في صباح يوم السبت الموافق 28 فبراير، هزت طهران سلسلة من الانفجارات العنيفة مع سقوط الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية على العاصمة الإيرانية. كما شوهدت سحب الدخان تتصاعد من طهران وقم ومدن إيرانية أخرى، معلنة بذلك بداية الحرب.

وبضربة واحدة، انقطعت فجأة تلك المحاكاة الساخرة والمستمرة للمفاوضات العقيمة أمام الواقع الصادم.
لقد استمر هذا العرض الهزلي العبثي أمام مرأى الرأي العام على مدار أشهر، بهدف خلق وهم زائف بقرب التوصل إلى اتفاق وأن السلام والوئام سيسودان المنطقة.
وإدراكاً منه لنوايا واشنطن ومدى قرب الضربة العسكرية الأمريكية، سارع وزير خارجية عمان، بدر البوسعيدي -الذي كانت بلاده تسهل المفاوضات-، بالسفر إلى واشنطن في محاولة عاجلة لعرض المحادثات بأفضل صورة ممكنة. وفي خطوة غير معتادة، ظهر في مقابلة مع شبكة (CBS) وكشف عن تفاصيل هامة حول الترتيبات الناشئة، قائلاً إن اتفاق السلام بات في المتناول.
ومع ذلك، لم يُمنح البوسعيدي سوى لقاء مع نائب الرئيس جيه دي فانس، حيث حاجج بأن المفاوضات كانت على وشك تحقيق اختراق كبير. وأكد أن الاتفاق المقترح سيتجاوز الاتفاق النووي لعام 2015، الذي انسحب منه دونالد ترامب في عام 2018.
ووفقاً للبوسعيدي، فقد قبلت إيران شروطاً تتضمن التخلص من مخزوناتها من اليورانيوم عالي التخصيب، وتحويل احتياطياتها الحالية داخل البلاد إلى مواد أقل تخصيباً، والسماح بمراقبة شاملة من طرف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وأضاف أنه من المحتمل السماح لمفتشين أمريكيين بالعمل في إيران إلى جانب الوكالة الدولية. وبموجب الشروط المقترحة، ستحصر إيران تخصيب اليورانيوم بدقة في المستويات اللازمة لأغراض الطاقة النووية المدنية.
مجموعة من المقترحات المعقولة جداً، والتي كان من المفترض أن يقبلها الجانب الأمريكي، هذا بافتراض أن الجانب الأمريكي كان لديه أدنى اهتمام بالسلام أصلاً.
لكنه رد على المقترحات المعقولة بوابل من القنابل والصواريخ.
[ندعوكم إلى قراءة هذا المقال الذي كتب قبل يوم واحد من العداون باللغة الإنلجيزية]من جانبه، انتقد ديمتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ترامب بسبب الهجوم على إيران، وتساءل عن أي من الأطراف المتحاربة يمتلك القدرة على الصمود، نظراً لأن التاريخ القصير للولايات المتحدة يبلغ 250 عاماً، في حين أن الحضارة الفارسية تمتد لـ 2500 عام.
وقال ميدفيديف: “لقد كشف صانع السلام عن وجهه مرة أخرى. إن كل المفاوضات مع إيران كانت مجرد عملية تمويه. لم يشك أحد في ذلك، ولم يرغب أحد حقاً في التفاوض على أي شيء”.
وكما ذكرت إحدى قنوات التليجرام الإيرانية: “مرة أخرى هاجمت الولايات المتحدة بينما كانت إيران تنتهج الدبلوماسية. ومرة أخرى يثبت أن الدبلوماسية لا تجدي نفعاً مع دولة الولايات المتحدة الإرهابية”.
مشهد مكرر
ليست هذه المرة الأولى التي نشهد فيها مثل هذه المهزلة. فقد لُعبت اللعبة الدبلوماسية ذاتها بالضبط في الصيف الماضي.
كان السيناريو متطابقاً، والممثلون هم أنفسهم تقريباً، والنهاية كانت متوقعة بالقدر ذاته منذ البداية.
يشتكي الرجل القابع في البيت الأبيض الآن من أن المفاوضات فشلت لأن الإيرانيين لم يكونوا مستعدين للتفاوض “بحسن نية”.
وهذا كذب. فإذا كان هناك من تفاوض بسوء نية فهم الأمريكيون وليس الإيرانيين، إذ استخدموا عمداً ساتر الدخان المتمثل في المفاوضات الزائفة لإخفاء تصميمهم على مهاجمة إيران وإسقاط حكومتها.

لكن هذه المرة، ثمة اختلافات هامة في لعبة الغميضة الدبلوماسية هذه.
في الصيف الماضي، بوغت الإيرانيون بهجوم غادر شُن فجأة ودون سابق إنذار، وتحديداً في منتصف المفاوضات التي كانت تحقق تقدماً جيداً كما زُعم.
أما هذه المرة، فقد كانت الأمور مختلفة تماماً. إذ لم يعد الجانب الإيراني يثق في تفاوض الأمريكيين بحسن نية.
لقد توجسوا خيفة بصفة خاصة من دونالد ترامب، وحذروا مسبقاً من أنهم لن يؤخذوا على حين غرة، وأنهم سيقابلون أي هجوم برد هائل.
وهنا نرى اختلافاً هاماً ثانياً.
فبالرغم من كل خطاباته المولعة بالحرب، يظل تفضيل ترامب دائماً هو محاولة عقد صفقة (رخيصة الثمن) بدلاً من خوض حرب (وهي مكلفة من نواحٍ عديدة).
بعد أسبوع أو نحو ذلك في يونيو الماضي، عندما أدرك الأمريكيون والإسرائيليون أنهم فشلوا في هدفهم المركزي، وهو إسقاط النظام، أعادوا تقييم ميزان القوى وخلصوا إلى أنهم ليسوا في وضع يسمح لهم بإطالة أمد الحرب أكثر من ذلك.
وعلى الرغم من القصف العنيف في المراحل الأولية، صمدت إيران وانتقلت إلى الهجوم، وأمطرت إسرائيل بالصواريخ التي بدأت باختراق ما يسمى بالقبة الحديدية، التي كان من المفترض أنها لا تُقهر.
وبينما كانت إيران تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ المتراكمة على مدى فترة طويلة، لم تكن إمدادات صواريخ الدفاع الجوي التي تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل كافية لمواصلة حرب لفترة زمنية طويلة.
لذلك قرر دونالد ترامب إنهاء الأعمال العدائية عندما رأى أن الاستمرار سيكون خطيراً. وبناءً عليه، أوقف ما سُمي لاحقاً بحرب الاثني عشر يوماً.
ما هو الوضع اليوم؟
صحيح أن الولايات المتحدة حشدت قوة عسكرية هائلة في المنطقة، مدعومة بالبحرية الأمريكية القوية.
لكن هذه القوة الظاهرة تخفي ضعفاً كامناً ليس بجديد، ويشكل خطراً جسيماً على العملية برمتها.
مؤخراً، عقد الرئيس الأمريكي اجتماعاً مع ممثلين بارزين من القوات المسلحة الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، وطلب منهم تقييم إمكانيات نجاح هجوم على إيران والمخاطر التي قد تنطوي عليه.

عُقد الاجتماع سراً، ولكن استناداً إلى بعض التسريبات الصحفية، لم يكن الرئيس راضياً عن الإجابات التي تلقاها، إذ لم يتمكن أي من القادة العسكريين المجتمعين من تقديم ضمانة للنجاح، كما لم يتمكنوا من تأكيد أن هذه الحرب يمكن إنهاؤها بسرعة وسهولة مثل حرب العام الماضي.
بل وأخبروه أن القوات الأمريكية قد تتكبد خسائر، ربما تكون خسائر جسيمة جداً في صراع كهذا.
وبالنسبة لرجل مهووس بمكانته في استطلاعات الرأي لم يكن هذا ما يتوقع سماعه. وذكرت الصحافة أن الرئيس خرج من الاجتماع غاضباً ومحبطاً.
كان ينبغي لهذه التقارير أن تمنح دونالد ترامب فرصة للتفكير. لكن السيد ترامب هو آخر رجل قد يلجأ للتفكير الجاد. على العكس من ذلك، فهو يعطي انطباعاً تاماً بأنه رجل تسيره النزوات المفاجئة والغريزة، ويتأثر بآخر شخص تحدث معه حول أي موضوع كان، لاسيما الموضوعات التي يمتلك فيها آراء راسخة مسبقاً، ومن بينها إيران، البلد الذي لا يستطيع أبداً إخفاء كراهيته العميقة والمتأصلة له.
وفي بيان مذهل صدر وقت الهجوم الأمريكي على إيران صباح اليوم، أورد ترامب قائمة طويلة من الجرائم التي يُزعم أن الإيرانيين الأشرار ارتكبوها ضد مواطنين أمريكيين أبرياء على مدار عقود.
بدأ هجومه بالإشارة إلى “الاستيلاء العنيف على السفارة الأمريكية في طهران، واحتجاز عشرات الرهائن الأمريكيين لمدة 444 يوماً”. وقع هذا الحادث في 4 نوفمبر 1979، عندما اقتحم طلاب إيرانيون متشددون السفارة الأمريكية.
أي أننا نتحدث عن حدث وقع قبل نصف قرن تقريباً! ومع ذلك، يعرضه رجل البيت الأبيض وكأنه حدث بالأمس فقط. من الواضح أن هذا الحدث ظل يراوده منذ ذلك الحين، مثل شوكة سمك عالقة في حلقه.
وفي النهاية، بعد ختم قائمته، أضاف بانتصار: “وكانت حماس، وكيلة إيران، هي التي شنت هجمات 7 أكتوبر الوحشية على إسرائيل”.
متجاهلاً حقيقة أن وكالة الاستخبارات المركزية نفسها أصدرت تقريراً ينص بوضوح على أن هذا الهجوم لا علاقة له بإيران، ولم تكن على علم به ولم تشارك فيه.
لكن لا ينبغي أبداً ترك الحقائق تفسد قصة جيدة. ففي العقل المحموم للرئيس الأمريكي أصبحت إيران تجسيداً للشر على الأرض، ونظاماً إرهابياً مذنباً بقائمة طويلة من الجرائم التي لا توصف، ومصدراً لجميع المشكلات والاضطرابات في الشرق الأوسط، وتهديداً لأمن (بل لوجود) الولايات المتحدة نفسها.
إنه سيناريو لافت للنظر، وهو سيناريو يناسب تماماً نوع الدراما التلفزيونية التي يعشقها الرجل القابع في البيت الأبيض.
أما في الواقع، وكما هو الحال مع معظم الأعمال الدرامية من هذا النوع، فإن صلتها بالحقيقة واهية للغاية، بل إنها في الواقع غالباً ما تقلب الحقيقة رأساً على عقب.
فإذا أردنا أن نوجه أصابع الاتهام إلى النظام الأكثر مسؤولية عن الحروب والاضطرابات والموت والدمار على نطاق عالمي طوال العقود الماضية، فيجب توجيهها إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليس إلى إيران.
وقولنا هذا لا يعني بأي حال من الأحوال الرغبة في التستر على الجرائم التي يرتكبها نظام الملالي في طهران. ولكن هذه الجرائم تتضاءل لتصبح بلا أهمية إذا ما قارناها بالسجل المروع للإرهاب الجماعي والحروب الإجرامية والعدوان والذبح والدمار الذي اقترفته الإمبريالية الأمريكية.
وإذا بحثنا عن الجاني الرئيسي الذي تسبب في معظم الاضطرابات والحروب والأعمال الإرهابية في الشرق الأوسط، فإن الطرف المذنب بلا شك سيكون حليف أمريكا الرئيسي ووكيلها في تلك المنطقة: إسرائيل.
فلسنوات، أطلقت واشنطن يد النظام الإسرائيلي بالكامل لمتابعة سياساته العدوانية والتوسعية في الشرق الأوسط.
لقد سلحتها ودعمت اقتصادها مما مكنها من تحقيق طموحاتها العدوانية دون أي عائق.
وإذا تركنا جانباً حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل ضد شعب غزة واضطهادها الوحشي للفلسطينيين في الضفة الغربية، فإن إسرائيل لم تتوقف عن شن أعمال عدوانية مستمرة وغير مبررة ضد البلدان المجاورة، بما في ذلك لبنان وسوريا واليمن والعراق، وأخيراً وليس آخراً، إيران نفسها.
من الواضح أن هذه الحرب المفروضة على إيران من طرف الولايات المتحدة وشركائها الإسرائيليين في الجريمة هي استمرار مباشر للسياسات العدوانية لداعية الحرب بنيامين نتنياهو، الذي يسعى يائساً للحفاظ على سيطرته على سكان يزداد سخطهم في إسرائيل.
لا يمكن أن يكون هناك أدنى شك في أن ضغوط نتنياهو هي التي دفعت ترامب لإعلان الحرب على إيران، في حين أنه من الثابت للعامة -رغم كل خطاباتها العدائية- أن إيران لا تمثل أي تهديد على الإطلاق للولايات المتحدة.
وفي واقع الأمر، لا تمثل إيران في الوقت الحاضر أي تهديد مباشر لإسرائيل، أو لأي بلد أخر في الشرق الأوسط. فبعيداً عن كونها نظاماً إرهابياً مصمماً على التسبب في الحروب، فقد بذلت كل جهد لتجنب الحرب والوصول للسلام مع الولايات المتحدة. إن أسباب الحرب الحالية يجب أن نلتمسها في واشنطن والقدس، وليس في طهران.
ما هي أهداف أمريكا من الحرب؟
في أي حرب، يجب على القوى المتحاربة أن تضع في اعتبارها أمرين بوضوح: ما هي أهدافها، وما هي النتيجة النهائية المتوقعة.
إن غياب مثل هذه الأهداف الواضحة هو وصفة مؤكدة لتعقيدات وتناقضات لا حصر لها، تؤدي في النهاية إلى الهزيمة.
ومع ذلك، يبدو أن دونالد ترامب قد تعثر في هذه الحرب كرجل مخمور يترنح بلا اتجاه في الشارع، دون فكرة واضحة عن وجهته.
ويبدو أن طريقة عمل هذا الرجل تقوم على التصرف الدائم بناء على الاندفاع اللحظي، لكن مثل هذا النهج هو الأقل قبولاً في حالة الحرب.
يبدو أنه يفترض أن استخدام القوة العسكرية الغاشمة يمكن أن يحقق النتيجة المرجوة في وقت قصير. ولأسباب معينة سنتناولها لاحقاً، فإنه يرغب في تجنب إطالة أمد الأعمال العدائية بأي ثمن.
ولكن ما هو الهدف المركزي؟ لم يتضح هذا قط. وبشكل أدق، طُرحت أهداف مختلفة في أوقات متباينة.
خلال الاحتجاجات الجماعية الأخيرة ضد النظام، هدد باتخاذ إجراء عسكري إذا قام النظام بأعمال قمع ضد المتظاهرين.
وكما كان متوقعاً، حدث القمع وقُتل عدد من المتظاهرين. والأرقام التي ساقها دونالد ترامب مبالغ فيها بالتأكيد، إذ لا يستطيع هو ولا أي شخص آخر الجزم بالرقم الحقيقي.
على أي حال، فإن هذا الأمر يكاد يكون غير ذي صلة، حيث لم يتخذ أي إجراء أثناء الاحتجاجات أو بعدها مباشرة. والآن، تم إسقاط المسألة برمتها بهدوء، وبالكاد تُذكر إن ذُكرت أصلاً.
من الواضح أن مصير المتظاهرين لم يكن في مرتبة متقدمة ضمن قائمة أولويات الرئيس. فهو يخبرهم الآن بوجوب البقاء بعيداً عن الشوارع والالتزام بمنازلهم، وإلا فمن المرجح أن يُقتلوا، ليس على يد النظام، بل بالقنابل الأمريكية التي أُرسلت بزعم مساعدتهم!
أما الأهداف الأخرى المذكورة فهي القضاء على مخزون إيران من الصواريخ بعيدة المدى، والتي تراكمت بشكل كبير في السنوات الأخيرة.
ولكن لا سبيل أمام الإيرانيين لقبول مثل هذا الطلب في سياق المفاوضات، لأنه يرقى إلى مرتبة المطالبة بنزع السلاح في مواجهة العدوان الإسرائيلي. أي أنه طلب من الإيرانيين الانتحار.
بما أن الإيرانيين لا يمكنهم الموافقة على هذا أبداً، وبالنظر إلى أن الأمريكيين والإسرائيليين لن يتمكنوا من تدميرهم عسكرياً، فبالكاد يمكن اعتبار هذا هدفاً واقعياً للحرب.
وينطبق الشيء نفسه على المطالبة بأن تكف إيران عن دعم حلفائها في المنطقة، مثل حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن. إنهم يطالبون الإيرانيين ببساطة بالتخلي عن حلفائهم في الشرق الأوسط، في الوقت الذي تزداد فيه مساعدة هؤلاء الحلفاء أهمية بوضوح. وهذا أمر مستبعد تماماً أيضاً.
كما أن المطالبة بأن تتخلى إيران فعلياً عن برنامجها النووي بالكامل غير مقبولة بالقدر ذاته.
وفي الواقع، لا يمكن لأي دولة ذات سيادة أن تقبل مثل هذا المطلب، الذي يمثل إنكاراً غير مقبول لأبسط حقوقها.
في النهاية، لا يتبقى لنا سوى هدف واحد واضح، وهو هدف يعترف به الآن رئيس الولايات المتحدة علانية: الهدف الأساسي -بل والوحيد الحقيقي- لحرب الولايات المتحدة هو تغيير النظام في إيران.
لقد كانت الإطاحة بالنظام هي النية الحقيقية طوال الوقت. وهو هدف طالما سعى إليه الإسرائيليون، وكذلك المؤسسة الإمبريالية الأمريكية.
كانت الضربة الأولى التي وجهتها إسرائيل ضد إيران في حرب الاثني عشر يوماً محاولة لتدمير الحكومة في طهران عبر ضربة لقطع الرأس. وقد نجحوا في اغتيال العديد من المسؤولين العسكريين الإيرانيين البارزين، لكنهم فشلوا في قطع رأس النظام.
نجا النظام ورد بهجوم صاروخي وضع إسرائيل في موقف خطير للغاية. ولهذا السبب، وليس لغيره، قرر ترامب وقف الحرب في ذلك الوقت.
يبدو الآن من المرجح أن التاريخ يعيد نفسه، لكن الظروف الآن مختلفة تماماً، ومن المحتمل أن تكون النتيجة مختلفة أيضاً.
استهداف قادة إيران
تُظهر صور الأقمار الصناعية، فيما يبدو، أن مجمع المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، قد دُمر بالكامل تقريباً، وإن كان لا يوجد حتى وقت كتابة هذه السطور أي مؤشر يؤكد أو ينفي وجوده داخل المجمع وقت الهجوم. ومن الواضح أن الأمريكيين والإسرائيليين قد استهدفوا القادة الرئيسيين في الحكومة الإيرانية.
في غضون ذلك، تزعم مصادر إسرائيلية رسمية أن قائد القوات البرية في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال محمد باكبور، قد قُتل على الأرجح في ضربات هذا الصباح في إيران، بالإضافة إلى مقتل رئيس الاستخبارات ووزير الدفاع الإيرانيين.
ومع ذلك، لا يمكن تأكيد أي من هذه التصريحات في الوقت الحالي.
وفي هذه الأثناء، تتزايد التقارير حول وقوع ضحايا من المدنيين في إيران.

إذ أصابت ضربة إسرائيلية مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب، وهي مدينة في محافظة هرمزغان بجنوب إيران، مما أسفر عن مقتل أكثر من 80 طالبة. ومع تزايد أعداد الضحايا سيزداد سخط السكان وغضبهم.
وهذه الحقيقة لا تقدم أي دعم لفكرة أن هجوماً أمريكياً سيؤدي إلى تغيير النظام في وقت قريب. فبالرغم من أن قطاعاً كبيراً من السكان يكره النظام، إلا أن كراهيتهم للإمبريالية الأمريكية وإسرائيل تفوق ذلك بمراحل.
ويبدو من غير المرجح أن ينظروا إليهم بوصفهم محررين محتملين، ولا ينبغي لهم ذلك أصلاً.
الرد الإيراني
حذر إبراهيم عزيزي، الذي يرأس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، من أن إيران ستوجه رداً “ساحقاً”. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: “لقد حذرناكم! الآن بدأتم في سلوك طريق لم تعد نهايته تحت سيطرتكم”.
بدأت إيران بشن ضربات صاروخية رداً على الهجوم بعد أقل من ساعة من بدء الضربات. ووقعت انفجارات في جميع أنحاء إسرائيل، بما في ذلك تل أبيب والقدس وحيفا، بينما حاولت أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية إسقاط الصواريخ القادمة.
لقد وردت تقارير أيضاً عن إطلاق صواريخ إيرانية على القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة، ومنها قاعدة العديد الجوية في قطر، وقاعدة السالم الجوية في الكويت، وقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات العربية المتحدة، ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين. وسُمع دوي انفجارات في الرياض بالمملكة العربية السعودية أيضًا.
وفي اليمن، أعلن الحوثيون نيتهم استئناف الضربات الصاروخية ضد إسرائيل قريباً. وفي الوقت نفسه، ذكرت ميليشيا في العراق موالية لإيران أنها “ستبدأ قريباً في مهاجمة القواعد الأمريكية رداً على هجماتهم”.
هامشية أوروبا
لقد أكدت هذه الأحداث على الهامشية التامة لأوروبا في الشؤون العالمية. إذ لم يتم استشارة الأوروبيين أو تحذيرهم مسبقاً من الخطط الأمريكية. وقد صرحت فون دير لاين بنبرة ضعيفة:
“إن التطورات في إيران تثير قلقاً كبيراً. نحن نبقى على اتصال وثيق مع شركائنا في المنطقة، ونؤكد مجدداً التزامنا الراسخ بالحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين. إن ضمان السلامة النووية ومنع أي إجراءات قد تؤدي إلى المزيد من تصعيد التوترات أو تقويض نظام عدم الانتشار العالمي أمر بالغ الأهمية. ونحن ندعو جميع الأطراف إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وحماية المدنيين، والاحترام الكامل للقانون الدولي.”
يا له من اجترار لا معنى له لعبارات فارغة!
ومع ذلك، يبدو أن وزير خارجية النرويج قد خرج عن السرب عندما صرح بأن الضربات على إيران انتهكت القانون الدولي، داعياً إلى حل دبلوماسي للأزمة.
لكن التصريحات المتناقضة الصادرة من لندن تبدو وكأنها تؤكد حقيقة أن أوروبا في حالة من الارتباك التام حيال هذه الأحداث.
فقد ذكر البيان الأولي لمتحدث باسم الحكومة البريطانية: “لا نريد أن نرى المزيد من التصعيد نحو صراع إقليمي أوسع”.
ولكن في بيان لاحق، ألمح رئيس الوزراء ستارمر إلى أن بريطانيا سترسل طائرات حربية إلى المنطقة، رغم أنه من الصعب تحديد الغرض من ذلك.
وعلى أية حال، فمن الواضح تماماً أنه لا أحد يولي اهتماماً كبيراً لما يقوله الأوروبيون هذه الأيام.
ماذا الآن؟
قال نابليون إن الحرب أكثر المعادلات تعقيداً على الإطلاق. فمن الصعب دائماً التنبؤ بنتيجة أي حرب، لأن هناك عدداً من العوامل المجهولة التي يصعب، إن لم يكن من المستحيل، معرفتها مسبقاً.
والصراع الحالي ليس استثناء، إذ يمكن أن يسفر عن نتائج مختلفة، اعتماداً على ميزان القوى الحقيقي الذي لن يتضح إلا في سياق الصراع نفسه.
وهذه النتائج لن تتطابق بالضرورة مع النوايا الذاتية للأطراف المشاركة في النزاع، بل إن الأمرين سيتعارضان في كثير من الأحيان.
إن نية دونالد ترامب الواضحة هي تغيير النظام في إيران، لكنه لا يمكن أن يشك الآن بأن قول هذا أسهل من فعله. فقد حذره جنرالاته من أن مثل هذه النتيجة بعيدة كل البعد عن اليقين.
والأسوأ من ذلك، أنهم أخبروه بأنه لا يمكن ضمان تحقيق ذلك في فترة زمنية قصيرة. والوقت تحديداً هو الشيء الذي لا يملكه الأمريكيون بوفرة.
وعلى عكس الاعتقاد السائد في الغرب بأن لدى أمريكا احتياطيات اقتصادية وعسكرية لا حدود لها، تخبرنا الحقائق قصة مختلفة تماماً.
فقد استُنفد مخزون الأسلحة الأمريكي بشدة نتيجة للتورط المستمر في صراعات عديدة ومختلفة في السنوات الأخيرة. وهناك نقص في الكثير من العتاد، لاسيما في صواريخ الدفاع الجوي، مثل صواريخ باتريوت.
وقد استنفذ الصراع في أوكرانيا موارد أمريكا على الصعيدين المالي والعسكري بشكل هائل.
والنتيجة واضحة الآن. فوفقاً لبعض التقديرات، لا تستطيع أمريكا تحمل حرب مع إيران إلا لفترة تتراوح بين خمسة وعشرة أيام لا أكثر.
وقبل يومين، نشرت صحيفة فاينانشال تايمز مقالاً بعنوان: “نقص الذخائر الدفاعية سيشكل ملامح الهجوم على إيران”.
ويبدأ المقال بإبلاغنا بأن “الولايات المتحدة وإسرائيل استهلكتا الصواريخ الاعتراضية بمعدل غير مسبوق خلال حرب الاثني عشر يوماً في العام الماضي”. ويخلص إلى ما يلي:
“من المرجح أن يشكل النقص في إمدادات الذخائر الدفاعية الحيوية لحماية القوات الأمريكية وحلفائها من صواريخ طهران ملامح الهجوم العسكري ضد إيران، وفقاً لمسؤولين ومحللين.”
خلال حرب الاثني عشر يوماً، أطلقت إيران أكثر من 500 صاروخ على إسرائيل، تمكن حوالي 35 منها من اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية متعددة الطبقات. وشكل هذا صدمة نفسية شديدة للكثير من الإسرائيليين الذين نشأوا على الاعتقاد بأن برنامج الدفاع الجوي المسمى القبة الحديدية لا يُقهر.
وتمتلك إيران مخزوناً يضم عدة آلاف من الصواريخ تحت تصرفها، مما سيسمح لها بمواصلة خطتها للقصف المكثف على إسرائيل لفترة أطول بكثير مما يمكن للأمريكيين والإسرائيليين مجاراته، نظراً للمشكلة الخطيرة التي تواجه إنتاج الأسلحة في الولايات المتحدة.
لذلك، يراهن ترامب على حرب قصيرة يمكنه إنهاؤها بسرعة، كما فعل العام الماضي. لكن ليس من المؤكد على الإطلاق أنه في وضع يسمح له بتحقيق ذلك الآن.
يتحدث ترامب الآن عن “ضربة محدودة”، على أمل أن يظهر الإيرانيون أيضاً ضبطاً للنفس في ردهم، كما فعلوا العام الماضي.
لكن الإيرانيين حذروا من أن ترامب يمكنه هذه المرة أن يبدأ حرباً، لكنه لا يملك قرار موعد انتهائها. وسيكون هذا القرار بيد الإيرانيين، الذين لن يكونوا في عجلة من أمرهم لاسترضاء الرجل القابع في البيت الأبيض. ففي نهاية المطاف، لماذا قد يفعلون ذلك؟
إن إطالة أمد الصراع، والنقص الحاد في الصواريخ لدى أمريكا وإسرائيل، سيفرض ضغوطاً شديدة عليهم.
وعاجلاً أم آجلاً، سيُضطر ترامب إلى تراجع مهين ومذل.
وسيكون لذلك عواقب سلبية للغاية على سمعته في أمريكا، وهو أمر حيوي بالنسبة له في الفترة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي.
يجد ترامب نفسه الآن في موقف صعب للغاية. فقد فشلت سياسته الاقتصادية في تحقيق النتائج المرجوة، وهناك سخط متزايد في قاعدة “ماغا” (MAGA).
وهذا هو السبب تحديداً الذي دفعه للدخول في المغامرة الحالية في الشرق الأوسط، وهو أمر وعد بأنه لن يفعله أبداً.
وبوصفه رجلاً مقامراً، أعتقد أنه سيراهن على حرب سهلة وسريعة مع إيران، تنتهي بالنصر، وبانهيار النظام، وتنصيب حكومة موالية لأمريكا في طهران كما يأمل.
لكن كما يحدث غالباً للمقامرين المعتادين، لا تؤتي الرهانات ثمارها دائماً، وفي أغلب الأحيان تنتهي بالخراب.
إن حرباً كارثية في الشرق الأوسط ستعني نهاية طموحات دونالد ترامب، وانحداراً بطيئاً نحو هزيمة مهينة، وفقدان للمنصب، وفقدان لماء الوجه، وفقدان لكل ما هو مهم بالنسبة له.
النتيجة
ما هي الاحتمالات المرجحة إذن؟ لنبدأ بالاحتمال الذي يأمل فيه دونالد ترامب: حرب قصيرة وناجحة تؤدي إلى انهيار النظام، وانتفاضة شعبية، وبروز نظام موالٍ لأمريكا في إيران.
وبينما لا يمكن استبعاد مثل هذه النتيجة تماماً، إلا أنها في ظل الظروف الحالية تبدو مستبعدة للغاية. بل أقول بصراحة إنها غير واردة.
وبالمناسبة، إذا نجح الأمريكيون في الإطاحة بالنظام الحالي فإن النتيجة لن تكون بالضرورة حسب رغبتهم. ولنتذكر أن كل المحاولات الأمريكية لتغيير الأنظمة أدت إلى كوارث، والأمثلة على ذلك في العراق وسوريا وليبيا تتبادر إلى الذهن فوراً.
إن الإطاحة بالنظام الحالي في إيران ستؤدي على الأرجح إلى حالة من الفوضى، تبرز فيها كل التناقضات الكامنة في المجتمع الإيراني في كابوس من العنف، والصراعات القومية والطائفية، وكل الأهوال المصاحبة التي رأيناها في بلدان أخرى تسبب فيها الأمريكيون بالفوضى.
وهذا بدوره سيؤدي إلى فوضى عارمة وحروب وأزمات في الشرق الأوسط برمته، مما يخلق سيناريو كابوسياً للجماهير قد يستمر لعقود.
منظور ليس جيد على الإطلاق!
الاحتمالية الثانية هي أن يقاوم النظام الهجمة الأولية، رغم الخسائر والأضرار الواضحة الناجمة عن القصف، والتي ستكون كبيرة جداً لكنها ليست حاسمة.
وللتعبير عن الأمور بوضوح: إما أن تحقق الولايات المتحدة وإسرائيل نصراً سريعاً، أو يطول أمد الحرب وتجدان نفسيهما قريباً في صعوبات جمة.
خلال حرب فيتنام، لاحظ هنري كيسنجر ذات مرة قائلاً: “نحن نخسر لأننا لا ننتصر. وهم (الفيتناميون) ينتصرون لأنهم لا يخسرون”.
والحجة ذاتها تنطبق الآن بقوة أكبر في حالة إيران. فكل ما على النظام فعله هو الصمود والتماسك والانتظار، مع توجيه ضربات لأهداف تلحق ضرراً جسيماً بالولايات المتحدة، وتدخل تماماً ضمن القدرات الإيرانية.
والهدف الأكثر وضوحاً سيكون إغلاق مضيق هرمز، وهو أحد أهم شرايين التجارة العالمية. ومثل هذا الإغلاق سيكون له أثر كارثي على الاقتصاد العالمي.
حينها سيتعين على الولايات المتحدة الاعتراف بالهزيمة ومحاولة التوصل إلى نوع من التسوية.
في الواقع، ليس من المستبعد تماماً أن تجري من وراء الكواليس مفاوضات سرية بين الأمريكيين والإيرانيين للتوصل إلى طريقة ما لتجنب السيناريو الأسوأ.
في الوقت الحالي، يبدو هذا الأمر مستبعداً إلى حد كبير على أقل تقدير. فالتصاعد المستمر في تبادل الاتهامات والإهانات، والحشد العسكري غير العادي، وفوق كل ذلك عناد الرجل القابع في البيت الأبيض، كلها أمور تشير إلى مزيد من تكثيف الأعمال العدائية.
يبدو أن هذا هو الاحتمال الأرجح بالفعل. ولكن من يدري؟ فالعالم الغامض للدبلوماسية الدولية السرية يحدث دائماً خلف أبواب مغلقة، حيث يمكن التوصل إلى صفقات تبدو غير مرجحة في ظل ظروف معينة.
يجب أن نترك هذا السؤال مفتوحاً، لسبب بسيط، وهو أنه من المستحيل الجزم بنتيجة الحرب بالضبط.
موقفنا من الحرب
إن موقف الشيوعيين من الحرب هو دائماً مسألة ملموسة. فهو لا يتحدد بأي اعتبارات أخلاقية أو عاطفية، بل يتحدد حصراً، في كل حالة بعينها، بالمصالح العامة للثورة البروليتارية العالمية.
ولا يتحدد موقفنا أبداً بأسئلة شكلية من قبيل من بدأ بالهجوم أولاً. ففي كثير من الأحيان، تُضطر البلدان المنخرطة في حرب دفاعية إلى اللجوء للهجوم أولاً.
ولكن لنكن واضحين بشأن أمر واحد: إن الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الأكثر وحشية ورجعية ومعاداة للثورة على وجه كوكب الأرض.

ومن واجبنا بصفتنا أمميين أن نخوض نضالاً لا هوادة فيه ضد هذا الوحش المعادي للثورة ووكلائه الإسرائيليين بكل الوسائل المتاحة لنا.
وإذا كان هناك من مثال على عمل عدواني غير مبرر ضد أي بلد، فمن المؤكد أن هذه هي الحالة هنا.
يجب على الأممية الشيوعية الثورية أن تجعل موقفها واضحاً تماماً ولا لبس فيه:
إننا نقف مع الدفاع غير المشروط عن إيران ضد الأعمال العدوانية للإمبريالية الأمريكية ووكلائها الإسرائيليين.
وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال دعم النظام في طهران. ولكن مهمة التعامل مع هذا النظام هي مهمة الشعب الإيراني، والشعب الإيراني وحده. ولا يمكنهم، تحت أي ظرف من الظروف، التطلع إلى الإمبريالية الأمريكية لحل هذه المشكلة نيابة عنهم.
وقبل كل شيء، نحن نقف ضد الحروب الإمبريالية الرجعية، ومع وحدة جميع الكادحين ضد العدو الحقيقي. والعدو الحقيقي هو الإمبريالية المفترسة والنظام الرأسمالي الكامن وراءها.
28 فبراير/شباط 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية