شكل تأسيس تحالف دول الساحل في سبتمبر 2023، في أعقاب سلسلة من الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، نقطة تحول هامة في السياسة الأفريقية. وبهذه الخطوة، قطعت الدول الثلاث صلتها بشكل حاسم بدائرة النفوذ الغربي، ولا سيما نفوذ مستعمرها القديم، فرنسا.

ومنذ ذلك الحين، لم يزدد الشرخ إلا عمقًا. ففي 29 يناير 2025، غادر تحالف دول الساحل رسميًا المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، التي ما تزال تحتفظ بعلاقات وثيقة مع القوى الغربية.
وإلى جانب أهميتها الجيوسياسية العميقة، تترك هذه التطورات أيضًا أثرًا هامًا ومستمرًا على الوعي والصراع الطبقي في جميع أنحاء أفريقيا. إذ يتابع الملايين من العمال والشباب الأحداث في منطقة الساحل عن كثب، آملين أن تقدم هذه الأنظمة الجديدة دروسًا لنضالهم ضد الاستغلال الإمبريالي. وبوجه خاص، أصبح الزعيم البوركينابي النقيب إبراهيم تراوري رمزًا لمناهضة الإمبريالية في أفريقيا وخارجها.
بعد مرور عام، ومع استمرار تعرض المنطقة للهزات الناجمة عن الانقلابات وعدم الاستقرار، ما الذي تحقق؟ وإلى أين يتجه تحالف دول الساحل؟ وما هو السبيل للمضي قدمًا في النضال ضد الإمبريالية في غرب أفريقيا؟
النفاق الإمبريالي
عند قراءة الصحافة الغربية، قد يُعذر المرء إذا اعتقد أن تجربة تحالف دول الساحل كانت كارثة محققة. إذ تنشر مصادر “محترمة” مثل بي بي سي أو لوموند أو جون أفريك، بشكل يومي تقريبًا، نواحًا جديدًا حول قمع الحقوق الديمقراطية والأزمة الاقتصادية وانتشار الإرهاب الإسلامي.
والمغزى الضمني، الذي يُعلن عنه صراحة في بعض الأحيان، هو أن مالي وبوركينا فاسو والنيجر كانت واحات للاستقرار والديمقراطية قبل وصول العسكريين للسلطة. وهذه كذبة تُستخدم للتغطية على السجل المروع للتدخل الإمبريالي في هذه البلدان، وهو التدخل الذي أنتج الأزمة التي تواجه المنطقة اليوم.
فالرأسمالية لم تجلب لشعوب منطقة الساحل سوى البؤس. فبعد استعمارها بوحشية من القوى الأوروبية، تُرِكت دول المنطقة الجديدة عند نيل استقلالها “الرسمي” ممزقة وضعيفة وتابعة اقتصاديًا عن عمد.
وعلى مدى عقود، جرى استخراج الثروات المعدنية لهذه البلدان لصالح الشركات متعددة الجنسيات، دون أي تحسن ملحوظ في مستويات معيشة الغالبية العظمى من السكان، الذين يفتقر الكثير منهم إلى الكهرباء أو الرعاية الصحية أو التعليم، أو حتى ما يكفي من الغذاء. وتعد مالي وبوركينا فاسو والنيجر من بين أفقر عشر بلدان على وجه الأرض، وفقًا لمؤشر التنمية البشرية التابع للأمم المتحدة.
لقد سُهلت عمليات نهب المنطقة عبر الحفاظ على ديكتاتوريات وحشية وفاسدة، جرى تمويلها وتسليحها ودعمها من القوى الأجنبية، وعلى رأسها فرنسا. فقد حكم بليز كومباوري بوركينا فاسو بدعم غربي لمدة 30 عامًا تقريبًا، قبل أن تطيح به انتفاضة جماهيرية في عام 2014.
أما الانتخابات، حين تُجرى أصلًا، فقد عملت ببساطة على إبقاء نفس الزمرة الفاسدة من أتباع الإمبريالية في السلطة، وذلك عبر شراء الأصوات والتزوير واسع النطاق. وإذا نجح أي حزب معارض في حشد دعم كافٍ ليشكل تهديدًا، فغالبًا ما يُستبعد قادته من الترشح للانتخابات. كما تُطلق النيران الحية بانتظام على الاحتجاجات. وبهذه الوسائل، فاز الحسن واتارا مؤخرًا بفترة ولاية رابعة على التوالي رئيسًا لساحل العاج، بدعم مستمر من القوى الغربية، وعلى رأسها فرنسا.
ويمكن القول إن هذا هو المعتاد في “الديمقراطية” الأفريقية. ولكن في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وصلت الأمور إلى نقطة الانفجار بسبب اجتياح عدد من الجماعات الإسلامية المدججة بالسلاح منطقة الساحل.
لقد تسبب التدخل الإمبريالي في ليبيا عام 2011 في تدفق الأسلحة والمقاتلين إلى مالي، حيث تم استغلال كفاح شعب الطوارق الانفصالي بشكل انتهازي من إسلاميين تابعين لتنظيم القاعدة.
وبحلول عام 2020، كان الإسلاميون التابعون لكل من تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية قد انتشروا من أبعد أجزاء شمال مالي لتغطية ما يصل إلى 70% من مساحة البلاد. كما بدأوا في السيطرة على أراضٍ في بوركينا فاسو والنيجر، مخلفين وراءهم سلسلة من المجازر والنهب وموت المحاصيل. واستمر هذا الهجوم الهمجي في التصاعد رغم وجود أكثر من 20,000 جندي أجنبي من فرنسا والولايات المتحدة والأمم المتحدة.
مزاج ثوري
كان للأزمة العميقة التي تعصف بالمنطقة أثر حتمي على الوعي، لا سيما بين صفوف الشباب الذين يشكلون أغلبية السكان. إذ تبلغ نسبة من هم دون سن الثلاثين اليوم حوالي 65% من سكان دول الساحل الخمس.
ويربط الناس في كافة أنحاء القارة الأفريقية بين تدهور أوضاعهم المعيشية – من غياب لفرص العمل اللائقة، والأمن، والتعليم، والرعاية الصحية، والإسكان – وبين فساد طبقتهم السائدة والحرمان من الحقوق الديمقراطية الأساسية. وقد شكل اندلاع الثورة السودانية والإطاحة بالبشير في عام 2019 نقطة تحول في هذا المسار.

وفي مالي، اندلعت حركة احتجاجية جماهيرية ضد حكومة إبراهيم بوبكر كيتا المكروهة، حينما أقدمت على تنفيذ انقلاب دستوري في خضم جائحة كوفيد-19 في ربيع عام 2020. وزاد من غضب الجماهير صور ابن الرئيس وهو يسترخي على متن يخت، مما دفع بالآلاف للخروج إلى الشوارع.
وإلى جانب المطالب الاجتماعية والديمقراطية، دفع المحتجون، بشكل متزايد، بشعارات مناهضة للإمبريالية إلى الصدارة، من قبيل: “فرنسا، ارحلي!”. ولم يكن الأمر مقتصرًا على مالي فقط، بل في كافة أنحاء الساحل أدرك المحتجون أن التدخل المستمر للإمبريالية الأجنبية هو الخيط الذي يربط كافة عناصر التخلف والقمع في بلدانهم. وكما صرح أحد المحتجين النيجريين في عام 2023:
“لا أملك وظيفة رغم دراستي في هذا البلد بسبب النظام الذي تدعمه فرنسا… كل هذا يجب أن يزول!”
ولم تزد محاولات سحق الاحتجاجات الجماهير إلا إصرارًا. ففي 10 يوليو 2020، أُضرمت النيران في مبنى الجمعية الوطنية في مالي، في مشاهد تكررت أصداؤها لاحقًا في كينيا ونيبال. وبعد نحو شهر، أُطيح بكيتا على يد مجموعة من الضباط الذين شكلوا حكومة انتقالية أطلقت على نفسها اسم “اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب”.
أنظمة بونابرتية
في السنوات التي أعقبت الانقلاب في مالي، انفتح وضع مماثل في غينيا وبوركينا فاسو والنيجر. ورغم الاختلافات النوعية بينها، اندلعت في جميع هذه البلدان احتجاجات ضد الأزمة التي تواجهها الجماهير وفساد الأنظمة، وفشل القمع في إخماد الحراك، وظهرت انشقاقات داخل بنية الدولة.
ومع ذلك، وبسبب غياب أي تنظيم أو قيادة ثورية، لم تتمكن الجماهير من الاستيلاء على السلطة بنفسها. ومن ثم، نشأ فراغ في السلطة، كانت نتيجته تدخل قطاع من ضباط الجيش كحماة “للنظام” و”الأمة”.
وبعد أن وعد العسكريون في كل من هذه البلدان بالانتقال إلى الديمقراطية، أحكموا قبضتهم على السلطة. ففي مالي وبوركينا فاسو والنيجر، جرى تقييد كافة الأنشطة السياسية وتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى. تُعرف هذه الظاهرة في النظرية الماركسية باسم “البونابرتية“، نسبة إلى الديكتاتور العسكري الشهير في فرنسا نابليون بونابرت. وفي ظل الظروف القائمة في هذه البلدان، كان هذا أمرًا حتميًا.
من الضروري هنا التساؤل: على أي أساس تقوم الديمقراطية؟ إن المتطلب الأساسي للديمقراطية “الليبرالية” البرجوازية هو وجود برجوازية تحكم من خلال أحزابها ومحاميها وصحفييها…إلخ. لكن لا توجد برجوازية وطنية مستقلة في هذه البلدان. فأقرب شيء لطبقة رأسمالية محلية هم، في أغلب الأحيان، أفراد وُضعوا في مجالس إدارة الاحتكارات الأجنبية العاملة في المنطقة، أو رجال ذوو نفوذ سياسي يحققون أرباحهم من خلال نهب الدولة.
والعنصر الأساسي الآخر في الديمقراطيات الغربية هو دور المنظمات والأحزاب العمالية، التي تدافع عن الحقوق الديمقراطية الشكلية وتشارك في آليات الدولة. ولكن مرة أخرى، ورغم أن الطبقة العاملة في هذه البلدان أقوى من البرجوازية إلا أنها تمثل أقلية صغيرة من السكان، يعمل معظمهم في القطاع غير الرسمي في ظروف غير مستقرة للغاية، وتفتقر إلى حزب خاص بها.
يضاف إلى ذلك، حقيقة أن مالي وبوركينا فاسو والنيجر في حالة حرب، مع وجود أجزاء كبيرة من أراضيها في يد جماعات إسلامية مسلحة، مما يجعل أي شيء يشبه الديمقراطية البرجوازية المستقرة، بانتخاباتها وقضائها المستقل وما إلى ذلك، ضربًا من الخيال.
ويدرك قطاع عريض من الأفارقة العاديين زيف الديمقراطية البرجوازية في أفريقيا ضمنًا. ففي استطلاع أجراه معهد أفرو بارومتر (Afrobarometer) عام 2024، ظلت الديمقراطية هي النظام السياسي المفضل في القارة، لكن 37% فقط قالوا إنهم راضون عن كيفية عمل الديمقراطية في بلدانهم. بينما ذكرت الأغلبية (53%) أنهم سيقبلون باستيلاء عسكري على السلطة إذا “أساء القادة المنتخبون استخدام السلطة لمصالحهم الخاصة”.
من اللافت للنظر أنه في مالي وبوركينا فاسو لم يرفض الحكم العسكري سوى 18% و25% على التوالي، بينما قالت أقلية فقط من الماليين إنهم يفضلون الديمقراطية بشكل عام. وكل هذا يؤكد مدى زيف دعوات الحكومات الغربية لـ”العودة إلى الديمقراطية”. فكان رد معظم الناس في هذه البلدان، وبحق: “أي ديمقراطية؟”، وأضاف الكثيرون أن الديمقراطية مستحيلة دون استقلال وطني حقيقي.
لكن هذا لا يستنفد السؤال، فليست كل الأنظمة البونابرتية متطابقة. لقد رأينا ديكتاتوريات تسحق الجماهير لتكون حامية للطبقة السائدة وداعميها الأجانب، مثل نظام البرهان في السودان اليوم. لكننا رأينا أيضًا حكامًا عسكريين يستندون إلى الجماهير ويوجهون ضربات قوية للنخبة القديمة والإمبريالية. مثل هذه الأنظمة يمكن أن تتحرك في اتجاه أو آخر تحت وطأة الضغوط المحلية والعالمية على حد سواء.
الضغوط
ليس الجيش في أي بلد كتلة واحدة متجانسة، فهو في نهاية المطاف يعكس التركيب الطبقي للمجتمع ككل. ويتجلى هذا بوضوح في البلدان الأكثر فقرًا، حيث يمثل الجيش أحد أكثر أشكال التوظيف استقرارًا للقادمين من خلفيات تنتمي للطبقتين العاملة والمتوسطة.
لذا، فإن الدسائس وصراعات القوة التي تقع باستمرار داخل الجيش في هذه البلدان تميل إلى عكس الصراع الطبقي الكامن في العمق.
وغالبًا ما يسود توتر متصاعد بين شريحة من الضباط الشباب، الأكثر قربًا من ظروف وتطلعات الجنود والجماهير، وبين كبار الضباط القدامى الذين يُنظر إليهم على نطاق واسع بأنهم فاسدون وعاجزون ومنفصلون تمامًا عن الواقع في مكاتبهم المكيفة، بعيدًا عن جبهات القتال.
في فترات الأزمات، يمكن لهذا التوتر أن ينفجر بسهولة ليتحول إلى تمرد علني. ففي كل من مالي وبوركينا فاسو، تلت الجولة الأولى من الانقلابات جولة ثانية بعد تسعة أشهر فقط. وسبق كليهما تدهور حاد في الوضع الأمني ومزاج مضطرب داخل صفوف الجيش.
وفي كلا البلدين، وعدت الحكومات الانتقالية التي نصبتها الانقلابات الأولى بالتعامل مع الغزو الإسلاموي، لكنها ظلت مرتبطة بنفس النخب المحلية والقوى الأجنبية. وبسبب اضطرارها للموازنة بين جناح محافظ من كبار الضباط والمسؤولين المدنيين من جهة، ومجموعة من الضباط الأكثر راديكالية من جهة أخرى، أصيبت تلك الأنظمة بالشلل، مما زاد من حالة عدم الاستقرار في الجبهة والمجتمع على حد سواء.
ففي مالي، أدت محاولة الرئيس المؤقت لإجراء تعديل وزاري – رآه الكثيرون محاولة لتهميش الشخصيات العسكرية – إلى قيام العقيد أسيمي غويتا، البالغ من العمر 37 عامًا، بالإطاحة به في مايو 2021. وقد لاقت هذه الخطوة ترحيبًا من حركة احتجاج “M5″، والتي لعبت دورًا رئيسًا في الإطاحة بكيتا عام 2020، وليس داخل الجيش فحسب. ومهما كانت نواياه الفردية، فمن الواضح أن غويتا استند إلى قطاعات من الجيش والجماهير للسيطرة على الوضع.
لكن هذه الأحداث لم تقع في فراغ. فالاتجاه الذي سلكه غويتا لاحقًا تحدد أيضًا بفعل التحولات الهامة الجارية في العلاقات الدولية، والتي لا تزال تشكل الأحداث حتى يومنا هذا.
ففي السابق، كانت القوى الغربية قادرة على إفشال الانقلابات غير المرغوب فيها عبر فرض العقوبات، وعزل البلدان عن الأسواق العالمية، وممارسة ضغوط لا تطاق لإجبار الأنظمة الانقلابية إما على تقديم ضمانات لها، أو التسبب في انهيارها. وفي بعض الحالات، لجأت تلك القوى إلى التدخل العسكري، كما حدث بنجاح عندما تدخلت الإيكواس لإسقاط انقلاب في غامبيا عام 2016.
واتُّبع نفس المخطط مرة أخرى عندما تولى غويتا السلطة، حيث علقت فرنسا كافة أشكال التعاون العسكري مع مالي، رغم احتفاظها بقوات هناك. وعلاوة على ذلك، عُلقت عضوية مالي في الإيكواس، وفُرضت عقوبات اقتصادية على الدولة وعلى 150 شخصًا مرتبطًا بغويتا.
ومع ذلك، كان الوضع العالمي قد تغير. إذ كانت الصين وروسيا تصعدان باعتبارهما قوى على الساحة العالمية. فقد أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لأفريقيا جنوب الصحراء، بينما بدأ المرتزقة الروس في ترسيخ أقدامهم في أفريقيا، ودعموا نظام تواديرا في جمهورية أفريقيا الوسطى.

كان هذا يعني أن العقوبات الغربية لم يعد لها نفس التأثير. فللمرة الأولى منذ عقود وجد البديل. وأدركت الجماهير نفسها ذلك عبر رفع الأعلام الروسية في المظاهرات بجميع أنحاء منطقة الساحل، من السنغال في الغرب إلى تشاد في الشرق.
وبدلًا من التراجع، تمسك غويتا بموقفه، مصرًا على انسحاب القوات الفرنسية بالكامل من البلاد بأسرع وقت ممكن. ولسد الفراغ، زار موسكو ودعا مرتزقة من مجموعة فاغنر لمساعدة القوات المسلحة المالية في محاربة الإسلاميين. وبحلول نهاية عام 2021، بدأت قوات فاغنر في الوصول.
لقد دفع المزيج المكون من الأزمة الحادة والضغوط الغربية والعروض البديلة من القوى المنافسة نظام الانقلاب نحو قطيعة راديكالية مع الماضي. وبمجرد إنجاز ذلك، أصبح “النموذج” المالي نفسه قطب جاذبية.
وتكررت نفس العملية في بوركينا فاسو، عندما استولى النقيب إبراهيم تراوري، البالغ من العمر 34 عامًا، على السلطة في سبتمبر 2022 على رأس مجموعة من الضباط الشباب. وفي غضون شهر، طلب انسحاب كافة القوات الفرنسية من البلاد.
ومثل نظيره المالي، توجه تراوري نحو روسيا طلبًا للدعم، لكنه رافق هذا التحول بخطاب مناهض للإمبريالية أكثر راديكالية بكثير. وأصبح تراوري رمزًا عالميًا عندما ألقى خطابًا ناريًا في القمة الروسية الأفريقية التي عُقدت في يوليو 2023، أعلن فيه بجرأة:
“جيلنا يطلب مني أيضًا أن أقول إنه بسبب هذا الفقر يُجبرون على عبور المحيط لمحاولة الوصول إلى أوروبا. إنهم يموتون في المحيط، لكنهم قريبًا لن يضطروا للعبور، لأنهم سيأتون إلى قصورنا بحثًا عن قوت يومهم.
[…] يجب علينا نحن رؤساء الدول الأفريقية أن نكف عن التصرف مثل الدمى التي ترقص في كل مرة يشد فيها الإمبرياليون الخيوط.”
واختتم خطابه بشعار توماس سانكارا الشهير، قائد الثورة البوركينابية (1983-1987):
“المجد لشعوبنا، الكرامة لشعوبنا، النصر لشعوبنا. الوطن أو الموت، نحن سننتصر!”
وبينما كان تراوري يلقي خطابه، ارتدت الضغوط الغربية بنتائج عكسية مرة أخرى في النيجر. فعندما حاول الرئيس بازوم إقالة قائد الحرس الرئاسي، الجنرال عبد الرحمن تياني، قام تياني ببساطة باعتقاله وأعلن نفسه رئيسًا لحكومة جديدة.
وفي أعقاب الانقلاب، لم تكتفِ الإيكواس، تحت قيادة الرئيس النيجيري بولا تينوبو، بتعليق عضوية النيجر فحسب، بل أغلقت حدودها وقطعت عنها 70% من الكهرباء. وتسبب ذلك في أزمة اقتصادية وإنسانية عميقة بين ليلة وضحاها. بل وهددت الإيكواس بالتدخل العسكري لإسقاط الانقلاب.
وبدلًا من عزل النظام، أثار ذلك غضب الجماهير النيجرية، ودفعهم نحو المجلس العسكري وزاد من معارضتهم للغرب، حيث حاصر المتظاهرون السفارة الفرنسية وأضرموا النيران في الأعلام الفرنسية.
وفي هذا السياق، توجه تياني نحو الجارتين مالي وبوركينا فاسو، وطلب أيضًا انسحاب كافة القوات الفرنسية من بلاده، التي كانت مركزًا رئيسًا للعمليات الغربية في المنطقة.
ومع بقاء تهديد الغزو قائمًا فوق رؤوسهم، أعلنت البلدان الثلاثة عن تأسيس تحالف دول الساحل في سبتمبر 2023. وقوبلت هذه الخطوة مجددًا بدعم حماسي، ليس داخل دول التحالف فحسب، بل حتى في دول غرب أفريقيا الأخرى. واضطرت الإيكواس إلى تراجع مهين وألغت العقوبات.
التقدم
منذ عام 2023، طور هذا المسار منطقًا خاصًا به. فمع كل خطوة اتخذتها الطغم العسكرية ضد الإمبريالية الغربية، استجابت الجماهير بالدعم، مما زاد من جرأة القادة.
يمكن للمرء أن يجد الكثير من التقارير على الإنترنت التي تدعي تحقيق كل أنواع الإنجازات الخيالية، وللأسف فإن الكثير منها مبالغ فيه أو عارٍ تمامًا من الصحة. ومع ذلك، فقد وقع عدد من التطورات الهامة.
أولًا، إن طرد كافة القوات الفرنسية ليس بالأمر الهين. فقد مارست هذه القوات القتل والنهب والتدخل في هذه البلدان لأكثر من 100 عام. لقد تبختر الرؤساء والمستشارون الفرنسيون في أروقة الدولة معاملين القادة الأفارقة كخدم شخصيين لديهم، أما الآن فقد رحلوا. وتشعر الجماهير بقوتها الخاصة من خلال الدور الذي لعبته في تحقيق ذلك.
ليس هذا فحسب، بل إن طرد فرنسا من دول تحالف الساحل كان له تأثير الدومينو في جميع أنحاء أفريقيا الفرانكفونية. فحتى حلفاء فرنسا المقربين، مثل ساحل العاج وتشاد، طلبوا من فرنسا الانسحاب، بعد أن أصبح وجود القوات الفرنسية سامًا من الناحية السياسية.
واليوم، تمتلك فرنسا رسميًا قوة صغيرة في الغابون وقاعدة عسكرية في جيبوتي. تعد هذه هزيمة هائلة للإمبريالية الفرنسية، التي طالما استخدمت وجودها العسكري في أفريقيا للحفاظ على مصالحها الدبلوماسية والاقتصادية.
وبعيدًا عن المجال العسكري، مارست حكومات تحالف دول الساحل الثلاث ضغوطًا أكبر بكثير على الشركات متعددة الجنسيات الأجنبية. حيث أقرت الدول الثلاث قوانين تعدين جديدة تلزم كافة شركات التعدين الأجنبية بدفع عوائد أعلى تحت تهديد سحب تراخيصها.
في مالي، على سبيل المثال، عندما رفضت شركة باريك غولد (Barrick Gold) متعددة الجنسيات ومقرها كندا (وهي أكبر شركة لتعدين الذهب في العالم) دفع الأسعار الجديدة، اتخذت حكومة غويتا ما يمكن وصفه بـ”نهج حازم”: حيث جرت مصادرة ثلاثة أطنان مترية من الذهب عبر طائرة مروحية من منجم لولو-غونكوتو التابع للشركة، ومنعت الدولة كافة صادرات الذهب من المنجم، واحتُجز العديد من موظفي الشركة. كما تولت الدولة إدارة العمليات اليومية في المنجم أثناء إجراء المفاوضات.
وكما هو متوقع، احتجت شركة باريك على هذا الخرق لـ”سيادة القانون”، أي سيادة الاحتكارات. ومع ذلك، وافقت الشركة في النهاية على دفع تسوية قدرها 430 مليون دولار مقابل استئناف عملياتها في المنجم.
وفي عدد من الحالات، ذهبت الطغم العسكرية إلى حد تأميم المناجم التي تديرها شركات غربية. ففي أغسطس 2024، أممت بوركينا فاسو منجمين كانا موضوع نزاع قانوني. وفي جميع دول تحالف الساحل، جرى تأميم ما مجموعه ستة مناجم، بالإضافة إلى سحب ثلاثة تراخيص تعدين أخرى.
ولعل الحالة الأهم هي في النيجر، حيث أممت الحكومة منجم سومير (Somair) لليورانيوم من احتكار شركة أورانو (Orano) المملوك للدولة الفرنسية. لقد اعتمدت الرأسمالية الفرنسية على اليورانيوم الرخيص للغاية من النيجر منذ بدء تعدينه هناك في سبعينيات القرن الماضي، والآن فقدت الوصول إلى مصدر رئيسي لليورانيوم للأغراض التجارية والعسكرية على حد سواء. وتدعي شركة أورانو أن هناك مخزونًا قدره 1,500 طن متري في موقع سومير.
إن الطابع التقدمي لعمليات التأميم هذه غني عن البيان. فمن المستحيل حصر الأرباح التي حققتها هذه الشركات متعددة الجنسيات، والدول التي تتخذ منها مقرًا، عبر بخس حقوق الدول والعمال الأفارقة. ولا يشمل ذلك الأرباح الناتجة عن بيع المعادن نفسها فحسب، بل يشمل أيضًا الأرباح الإضافية التي حققتها احتكارات الصناعة والطاقة التي استفادت من الأسعار المنخفضة. إن أي خطوة نحو استعادة هذه الثروة المسروقة لشعوب المنطقة هي خطوة يرحب بها عمال العالم.
وكما كان متوقعًا، تحركت مؤسسات “النظام القائم على القواعد” لحماية شركات التعدين. فقد منع البنك الدولي النيجر من بيع مخزون اليورانيوم المصادر. إن هذه جريمة بحق شعب النيجر، فالحكومة لها كل الحق في تعدين وبيع مواردها الخاصة. وبصراحة، لقد استردت شركة أورانو قيمة استثماراتها آلاف المرات بالفعل.
وفي بوركينا فاسو، استخدمت الحكومة زيادة إيرادات الذهب لرفع الإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، مع خفض أجور كبار مسؤولي الدولة. ونتيجة لذلك، انخفض معدل الفقر المدقع بنحو نقطتين مئويتين ليصل إلى 24.9%، وذلك على الرغم من الأزمة الأمنية الخطيرة المستمرة في البلاد.
وعلى الصعيد السياسي، أعلن تحالف دول الساحل رسميًا في عام 2024 أنه أصبح “كونفدرالية” – أي أكثر من مجرد تحالف عسكري، بل دولة موحدة قيد التشكيل. وقد أصدر بالفعل جوازات سفر موحدة وأنشأ بنكًا للاستثمار. لا تصل هذه الخطوات إلى حد التكامل الكامل، لكنها تعكس الفكرة الصحيحة تمامًا وهي أن الأمم الأفريقية لا يمكنها حل مشكلاتها إلا من خلال تجاوز الحدود القديمة التي رسمتها القوى الاستعمارية لإبقاء أفريقيا ضعيفة.
ومع زيادة التكامل الاقتصادي، يقال إن تحالف دول الساحل يهدف إلى إنشاء عملته الخاصة. وسيعني هذا الانفصال عن فرنك غرب أفريقيا (CFA franc)، وهي العملة الاستعمارية التي يطبعها بنك فرنسا، والتي ما تزال وسيلة حيوية تستمر من خلالها الإمبريالية الفرنسية في استغلال القارة. ويبقى أن نرى ما إذا كان سيتحقق ذلك، ولكن إذا انفصل تحالف دول الساحل عن عملة فرنك غرب أفريقيا، فسيحدث هزات ارتدادية في جميع أنحاء أفريقيا الفرانكفونية، مما يهدد بتوجيه ضربة قد تكون قاضية للمصالح التجارية الفرنسية في المنطقة.
الوعي
لعل الأثر الأهم لهذه الحكومات القومية هو ما أحدثته في الوعي. فعندما يستحضر إبراهيم تراوري الشعار الثوري لتوماس سانكارا وتشي جيفارا: “الوطن أو الموت، نحن سننتصر!”، ويتحدث أمام استاد غاصٍ بالجماهير معلنًا الثورة ضد الإمبريالية، فإن لهذا وقعًا كبيرًا. لقد وفر ذلك قطب جاذبية لكل الغضب والاستياء الذي تراكم لسنوات بين الشباب الأفريقي.
ولهذا السبب، يحظى تراوري بشعبية هائلة في جميع أنحاء أفريقيا وخارجها. إذ يمكن العثور على صورته على الحافلات في نيروبي، وتشارك ملايين الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي في جميع أنحاء العالم مقاطع من خطاباته. وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة ضد تراوري في أبريل 2025، خرجت مظاهرات تضامنية في غانا وليبيريا، وحتى في أماكن أبعد من ذلك.

التفسير الذي تقدمه وسائل الإعلام الغربية لهذه الظاهرة فهو الفزاعة المعتادة المتمثلة في “التضليل الروسي”. وما يفشل هذا الطرح في تفسيره هو السبب الذي يجعل الكثير من الناس يشاهدون هذه المواد ويوزعونها بحماس، فمن الواضح أنهم يلمسون نضالهم الخاص في خطاب تراوري المناهض للإمبريالية وفي سياسات نظامه.
والحقيقة هي أن الملايين من أفقر شعوب كوكب الأرض ينجذبون إلى النضال السياسي، وفي حالات كثيرة للمرة الأولى، ويربطون كفاحهم من أجل حياة أفضل بالنضال الأممي ضد الإمبريالية. وهذه الحقيقة وحدها تحمل دلالات تقدمية هائلة، ولا يمكن النظر إليها بمعزل عن الأحداث الثورية التي اجتاحت بلدانًا أفريقية أخرى مؤخرًا، مثل كينيا ومدغشقر.
كما ينعكس هذا التحول في وعي الجماهير في لغة القادة أيضًا. ربما تبنى تراوري حين وصل إلى السلطة على الفور بعضًا من لغة ورموز سانكارا (الذي قاد الثورة البوركينابية 1983-1987)، لكنه – على عكس سانكارا – لم يتحدث حينها عن الثورة، بل حصر شعاراته في السيادة الوطنية والتنمية.
تغير هذا بشكل حاسم في الأول من أبريل 2025، عندما أعلن تراوري أن بوركينا فاسو تخوض “ثورة شعبية وتقدمية”، وهو ما أصبح الآن الشعار الرئيسي لحكومته.
وفي الوقت ذاته، أعلن الجنرال تياني في خطاب ألقاه في 30 سبتمبر: “إن شعوب الساحل هي التي تقود الثورة”.
وعلى خلاف تراوري، فإن تياني ليس شابًا ولا ضابطًا صغيرًا، فقد كان جزءً من المؤسسة الحاكمة في النيجر لأكثر من عقد من الزمان، ولم يسبق له من قبل أن أشار إلى الثورة أو سانكارا أو أي شيء من هذا القبيل.
فبماذا يمكن تفسير هذا الإدراك المفاجئ؟ من الواضح أن هناك سيرورة أعمق كامنة في العمق، هي التي تدفع غويتا وتراوري وتياني في نفس الاتجاه، في الوقت الحالي.
ستكون السياسة بسيطة للغاية حقًا لو كانت كل الظواهر تحتوي فقط على مضمون تقدمي أو رجعي. ورغم صحة أن الأنظمة الثلاثة تمتلك تناقضاتها الخاصة وعناصرها الرجعية، إلا أن الحقيقة تظل أنها تقود حاليًا نضالًا مناهضًا للإمبريالية يحظى بدعم شريحة واسعة من المظلومين.
إن واجب كل الشيوعيين هو دعم نضال أي أمة مستعمَرة أو شبه مستعمَرة لتحرير نفسها من الهيمنة الإمبريالية. ولكن من الضروري أيضًا التساؤل: هل سيتمكن تحالف دول الساحل من قيادة هذا النضال إلى نهاية ناجحة في شكله الحالي؟ وما هو السبيل للمضي قدمًا لجماهير المنطقة؟
الحدود
لقد شهدت أفريقيا تاريخًا طويلًا من الانقلابات والانقلابات المضادة منذ أن نالت استقلالها الرسمي عن الاستعمار. ففي بلدان عديدة، استولت شريحة من الضباط على السلطة، وأقصت النخب القديمة المتعفنة، ونفذت سلسلة من الإصلاحات باسم السيادة الوطنية والتنمية الاقتصادية: عبد الناصر في مصر، القذافي في ليبيا، الدرغ في إثيوبيا…والقائمة تطول.
فخلال الحرب الباردة، لعب وجود الاتحاد السوفيتي وكوبا مصادرًا للدعم ونماذج للتنمية التي تقودها الدولة دورًا بالغ الأهمية. وتحت هذا التأثير، تبنت العديد من الأنظمة الأفريقية سياسات اشتراكية، بل وأطاحت بالرأسمالية تمامًا.
وفي إطار تلك الموجة الثورية التي اجتاحت العالم المستعمَر، استولى النقيب في الجيش الماركسي توماس سانكارا، البالغ من العمر 33 عامًا، على السلطة مع عدد من الضباط اليساريين في فولتا العليا عام 1983، معلنًا عن “ثورة ديمقراطية وشعبية” صادرت أملاك البرجوازية الكبيرة وأممت الأرض وحشدت العمال والفلاحين للمشاركة في التنمية المخططة للاقتصاد. وفي إطار هذه الثورة، جرى تغيير اسم فولتا العليا إلى بوركينا فاسو: “أرض الرجال النزهاء”.
اليوم، يمكن القول إن عمق الأزمة التي تواجهها الجماهير بات أسوأ مما كان عليه. ففي كثير من هذه البلدان، تراجعت القدرة الصناعية والعمالة الرسمية بالفعل منذ ثمانينيات القرن الماضي. كما أن المرارة والغضب الموجهين ضد الإمبريالية والطبقة السائدة الفاسدة في الداخل حاضران في كل مكان، لاسيما بين الشباب.
وكما رأينا، انطلقت سلسلة جديدة من الانقلابات باسم الاستقلال السياسي والاقتصادي الحقيقي. ويشير تراوري بانتظام إلى سانكارا ويقتبس من خطاباته، بل إنه يرتدي ملابس تشبه ملابس سانكارا، حيث يرتدي دائمًا القبعة الحمراء والزي العسكري ويحمل مسدسًا. لكنه لم يذهب إلى المدى الذي ذهب إليه سانكارا، سواء في الخطاب أو في الفعل.
إن الوضع العالمي اليوم يختلف تمامًا عما كان عليه في سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي. فالاتحاد السوفيتي لم يعد موجودًا، والصين أصبحت قوة رأسمالية عظمى، والأزمة الاقتصادية العميقة في كوبا تعني أنها لم تعد النموذج الذي كانت عليه يومًا.
لذا، عندما تظهر أنظمة قومية، مثل أنظمة تحالف دول الساحل، ما هو النموذج البديل المتاح لها لاتباعه؟
الإجابة هي الصين وروسيا. فكلاهما يجمع بين اقتصاديات السوق الرأسمالية والتدخل القوي للدولة لتعزيز التنمية الصناعية مع إعطاء الأولوية للأمن القومي والاستقلال. دولتان بونابرتيتان قويتان تتحديان الغرب بنجاح، كما تفعل روسيا في أوكرانيا والصين بشكل أوسع في التجارة العالمية.
إن تأثير روسيا والصين واضح في خطاب تراوري حول “الثورة الشعبية والتقدمية” التي تجري في بوركينا فاسو. فعلى سبيل المثال، عندما يصرح بأنه “لا يوجد بلد تطور في ظل الديمقراطية“، فهو على الأرجح لا يشير فقط إلى غياب التنمية في أفريقيا، بل أيضًا إلى حقيقة أن تجربة روسيا القصيرة مع ما يسمى بـ”الديمقراطية” الليبرالية تزامنت مع فترة انهيار اقتصادي، تعافت منها البلاد تحت ديكتاتورية بوتين.
جوهريًا، إن غياب أي دول عمالية قوية على الساحة العالمية يعني أن انتقال الأنظمة البونابرتية القومية إلى الإطاحة بالرأسمالية أمر مستبعد للغاية، إن لم يكن مستبعدًا تمامًا. ولذلك، بدون تدخل واعٍ من الطبقة العاملة، ستظل هذه الأنظمة ضمن حدود النظام الرأسمالي.
ومن اللافت للنظر أن أحدًا من قادة تحالف دول الساحل لم يذكر كلمة “اشتراكية” قط. وعندما يتحدث تراوري عن كون الرأسمالية “وحشية“، فهذا لا يعني أن لديه أي نية للإطاحة بها، بل ما يعنيه هو ضرورة توجيهها وكبح جماحها من طرف دولة قوية.
إن نضال أي بلد خاضع ضد الهيمنة الإمبريالية يجب أن يحظى بدعم الطبقة العاملة العالمية، بغض النظر عن حكومته. ولكن لكونها أنظمة بونابرتية، وتعتمد على الرأسمالية، فإن هناك حدودًا جدية لما يمكن تحقيقه.
يمكننا النظر إلى التاريخ لنرى ما يترتب على ذلك. ففي جميع الأنظمة القومية التي تأسست في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إما أن القادة الثوريين عُزلوا من جانب قطاع أكثر محافظة في الجيش عندما شعر بتهديد امتيازاته، أو أن “الثوريين” أنفسهم نفذوا الثورة المضادة بالعودة نحو الغرب وبيع ثروات أممهم للإمبرياليين.
إن حقيقة كون هذه الثورة المضادة كانت شاملة في جميع أنحاء أفريقيا تظهر أنها لم تكن ناجمة عن أخطاء أو خيانات قادة أفراد.
وباعتبارها أنظمة بونابرتية، فإنها تحافظ حتمًا على تركز السلطة في أيدي زمرة من ضباط الجيش وبيروقراطيي الدولة، بدلًا من الشعب. وفي نهاية المطاف، إذا شعر قطاع حاسم في هذه البيروقراطية أنه يمكنه الحصول على صفقة أفضل من خلال التعاون مع الإمبريالية، أو إذا اعتمد بقاؤه على ذلك، فإن هذه الدول ستخضع في النهاية للضغوط.
من الجدير بالذكر أن غينيا شهدت انقلابًا مشابهًا لما حدث في مالي عام 2021، بل وأقامت علاقات وثيقة مع حكومة غويتا عندما هددت الإيكواس كلا البلدين بتغيير النظام. ولكن منذ ذلك الحين، سلك نظام دومبيا مسارًا مختلفًا، حيث اتخذ صراحة من النظام الرواندي – وهو حليف رئيسي للغرب يخوض حاليًا حربًا وحشية في شرق الكونغو – نموذجًا له.
ويجب القول أيضًا إنه على أساس رأسمالي، يعد توحيد دول تحالف الساحل في دولة واحدة أمرًا مستحيلًا. فمثل هذه الدولة لن تحتاج إلى ثلاث بيروقراطيات عسكرية متميزة، لكل منها مصالحها السياسية والاقتصادية الخاصة، إذ يتعين دمجها جميعًا في هيكل قيادة واحد. ولكن من سيتربع على القمة؟
هل سيكون تراوري الذي يشغل حاليًا منصب رئيس التحالف؟ في هذه الحالة، سيتعين على قادة الجيشين المالي والنيجري قبول المرتبة الثانية. وهل هناك ما يضمن أن تراوري سيقود دائمًا بما يخدم مصالح الأنظمة العسكرية الثلاثة، وليس مصلحته الخاصة فقط؟
إن مجرد طرح السؤال يوضح التناقضات الهائلة الكامنة في دمج عدة دول برجوازية في دولة واحدة. وكانت هذه التناقضات هي التي مزقت “اتحاد مالي” الذي لم يدم طويلًا في عام 1960، وسيكون لها تأثير مماثل في منطقة الساحل اليوم.
في الوقت الحالي، يدفع الغزو الإسلاموي وضغط الإمبريالية الغربية الدول الثلاث نحو التقارب والتمسك بمسارها الراديكالي الراهن. لكن من السذاجة الاعتقاد بأن جميع الشرائح داخل هذه الدول تؤيد المسار الحالي، ولا يمكن استبعاد أن يتحرك الوضع في اتجاه رجعي في المستقبل.
إن التضامن مع شعوب منطقة الساحل ونضالهم من أجل التحرر لا يعني الدعم غير المشروط للقيادة في جميع الأحوال، فهذا لا يفيد أحدًا.
الهمجية الرأسمالية
لا تزال مالي وبوركينا فاسو والنيجر تواجه أزمة عميقة. فالوضع الأمني خطير للغاية، حيث قُتل آلاف الأشخاص منذ عام 2023، ونزح ما يقرب من 3.5 مليون شخص داخليًا.
ويعتقد الآن أن حوالي 60% من أراضي بوركينا فاسو خارج سلطة الحكومة. وخلافًا لادعاء وزير خارجية مالي بأن القوات المسلحة استعادت “شبه كامل” أراضيها، فقد انتشرت الهجمات الإسلامية الآن في جميع أنحاء البلاد، واصلة إلى مناطق لم تكن متأثرة سابقًا.
وفي أكتوبر، شُلت الحركة في باماكو (عاصمة مالي) بعد أن نجحت أقوى جماعة إسلامية في المنطقة، وهي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، في مهاجمة وتدمير مئات ناقلات النفط التي تنقل الوقود من السنغال وساحل العاج. وفي الأسابيع الأخيرة، استُعيدت إمدادات الوقود إلى حد كبير، في العاصمة على الأقل، لكن هذا لا يعني تحقيق نصر حاسم ضد الإسلاميين.
لم ينجح حصار الوقود الذي فرضته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إسقاط النظام، وهو أمر كان سيخلف تداعيات رجعية مروعة على المنطقة بأسرها. لكن هذا الخطر كان حقيقيًا، كما يتضح من اضطرار غويتا لإجراء عمليتي تطهير في صفوف كبار الضباط في غضون أربعة أشهر فقط: الأولى في أكتوبر، والثانية في بداية هذا العام.

إن ما حققه الحصار هو فتح باب المفاوضات مع قادة المجتمعات المحلية، وهي المفاوضات التي منحتها الحكومة الضوء الأخضر في أكتوبر الماضي. ويمثل هذا تحولًا جوهريًا عن موقف غويتا السابق الرافض تمامًا للتفاوض، مما يشير بوضوح إلى أن الحكومة لم تعد تشعر بقدرتها على طرد المتمردين من قواعدهم في الأرياف.
ويعني هذا أن مساحات شاسعة من الريف باتت الآن تحت سيطرة الإسلاميين فعليًا. وبالفعل، في مناطق كثيرة خارج العاصمة، تُجلد علنًا النساء اللواتي يُضبطن وهن يتنقلن في وسائل النقل العام دون خمار.
من الضروري إدراك أن الحرب التي يخوضها تحالف دول الساحل لا يمكن الانتصار فيها دون الإطاحة بالرأسمالية في المنطقة.
فضعف الدولة كان سمة مشتركة للرأسمالية الأفريقية منذ الاستقلال، وهو ضعف لم تستغله القوى الأجنبية فحسب، بل استغلته أيضًا شبكات مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.
وفي أبعد مناطق الساحل، تغيب الدولة تمامًا تقريبًا، مما يسمح للإسلاميين بالتدخل كوسطاء في النزاعات على الأراضي والماشية، وتقديم “حماية” على طراز المافيا.
وبهذه الوسائل، نجح الإسلاميين في احتلال المناطق الحدودية بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وأقاموا فعليًا دولة موازية. ومن هذه القاعدة، يجبون الزكاة ويسيطرون على المناجم ويشنون غارات لنهب الماشية وينقلون المخدرات عبر الصحراء الكبرى. ولم يكن هذا ليتحقق لولا السوق الرأسمالية العالمية، بصورتيها “المشروعة” و”السوداء”.
تمثل تجارة الماشية جزءً هامًا من الاقتصاد في بلدان مثل غانا وساحل العاج، حيث يحقق الرأسماليون الزراعيون في هذه البلدان أرباحًا طائلة من المتاجرة بالماشية المسروقة من مالي وبوركينا فاسو، وهو ما يسمح للجماعات المتمردة فعليًا بـ”غسل” مكاسبها المنهوبة.
وبالمثل، فإن الطلب المتزايد على الذهب جعل تهريب الذهب من المناجم التي يسيطر عليها المتمردون مربحًا بشكل خاص. وبفضل هذه الموارد، أثبتوا قدرتهم على شراء طائرات بدون طيار من السوق السوداء واستخدامها ضد أهداف حكومية بآثار فتاكة.
وفوق كل شيء، فإن أكبر رصيد للإسلاميين هو فقر الجماهير الريفية في هذه البلدان، حيث ينضم الشباب طواعية للقتال مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أو للعمل في أحد مناجمها لأنها “وظيفة”. وكما قال أحد المقاتلين في النيجر في مقابلة مع مجلة الإيكونوميست: “كل ما تريده سيعطيك إياه القادة… المال والنساء واللحم والدراجة النارية”.
ببساطة، لا يمكن القضاء على هذه الشرور بالوسائل العسكرية وحدها. فوحده التطوير المخطط للاقتصاد والبنية التحتية على نطاق إقليمي يمكنه تقوية الدولة، وقطع وصول الإسلاميين إلى التمويل والمقاتلين، والبدء في عكس اتجاه التيار.
لكن هذا مستحيل على أساس رأسمالي، لأسباب ليس أقلها أن الطبقة الرأسمالية المحلية عاجزة تمامًا عن القيام بذلك. فبدلًا من ذلك، وبسبب افتقارهم لوسائل منافسة الاحتكارات الأجنبية، فإنهم إما يعملون وكلاء محليين لها أو يحققون الأرباح ببساطة من خلال صلات فاسدة مع الدولة.
منطقة ممزقة
إن الإمبريالية الغربية وحلفائها يدفعون دول تحالف الساحل عن عمد نحو حافة الانهيار، وذلك لحماية مناطق نفوذهم وتلقين الجماهير الأفريقية درسًا قاسيًا مفاده أنه “لا يوجد بديل”.
بالنسبة للإمبرياليين، المسألة هي “إما الحكم أو الخراب”. أما تعاون الدول الأفريقية المجاورة في زعزعة استقرار منطقتها فلا يكشف سوى الطابع الرجعي وقصير النظر للطبقة السائدة في هذه البلدان.
لقد تخلت الدول البرجوازية الفاسدة في المنطقة عن دول تحالف الساحل إلى حد كبير. وقد أُنشئ التحالف في المقام الأول لأن مجموعة الإيكواس فرضت عقوبات اقتصادية قاسية، بل وهددت بالتدخل العسكري في النيجر لتغيير النظام، وكل ذلك تحت مسمى استعادة “حكم ديمقراطي” وهمي تمامًا في هذه البلدان.
وفي نهاية المطاف، اضطروا إلى التراجع وسحب العقوبات في فبراير 2024، ولكن ليس قبل تدمير جزء من الاقتصاد النيجري، حيث أغلقت الشركات المحرومة من الكهرباء أبوابها، في حين خُفضت ميزانية الدولة بنسبة 40%.
وحتى بعد خروج دول تحالف الساحل من الإيكواس، كان التعاون لا يزال ممكنًا في عدد من المجالات، لكنه لم يتحقق. ومن الواضح أن عددًا من دول غرب أفريقيا تتعاون مع حلفائها الغربيين المقربين لعزل وإضعاف تحالف الساحل. وقد اعترف العقيد الغاني المتقاعد، فيستوس أبواغي، بذلك في تعليق كاشف حين قال:
“بعض الدول الأعضاء في الإيكواس تصطف مع شركاء خارجيين لمحاولة الإطاحة بهذه الأنظمة. أما نهج غانا فهو حماية المصالح الوطنية”.
وقد أوضح نظام واتارا في ساحل العاج، الذي ما يزال حليفًا رئيسيًا للإمبريالية الفرنسية في المنطقة، بشكل واضح أنه لا يوافق على توجه مالي نحو روسيا. كما أن نيجيريا، تحت قيادة بولا تينوبو، تعارض بحزم الأنظمة التي أعقبت الانقلابات في منطقة الساحل منذ البداية.
تحتفظ هاتان الدولتان الهامتان بروابط وثيقة مع الإمبريالية الغربية، ولكن هذا ليس كل شيء. فصورة وقادة تحالف دول الساحل، وتراوري على رأسهم، يحظون بشعبية كبيرة في هذه البلدان، ومن الواضح أن حكامها الفاسدين يخشون ما قد يعنيه ذلك لهم إذا نُظر إلى تحالف دول الساحل باعتباره نموذجًا بديلًا ناجحًا للمنطقة.
لذلك، فهم يسعون لمنع أي “عدوى” محتملة قادمة من الشمال. وقد تجلى ذلك بوضوح خلال محاولة الانقلاب الأخيرة في بنين. فعندما أعلنت مجموعة من الضباط الإطاحة بقائد البلاد الموالي للغرب، باتريس تالون، اتصل به الرئيس الفرنسي نفسه على الفور وعرض عليه “دعمًا لوجستيًا”، في حين تدخلت نيجيريا مباشرة بسلاحها الجوي لإفشال الانقلاب.
ولم يمنع هذا توغو المجاورة من التقرب من روسيا، التي وقعت معها اتفاقية تعاون عسكري العام الماضي. كما سلمت مؤخرًا قائد بوركينا فاسو المخلوع، بول هنري داميبا، الذي كان يعيش في توغو في المنفى بعد اتهامه بمحاولة انقلاب ضد تراوري في بداية هذا العام. هذا المستوى الجديد من التعاون بين عضو في تحالف دول الساحل ودولة ساحلية زاد من إصرار واتارا على إسقاط غويتا وتراوري في الشمال.
في الواقع، انقسمت غرب أفريقيا إلى كتلتين متخاصمتين، كل منهما مدعومة من قوى أجنبية مختلفة، وتدخل كل منهما في السياسة الداخلية للأخرى، مع تشديد حدودهما وتقييد التعاون في كافة المجالات. وصب هذا في مصلحة الإسلاميين الذين استوطنوا المناطق الحدودية بين دول تحالف الساحل والدول الساحلية الأخرى.
المخاطر المستقبلية
كان الدافع وراء التوجه نحو روسيا، في المقام الأول، هو الحاجة إلى دعم عاجل في القتال ضد الإسلاميين، لكن هذا التوجه لم يثمر عن النتائج المرجوة.
فقد انسحبت فاغنر مؤخرًا من مالي، على وقع خلافات حادة غلبت عليها المرارة. ولا يعود ذلك إلى عدد من الانتكاسات العسكرية فحسب، بل بسبب صراع حول حقوق التعدين، حيث كانت الحكومة القومية تمنع استحواذ الأجانب – بما في ذلك الروس ووكلائهم – على الأصول المالية. ورغم احتفاظ الفيلق الأفريقي (Africa Corps) بقوة قوامها نحو 1,000 مرتزق في البلاد، إلا أن ذلك لم يمنع الإسلاميين من توسيع نطاق نفوذهم.
من ناحية أخرى، قدمت الصين مركبات مدرعة ومدفعية لتحالف دول الساحل، وهي مستعدة بكل سرور لشراء تراخيص التعدين. ولكن، كما تظهر تجربة الحرب في شرق الكونغو، فليس للصين مصلحة في تزويد حلفائها بالدعم اللازم لاستقرار بلدانهم. وفي نهاية المطاف، فإن “الشراكة الاستراتيجية المربحة للطرفين” التي تروج لها الصين مع أفريقيا تعني: “إذا عشت تربح الصين، وإذا مت تربح الصين أيضًا”.
مؤخرًا، سدت تركيا – ولو جزئيًا – الفجوة التي خلفها اضطرار روسيا لتركيز مواردها على أوكرانيا، حيث اشترت بوركينا فاسو عددًا من الطائرات المسيرة التركية، واستقبلت النيجر مستشارين عسكريين اتراكًا. غير أن هذا لا يكفي على الإطلاق لاستعادة الأمن في المنطقة.

وكلما طال أمد الحرب زاد خطر انزلاقها أكثر نحو حرب أهلية أوسع نطاقًا، قد تهدد في مرحلة ما بانهيار الدولة في واحد من هذه البلدان على الأقل.
فحتى قبل وقوع الانقلابات كانت ميليشيات الدفاع المحلية تشن عمليات انتقامية ضد من يُشتبه في أنهم إرهابيون، وغالبًا ما يكونون من إثنية الفولاني المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة. وقد تصاعدت دورة العنف هذه مؤخرًا: يهاجم الإسلاميين القرى، فتشن الميليشيات الموالية للحكومة عمليات انتقامية، وغالبًا ما ينضم الأبرياء من الفولاني العالقون في هذا العنف إلى الإسلاميين طلبًا للحماية والانتقام.
والوحيدون المستفيدون من هذا الوضع هم الإسلاميون والإمبرياليون. فجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، قدمت نفسها صراحة كمدافع عن الفولاني. وهذه كذبة مفضوحة، يغذيها الإعلام الغربي عن عمد عبر تغطيته المنحازة المستمرة للصراع.
إن ما سيحدث في المستقبل القريب يعتمد على عوامل متعددة، من أهمها نتائج الحرب في أوكرانيا. فإذا تفرغت روسيا لإرسال قوات ومعدات إلى منطقة الساحل، فقد يترجم ذلك إلى مكاسب إضافية في ميدان المعركة، ولكن هذا له ثمن. فروسيا قوة إمبريالية، وهي لا تدعم الحكومات من قبيل الإحسان أو التضامن بل لخدمة مصالحها الخاصة.
وإذا أصبحت هذه الدول، من أجل البقاء، أكثر اعتمادًا على الدعم الأجنبي – أيًا كان مصدره – فستضطر إلى تكييف برامجها مع رغبات مموليها الجدد، وهو ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى تحرك الأمور في اتجاه رجعي. ففي نهاية المطاف، لا سبيل للهروب من فظائع الهيمنة الإمبريالية دون القطيعة مع الرأسمالية تمامًا.
من أجل الاشتراكية
يمكن تلخيص منظورات القارة الأفريقية اليوم في جملة واحدة: الاشتراكية أو الهمجية.
إن مصير تحالف دول الساحل مرتبط باستقرار المنطقة بأسرها. فإذا ما انزلقت أي من الدول الأعضاء في التحالف نحو هاوية الهمجية، كما حدث في ليبيا أو سوريا، فسيؤدي ذلك حتمًا إلى زعزعة استقرار الدول الساحلية المجاورة، مما سيؤثر على حياة الملايين.
وبالمثل، فإن مصير شعوب منطقة الساحل مرتبط بالنضال الثوري للعمال والفلاحين والشباب في غرب أفريقيا. إذ إن الإطاحة بالرأسمالية في أي من البلدان المجاورة سيوفر على الفور شريان حياة لهذه البلدان التي تحاصرها الإمبريالية.
كما أوضح سانكارا في قمة إقليمية عُقدت في سبتمبر 1985:
“لن يتحقق الأمن أبدًا، ولن يتم نيله حتى تحرر الثورة شعوب [المنطقة]”.
إن تبجيل إبراهيم تراوري في جميع أنحاء المنطقة يظهر أن المزاج العام مهيأ لمثل هذه الثورة في كافة أرجاء غرب أفريقيا. لكن انتظار تراوري آخر، أو حتى سانكارا جديد، هو تفكير خاطئ. ونقتبس من سانكارا نفسه مرة أخرى:
“من غير الوارد بالنسبة لهم أن ينتظروا سلطة منقذة من أي شعب كان، أو من أي مسيح مخلص أيًا كان. فهذا سيكون خطأ، خطأ جسيمًا، خطأ فادحًا، خطأ مضادًا للثورة”.
إن المطلوب لتحقيق كل ذلك هو وجود حزب ثوري قادر على قيادة الجماهير المضطهَدة نحو النصر. إن استيلاء العمال والفلاحين على السلطة في بلد واحد فقط من شأنه أن يطلق موجة ثورية قادرة على إسقاط الرأسمالية في كامل المنطقة، وانتزاع مواردها الهائلة أخيرًا من قبضة الشركات متعددة الجنسيات الأجنبية وعملائها المحليين، ووضعها في أيدي الشعب.
من شأن ذلك أن يضع الأساس لفدرالية اشتراكية لغرب أفريقيا، يمكنها أخيرًا إطلاق العنان للإمكانات المذهلة لهذه البلدان، عبر التكامل والتطوير المخطط ديمقراطيًا لاقتصاداتها، والقضاء على آفة الإرهاب الإسلامي، وتغيير حياة الجماهير بشكل جذري.
ليس من الصعب تخيل الأثر الذي سيحدثه مثل هذا التطور على أفريقيا برمتها، فهو سيوجه للإمبريالية ضربة لن تتعافى منها أبدًا. هذا هو المستقبل الذي نناضل من أجله في جميع أنحاء العالم، كما في أفريقيا.
يا عمال العالم، اتحدوا!
30 يناير/كانون الثاني 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
Ibrahim Traoré, the Alliance of Sahel States and the fight against imperialism in West Africa
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية