تتحول الحرب في إيران، التي بدأت كمقامرة متهورة من جانب ترامب، إلى هزيمة استراتيجية كبرى للإمبريالية الأمريكية، وهو ما قد يخلف تداعيات جسيمة على الاقتصاد العالمي ومكانة أمريكا بوصفها قوة عظمى، كما على العلاقات العالمية بوجه عام.

نحن الآن في الأسبوع السابع من حرب العدوان الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، وقد عجزت الولايات المتحدة عن تحقيق أي من مآربها، بل وبات جليا أنها ليست في موقع يسمح لها بتحقيقها أصلا.
تمثلت الأهداف المعلنة لهذه الحرب، كما فصلها الرئيس ترامب في يومها الأول، في: إرغام إيران على وقف برنامج التخصيب النووي والتخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، والتخلص من برنامجها للصواريخ الباليستية، ووقف دعمها للجماعات والقوى الموالية لها في المنطقة. وقبل كل شيء، تغيير النظام، أي تنصيب نظام في طهران ينصاع للولايات المتحدة مجددا. وقد صرح ترامب بذلك بوضوح لموقع أكسيوس في 5 مارس قائلا: «يجب أن أشارك في التعيين، تماما كما فعلنا مع ديلسي [رودريغيز] في فنزويلا».
منذ 27 فبراير، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر من 24,000 غارة استهدفت مواقع عسكرية ومدنية ومنشآت للبنية التحتية في إيران. ومع ذلك، لم تُجبر إيران على التخلي عن برنامج التخصيب النووي، ولا تزال قادرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة وضرب أهداف في إسرائيل وبلدان الخليج. كما حافظت على روابط وثيقة مع حلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق. ولم يقتصر الأمر على بقاء النظام في السلطة، بل يبدو أنه غدا أقوى وقادرا على حشد دعم شعبي أكبر بكثير مما كان عليه في بداية الحرب.
في الواقع، فقد أثبتت إيران صمودها وقدرتها على امتصاص الألم -إذ تعد هذه الحرب بالنسبة لطهران حرب وجود-، وبرهنت أيضا على قدرتها على إيلام أعدائها وحلفائهم، سواء عبر ضرب الأهداف العسكرية أو البنية التحتية.
فقد دمرت إيران، في الأيام الأولى للحرب، معدات رادار أمريكية حيوية تقدر قيمتها بنحو 2 إلى 3 مليارات دولار. وإجمالا، دمرت أو أعطبت أكثر من 50 طائرة أمريكية (نصفها طائرات مسيرة والبقية طائرات عسكرية بقيادة طيارين ومروحيات) بلغت قيمتها 41.4 مليار دولار، كما جعلت 13 قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة غير صالحة للاستخدام.
وردا على الهجمات التي استهدفت منشآت النفط والغاز والصناعة الإيرانية، شنت إيران هجمات ألحقت أضرارا بمنشآت نفطية وغازية وصناعية في إسرائيل وبلدان الخليج.
وفوق ذلك كله، أثبتت إيران قدرتها على إلحاق ضرر هائل بالاقتصاد العالمي، أولا بإغلاق مضيق هرمز الحيوي ثم بالسيطرة على حركة السفن فيه. ويمر عبر هذا الممر المائي الضيق ما بين 20% و30% من إمدادات النفط والغاز المنقولة بحرا في العالم، فضلا عن كميات حيوية من الأسمدة ومشتقات الطاقة الأخرى التي تؤدي دورا محوريا في سلاسل التوريد العالمية الحاسمة.
كما أن الوقت يصب في مصلحة إيران فيما يتعلق بقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على مهاجمتها وحماية أنفسهم وبلدان الخليج من الرد، حيث تمتلك احتياطيا من الطائرات المسيرة الرخيصة والصواريخ المتطورة. وقد أدى معدل استنزاف الصواريخ الاعتراضية إلى تراجع كفاءة الدفاع الجوي الإسرائيلي من 95% إلى 63%، ما يعني نفاذ عدد أكبر بكثير من الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
وبينما تبيع إيران نفطها بأسعار أعلى بكثير، فإن الاقتصاد العالمي – بدء من آسيا ووصولا إلى أوروبا والولايات المتحدة – هو من يتجرع مرارة الأسعار المرتفعة والنقص الحاد في إمدادات الطاقة.
وبدأ الارتفاع في أسعار الطاقة والأسمدة، ومحدودية الكميات المتاحة، بدوره يخلف أثرا سياسيا ملموسا في أنحاء العالم. وكان أحد وعود ترامب الرئيسية في حملته الانتخابية هو مواجهة التضخم ووضع حد لـ«الحروب الأبدية»، غير أن الحرب في إيران تؤدي إلى تآكل قاعدته الانتخابية بشدة قبيل انتخابات التجديد النصفي، فضلا عن تسببها في انقسام هائل داخل حركة ماجا (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى). حيث لم تحظ هذه الحرب يوما بشعبية في الولايات المتحدة، والآن، يرى 24% فقط من الجمهور الأمريكي أن الحرب في إيران «كانت تستحق العناء».
خيارات أحلاها مر
ونتيجة لاجتماع هذه العوامل الثلاثة – العجز عن تحقيق أهداف الحرب بالوسائل العسكرية، والأثر الواقع على الاقتصاد العالمي، والتداعيات السياسية في الداخل والخارج – بات دونالد ترامب الآن في وضع صعب، يغدو فيه أي إجراء يتخذه خطأ.
فإذا أقر بالهزيمة وانسحب دون تحقيق أي إنجاز فستكون تلك هزيمة مذلة، وهو أمر يعجز عن استيعابه نظرا لنرجسيته المفرطة وجنون العظمة المصاب به، فضلا عن التكاليف السياسية الهائلة التي ستلحق به. وتجدر الإشارة هنا إلى أن كلا الجناحين – المحافظين الجدد والليبراليين – في الطبقة السائدة الأمريكية يعتقدان أن الولايات المتحدة هي المهيمن العالمي المطلق القادر على فرض إرادته متى شاء. لذا فهم عاجزون عن تصور أي نتيجة لا يكونون فيها هم المنتصرين، أو يضطرون فيها للتفاوض على شروط هزيمتهم، وبالتأكيد ليست هزيمة بهذا الحجم.
أما الخيار الآخر أمامه فهو التصعيد، وهو ما كان مطروحا للنقاش بوضوح في الأسابيع التي سبقت إعلان وقف إطلاق النار الحالي لمدة أسبوعين. فقد جرى الحديث عن تدخل بري للاستيلاء على جزيرة خارك أو عدة جزر صغيرة على الساحل الشمالي لمضيق هرمز، بل وُضعت خطة لإرسال عدد كبير من قوات العمليات الخاصة للاستيلاء فعليا على اليورانيوم المخصب الإيراني، المدفون حاليا في أعماق الأرض.
بيد أن هذه الخيارات قد استُبعدت هي الأخرى، على الأقل في الوقت الراهن. إذ لا بد أن المخططين العسكريين قد أبلغوا ترامب بأن المخاطر المنطوية على ذلك هائلة، بما في ذلك وقوع خسائر جسيمة في الأرواح بين صفوف الجيش الأمريكي. وحتى لو تم الاستيلاء على جزيرة أو عدة جزر بفضل التفوق العسكري الأمريكي، فإن القوات ستتحول إلى أهداف سهلة للصواريخ والمسيرات الإيرانية، مما سيخلق سيناريو كابوسيا.

علاوة على ذلك، فإن عملية الإنقاذ المتعسرة لطيارين أمريكيين كانوا على متن طائرتين «إف-15»، واللتين أسقطتهما إيران، كانت بمثابة رادع. فرغم ما قيل لنا عن انتهاء العملية بإنقاذ الطيارين بسلام، إلا أن الولايات المتحدة فقدت 12 طائرة خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة.
وقد أثار الإيرانيون تكهنات حول ما إذا كانت العملية برمتها مجرد غطاء لمحاولة استيلاء على يورانيوم مخصب في منشأة قريبة بأصفهان، خاصة وأن الولايات المتحدة تدير بالفعل مطار صغير واستخدمت مئات الجنود. وسواء كان الهدف هو إنقاذ الطيار الثاني فحسب أم كانت للعملية أهداف إضافية، فربما لن نعرف الحقيقة أبدا.
ثمة أمر واحد جلي: وهو أن تدمير طائرات تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات خلال تلك العملية كان كافيا لثني حتى أكثر العقول تحجرا في واشنطن عن المضي قدما في ذلك المسار، على الأقل في الوقت الحالي.
كما طرحوا فكرة «إعادة إيران إلى العصر الحجري» من خلال حملة واسعة لتدمير البنية التحتية المدنية (الجسور ومستودعات النفط ومحطات تحلية المياه). ولكن جرى التخلي عن ذلك أيضا بعد أن أظهرت إيران قدرتها على الرد بالمثل، مهددة بضرب الأهداف ذاتها في دول الخليج.
أما محاولات واشنطن لاستمالة القوى الأوروبية لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية فقد باءت هي الأخرى بالفشل. إذ لم تكن ألمانيا وفرنسا في وارد تنفيذ ما قد يرقى إلى مهمة انتحارية، خاصة لصالح «حليف» تعمد إذلالهم قبل بضعة أشهر بتهديده الاستيلاء على جرينلاند. بل وحتى رئيس الوزراء البريطاني، الذي يُعرف بتبعيته المعتادة، لم يكن مستعدا لمد يد العون لترامب.
المفاوضات
هذه هي الخلفية التي استند إليها وقف إطلاق النار الحالي والجولة الأولى من المفاوضات الفاشلة في إسلام آباد. فحين أطلق ترامب تهديداته الهوجاء بمحو الحضارة الإيرانية بأكملها كان منخرطا بالفعل – خلف الكواليس – في محاولات مستميتة لإطلاق عجلة المفاوضات. ولم تكن تلك التهديدات سوى محاولة لصياغة رواية مفادها أن «تهديداتي هي التي أرغمت الإيرانيين على الجلوس إلى طاولة المحادثات».
غير أن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك، وهو ما يتجلى بوضوح في قبول ترامب للمقترح الإيراني المكون من عشر نقاط إطارا للمفاوضات. من المرجح أنه لم يقرأ المقترح حتى قبل إعلانه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس مدى يأسه لتحقيق وقف إطلاق نار في وقت كانت فيه الحملة العسكرية تثبت إخفاقا كارثيا.
وكما كان متوقعا، انهارت المفاوضات بعد قرابة 20 ساعة من المحادثات المتواصلة. إذ لا توجد أي أرضية مشتركة بين مقترحات الوثيقة الإيرانية وبين النقاط الـ15 التي قدمتها الولايات المتحدة، والتي ترقى إلى مستوى المطالبة باستسلام إيران. إن الإمبريالية الأمريكية تواجه هزيمة استراتيجية في ميدان القتال لكنها تتظاهر بأنها حققت كل مآربها على طاولة المفاوضات!
كما كان إرسال ترامب لفانس إلى إسلام آباد أمرا ذا دلالة، فهو الشخصية الوحيدة في إدارة ترامب التي لم تقتنع قط بجدوى الحرب على إيران، وظل بمنأى عنها منذ بدايتها. وكان الإيرانيون قد أشاروا إلى أنهم يعتبرون ويتكوف وكوشنر مجرد مهرجين، بناءً على أدائهما في المحادثات التي سبقت العدوان الأمريكي. ومَن يلومهم على ذلك؟
ومن الجلي أن نتنياهو لم يكن راضيا عن وقف إطلاق النار أو المحادثات. وتفيد التقارير أن فانس كان يقدم إيجازات دورية لبيبي، بالإضافة إلى ترامب، خلال محادثات إسلام آباد. ومن المؤكد أن نتنياهو مارس ضغوطا هائلة لوضع حد لهذه المفاوضات.
أما قيام إسرائيل بإسقاط 160 قنبلة على لبنان في غضون 10 دقائق فقط في اليوم الذي دخل فيه وقف إطلاق النار حيز التنفيذ فقد كان يهدف بوضوح إلى قطع الطريق على المفاوضات واستئناف الحرب من جديد. غير أنه فشل في مسعاه حتى الآن، إذ لا يزال الإيرانيون ملتزمين بوقف إطلاق النار رغم القصف الإسرائيلي المستمر على لبنان.
ترامب يفرض حصاره
على الرغم من انهيار المفاوضات المباشرة في إسلام آباد، ما تزال الرسائل تتبادل خلف الكواليس. وتتمثل أحدث مبادرات ترامب الطائشة في فكرة فرض حصار على مضيق هرمز… لإرغام إيران على إعادة فتحه! وتبدو هذه الفكرة في ظاهرها هزيلة، إذ إن أحد الأسباب التي ترغم ترامب على التراجع هو آثار إغلاق المضيق على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، فما الداعي لزيادة الطين بلة؟
كان الوضع يتجه نحو إعادة إيران فتح حركة المرور تدريجيا تحت سيطرتها مع تحصيل رسوم عبور، قُدرت بنحو مليوني دولار لكل ناقلة. وبالفعل، أُبرمت اتفاقات مع عدد من البلدان، بينما كانت بلدان أخرى في طور التفاوض، مثل الهند والصين وغيرهما. ومن المنطقي أن إيران كانت تعطي إشارات مفادها أنها لن تسمح بمرور من يهاجمونها أو يتواطؤون في الهجوم، بينما قد تمنح الإذن للآخرين تحت السيطرة الإيرانية ومقابل دفع رسوم عبور، بل والمطالبة بدفعها باليوان الصيني.

ويراهن ترامب على أن منع سيطرة إيران على حركة المرور في المضيق سيجبرها إما على تخفيف بعض مطالبها في المحادثات، أو إجبار الصين على ممارسة ضغوط عليها للقيام بذلك.
وقد أعاد ترامب الآن فرض العقوبات على إيران بعد أن كان قد رفعها في وقت سابق من الحرب لزيادة الإمدادات العالمية وخفض الأسعار. وتعد الصين المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، ومن المفترض أن تكون الهدف الأول لهذا الحصار. وفي غضون ذلك، انتهى قبل أيام سريان الإعفاء من العقوبات المفروضة على النفط الروسي، ما يعني دخولها حيز التنفيذ مجددا.
والمرجح أن هذه محاولة الولايات المتحدة الأخيرة اليائسة لن تنجح هي الأخرى. فالعقوبات الاقتصادية على روسيا قد أخفقت، وإذا حاول الأمريكيون اعتراض السفن الصينية فيمكن للصين الرد بوقف صادرات المعادن الأرضية النادرة مرة أخرى، في وقت يبلغ فيه الطلب الأمريكي عليها ذروته نتيجة الحاجة لتعويض مخزونات الأسلحة المستنزفة.
ومع أن الحصار الأمريكي كان فعالا إلى حد كبير، إلا أن ثمة تقارير تفيد بأنه ليس محكما تماما، إذ نجحت عدة سفن في العبور باستخدام تكتيكات التخفي. ومن المرجح أن يتضرر ترامب والولايات المتحدة بشدة جراء تداعيات ذلك على الاقتصاد العالمي، قبل أن تضطر إيران لتقديم أي تنازلات.
وفضلا عن ذلك، لا تزال إيران تمتلك أوراق ضغط لم تستخدمها بعد. فعلى سبيل المثال، إذا دخل الحوثيون في اليمن في خضم هذا الصراع فقد يغلقون مضيق باب المندب المؤدي إلى البحر الأحمر، وهو نقطة اختناق رئيسية أخرى للاقتصاد العالمي.
إلى أين يتجه المشهد؟
في الوقت الراهن، تعكف الولايات المتحدة على حشد المزيد من القوات في المنطقة، بما في ذلك 6,000 جندي على متن حاملة الطائرات يو إس إس جورج بوش (USS George H.W. Bush) ومجموعتها القتالية، و4,200 جندي آخرين من مجموعة بوكسر البرمائية الجاهزة ووحدة الاستطلاع الحادية عشرة من مشاة البحرية. ومن اللافت أن الحاملة بوش سلكت طريقا طويلا بالدوران حول أفريقيا بدلا من عبور قناة السويس خوفا من هجمات الحوثيين. ومع ذلك، فحتى بعد وصول هذه التعزيزات، لن تمتلك الولايات المتحدة القوة الكافية لشن غزو بري حقيقي لإيران.
إن هذه الحرب ستنتهي، عاجلا أم آجلا، بنوع من الاتفاق، سواء عبر وثيقة رسمية أو تفاهمات أمر واقع.
غير أن ما يتضح يوما بعد يوم هو أن النتيجة ستكون لصالح إيران أكثر منها لصالح الولايات المتحدة. فالشروط المعقولة التي عرضتها طهران قبل الحرب لم تعد مطروحة على الطاولة الآن.
ستخلف هذه الحرب، وهي أولى حروب ترامب الحقيقية، تداعيات جسيمة. إذ ستمثل هزيمة مدوية له، من شأنها أن تضعف مكانة الإمبريالية الأمريكية في العالم وموقفه السياسي في الداخل. وهذا يفسر نبرته التي تزداد اضطرابا وهياجا في منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يصب جام غضبه على الجميع، من مؤثري حركة ماجا إلى البابا، غاديا أكثر تخبطا يوما بعد يوم.
ثمة لغط كثير حول صحة ترامب العقلية. ولكن لنكن واضحين: قد يكون الرجل مختلا، غير أن ترامب ليس مجرد حالة شاذة، بل هو عَرَض: تجسيد شرس لنظام يمر بأزمة وتدهور نهائي. ومع أن سماته الشخصية تفاقم الأزمة وتضفي عليها صبغة من عدم اليقين إلا أنها ليست هي المسبب لها.
وقد تدفع الهزيمة في إيران إدارة ترامب للبحث عن مغامرة خارجية أخرى في مسرح يعتقدون أن النصر فيه سيكون سريعا قبل انتخابات التجديد النصفي، وذلك لصرف الأنظار عن الفشل في الشرق الأوسط، وتتصدر كوبا قائمة الأهداف المحتملة. غير أن ذلك سيكون مقامرة كبرى أخرى غير مضمونة النتائج.
كما أن الهزيمة المذلة للولايات المتحدة ستعني نصرا لإيران، ما سيعزز نفوذها الإقليمي بعد النكسة الكبيرة التي تعرضت لها في سوريا.
وبالمثل، يُرجح أن تؤدي هذه الحرب إلى هزيمة كبرى لمصالح إسرائيل في المنطقة، وربما تكون بداية النهاية لنتنياهو. فهو لم يحقق أهدافه سابقًا في لبنان، ولا الآن. وإذا أُرغم على إنهاء تلك الحرب فقد يقرر شن حملة إبادة أخرى ضد الفلسطينيين بضم الضفة الغربية رسميا. أيا كان ما سيفعله، ستخرج إسرائيل ضعيفة من هذا التوازن الجديد للقوى في المنطقة، مما سيؤدي لبروز التناقضات الحادة أصلا داخل المجتمع الإسرائيلي.
لقد تضررت صورة إسرائيل في العالم بشكل هائل، سواء لدى الرأي العام أو الحكومات. ففي الولايات المتحدة، تهاوت نسبة تأييد إسرائيل بين الرجال دون سن الخمسين من -3 في عام 2022 إلى -22 في عام 2024، لتهبط الآن برقم مذهل هو -47.
أما بلدان الخليج، فبدأت بالفعل تتساءل عن مستقبلها بعد أن تبين أن التحالف مع واشنطن مكلف للغاية. لذا فهي تتقرب من روسيا والصين، وستجد نفسها مضطرة لإعادة ضبط علاقتها مع إيران.
وهذا بدوره سيعزز من نفوذ موسكو وبكين عالميا وتعاونهم مع طهران، مما سيدفع العديد من البلدان بعيدا عن المظلة الأمريكية. ونرى بوادر ذلك في زيارة رئيس الوزراء الإسباني للصين، وتصريحات كوريا الجنوبية الغاضبة تجاه إسرائيل، وزيارة زعيم المعارضة التايوانية للصين.
كما عمقت الحرب الصدع بين الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تسود رغبة متزايدة لدى القادة الأوروبيين للوقوف في وجه ترامب، خاصة وأنهم لم يُستشاروا بشأن الحرب، ولهذا رفضوا الانخراط المباشر فيها، وإن بدرجات متفاوتة، حيث عرض بعضهم مساعدات لوجيستية. ومع ضعف ترامب، استعاد هؤلاء القادة قدرا ضئيلا من احترام الذات.
ومع ذلك، تظل هناك حدود لقدرة أوروبا على رسم مسار مستقل تماما عن الولايات المتحدة، نظرا للأزمة الطويلة التي تعاني منها القوى الرأسمالية الأوروبية التي تفتقر للثقل الاقتصادي الكافي. فأوروبا لا تزال مرتبطة ارتباطا وثيقا بالولايات المتحدة في الصادرات والواردات (بما فيها مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي) والأسواق المالية والعتاد العسكري والاستخبارات، وهي تابعة لها إلى حد كبير.
إن محاولات الدول الرأسمالية الأوروبية لإعادة التسلح، في ظل تخلي شريكهم الأكبر عنهم وصعود روسيا المنتصرة عسكريا في قارتهم، ستؤدي حتما إلى تجدد الصراع الطبقي؛ فزيادة الإنفاق العسكري في فترة ركود اقتصادي لا يمكن أن تتم إلا على حساب تخفيضات هائلة في المعاشات والرعاية الصحية والتعليم، مما سيؤدي إلى معارك طبقية كبرى.
أما وضع بريطانيا فهو هش بشكل خاص. فقد ارتضت دور الشريك التابع للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ممثلة مصالح الولايات المتحدة في أوروبا. لكن مع تباعد المسافات بين واشنطن وأوروبا، تجد بريطانيا نفسها أمام هوة سحيقة. والآن، بدأت قطاعات واسعة من الطبقة السائدة البريطانية تقول إن السبيل الوحيد للمضي قدما هو العودة نحو الاتحاد الأوروبي، بمن فيهم من كانوا ينظرون إلى ترامب بإعجاب قبل عدة أشهر فقط.
كما ستؤدي هزيمة ترامب في إيران إلى إضعاف قوى اليمين الشعبوي في أوروبا وغيرها، والتي صعدت في ركابه. فقد هُزم أوربان في المجر، وفي بريطانيا تراجعت استطلاعات الرأي لحزب إصلاح بريطانيا بنحو 5% من 30% التي كان يستحوذها.
ومع ذلك، فإن الأسباب الجوهرية لصعودهم – أزمة شرعية المؤسسة الليبرالية، وغياب البديل اليساري الراديكالي الجاد، وتراكم الغضب لدى قطاعات من الطبقة العاملة – لم يتسبب فيها ترامب ولن تختفي باختفائه. قد يضطر هؤلاء الشعبويون لمراجعة دعمهم لترامب وتبني نهج أكثر قومية، لكنهم، وكما هو الحال في الولايات المتحدة، سيفقدون مصداقيتهم بمجرد اختبارهم على محك السلطة.
أخيرا، لا يجب أن ننسى أنه حتى لو حُلت أزمة إيران غدا – وهو أمر مستبعد جدا – فإن الأثر الاقتصادي سيظل طويل الأمد.
إن الارتدادات الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، والسحب الفعلي لملايين البراميل من النفط والغاز من الأسواق، لم يظهر أثرها الكامل إلا في آسيا. وسوف يستغرق الأمر بضعة أسابيع أخرى قبل أن تضرب التداعيات الكاملة أوروبا والولايات المتحدة. ويبدو أن أسعار الطاقة المرتفعة وُجدت لتبقى، على الأقل حتى نهاية العام الجاري. إذ تجاوزت أسعار النفط الآجلة لخام برنت تسليم شهر ديسمبر حاجز الـ80 دولارا للبرميل، بزيادة قدرها 15 دولارا كاملة عن سعره قبل اندلاع الحرب.
ويبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الصدمة وحدها ستؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي. بيد أن الأثر السياسي لارتفاع أسعار الوقود بدأ يظهر بالفعل، متمثلا في حالة الاستياء من ترامب في الولايات المتحدة، وقيام المزارعين وشركات النقل بقطع الطرق في أيرلندا.
إن ما بدأ كمقامرة ضخمة من جانب ترامب، الذي سكر بنجاح غارته الخاطفة في فنزويلا، وكان من السذاجة بحيث صدق مزاعم نتنياهو الهوجاء بتحقيق نصر سريع وتاريخي في حرب تستغرق ثلاثة أيام، سيُنظر إليه عند استقراء الأحداث ليس فقط باعتباره نقطة تحول حاسمة في تفكك رئاسة ترامب، بل باعتباره علامة فارقة في أفول الإمبريالية الأمريكية.
17 أبريل/نيسان 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية