خلال عشرين عامًا أو أقل»، وأن مشكلاتها الاقتصادية «تتضاءل أمام الاحتمال الحقيقي والأكثر فظاعة لمحوٍ حضاري».
وبناءً على ذلك:
«ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كانت بعض البلدان الأوروبية ستمتلك اقتصادات وجيوشًا قوية بما يكفي لتظل حلفاء موثوقين».
وتضيف الوثيقة أنه «من المعقول تمامًا» أنه خلال عقود قليلة سيصبح بعض أعضاء الناتو «ذوي أغلبية غير أوروبية»، وأنه «سؤال مفتوح» ما إذا كانوا سينظرون إلى الحلف بالطريقة نفسها.
تهديد الديمقراطية
تشيد الوثيقة بتنامي نفوذ «الأحزاب الأوروبية الوطنية»، وتقول إن «أمريكا تشجع حلفائها السياسيين في أوروبا على تعزيز هذا الإحياء للروح الوطنية».
والأسوأ من ذلك، أنها تتهم الاتحاد الأوروبي و«هيئات أخرى عابرة للحدود» بممارسة أنشطة «تقوض الحرية السياسية والسيادة».
تقول إن سياسات الهجرة «تخلق صراعات» وقضايا أخرى تشمل «الرقابة على حرية التعبير وقمع المعارضة السياسية وتراجع معدلات المواليد وفقدان الهويات الوطنية والثقة بالنفس».
هذه صفعة على وجه كل حكومة في أوروبا، وخاصة ألمانيا، حيث أقامت إدارة ترامب علاقات مع حزب البديل من أجل ألمانيا الذي تصنفه الاستخبارات الألمانية بأنه يميني متطرف. وقد بذلت المؤسسة الحاكمة في ألمانيا كل ما في وسعها لتشويه الحزب وعزله، بل والسعي إلى حظره إن أمكن.

في الواقع، فإن الاتهام بأن أوروبا تسير بسرعة نحو حكم معادٍ للديمقراطية وسلطوي له ما يبرره. حيث نرى نزعة تميزية صريحة وواضحة وشيطنة متنامية للأحزاب التي لا تنسجم مع أفكار ومصالح المؤسسة «الليبرالية».
وتعد حالة رومانيا مثالًا دالًا في هذا الصدد. ففي ذلك البلد — الذي يُفترض أنه ديمقراطي — منع المرشح الأكثر شعبية وفقًا لاستطلاعات الرأي من الترشح للانتخابات، واعتقل بتهم ملفقة لم ينجح أحد في إثباتها.
بل إن السلطات الرومانية ذهبت إلى حد إلغاء الانتخابات لمجرد أنها لم ترضى عن نتيجتها. هذا الانتهاك الصارخ لأبسط قواعد الديمقراطية لم يُدن من طرف الاتحاد الأوروبي. بل على العكس، جرى تبريره والإشادة به بوصفه «دفاعًا عن الديمقراطية».
وعلق وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بحدة قائلًا إن بلاده لا تحتاج إلى «نصائح من الخارج».
وسارع إلى التأكيد أن «الولايات المتحدة هي أهم حليف لنا في إطار [الناتو]، وستظل كذلك»، لكنه أضاف أن «هذا الحلف معني بقضايا الأمن».
«أعتقد أن مسائل حرية التعبير أو تنظيم مجتمعاتنا الحرة لا تنتمي [إلى هذه الاستراتيجية]، على الأقل عندما يتعلق الأمر بألمانيا».
من الواضح جدًا أن السلطات الألمانية تود بشدة أن تحذو حذو رومانيا وتحظر حزب البديل من أجل ألمانيا. ومهما يكن الرأي في أحزاب مثل هذا الحزب، فإن من حق الشعب الألماني — وحده — أن يقرر أي حزب يريد التصويت له في الانتخابات.
إنه حق ديمقراطي أساسي، كان يُعد حتى وقت قريب مقدسًا في الديمقراطيات الأوروبية. لكن الأمر لم يعد كذلك. من الواضح أن التزام النخبة الليبرالية بالديمقراطية له حدود محددة.
فهم يؤيدون الانتخابات، ولكن فقط إذا فاز الحزب الذي يمثل أيديولوجيتهم ومصالحهم. أما إذا لم يكن الأمر كذلك، فلا يرون سببًا للسماح لمثل هذه الأحزاب حتى بالوجود.
لكل هذه الأسباب — وغيرها الكثير — فإن ما تقوله الوثيقة عن الإجراءات المعادية للديمقراطية في أوروبا صحيح. لكن ما لا تقوله الوثيقة — ويجب قوله — هو أن الوضع نفسه قائم في الولايات المتحدة أيضًا. ودونالد ترامب، أكثر من غيره، ينبغي أن يدرك ذلك.
حالة ذعر في أوروبا
تمثل هذه الوثيقة قطيعة أساسية مع مجمل السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وقد تركت حلفاء واشنطن في أوروبا في حالة من الصدمة العميقة.
عندما وصل هذا النص مكاتب وزارات خارجيتهم كان تأثيره انفجاريًا كقنبلة نووية. وبدأت أجراس الإنذار تُقرع بجنون في كل مجالس الوزارات الأوروبية.
تصور الوثيقة أوروبا باعتبارها قارة في انحدار وحضارة آخذة في الأفول. والأسوأ من ذلك أن الاتحاد الأوروبي يُقدم بوصفه نقيضًا للنمو والتطور والإبداع.
وما تزال الارتدادات الناتجة تهز أسس التحالف الغربي. ومرة أخرى، بدأ السياسيون يركضون كالدجاج الذي اكتشف فجأة أن الثعلب قد ظهر في ساحة المزرعة.
وكما هو حال ذلك الدجاج المذعور وهو يحدق في وجه الثعلب، كان رد فعلهم الأول هو الشلل. لبرهة، التزموا صمتًا مذهولًا، كاتمين غضبهم خشية استفزاز المعتوه القابع في البيت الأبيض ودفعه إلى خطوات أكثر تطرفًا.
وحين لم يعد بالإمكان كبح مشاعر السخط والإحباط، بدأ قادة أوروبا يرفعون أصواتهم احتجاجًا على هذا «الاعتداء» غير المبرر على كرامتهم وشرفهم.
وقد حذر مسؤول رفيع في الاتحاد الأوروبي الولايات المتحدة من التدخل في شؤون أوروبا، قائلًا: «المواطنون الأوروبيون وحدهم هم من يقررون أي الأحزاب يجب أن تحكمهم».
أما دونالد توسك، رئيس وزراء بولندا المتشدد، فيواصل تكرار وجود ما يُسمى بالتجمع الغربي بهوس يكاد يقارب الهستيريا، حتى بعد أن أعلنت الولايات المتحدة — أحد مكوناته الرئيسية — نهايته علنًا.
ويصر على أن هذا التجمع الغربي غير الموجود يكون في أقوى حالاته عندما يكون موحدًا، حيث يتحد ضد الأعداء والخصوم (ويقصد الروس، لكنه يخشى حتى ذكر اسمها صراحة في المجالس المهذبة).
يردد قادة أوروبيون آخرون العبارات ذاتها، كالببغاوات المدربة جيدًا. مما يبعث على الظن أنه نص معد سلفًا، وملزمون جميعًا بتكراره، على أساس أن تكرار الشيء مرات كافية كفيل بجعل الناس يصدقونه.
لكن المشكلة أنه يبدو أن لا أحد يصغي إليهم. ويبقى التجمع الغربي سيئ الحظ ميتًا ميتة لا رجعة فيها، كما كان قبل أن يبدأوا صخبهم.
ومع ذلك، يُدفعون إلى نشاط محموم (مؤتمرات غير علنية لا تنتهي وخطابات جوفاء)، بدافع الاعتقاد بأن «شيئًا ما يجب فعله!». ولسوء الحظ، يتبين أن هذا «الشيء» ليس إلا: لا شيء على الإطلاق.
المشكلة أن هؤلاء القادة استيقظوا فجأة على حقيقة أن نفوذهم في واشنطن ليس بالحجم الذي تخيلوه. بل إنه، في الواقع، غير موجود.

يفحصون كل جملة، كل سطر، كل نقطة وفاصلة في الوثيقة اللعينة، باحثين بيأس عن أي لمحة عزاء. لكنهم لا يحصدون إلا صفعة بعد أخرى.
وقال دبلوماسي أوروبي، طالبًا عدم الكشف عن هويته: «النبرة تجاه أوروبا لا تبشر بخير. إنها أسوأ حتى من خطاب فانس في ميونيخ في فبراير».
أبدى السياسيون والمسؤولون الأوروبيون امتعاضهم من نبرة واشنطن، لكنهم في الوقت الذي يسارعون فيه لإعادة بناء جيوشهم المهملة لمواجهة التهديد الروسي المتصور ما يزالون يعتمدون بشدة على الدعم العسكري الأمريكي. لذلك يتعين عليهم توخي الحذر الشديد في تصريحاتهم العلنية، خشية إغضاب الرجل في البيت الأبيض، المعروف بحساسيته وعدم تسامحه مع النقد.
ولهذه الأسباب جميعًا، خيم مزاج من الكآبة العميقة على أروقة السلطة في معظم بلدان أوروبا كغيمة سوداء كثيفة. وما إن استقرت تلك الغيمة حتى بدأت حالة أخرى، أشد إثارة للقلق، تتشكل خلفها. اسم هذه الحالة هو الذعر. ذعر أعمى جامح لا يمكن السيطرة عليه يقود في نهاية المطاف إلى شلل الإرادة.
لكن في نهاية المطاف، سيتعين على الأوروبيين أن يلملموا شتاتهم ويضعوا استراتيجية لإفشال خطة ترامب للسلام في أوكرانيا. فذلك، في نظرهم، هو السبيل الوحيد لمنع الولايات المتحدة من فك ارتباطها بأوروبا وتركهم يتحملون كلفة الحرب في أوكرانيا.
لماذا هذا الانفجار؟
السؤال الأول الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن تفسير هذا الانفجار المفاجئ من الصدمة والغضب وعدم التصديق؟ ففي نهاية المطاف، إن نشر مثل هذه الوثائق ليس أمرًا جديدًا. بل على العكس تمامًا.
عادة ما يصدر الرؤساء استراتيجية الأمن القومي مرة واحدة في كل ولاية انتخابية. وهي تشكل إطارًا للسياسات والميزانيات المستقبلية، كما تشير للعالم ما هي أولويات الرئيس.
ولذلك فإن كل إدارة أمريكية جديدة تنشر مراجعة للأمن القومي. إنه أمر اعتيادي بقدر فنجان القهوة وصحيفة الصباح على مائدة الإفطار.
ظاهريًا، إذن، كان ينبغي لاستلام مثل هذه الوثيقة ألا يثير أكثر من تثاؤب وتعبير عن ملل شديد. والسبب ليس صعب الاكتشاف.
قبل الوثيقة الحالية، كانت كل الوثائق من هذا النوع — مع بعض التعديلات الطفيفة هنا وهناك — تسير على الخط ذاته، الخطوط التقليدية للإمبريالية الأمريكية: الهيمنة على العالم في جوهرها، لكن تحت راية ما يُسمى بـ«النظام الدولي القائم على القواعد». والسبب في ذلك أن كل إدارة جديدة لم تكن تتدخل سوى بتعديلات طفيفة على صياغتها.
أما الكتاب الحقيقيون فكانوا أعضاء الحكومة الفعلية للولايات المتحدة، تلك التي لا ينتخبها أحد ولا تُحاسب إلا أمام نفسها. فإلى جانب الزخارف الشكلية للديمقراطية، يوجد دائمًا كيان غامض وصفه البعض بـ«الدولة العميقة». ومهما كانت التسمية، فإنه يمثل الحكومة الحقيقية والدائمة للولايات المتحدة.
الرجال والنساء الذين يشكلون هذه الحكومة الدائمة السرية هم، جزئيًا، الجنرالات والادميرالات الذين يديرون البنتاغون وأجهزة الأمن — الـCIA والـFBI ووزارة الأمن الداخلي، وغيرها من الكيانات البيروقراطية المماثلة.
ومن جهة أخرى، ترتبط هذه الشبكة ارتباطًا وثيقًا بكبار رجال الأعمال والبنوك ووول ستريت، وجميع الأثرياء الذين يشكلون ما يُعرف بالمجمع الصناعي العسكري.
وأخيرًا، وليس آخرًا على الإطلاق، هناك ما يمكن تسميته بالجناح الفكري لهذه العصابة القوية: عشرات مراكز الأبحاث الحكومية وشبه الحكومية التي تحوم حول واشنطن مثل الدبابير.
وهؤلاء بدورهم يرتبطون ارتباطًا وثيقًا بوسائل الإعلام المأجورة التي تسمى على نحو يثير السخرية «الصحافة الحرة».
يكمل أساتذة الجامعات من ييل وهارفارد الصورة. ويجب التأكيد هنا أن أقل ما يعني هؤلاء هو الموضوعية الأكاديمية.
كل فرد من أفراد هذه الزمرة اليمينية المتطرفة هو نتاج عقود من الدعاية الرجعية التي ورثت مباشرة من سنوات الحرب الباردة.
مشبعون بروح عداء لا ينطفئ تجاه روسيا والصين، ودافعوا دائمًا عن فكرة التفوق الأمريكي العالمي.
وما زالوا ينظرون إلى أمريكا بوصفها أقوى أمة في العالم، أمة ينبغي لجميع الأمم الأخرى أن تنحني أمامها، وإلا واجهت عواقب وخيمة.
ينظرون إلى «حلفائهم» بالطريقة نفسها التي كان الرومان ينظرون بها إلى حلفائهم، أي مجرد بيادق في لعبة دبلوماسية القوى الكبرى، يُستخدمون ثم يُلقون جانبًا كأنهم نفايات لا قيمة لها.
لعقود، كانت الولايات المتحدة تعتبر حلف الناتو مدافعًا صلبًا عن «الديمقراطية». لكن التجربة الطويلة علمتنا أن راية «الديمقراطية» بالنسبة للإمبريالية الأمريكية ليست سوى ستار رقيق لإخفاء اعتداءاتها المستمرة على البلدان الأخرى.

في السنوات الأخيرة، بدأوا يبررون هذه الاعتداءات بالدفاع عما يسمونه «النظام الدولي القائم على القواعد». والمقصود بذلك هو أي «قواعد» تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها على بقية العالم.
أما قادة أوروبا، فكانوا سعداء بقبول قيادة الولايات المتحدة، معتقدين — بسذاجة — أن الأمريكيين سيحافظون دائمًا على مصالحهم وسيهبون للدفاع عنهم عند الحاجة.
استمر هذا الوهم المريح لفترة طويلة. لذلك كان بوسع قادة أوروبا أن يتوقعوا بثقة أن أحدث استراتيجية أمن قومي أمريكية لن تكون سوى تكرار للعقيدة ذاتها.
لكنهم كانوا مخطئين. لقد تغير الزمن. وتغير معه أيضًا تصور واشنطن لأمنها القومي.
افتراضات خاطئة
هذه الوثيقة الجديدة، التي تعكس الموقف الرسمي للرئيس الأمريكي وإدارته، كانت شيئًا لم يتوقع أي منهم رؤيته حتى وقت قريب جدًا.
لقد أدركوا أن تغييرًا عميقًا يجري في الولايات المتحدة تحت السطح. فعدد متزايد من الأمريكيين أصبح أكثر تشككًا في السياسة الخارجية الأمريكية المعتاد اتباعها خلال الثمانين عامًا الماضية.
ويتنامى الاستياء من حجم الموارد الأمريكية التي تُهدر في حروب لا تنتهي ومغامرات خارجية عقيمة. كما أن أخبار الفساد في أوكرانيا، التي بدأت تتسرب إلى وسائل الإعلام الأمريكية، تزيد الشكوك والغضب.
كل ذلك يغذي رغبة متصاعدة لتغيير السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وهذا يحمل تداعيات عميقة على أوروبا. فعلى مدى ما لا يقل عن الثلاثين عامًا الماضية، منذ نهاية الحرب الباردة، بنت الحكومات الأوروبية الرئيسية سياستها على افتراضين. الأول هو وجود «تجمع غربي»، أي مشروع مشترك تكون فيه الولايات المتحدة الشريك الأكبر، لكن تشترك فيه جميع الحكومات الأوروبية والنخب الأوروبية بمصلحة مشتركة.
أما الافتراض الثاني فكان أنه لا حدود للقوة الأمريكية، وأن الولايات المتحدة قادرة على تحقيق أي هدف تختاره. والآن، بضربة واحدة، أُلقيت كل هذه الأوهام المقدسة في مزبلة التاريخ دون مراسم.
وفجأة، باتت الولايات المتحدة، بدل أن تنظر بعين الرضا إلى حكومات وقادة أوروبا، تميل أكثر فأكثر إلى رؤيتهم، لا بصفتهم حلفاء وأصدقاء، بل بصفتهم خصوم، بل وحتى أعداء.
يا له من وضع صادم حقًا! غير أن تطورات أشد تهديدًا وإثارة للرعب تلوح الآن في الأفق.
دور أمريكا العالمي
يجب النظر إلى كل ما سبق باعتباره الخلفية التي صدرت في سياقها تلك الوثيقة التي أثارت ضجة هائلة، وقد اتضحت الأسباب الآن.
فالوثيقة الحالية لا تشبه أي وثيقة سابقة صدرت عن واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وما تمثله في جوهره هو إعادة تقييم كاملة لدور أمريكا في العالم.
لقد أدرك دونالد ترامب أن القوة الأمريكية ليست بلا حدود. وقد كانت التجارب الأخيرة في العراق وأفغانستان دليلًا واضحًا على ذلك. والآن يتجلى الأمر بوضوح أكبر في ساحات القتال في أوكرانيا.

وأخيرًا، اضطر إلى مواجهة الواقع. والواقع واضح تمامًا: لقد خسرت أوكرانيا الحرب. ولا يوجد على الإطلاق ما تستطيع أمريكا، أو أي طرف آخر، أن تفعله حيال ذلك.
هو يدعو الآن إلى تخلي أمريكا عن ادعائها السعي إلى الهيمنة على العالم. فالمصلحة الجوهرية للأمن القومي الأمريكي لم تعد تتمثل في السيطرة على العالم بأسره، بل في إحكام قبضتها أولًا على كامل نصف الكرة الغربي، من غرينلاند إلى تييرا دل فويغو.
هذا هو «ملحق ترامب» بمبدأ مونرو. وهدفه الرئيسي هو إزالة العناصر الأجنبية من القارة، أي إبقاء نصف الكرة الغربي خاليًا من أي تغلغل أجنبي معادٍ أو من ملكية أجنبية للأصول الاستراتيجية. وهذا يعني، قبل أحد آخر، الصين.
في المحصلة النهائية، ينطوي الأمر على استعراض للقوة العارية، يهدف إلى إرغام كل الحكومات جنوب نهر ريو غراندي على الخضوع للهيمنة الأمريكية. وتشكل الإجراءات العدوانية الأخيرة المتخذة ضد فنزويلا تجسيدًا ملموسًا للمعنى الحقيقي لهذه العقيدة.
ولتحقيق هذا الهدف، لا بد أولًا من تعزيز الولايات المتحدة عسكريًا وتكنولوجيًا وصناعيًا واقتصاديًا. والشرط المسبق لذلك هو تحرير أمريكا من التورطات الخارجية غير الضرورية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا. غير أن ذلك أسهل قولًا منه فعلًا، كما اكتشف بنفسه.
ترامب يخرج عن المسار
انكشفت حالة عجز ترامب من خلال تذبذباته المستمرة، إذ كان ينتقل من موقف إلى آخر، كالرجل الثمل يتخبط من عمود إنارة إلى آخر دون أن يستعيد توازنه.
بعد ما يقرب من عام في الحكم، لا يرى العمال أي تحسن في مستويات معيشتهم. لا توجد مؤشرات على تعافٍ اقتصادي. على العكس، تتزايد الدلائل على أن الولايات المتحدة تتجه نحو ركود ، إن لم يكن قد بدأ بالفعل.
بدأت قاعدته داخل حركة لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى (MAGA) تُظهر ضيقها من بطء التقدم على عدة جبهات. وسياسته الخارجية حافلة بإخفاق وراء إخفاق.
يزيد الإحساس بالفشل تفاقمًا بسبب الخطاب العبثي والتفاخر الأجوف من جانب الرئيس، إذ يخلق أوهامًا كبيرة تنتهي بخيبات أمل أكبر.
يمكن انتقاد ترامب لأسباب عديدة. وعلى وجه الخصوص، فإن فهمه للدبلوماسية ضعيف للغاية. فالمهارات التي اكتسبها من تجربته في سوق العقارات بنيويورك لم تكن كافية إطلاقًا لارشاده عبر المستنقع الماكر للعلاقات الدولية.
إن اعتماده على غرائزه الخاصة بدل الحسابات العقلانية الباردة فتح الباب أمام سلسلة من الأخطاء المتلاحقة. فهو في ميدان الدبلوماسية لا يبدو كثورٍ في متجر خزف فحسب، بل أقرب إلى وحيد قرن مخمور يندفع هنا وهناك دون أن يحقق أيًا من أهدافه.
أما تفاخره المفرط بصنع السلام فينكشف بوصفه خطابًا فارغًا. فهو يدعي أنه أنهى حرب غزة، وأن طفرة استثمارية ستنطلق جالبة الرخاء للجميع في عالم من السلام والنعيم.
غير أن الوقائع تثبت أن ما يسمى بالاتفاق في غزة معلق بخيط رفيع. فنتنياهو لا يريد السلام ويرفض سحب قواته من أنقاض تلك الأرض المنكوبة. وفي المقابل، ترفض حماس نزع سلاحها، إذ لا رغبة لديها في الانتحار طوعًا.
كما لم تحقق مبادرات ترامب للسلام نجاحًا يذكر في مناطق أخرى من العالم. فبعد هدنة قصيرة، تجددت الاشتباكات بين كمبوديا وتايلاند، حيث تبادل الطرفان الهجمات بالصواريخ وقصف المدفعية.
ورغم الضجيج الإعلامي الأخير، فإن الحقيقة أن خططه للسلام في أوكرانيا لم تسفر حتى الآن عن أي نتيجة تذكر.
وكان ذلك محتومًا منذ البداية، لأن مفاوضاته قامت على فرضية خاطئة، وهي إمكانية التوصل إلى تسوية بين مطالب روسيا ومطالب النظام في كييف.
لقد أنفقت أمريكا مبالغ طائلة لدعم نظام زيلينسكي في كييف، واستنزفت جزءً كبيرًا من ترسانتها عبر إمداده بكميات هائلة من الأسلحة والذخائر لمواصلة حرب بات واضحًا أنه يخسرها. لذلك يحتاج ترامب إلى وضع حد للحرب في أوكرانيا وبشكل عاجل، إن لم يكن فورًا.
الأزمة في أوكرانيا
بعد أن درس جميع الخيارات، خلص دونالد ترامب إلى أن العقبة الرئيسية في طريق السلام في أوكرانيا تكمن تحديدًا في الحملة المنهجية لتخريب خطته للسلام، والتي يشنها زيلينسكي والأوروبيون.
وهذا الافتراض صحيح تمامًا. فزيلينسكي لا يريد السلام. على العكس، هو بحاجة إلى استمرار الحرب، رغم أنه لا بد أن يكون قد أدرك الآن أنها خاسرة. إن مواصلة صراع عبثي كهذا تعني موت آلاف، وربما عشرات الآلاف، من البشر. لكن ذلك لا يعني له شيئًا.
الأهم بالنسبة لزيلينسكي من موت شعبه ومعاناته هو أن نهاية الحرب تعني إجراء انتخابات سيخسرها بلا شك. وهذا يعني نهاية مسيرته السياسية، وربما توجيه اتهام له بالفساد.
لقد بلغ الفساد في أوكرانيا مستويات وبائية. وهو يشمل مبالغ طائلة تبرعت بها جهات مختلفة إلى دعم المجهود الحربي، لكنها انتهت في الحسابات المصرفية في جزر الكاريبي لأثرياء من الأوليغارشيين والمسؤولين.
وهذا مؤشر إضافي واضح على التفكك والانهيار الوشيك. فالمقربون من زيلينسكي متورطون في الفضيحة، ويغادرون البلاد هربًا من الاعتقال.

أحدث المتهمين هو نائبه، أندريه بوريسوفيتش يرماك. لكن موجة الفضائح لا تبدو في طريقها إلى الانحسار، بل إن رذاذها بدأ يطال الرئيس نفسه. ولا عجب أنه يقضي معظم وقته في زيارة أصدقائه في أوروبا، الذين يستطيعون أن يمنحوه قدرًا من المواساة في خضم مشكلاته الكثيرة.
في خضم فضيحة الفساد الهائلة هذه، يواصل ستارمر وماكرون وميرتس وأورسولا فون دير لاين وغيرهم من أفراد العصابة ذاتها المطالبة بمبالغ طائلة من أجل إطالة أمد حرب إجرامية دامية.
أوكرانيا المنكوبة النازفة والمثخنة بالجراح جاثية على ركبتيها، وجيشها يتعرض لتدمير منهجي، فيما تُزهق أرواح لا تحصى بلا معنى في محاولة لمنع سقوط دونباس، الذي لم يعد سوى مسألة وقت.
الجنود الأوكرانيون يرفضون بشكل متزايد تنفيذ أوامر إرسالهم إلى المذبحة. كثيرون يفرون أو يستسلمون. وقد غادر مئة ألف شاب البلاد هربًا من التجنيد.
تتعرض المدن الأوكرانية لهجمات بأكثر من 500 طائرة مسيرة وصاروخ روسي كل ليلة، في ظل دفاعات محدودة أو منعدمة. وقد سُحق نظام الطاقة، بحيث تقضي عائلات أوكرانية كثيرة 16 ساعة يوميًا في الظلام، بلا تدفئة ولا مرافق للطهي.
لا يهم! من يكترث إن مات الناس ودمرت المدن؟ من يكترث إن عانى السكان في برد قارس؟ من يكترث إن كان الجيش الأوكراني يُستنزف بصورة منهجية؟ المهم هو الاستمرار في القتال! فقط دعوا الحرب تستمر قليلًا بعد، وعندها — لا بد أن تنتصر أوكرانيا في النهاية!
الولايات المتحدة وروسيا
يمثل تقرير المراجعة الأمنية تحولًا جذريًا في موقف الولايات المتحدة من روسيا. فهو لا يتحدث عن روسيا بوصفها خصمًا أو منافسًا، بل دولة ينبغي للولايات المتحدة أن تسعى إلى استعادة قدر من الاستقرار في علاقاتها معها، وأن تعمل معها على استقرار الوضع في أوروبا.
لكن لماذا يبدو الأوروبيون مصممين إلى هذا الحد على تخريب جهود ترامب للتفاوض مع الروس؟ كيف يمكن تفسير هذا الهوس الغريب — ولا أجد كلمة أدق — الذي يبديه القادة الأوروبيون تجاه روسيا؟ ولماذا يظهرون كل هذا القدر من العداء الشديد لها؟
للوهلة الأولى، يبدو الأمر غير عقلاني تمامًا. فمهما كان الرأي في صواب أو خطأ الحرب في أوكرانيا، من الواضح تمامًا — لكل من لم يعمه العمى — أن الروس يتقدمون، فيما يخسر الأوكرانيين.
إذا كان الأمر كذلك، فإن الخطوة المنطقية هي السعي إلى التوصل إلى تسوية تفاوضية ما، وهذا يعني حتمًا الدخول في مفاوضات مع الروس، الذين يشكلون في الواقع العنصر الحاسم في المعادلة.
من دون مثل هذه المفاوضات، ومن دون الاعتراف بالمخاوف المشروعة لروسيا، وقبول أن أي سلام الآن لا بد أن يكون، إلى حد بعيد، طبقًا لشروطها، فلن يكون هناك سلام.
لذلك، فإن معارضة المفاوضات بين الأميركيين والروس تبدو — أقل ما يقال — غير عقلانية. لقد شيطن القادة الأوروبيون روسيا، ويصورونها كأنها بلد، لأسباب لم تُشرح قط بشكل مقنع، عدوانية وتوسعية بطبيعتها. وكأنهم يرون أن هذا أمر متجذر في الحمض النووي للشعب الروسي!
وبناءً على ذلك، فإذا نجح الروس في احتلال أوكرانيا فسوف يندفعون غربًا بلا شك، حتى تظهر جيوشهم أمام قصر وستمنستر وتُصف دباباتهم على ضفاف نهر السين.
إن هدف رجال الكرملين — كما يقال — هو غزو أوروبا بأسرها واحتلالها. والشهية، كما نعلم، تأتي مع الأكل. هذه الحكاية الطفولية تكرر بلا انقطاع، حتى في الصحف التي تزعم الجدية. أما حقيقة أنها لا تستند إلى أي أساس واقعي فمسألة ثانوية تمامًا. فلِمَ نسمح للوقائع أن تفسد قصة جيدة؟
إلى أي مدى تستند هذه الروسوفوبيا إلى أساس حقيقي؟ سؤال مثير للاهتمام، وربما يحتاج إلى طبيب نفسي مؤهل ليبدي رأيًا فيه. لا شك أن قدرًا كبيرًا من النفاق والحسابات المصلحية الضيقة يختبئ وراء هذا الكم من الدعاية.
غير أنه، في حالة أشخاص مثل كايا كالاس وأورسولا فون دير لاين، يبدو أن مستوى التعصب الأعمى في مقاربتهم لروسيا ولكل ما هو روسي يحمل، على الأقل جزئيًا، طابعًا مرضيًا.
ومع ذلك، ثمة سبب عقلاني لسلوكهم الذي يبدو غير عقلاني. وكما قال شكسبير: «قد يبدو هذا جنونًا، ولكن فيه منهجًا».
تُبلغ الولايات المتحدة الأوروبيين بأن النصر على روسيا في أوكرانيا لم يعد ممكنًا، وأن الخيار الصائب هو السعي إلى إقامة علاقة مستقرة مع روسيا في أوروبا.
ويترتب على ذلك أن هدف الإدارة الأميركية هو الوصول إلى وضع تستطيع فيه الولايات المتحدة أن تخفف تدريجيًا من وجودها في أوروبا، بينما تركز على قضايا أخرى أكثر إلحاحًا وأهمية، ولا سيما الصراع مع الصين.

هذا لا يعني أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في مواصلة الحرب في أوكرانيا فقط، بل يعني أيضًا، انطلاقًا من مصالحها الوطنية كما تراها، تسعى إلى نوع من التقارب، أو على الأقل إلى قدر من استقرار العلاقات، مع روسيا.
هذا هو الكابوس الأسوأ والأكثر إثارة للفزع بالنسبة لقادة أوروبا. ولذلك سيفعلون كل ما في وسعهم لمنع تحقق هذه الخطة. وهذا ما يفسر جهودهم المحمومة لتخريب جميع مبادرات ترامب الرامية إلى وضع حد للحرب في أوكرانيا.
وهنا يجد نفسه دائمًا في مواجهة المشكلة المستعصية ذاتها.
زيلينسكي والأوروبيون
تجري المفاوضات بين الأميركيين والروس، لكن من الواضح تمامًا أن زيلينسكي والأوروبيين يقفون ضدها. لقد أثارت عمليات التخريب المتواصلة من جانب الأوكرانيين وحلفائهم الأوروبيين غضب ترامب إلى حد كبير، وهو الآن يصعد الضغط على زيلينسكي، بل ويهاجمه علنًا.
من الواضح أن موقع زيلينسكي يزداد ضعفًا ويغدو أكثر هشاشة يومًا بعد يوم. فالعجز الهائل في الموازنة الأوكرانية يعني أن البلاد مفلسة فعليًا. أما تمويل العام المقبل، الذي لا يمكن أن يأتي إلا من الاتحاد الأوروبي، فيعتمد كليًا على مصادرة الأصول الروسية المجمدة، وهو ما تعارضه بلجيكا.
إذا لم يتم تجميع هذه الأموال خلال الأسابيع القليلة المقبلة، فلن يكون لأوكرانيا موازنة للعام القادم، لا أموال لمواصلة الحرب، ولا حتى ما يكفي لمنع أوكرانيا من الغرق.
الأمور تتجه نحو نقطة الانفجار. ولزيادة الطين بلة، بلغت فضيحة الفساد ذروتها، وهي فضيحة تورط فيها عدد كبير من أبرز داعمي زيلينسكي والمقربين منه. ولم يتبقى سوى بعض الوقت قبل أن تمس هذه الفضيحة شخص الرئيس نفسه.
وقد أطلق ترامب تلميحًا واضحًا حين قال إنه يعتقد أن إجراء انتخابات في أوكرانيا ستكون «فكرة جيدة». أما زيلينسكي، الذي يخشى الانتخابات كما يخشى الشيطان الماء المقدس، فلم يُبد أي استعجال في التقاط هذه الإشارة.
لكن الآن، وقد بات محاصرًا، عاد فجأة ليقول إنه لا يعارض إجراء الانتخابات، شريطة أن يتمكن الأميركيون من «ضمان الشروط». أي شروط هذه؟!
في الواقع لن تجرى أي انتخابات. زيلينسكي يدرك أن الأرض باتت تهتز تحت قدميه. ويتزايد عدد الذين يخرجون فجأة من الظل لمعارضته، حتى من داخل معسكره نفسه.
من الواضح أن السكاكين قد شحذت في كييف. ففي زوايا السلطة المعتمة تجري نقاشات همسًا حول أن القائد الحالي قد استنفد دوره، وأن الوقت قد حان للبحث عن بديل له.
لكن هذا أيضًا أسهل قولًا منه فعلًا. فالوقت الأنسب لإزاحته كان على الأرجح قبل اثني عشر شهرًا. أما في الفترة الأخيرة، فقد اتخذ خطوات لتعزيز قبضته على سلطة الدولة. ويبدو أنه يسيطر بإحكام على الجيش وأجهزة الاستخبارات، على الأقل في الوقت الراهن. غير أن هذا الوضع قد يتغير بقدر ما يفقد دعم واشنطن، وتبدأ منابع المال في الجفاف. فسلسلة من الانتكاسات الخطيرة على الجبهة قد تشعل أزمة حكومية، تقود في نهاية المطاف إلى سقوط السيد فلاديمير أوليكساندروفيتش زيلينسكي.
أوهام حول أوكرانيا
تورد الوثيقة أن “إدارة العلاقات الأوروبية مع روسيا ستتطلب انخراطًا أمريكيًا ملموسًا”، مضيفة أن إنهاء الأعمال العدائية في أوكرانيا يمثل مصلحة جوهرية للولايات المتحدة. وعلى الرغم من النبرة الواثقة للغاية التي صيغ بها النص، إلا أن مضمونه جاء فارغًا تمامًا من أي محتوى حقيقي.
تزعم الوثيقة أن أوروبا تعاني نقصًا في “الثقة بالنفس” في علاقتها مع روسيا، وهذا في الواقع تقليل للأزمة إلى حد العبث، فالمسألة ليست افتقار القادة الأوروبيين للثقة في تعاملاتهم مع روسيا، بل الحقيقة الصارخة هي أنه ليس لديهم أي تعاملات معها على الإطلاق.
إنهم لا يريدون أي علاقة مع روسيا، فهم ينظرون إليها بمزيج من الكراهية الصريحة والخوف والريبة. وفوق هذا كله، هم لا يريدون للولايات المتحدة أن تربطها أي علاقة بروسيا أيضًا.
هذا هو المحرك الأساسي لكل تفكيرهم في الوقت الراهن، وهو ما يمثل كعب أخيل جميع المفاوضات الجارية حاليًا بين روسيا والغرب.
ما هي الحقائق؟
لقد طرحت إدارة ترامب خطة لإنهاء الحرب، نصت نسختها الأصلية على أن تتنازل أوكرانيا عن بعض الأراضي لصالح السيادة الروسية الفعلية.
غير أن موسكو أكدت مرارًا أنه لا بديل عن انسحاب القوات الأوكرانية من منطقة دونباس الشرقية، وإلا فإنها ستحقق كامل أهدافها بقوة السلاح.
والحقيقة الجلية أن الروس الآن يمسكون بزمام الأمور في أي مفاوضات، لسبب بسيط هو أنهم يحسمون الحرب لصالحهم. ومن ثم، فهم لا يرون أي داعٍ لتقديم أي تنازلات مهما كانت، ولن تثنيهم التهديدات أو الضغوط أو الإغراءات عن موقفهم هذا.
أما زيلينسكي، فهو من جانبه يرفض بعناد أي مقترح لتقديم تنازلات، متمسكًا بخيار “النصر العسكري”، ويلقى في جنونه هذا دعمًا حماسيًا من مجموعة من المهرجين وناقصي الأهلية الذين يمسكون بمصير أوروبا اليوم.
طوال شهور مضت، امتلأت صفحات الصحف الغربية بتقارير تتناول كواليس الدبلوماسية وتحركاتها بشأن أوكرانيا. ويجري تداول وتحليل فيض من الوثائق المنسوبة لجهات مجهولة بدقة بالغة، رغم عجز الجميع عن تحديد هوية كاتبها أو ما تمثله فعليًا.
كما يخضع كل تصريح يدلي به دونالد ترامب، وكل لقاء عابر مع هذا القائد الأوروبي أو ذاك، وكل اجتماع عقيم ومستمر لما يسمى تحالف الراغبين ذي الاسم المضحك، لتحليلات مفصلة ومملة.
ويُقدم هذا السيل المتواصل من الثرثرة الفارغة لجمهور كف منذ زمن عن إعارة الأمر أدنى اهتمام، بوصفه أرفع تجليات الدبلوماسية المعاصرة.
وبخلاف ذلك، لا تكاد نجد كلمة واحدة تعكس الأحداث الحقيقية في ميدان القتال، البعيد كل البعد عن بهرجة الدبلوماسية الزائفة. فمصير الحروب لا تقرره الكلمات وإنما القنابل والرصاص والمدافع، وجدوى أي حل دبلوماسي تحددها في نهاية المطاف وقائع الميدان، ولا شيء غيرها.
إن السؤال الجوهري الذي يحكم كل ما عداه هو الوضع على الجبهة، وهو وضع ينتقل من سيئ إلى أسوأ من منظور أوكرانيا. لقد أشارت نيويورك تايمز مؤخرًا إلى انهيار قطاعات كاملة من الجبهة، ومن الواضح أن الموقف يتدهور بسرعة البرق.

بمنطق العقل، كان ينبغي على زيلينسكي الآن أن يسارع للاتصال بالروس للتفاوض على أفضل شروط ممكنة (أو أقلها سوءً) في ظل هذه الظروف.
لكنه لا يحتكم للمنطق. إذ ما يزال يطالب الروس —المنتصرين في الحرب— بالاستسلام فورًا والتنازل عن جميع الأراضي (بما فيها القرم!) للأوكرانيين الذين يخسرون الحرب.
ستكون هذه هي المرة الأولى والوحيدة في التاريخ التي يملي فيها جيش مهزوم شروطه على المنتصر! يشبه الأمر رجلًا يقف ظهره إلى الجدار والمسدس مصوب إلى رأسه، وعندما يُطلب منه تسليم محفظته، يجيب: “لا! بل سلمني أنت محفظتك!”.
إن شخصًا كهذا لا يخرج عن كونه هاربًا من مصحة نفسية، أو رجلًا سئم الحياة ويرغب في الانتحار سريعًا.
يبدو أن زيلينسكي وزمرته قد فقدوا أي صلة بالواقع، فالرئيس الذي تظهر عليه كل علامات الاضطراب النفسي الحاد يعيش في عالم من الأوهام.
ففي مواجهة شبح الهزيمة الذي يطارده من كل جانب، يواصل هو وقائده العسكري، ألكسندر سيرسكي، إصدار أوامر إجرامية لقواتهم المحاصرة من القوى الروسية المتفوقة بألا يتراجعوا أو يسلموا ميليمترًا واحدًا.
لقد أمروا بهجمات مضادة متكررة لمنع سقوط مدينة بوكروفسك، مما أدى إلى تضحية عبثية بآلاف أرواح الرجال الشجعان لإنقاذ مدينة كان سقوطها حتميًا لا محالة.
مثل هذه المواقف ليست غريبة على التاريخ. فعندما يُكتب الفناء على نظام ما يلجأ أتباعه إلى شتى أنواع الأوهام الجنونية، فيغمضون أعينهم عن الحقيقة ويحبسون أنفسهم داخل فقاعة من المداهنين والمنافقين.
كان هذا هو مصير أدولف هتلر. فبحلول عام 1943، كان من الواضح أن ألمانيا خسرت الحرب، وأن الجيش الأحمر السوفياتي على وشك شن هجوم لا يمكن صده.
وبدلًا من السعي وراء تسوية دبلوماسية مع الأمريكيين، انزوى هتلر في قبو برلين المحصن، يحرك فرقًا عسكرية وهمية ويصدر أوامر مستحيلة لهجمات لن تحدث أبدًا.
كانت النتيجة هزيمة ساحقة ودمارًا للمدن الألمانية، ولم يجد هتلر أمامه سوى الانتحار.
في أحيان كثيرة يُقال إن بإمكاننا تعلم دروس التاريخ، لكن هيغل أشار إلى أن من يدرس التاريخ سيخلص لنتيجة واحدة: “لا أحد يتعلم أبدًا من التاريخ”.
ونحن نرى صدق هذه المقولة الآن في أوكرانيا، حيث يدفع الشعب الأوكراني ثمنًا باهظًا للسلوك الجنوني لقادته، وللسلوك الأكثر انحطاطًا ولا أخلاقية من طرف من يسمون القادة المتحضرين في أوروبا.
سقوط بوكروفسك
في غضون ذلك، تستمر رحى الحرب في الدوران. وتمتلئ وسائل الإعلام الغربية بأبشع صنوف التزييف فيما يخص الحرب في أوكرانيا، ففي مواجهة التقدم الروسي الذي لا يمكن وقفه، وحتمية الهزيمة الأوكرانية، تلوذ الصحف بوابل من الدعاية التي تسعى للتقليل من شأن التقدم الروسي، وتضخيم القصص المزعومة —والتي غالبًا ما تكون وهمية— عن هجمات أوكرانية مضادة وبطولية.
وتزعم الرواية الأخيرة التي يجري الترويج لها أن الروس لا يحققون سوى تقدم تدريجي بسيط، وأنهم يتقدمون خطوة بخطوة بينما يتكبدون أعدادًا مروعة من الضحايا. وعلى هذا الأساس، يقولون إن الأمر سيستغرق سنوات للاستيلاء على بقية دونباس. لكن لا شيء من هذا صحيح.
والواقع أن التقدم الروسي، الذي تسارعت وتيرته باطراد منذ مدة، سيمضي بسرعة أكبر بعد سقوط بوكروفسك. وهو الحدث الذي حاولت وسائل الإعلام الغربية تجاهله رغم أهميته البالغة.
إن سقوط بوكروفسك يمثل تحولًا مهمًا في الموقف، فهو يجسد هزيمة كارثية للقوات الأوكرانية، ويفتح ثغرة كبرى في خط الدفاع الأوكراني.
وبعد هذا الحدث، ستسقط المدن الرئيسية في دونباس واحدة تلو الأخرى في يد الروس بتتابع سريع للغاية. ومن ثم سيصبح الطريق مفتوحًا لتقدم أكثر سرعة في زاباروجيا، وهو ما بدأ بالفعل.
سيكون الهدف التالي هو مدينتي سلافيانسك وكراماتورسك اللتين تمثلان مفتاح المنطقة، وبعدهما سيكون الطريق مفتوحًا نحو نهر دنيبر.
لقد تكبد الجيش الأوكراني خسائر فادحة لدرجة أنه يعاني الآن أزمة حادة في القوى البشرية، إذ لا يملكون من القوات ما يكفي لتغطية خط المواجهة الطويل جدًا، في حين يمتلك الروس ما يكفي وزيادة من الجنود للهجوم من أي نقطة يختارونها.
وهذا ما يضطر الأوكرانيين لتحريك قواتهم باستمرار من منطقة إلى أخرى، مما يبقيهم في حالة تأهب دائمة وإنهاك متزايد.

وتستمر أعداد الفارين من الخدمة في التزايد، وكذلك أعداد الجنود الأوكرانيين الذين يستسلمون للروس. وتظهر تقارير بانتظام، حتى في الصحافة الأوكرانية، تعكس انخفاض الروح المعنوية بين القوات على الجبهة.
يلجأ النظام إلى أساليب قمعية وحشية لإجبار الرجال على الانضمام إلى الجيش، ثم يُرسلون إلى الجبهة بأسلحة رديئة وتدريب هزيل للغاية. وبما أنهم لا يرغبون في أن يُساقوا إلى موت عبثي في دونباس فإنهم يفرون في أول فرصة تتاح لهم.
إن كل أعراض الانهيار الوشيك للدفاعات الأوكرانية باتت حاضرة الآن، ولم يعد وقوع هذا الانهيار سوى مسألة وقت. تظهر العلامات الأولية تدريجيًا، لكنها تتسارع في النهاية حتى تصل إلى النقطة الحرجة حيث تتحول الكمية إلى نوعية.
لذلك، يمكن أن يحدث الانهيار النهائي في أي وقت، وسيكون مفاجئًا وغير متوقع، مما سيؤدي إلى أزمة كارثية للنظام. وتؤكد كل المؤشرات أن زيلينسكي يفتقر بشدة للشعبية، وسقوطه هو الآخر قد يحدث فجأة في أي وقت.
كل هذا معروف جيدًا للمراقبين الجادين لحرب أوكرانيا، ومعروف أيضًا للإدارة الأمريكية، وهو السبب الرئيسي وراء التغير المفاجئ في سياسة ترامب.
وحدهم الأوروبيون ما زالوا يصرون بعناد على حالة الإنكار. فبسبب انحيازهم الأعمى لما يسمى المشروع الأوكراني، يبدون —مثل ربان سفينة تيتانيك المنكوبة— غير قادرين على التفكير في تغيير مسارهم.
لقد استثمروا الكثير في هذه السياسة الكارثية، وربطوا مصيرهم بمصير زيلينسكي لدرجة تجعلهم عاجزين عن مواجهة الحقائق أو النظر إلى الوضع الفعلي واستخلاص النتائج الضرورية.
هل يمكن للمفاوضات أن تنجح؟
إن الهدف الوحيد والطاغي والأهم لقادة أوروبا هو إحباط خطط ترامب، وذلك عبر بذل كل ما في وسعهم لإطالة أمد الحرب وتوسيع نطاقها.
يحث الأوروبيون الأوكرانيين على عدم تقديم أي تنازلات والاستمرار في القتال حتى النهاية. أجل، إنهم مستعدون للقتال حتى آخر جندي أوكراني. ها قد تبينت الحقائق إذن!
لا بد أن هؤلاء السياسيين (أو معظمهم على الأقل) يدركون الآن أن الحرب قد خُسرت تمامًا، وأن استمرار الأوكرانيين في القتال سيؤدي حتمًا إلى الدمار الكامل لأوكرانيا كدولة قومية ذات سيادة.
وهكذا، فإن ادعائهم بدعم حق أوكرانيا في الوجود كدولة ذات سيادة يتناقض بشكل صارخ مع أفعالهم هذه. لكنهم لا يكترثون لهذه الحقيقة فحسب، بل إنهم في الواقع قد يرحبون بمثل هذه النتيجة.
إذ ستمنحهم العذر المثالي ليقولوا للأمريكيين: “انظروا! نحن الآن في خطر محدق. فالجيش الروسي يتقدم غربًا، ولن يتوقف عند حدود بولندا، وكل هذا خطؤكم لأنكم لم تساعدونا في هزيمة الروس!”
ويتابعون قائلين: “الآن يتعين عليكم المجيء لمساعدتنا عبر دعم حلفائكم في الناتو والدخول في صراع مباشر مع روسيا”. أما حقيقة أن أمرًا كهذا سيعني اندلاع حرب عالمية ثالثة، تشترك فيها أكبر قوتين نوويتين على وجه الأرض، فلا يبدو أنها تزعجهم أدنى إزعاج. فهم لا يفكرون أصلًا في مثل هذه الأمور. ولكن، على أي حال، لقد توقف هؤلاء الناس عن التفكير في أي شيء منذ زمن بعيد.
الأصول الروسية
ثمة مؤشر جلي على مدى جنون هؤلاء، يتضح في سلوكهم تجاه الأصول الروسية المجمدة. فقرار تجميد مليارات الأصول الروسية في البنوك الغربية منذ البداية كان أمرًا مريبًا للغاية من الناحية القانونية.

بيد أن ستارمر وماكرون وميرتز وأورسولا فون دير لاين يطالبون الآن بإجراء غير قانوني بكل تأكيد. إذ يطالبون بمصادرة تلك الأصول المجمدة، لتُستخدم بعد ذلك ضمانًا لقرض بلا فوائد بقيمة 140 مليار يورو لصالح أوكرانيا.
إن هذا سيمثل أكبر عملية سرقة في التاريخ. وهي حقيقة لم تعد خافية على أحد، بل يقر بها الكثيرون علانية، بمن فيهم الحكومة البلجيكية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي وحي المال في لندن وبنك إنجلترا.
لقد حذرت كل هذه السلطات من مغبة الإقدام على مثل هذا الإجراء، واصفة إياه —وبحق— بأنه غير قانوني. ولكن يبدو جليًا أن أورسولا فون دير لاين وشركائها في الجريمة لا يصغون لتلك التحذيرات.
ومما يدعو للدهشة، أنهم يمارسون ضغوطًا شديدة على بلجيكا لسحب اعتراضاتها رغم كل التحذيرات، ويعتزمون استخدام صلاحيات طوارئ خاصة لإجبار جميع الدول الأوروبية على المشاركة في هذه السرقة، والعمل ضامنين لهذه الأموال المسروقة التي سيسعى الروس بلا شك لاستردادها عبر إجراءات قانونية في المستقبل.
إن هذا الإجراء يرقى إلى مرتبة القرض القسري، الذي ستضطر حتى الدول الرافضة لذلك المسار إلى قبوله. وسيمثل هذا منعطفًا جديدًا كليًا، وإجراءً دكتاتوريًا يضرب عرض الحائط بكل القوانين القائمة وأبسط قواعد الديمقراطية.
وإذا ما جرى المضي قدمًا في هذا الأمر فسيحمل في طياته أوخم العواقب على الاتحاد الأوروبي نفسه. فضلًا عن ذلك، فإنه يمثل مبررًا قويًا للاتهام الذي يسوقه الأمريكيون بأن أوروبا تمضي نحو مزيد من الحكم السلطوي والممارسات المعادية للديمقراطية.
إن ما يصعب فهمه على وجه الخصوص هو المنطق الكامن وراء هذا السلوك السريالي المخيف. فما الجدوى من تسليم مليارات اليوروهات لنظام يغرق بالفعل تحت جبل من الديون غير المسددة وينغمس بسرعة في مستنقع من الفساد الذي وصل إلى أعلى هرم الدولة والحكومة؟
أين ذهبت كل هذه الأموال؟
ثمة سؤال لا يُطرح أبدًا: مَن الذي يتحكم في تلك المبالغ الطائلة التي تُمنح سنويًاً للنظام في كييف؟ وأين استقرت كل هذه الأموال؟ وكيف يعقل أن تتردى أوكرانيا في هاوية الإفلاس التام بعد أن تدفقت عليها مليارات الدولارات واليوروهات طوال السنوات الأخيرة، لدرجة أنها باتت عاجزة عن تمويل الحرب، بل وعاجزة حتى عن تأمين النفقات الاعتيادية لإدارة شؤون الحكومة؟
في الأحوال العادية، لن يقدم أي بنك مسؤول على إقراض فرد أو شركة تملك مثل هذا السجل، ولكن عندما يتعلق الأمر بتسليم مبالغ ضخمة لزيلينسكي، يبدو أن كل الحذر يذهب أدراج الرياح.
من الواضح تمامًا أنه حتى لو سُلمت الـ140 مليار في نهاية المطاف (وهو أمر كان يبدو مستبعدًا لكنه بات يلوح كيقين الآن)، فإنها لن تكفي لأكثر من ستة أشهر، هذا إن بلغت ذلك الأمد أصلًا.
إذ سيذهب جزء كبير منها لسداد ديون مستحقة، بينما سينتهي المطاف بمبالغ ضخمة أخرى في حسابات مصرفية في منطقة الكاريبي، حيث تنهمك الزمرة الفاسدة في كييف في ملء جيوبها بجنون قبل الفرار من البلاد.
أما ما يتبقى، فسوف تستولي عليه شركات تصنيع الأسلحة الأمريكية، التي تتوقع الآن قبض ثمن كل رصاصة وقذيفة ترسلها إلى أوكرانيا.
وعلى أي حال، لا يمكن لأي قدر من المال أو الأسلحة المستوردة أن يغير النتيجة النهائية للحرب في أوكرانيا. فإذا استطاع الروس التوصل إلى اتفاق يلبي مطالبهم الجوهرية فقد تنتهي الحرب بسرعة كبيرة، غير أن هذا الاحتمال يمكن استبعاده تمامًا.
إن كل جهود دونالد ترامب لتربيع الدائرة ستنتهي حتمًا بالفشل. فكل خطوة يخطوها للتوصل إلى اتفاق مع الروس سيتم تخريبها، ليس فقط من جانب الأوكرانيين والأوروبيين، بل وأيضًا من جانب المؤسسة الرجعية المتجذرة التي تمسك بكل الخيوط خلف الستار في كواليس السلطة بواشنطن.
إن ما وصفناه سابقًا بـ”الدولة العميقة” حية ترزق في أمريكا، ولا يعنيها من هو الفرد أو الحزب الذي سيُنتخب، فخلف الكواليس، سيستمر البيروقراطيون المجهولون في ممارسة سيطرتهم.
وهؤلاء الناس ليس لديهم أدنى مصلحة في الوصول إلى حل سلمي في أوكرانيا، ولا في تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا. لقد ألقى دونالد ترامب بالقفاز في وجههم متحديًا، لكنهم سيلتقطوه ويلقونه في وجهه ثانية.
بإمكانهم استخدام كل نفوذهم وقوتهم للفوز بأغلبية في الكونغرس قادرة على عرقلة وتخريب كل خطط ترامب. كما يمكنهم حشد وسائل الإعلام لتنظيم حملة صاخبة تتهمه بخيانة أوكرانيا ومعارضة القيم الأمريكية التقليدية.
فهل سيكون قادرًا على مقاومة تلك الضغوط؟ يبدو لي أن هذا أمر غير محتمل تمامًا. ففي النهاية، لن تحقق المفاوضات شيئًا يذكر.
وعلى أية حال، فقد استبعد الروس بالفعل كل هذه الاحتمالات، فهم ما يزالون على ثقتهم التامة بأنهم سيربحون الحرب، سواء قررت أمريكا وقف دعمها لأوكرانيا أم لا.
والفرق الوحيد هو أن ذلك سيطيل أمد الحرب لبضعة أشهر دون أن يغير من نتيجتها. أما العواقب الإنسانية التي ستلحق بالشعب الأوكراني جراء إطالة أمد الحرب فستكون مروعة بكل تأكيد.
ستُزهق أرواح أكثر بكثير، وستعاني المدن مزيدًا من الدمار. وكل هذا لأجل ماذا؟
لكن كل هذا لا يعني شيئًا لستارمر وماكرون وميرتز وشركائهم الآخرين في الجريمة. إنهم يجتمعون في الأجواء المريحة في داونينج ستريت، على بعد آلاف الأميال من المذبحة في دونباس، ويخبروننا بمنتهى الثقة أن الهزيمة في الحرب أفضل من “سلام سيء”.
بيد أن الجنود الأوكرانيين سيئي الحظ، المحاصرين والذين تفوقهم القوات الروسية عددًا وعدة في دونباس، لن يشاطروهم هذا الرأي. وكذلك لن تشاطره آلاف العائلات الأوكرانية التي ترتجف في الظلام وسط درجات حرارة متجمدة.
فالتجربة القاسية تخبرهم أنه لم تكن هناك قط حرب جيدة أو سلام سئ، لكن صوتهم يغرق وسط دوي المتفجرات. إن صوت الكاذبين والمنافقين هو وحده الذي يصل إلى الجماهير عبر صفحات “صحافتنا الحرة” الرائعة.
إن صلف القادة الأوروبيين تجاه القضية الأوكرانية يثير الغثيان حقًا، وكذلك هو حال الصمت المتواطئ والجبان من جانب ما يسمى باليسار. ومع ذلك، يجرؤ كل هؤلاء المنافقين على وصف أنفسهم بأنهم “أصدقاء أوكرانيا”!
12 ديسمبر/كانون الأول 2025
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية