ردا على هجوم 7 أكتوبر الذي وقع قبل ثلاث سنوات، أطلقت إسرائيل إبادة جماعية ضد غزة. شاهد العالم بأسره الغرب “المتحضر” يضع بدون أي شروط “صحافته الحرة” والشرطة والمال، وراء “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.

لكن هذه المذبحة خلفت آثارا عميقة في أذهان الملايين، إذ صار “الجميع يكره إسرائيل” اليوم، كما قال ترامب نفسه. هذا الاشمئزاز العالمي، والحركات الجماهيرية التي سببها، جعل الدعم الصريح لإسرائيل شيئا خطيرا من الناحية السياسية.
ومع استمرار هيجانها، الذي يهدد حتى المصالح الأمريكية والإسرائيلية، اضطرت أمريكا إلى التدخل في السنة الماضية وفرضت “إيقاف إطلاق النار”. ولإسعاد الليبراليين والحكام العرب، أعاد ترامب إخضاع غزة لتفويض دولي، تحت دكتاتورية “مجلس سلام”، تحت إدارته هو.
منذ ذلك وبينما واصلت إسرائيل هيجانها عبر ستة جبهات، بدأ المتعاونون الليبراليون ينأون بأنفسهم عن جرائم كانوا حتى الأمس القريب يدعمونها بدون تحفظ. أجبر الضغط العام حتى أقرب أصدقاء إسرائيل على التعبير عن “قلقهم” و”إحباطهم” من حكومة نتنياهو، التي يحاولون جاهدين تمييزها عن إسرائيل.
في بريطانيا، وصلت الوجوه الجديدة في حزب العمال -حزب كير ستارمر الذي دافع عن حق إسرائيل في منع الفلسطينيين من الطعام والماء– إلى حد الاعتراف بـ “أننا كنا مخطئين“، وأن المتظاهرين ضد الإبادة “كانوا على حق“. وإلى جانب فرنسا وكندا و19 بلدا آخر، أتبعوا أقوالهم ببعض العقوبات وقطعة ورق تضمنت الاعتراف الرسمي بدولة فلسطينية.
يأملون أن تكون هذه التنازلات كافية للضغط على إسرائيل لتبطئ، وينسى الناس تواطؤهم.
إبادة جماعية مستمرة
اختفت معاناة الشعب الفلسطيني من عناوين الأخبار بفعل حرب إيران المتصاعدة. لكن لم يكن هناك أي سلام أبدا. لقد أبطأت إسرائيل وتيرتها، لكنها لم توقف الإبادة الجماعية.
لقد استمرت في قصف غزة يوميا تقريبا أثناء “إيقاف إطلاق النار”، وتسببت في مقتل أو جرح فلسطيني كل 90 دقيقة تقريبا. ووسَّعت احتلال القطاع من 53% إلى 65%، وأجبر مليونان من الناجين على اللجوء إلى زاوية تبلغ 128كيلومترا مربعا، في منطقة كانت تعد قبل هذا من أكثر المناطق كثافة بالسكان على الأرض.
ومع استمرار إسرائيل في القتل، رفضت حماس تسليم أسلحتها، فبقي “إيقاف إطلاق النار” عالقا في غموض منذ النقطة الأولى. لم يظهر أثر لـ”قوة الاستقرار الدولية”، ولا للأموال. وعمليات إعادة الإعمار لم تبدأ حتى الآن، ولا وجود لأي مؤشر على أنها ستنطلق في أي وقت قريب.
أنظروا إلى خريطة جوجل. غزة قاحلة. تم تشريد ملايين البشر، وصاروا يعيشون في مدن من الخيام بين الدمار، بدون أي حماية من الحر أو الفيضانات. لقد انهار مستوى الحياة. وصار الناتج المحلي الإجمالي السنوي للفرد هو 212 دولارا. سنويا يعيش الفلسطينيون بشكل كامل تقريبا على المساعدات الخارجية فقط، وهي المساعدات التي تقيدها إسرائيل عمدا، بما يقل عن نصف الحد الأدنى المتفق عليه.
دُمِّرَت أو تضررت 80% من جميع المباني، وكذلك 93% من المدارس، و94% من المستشفيات و90% من البنية التحتية للطاقة و88% من البنية التحتية للمياه و92% من الشركات. ولم تقدم إدارة الانتداب إلا ترخيص بناء واحد حتى الآن… لبناء قاعدة عسكرية.
جرفت إسرائيل في غزة المزيد من الأراضي الخالية لبناء المزيد من القواعد العسكرية.
إسرائيل صريحة بشأن أهدافها من وراء الخنق والتدمير: التطهير العرقي. في الشهر الماضي، أوضح وزير الدفاع “كاتز” بأن إسرائيل “منظمة ومستعدة لإخراجهم” لأنه “ليس هناك حل حقيقي لغزة في النهاية بدون هذه الهجرة”.
طموحاتهم تمتد إلى ما هو أبعد من غزة. فهم ينظمون، تحت ستار “إيقاف إطلاق النار” آخر، حملة لتصفية لجنوب لبنان، وقد ضموا الضفة الغربية فعليا. هناك تختنق المدن إلى حد الانهيار، ويتم إخلاء القرى بأعداد غير مسبوقة من الهجمات على يد مستوطنين مسلحين، بمساعدة وتحريض من الجيش الإسرائيلي. يأمل المتطرفون بأن يستفز هذا الوضع الذي لا يطاق انتفاضة أخرى، مما سيؤدي إلى فتح جبهة جديدة وتوفير مبرر لطرد جميع الفلسطينيين.
المستوطنون في الحكومة واضحون: إنهم يريدون إكمال ما بدأته إسرائيل في النكبة. إنهم يريدون “إسرائيل كبرى” مهيمنة إقليميا، خالية تماما من السكان الأصليين. قد لا يكون هذا ما يقر به من يسمون “الصهاينة الليبراليين” أو ما يريدونه، لكن هذا في الواقع هو ما يسعى الجيش الاسرائيلي والمستوطنون إلى تحقيقه.
تواطؤ مستمر
لقد دفع نتنياهو الأمور إلى حدها الأقصى، لكن التحضير لهذه الكارثة كان يجري منذ 78 سنة.
تأسست إسرائيل على التهجير القسري للفلسطينيين. ومنذ ذلك الحين وهي تحتلهم وتضطهدهم. وقد وقفت القوى الغربية إلى جانبها طوال الوقت لأنها تشكل حصنا لمصالحها الإمبريالية في الشرق الأوسط.
لقد غضّوا أبصارهم، في معظم الوقت، عن معاناة الفلسطينيين. لكنهم اضطروا، أكثر من مرة، للتدخل والتحكم في الوضع عبر “اتفاقيات سلام” و”إيقاف إطلاق النار”، لتهدئة المقاومة والغضب الشعبي.
لقد أدى “حل الدولتين” الدور ذاته. استُخدم سرابا لخداع الجماهير. وفي الواقع، لا يمكن بأي شكلٍ من الأشكال تحقيق أي عدل أو سلام دائمين طالما ظل الفلسطينيون -سواء في ظل دولة أو بدونها- يعيشون إلى جانب القوة الصهيونية الإمبريالية، المدعومة من أقوى بلد في تاريخ العالم.
لا علاقة للأخلاق بالموضوع – ولا حتى الإبادة. إنهم ينتقدون إسرائيل الآن لأنها تعرض مصالحهم في الداخل والخارج إلى الخطر. لقد أدت عقود من الإفلات من العقاب والدعم غير المحدود إلى خلق “وحش فرانكنشتاين” ذي شهية نهمة خاصة به.
سعى نتنياهو، اليائس سياسيا، إلى تنفيذ أقصى أهداف الامبريالية الاسرائيلية في أقصر وقت ممكن، مهما كانت العواقب. ولقد أدى تصعيده الحثيث إلى جر الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران، وأصبح مُحفزا قويا في زعزعة استقرار إسرائيل والمنطقة بأسرها، وفي إضعاف سيطرت الولايات المتحدة على الشرق الأوسط، والأزمات السياسية والاقتصادية في كل مكان.
لكن رغم كل هذا، ما تزال إسرائيل حليفتهم الأكثر أهمية. ترتبط طبقاتهم السائدة عبر الآلاف من الخيوط، والملايير من الدولارات، وتقوم بأعمالهم القذرة منذ عقود. لذا لا يمكنهم الوقوف مكتوفي الأيدي ومشاهدتها وهي تتعرض للتدمير.
يستعد دافعو الضرائب في الولايات المتحدة لتحمّل تكلفة مساعدات عسكرية أخرى لإسرائيل بقيمة 2.8 مليار دولار، تتضمن 40 ألف قنبلة تزن ألفي رطل. ولتعويض تردد الأوروبيين، رفعت ألمانيا قيمة تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل بمقدار 800 مليون يورو، معظمها، حسب التقارير، مخصص لغواصة نووية.
وشركاؤها الأضعف -مثل كارني الكندي وبيرنهام الإنجليزي وماكرون الفرنسي- اعترفوا بفلسطين، وأدانوا “الإرهاب“، والغزو “غير القانوني” و”الهمجية” بالكلمات، لكنهم في الوقت ذاته، أعادوا التأكيد على “التزامهم الثابت بأمن إسرائيل”. ما زالت الطائرات البريطانية والصواريخ الفرنسية تحمي الأجواء الإسرائيلية، وما تزال هذه الدول تبرم صفقات أسلحة مع إسرائيل بقيمة عشرات الملايين. أما تنازلاتهم الفارغة ودموع التماسيح التي ذرفوها، بفعل ضغوط سياسية هائلة، فلم تؤد إلا إلى إثارة استياء نتنياهو.
أما أولئك الذين يتجرأون على الاحتجاج ضد نفاقهم الإجرامي، فيتعرضون للقمع، ويُتهمون بـ”معاداة السامية”، ويُرمى بهم في السجون بتهمة الإرهاب. وفي الوقت ذاته، يظل نتنياهو وجميع مرتكبي الإبادة الجماعية الإسرائيليين طلقاء، دون أن ينالوا أي عقاب على واحدة من أبشع الفظائع في التاريخ الحديث.
وحدها الثورة قادرة على تحرير فلسطين!
سيواصل الإمبرياليون دعم إسرائيل إلى ألا تبقى فلسطين موجودة، لو استطاعوا الإفلات من العواقب. إنهم لا يكترثون. لقد كانت الحركات الجماهيرية المتضامنة مع فلسطين، وصولا إلى الإضرابات العامة في إيطاليا، هي ما أجبرهم على التظاهر بالاهتمام بمحنة الشعب الفلسطيني.
أدت حرب الإبادة في غزة، على مدى أكثر من ثلاث سنوات، إلى تجذر عشرات الملايين من الناس. وقد شكلت بالنسبة إلى الجيل الجديد الذي ينخرط الآن في النضال أوضح تجسيد للطبيعة الحقيقية للغرب “الديمقراطي”. لقد كشفت تورطهم وفضحت نظامهم “القائم على القواعد“، وسياستهم الخارجية “الإنسانية“، و”حرية الصحافة” لديهم، و”القانون والنظام” الذي يتشدقون به.
تلك الحركات فضحت الإمبريالية بوضوح لم يسبق له مثيل، وربطت بصورة بديهية بين النضال ضد الفظائع المرتكبة في الخارج والنضال ضد مجرمي الحرب في الداخل. ولهذا السبب تحديدا شنوا عليها حملة قمع شرسة.
لقد أصبحت بمثابة صاعق فجّر مخزونا هائلا من الغضب المكبوت إزاء ذلك الظلم الصارخ. وانتشرت الاحتجاجات في جميع القارات، في المدارس، والجامعات، والأوساط الفنية، وأماكن العمل.
كل هذا أقلق المؤسسات الحاكمة. لكن قيادات تلك الاحتجاجات في كل مكان حصرتها في ممارسة الضغط الأخلاقي والسياسي. وبعد أشهر من المسيرات المتكررة التي تسير من النقطة “أ” إلى نقطة “ب”، استُنزفت موجة الاحتجاجات، ولم تحصد سوى التصريحات، لا الأفعال. وقد أظهرت ثلاث سنوات من الإبادة الجماعية القيمة الحقيقية لتلك الحصيلة.
استيقظوا! فلسطين تُدمَّر. وليست سوى واحدة من فظائع عديدة تتكشف في أنحاء العالم، بمساعدة فعالة من طبقاتنا السائدة نفسها. فهناك حمام دم في أوكرانيا، وإبادة جماعية أخرى في السودان، والكابوس المتفاقم الذي تفرضه الولايات المتحدة وإسرائيل على الشرق الأوسط. إنهم يهددون بجرنا جميعا إلى الجحيم.
كفى كلاما! نحن بحاجة إلى تحرك يحوّل القوة الكامنة للتضامن مع فلسطين إلى قوة لا يمكن إيقافها.
قبل عام واحد بالضبط، أرانا العمال الإيطاليون كيف يمكن تحقيق ذلك. فبينما كان العمال الفرنسيون “يشلّون كل شيء”، وكانت حركات جيل زي (Gen Z) تُسقط الحكومات في نيبال ومدغشقر، شن العمال الإيطاليون إضرابين عامين عظيمين تضامنا مع غزة. وفي الوقت نفسه، كان عمال الموانئ في أنحاء القارة ينظمون مقاطعة عمالية منسقة لشحنات البضائع المتجهة إلى إسرائيل.
إن طبقتنا هي التي تبني العالم. وبوسعها، إذا حشدت قواها، أن تشل آلة الحرب وأن تفرض عليها التوقف، لا أن تتوسل من أجل ذلك. فهي القوة الوحيدة في المجتمع التي تملك المصلحة والقدرة على وضع حد لهذا الجنون.
اليوم، اشتعلت أوروبا من جديد، وألسنة اللهب أعلى حتى مما كانت عليه العام الماضي. فالتمرد ينتشر من فرنسا وإسبانيا إلى مختلف أنحاء أوروبا. يناضل الطلاب، هذه المرة، ضد التقشف والاستغلال ووحشية الشرطة. لكن ليس من المستغرب أن ترفرف أعلام فلسطين في فرنسا فوق كل مظاهرة وكل متراس، بينما ترفرف الأعلام الإسرائيلية فوق مباني البلديات.
ومع اتضاح معالم الأزمة العميقة أكثر فأكثر، يتجلى أن النضال من أجل تحرير فلسطين والنضال ضد القمع والعسكرة والتقشف هما نضالان ضد العدو نفسه: الإمبريالية. هذا ليس نضالا ضد هذا الفرد أو ذاك، أو ضد هذه السياسة أو تلك، بل هو نضال ضد نظامهم برمته، أي ضد المرحلة العليا من الرأسمالية.
لكي تحيا فلسطين، ولكي نحيا نحن، لا بد أن تموت الإمبريالية! إن المهمة الملحة التي تواجه الشيوعيين هي بناء حزب قادر على توفير القيادة التي تستحقها الطبقة العاملة ككل؛ حزب ثوري يجمع كل هذا الغضب، وكل حركات التمرد، في قوة جبارة قادرة على وضع حد لنظام استنفد منذ زمن بعيد مبررات بقائه.
9 أكتوبر/تشرين الأول 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
After three years of genocide: for Palestine to live, imperialism must die!
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية