الرئيسية / الشرق الأوسط وشمال إفريقيا / الشرق الأوسط / إيران / ترامب أمام معضلة مستحيلة بعدما آلت اليد العليا لإيران

ترامب أمام معضلة مستحيلة بعدما آلت اليد العليا لإيران

انقضت أربعة أسابيع على حرب العدوان الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، وإذ بأهداف الإمبريالية الأمريكية تراوح مكانها، بل تبدو اليوم أبعد منالا من ذي قبل. يجد ترامب نفسه في مأزق مسدود، فإن هو آثر السلامة وأعلن النصر في هذه اللحظة، جر على الإمبريالية الأمريكية خذلانا مبينا وضرب هيبته الشخصية في مقتل، وإن هو اختار التصعيد، فسيواجه أخطارا جسيمة وعواقب غير مأمونة، بفرص نجاح لا تكاد تُذكر. ويبدو في الوقت الراهن كمن اختار الخيارين في آنٍ واحد.

وخلال الأيام القليلة الماضية، أطلق ترامب جملة من التصريحات المتخبطة التي ينقض بعضها بعضا. فتراه يوما يعلن بنبرة الواثق انتصار الولايات المتحدة في الحرب وعزمها على «إنهاء العمليات»، ثم لا يلبث في اليوم التالي أن يهدد بسحق شامل ما لم تذعن إيران صاغرة. ويعقب ذلك إعلان مطمئن عن مفاوضات تجري على قدم وساق، وصفت بأنها واعدة وودية للغاية.

وقد ذهب أحد المحللين إلى أن مفتاح فهم هذا الاضطراب في رسائل ترامب يكمن في إدراكه لضرورة مخاطبة عدة فئات في آن واحد، مما يضطره لبث رسائل متباينة ترضي كل فئة على حدة.

تأتي «الأسواق» في طليعة هذه الفئات، ونعني بها الطبقة الرأسمالية من مستثمرين في البورصة ومضاربين وحملة سندات حكومية. هؤلاء يساورهم قلق بالغ من تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد العالمي، لذا يسعى ترامب لتبديد مخاوفهم وإيهامهم بأن الأمور تحت السيطرة.

وفي مؤتمر جمع كبار التنفيذيين في قطاع الطاقة بهيوستن، تجلت مخاوف شركات النفط الكبرى بوضوح، إذ صرح أحد ممثلي شركة (BP) تعليقا على الحرب قائلا:

“لم نعهد اضطرابا بهذا الحجم من قبل… إننا أمام حالة هي موضوع دراسة لكل محلل نفطي، أو بالأحرى هي الكابوس الأكبر الذي لم نتخيل حدوثه قط.”

وحاول ممثل البيت الأبيض في المؤتمر تهدئة روع الحاضرين بزعمه أن «الرئيس ترامب يعي ما يفعله تماما»، مؤكداً أن الحرب ستضع أوزارها في غضون أسبوعين، وأنه «بمجرد بلوغ الأهداف العسكرية وتحييد النظام الإرهابي الإيراني، سيتدفق النفط والغاز بسلاسة غير مسبوقة، وستتراجع الأسعار سريعا». وما هذا إلا ضرب من أوهام الأماني.

وفي صبيحة الاثنين 23 مارس، وبعد نصف ساعة من قرع جرس الافتتاح، تهاوت أسواق الأسهم وقفزت أسعار النفط بجنون، إثر تهديد ترامب بمنح إيران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز. وتوعد ترامب في حال الرفض بصب جحيم غضبه، مغردا عبر (Truth Social): «ستسحق الولايات المتحدة محطات الطاقة لديهم وتمحوها من الوجود، وسيكون البدء بأكبرها».

لكن ما إن أزفت المهلة، حتى انقلب خطاب ترامب ظهرا لبطن، فشرع يعلن النصر ويتحدث عن «محادثات مثمرة للغاية» مع الإيرانيين، مدعيا إمكانية التوصل لصفقة لوجود «نقاط اتفاق جوهرية، بل أكاد أقول إننا اتفقنا على كل شيء». وبناء على هذا الزعم، أعلن تأجيل المهلة خمسة أيام أخرى.

ويا للعجب، فقد انطلت الخدعة على الأسواق، فتراجعت أسعار النفط واستردت البورصة بعض عافيتها. وسوف تكشف الأيام ما إذا كانوا قد صدقوا مزاعم ترامب حقا، أم أنهم خافوا فحسب من فوات فرصة الربح لغيرهم.

وتفيد التقارير بأنه قبل خطاب ترامب بخمس عشرة دقيقة، غامر شخص ما بمبلغ 760 مليون دولار مراهنا على هبوط أسعار النفط. وليست هذه المرة الأولى التي توضع فيها رهانات بناء على معلومات لا تتوفر إلا لخاصة المقربين من ترامب أو أعضاء حكومته.

إن ترامب يبث سموما مختلفة لآذان مختلفة. فبالإضافة إلى الأسواق، هو يخاطب الإيرانيين والإسرائيليين وقاعدته الشعبية.

صحيح أن الكذب ملازم لكل ساسة الرأسمالية، فهو جزء من متطلبات عملهم، لكن الحق يقال إن ترامب قد حول الكذب فنا قائما بذاته!

فشل مقامرة ترامب

يكمن العامل الرئيسي وراء تخبط ترامب في حقيقة أن مقامرته الكبرى قد باءت بفشل ذريع. ففي مستهل الحرب، كان ترامب منتشيا بالثقة عقب الهجوم على فنزويلا، وظن أن الحرب ستضع أوزارها في غضون ثلاثة أيام، أو أسبوعين على أقصى تقدير. كانت أهداف الحرب المعلنة واضحة، وعلى رأسها تغيير النظام في إيران، وذلك عبر استخدام قوة عسكرية ساحقة لسحق الجيش الإيراني وقدرته على الرد، وتنصيب نظام تابع للإمبريالية الأمريكية في طهران. بيد أن ما تحقق هو النقيض تماما.

فالنظام في إيران يبدو واثقا ومتحديا، لكونه يمسك بأوراق اللعبة كافة، وهو أمر يدركه الإيرانيون جيدا. والأهم من ذلك، سيطرة إيران على مضيق هرمز، الذي تستطيع من خلاله تكبيد الاقتصاد العالمي ودول الخليج خسائر فادحة. وهم يراهنون، برؤية ثاقبة، على أن الأسواق ستضغط على ترامب لوقف الحرب، وأن شبح التضخم سيقوض شعبيته، لا سيما وهو مقبل على انتخابات التجديد النصفي.

ومن ناحية أخرى، وبعد مرور قرابة أربعة أسابيع على اندلاع الحرب، لا تزال إيران قادرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة بكفاءة وإصابة أهدافها بدقة في إسرائيل والخليج. وقبل أيام قلائل، نجحت إيران في ضرب مدن ديمونا وعراد وبئر السبع جنوبي إسرائيل، فضلا عن توجيه ضربات مباشرة في قلب الدولة، دون أي مؤشر على تصدي الدفاعات الجوية الإسرائيلية لهذه الهجمات.

إن قدرة إسرائيل على اعتراض الهجمات الإيرانية في تراجع مستمر. ويرجع ذلك أولا إلى استنزاف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي بشكل حاد، وثانيا لكون هذا الاستنزاف جعل حماية كامل البلاد أمرا متعذرا.

وبعيدا عن المدن الرئيسية مثل تل أبيب والقدس، تُرِكت المدن والبلدات الصغيرة دون حماية. إذ أُغلقت مدارس عديدة في أنحاء إسرائيل منذ أسابيع، ونجحت إيران في ضرب بنى تحتية حيوية، مثل مصفاة نفط حيفا، وهي الكبرى في إسرائيل. كل هذا يلقي بظلاله على الرأي العام الإسرائيلي، في بلد طالما أوهمت طبقته السائدة مواطنيها بقدرتها على توفير الأمن لليهود الإسرائيليين ضد أي تهديد خارجي.

لقد أوضح الإيرانيون منذ البداية امتلاكهم القدرة على الرد بالمثل على أي تهديد يصدر عن الولايات المتحدة وإسرائيل. فكل وعيد أطلقه ترامب، أو ضربة وجهها الإسرائيليون، قوبلت برد إيراني مكافئ.

فعندما هدد ترامب مؤخرا بضرب منشآت تخزين النفط الإيرانية، ردت إيران بالتهديد بضرب منشآت مماثلة في أنحاء الخليج. وحين لوح ترامب بتدمير بنية الكهرباء ومحطات تحلية المياه الإيرانية، واجهته إيران بالتهديد ذاته تجاه دول الخليج، وهي الأكثر اعتمادا على تحلية المياه مقارنة بإيران.

ومؤخرا، تمكنت إيران بالفعل من إرغام الولايات المتحدة وإسرائيل على التراجع. فبعد أن شنت إسرائيل هجوما صاروخيا على الجانب الإيراني من حقل بارس الجنوبي للغاز -وهو الأكبر في العالم، والمشترك بين إيران وقطر- ردت إيران بضرب الجزء القطري من المنشأة. وهنا اضطر الرئيس ترامب لمطالبة الإسرائيليين بالكف عن مثل هذه الهجمات مستقبلا، نظرا للتداعيات الكارثية المحتملة على الاقتصاد العالمي المنهك أصلا.

هل سيصعد ترامب حدة الحرب؟

هذا هو الواقع الميداني لهذه الحرب. فلا سبيل لفهم ما يجري الآن إلا بإدراك حقيقة الفشل الكارثي الذي منيت به مقامرة ترامب.

يسعى ترامب حاليا لصياغة رواية تظهر الحرب وكأنها حُسمت لصالحه، ممهدا الطريق لتقليل خسائره والانسحاب. ولهذا السبب تحديدا، يزعم وجود مفاوضات «ودية للغاية» مع إيران، وهو ما نفته طهران نفيا قاطعا. كما ذهب بعيدا بادعائه أن الولايات المتحدة حققت هدفها بتغيير النظام، بحجة أن الوجوه القيادية في قمة السلطة الإيرانية الآن تختلف عما كانت عليه عند اندلاع الحرب!

وبالتزامن مع مزاعم النصر، يواصل ترامب حشد المزيد من القوات في المنطقة. إذ أكد البنتاغون نشر وحدات من الفرقة 82 المحمولة جوا، بما في ذلك قيادة الفرقة وفريق قتالي من لواء مشاة، إلى جانب تعزيزات من المقاتلات النفاثة وسفن الهجوم البرمائي. ستنضم هذه القوات إلى نحو 50 ألف جندي أمريكي مرابطين بالفعل في المنطقة، وآلاف من مشاة البحرية (المارينز) الموجودين حاليا على متن سفن هجومية مثل يو إس إس بوكسر ويو إس إس تريبولي. ومع أن هذه التعزيزات لا تكفي لغزو بري شامل لإيران، إلا أنها توفر القوة اللازمة لشن توغل محدود. وقد أرسلت إيران خلال الأيام الماضية إشارات قوية تعكس توجسها من توغل وشيك ينطلق من الكويت، عبر الأراضي العراقية أو مباشرة من البحر صوب جزيرة خارج.

ويرى الإيرانيون أن أحد أهداف ترامب المحتملة من وراء تظاهره بنجاح مفاوضات السلام هو كسب الوقت الكافي لنشر قوات قادرة على تنفيذ عملية جديدة. وللأمريكيين سجل حافل في هذا المضمار، فليست هذه المرة الأولى التي يتخذون فيها من المفاوضات ستارا بينما يحضرون لتدخل عسكري. ولا يُستبعد أن يُقدم ترامب، قبل أن يقرر الانسحاب، على نوع من التوغل البري لاستعراض القوة.

وتنقل وسائل الإعلام البرجوازية في الولايات المتحدة أن المخططين العسكريين حذروا ترامب من خطورة الموقف، أيا كانت العملية التي قد يختار تنفيذها. فجهودهم خلال الأسبوع الماضي لإضعاف السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز عبر قصف المنشآت المحيطة به لم تؤت أكلها، كما أن أي محاولة للسيطرة على جزيرة خارج لن تضعف إنتاج النفط الإيراني بالقدر المتوقع، فضلا عما تكتنفه من مخاطر جسيمة.

وثمة هدف محتمل آخر للتصعيد يتمثل في احتلال سلسلة من الجزر الصغيرة في الجانب الشمالي من مضيق هرمز. ولا شك في قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ عملية كهذه، لكن بمجرد استقرار القوات هناك، ستصبح أهدافا سهلة للمسيرات الإيرانية والهجمات الأخرى. كما أن السيطرة المباشرة على هذه الجزر لا تضمن بالضرورة إعادة فتح المضيق بشكل آمن.

والأكثر غرابة هو المقترح الأمريكي الذي نوقش علانية، والقاضي بإنزال قوات خاصة في مدينة أصفهان الإيرانية للاستيلاء على اليورانيوم المخصب المخزن في منشأة محصنة تحت الأرض هناك.

إن كون خطط كهذه غاية في الخطورة وتنبئ بنتائج كارثية على الولايات المتحدة، لا يعني بالضرورة أن ترامب لن يقدم على تنفيذها بشكل أو بآخر، فربما يرى في تحقيق نصر مدوٍ وسيلة وحيدة لإنقاذ ماء وجه بلاده.

لكن، وكما أخبره الإيرانيون، فإن الحرب فعل يشترك فيه طرفان، ولا تنتهي الحرب لمجرد أن أحد الطرفين لم يعد راغبا في مواصلتها. والإيرانيون اليوم ليسوا في وارد إنهاء هذه الحرب دون تحقيق أهدافهم الخاصة، لا سيما وهم يمسكون بزمام المبادرة في مضيق هرمز الاستراتيجي.

إيران تمسك بكل الأوراق

إن «خطة السلام المكونة من 15 نقطة» التي عرضها ترامب على الإيرانيين ليست في جوهرها سوى مطالبة بالاستسلام الكامل، بعد أن عجزت الولايات المتحدة عن انتزاع ذلك في ميدان المعركة. إذ تطالب الخطة إيران بتفكيك منشآت تخصيب اليورانيوم، والتعهد بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية، وتسليم مخزونها الذي يتجاوز 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع منح الوكالة صلاحية الوصول الكامل للمنشآت الإيرانية، فضلا عن إخراج مواقع فوردو وأصفهان ونطنز النووية من الخدمة. كما تشترط الخطة تخلي إيران عن حلفائها الإقليميين ووقف تسليحهم وتمويلهم، وإعادة فتح مضيق هرمز، ووضع قيود على مدى وبرنامج الصواريخ الإيرانية وجودتها.

وبعبارة أخرى، يحاول ترامب أن يحقق بورقة وقلم كافة الأهداف التي استعصى عليه نيلها بآلة الحرب.

وكما هو متوقع، رفض الإيرانيون هذه الإملاءات جملة وتفصيلا، وباتوا اليوم في موقف تفاوضي غاية في القوة، إذ ردوا بطرح مطالبهم الخاصة: الوقف التام لـ«العدوان والاغتيالات» من جانب العدو، ووضع آليات ملموسة تضمن عدم فرض الحرب على إيران مجددا، وضمان دفع تعويضات عن أضرار الحرب، وإنهاء القتال على كافة الجبهات ولجميع فصائل المقاومة في المنطقة، والاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز بوصفه حقا طبيعيا وقانونيا، ليكون بمثابة ضمانة لالتزامات الطرف الآخر.

وتشير التقارير بالفعل إلى قرب توصلهم لاتفاقات مع عدة بلدان، مع عبور بعض الناقلات بسلام عبر المضيق، بل ويُقال إن مبالغ دُفعت لإيران في بعض الحالات مقابل منح إذن العبور. في وقت السلم، تعبر مضيق هرمز قرابة 100 سفينة يوميا، مما يعني أن إيران بصدد جني أموال طائلة إذا ما تمكنت من فرض رسوم عبور.

وهكذا، ومع أن المشكلة لم تُحل بعد، إلا أن الإيرانيين يمتلكون أوراقا قوية جدا. فهم يسيطرون تماما على المضيق، لدرجة أنهم يطالبون في المفاوضات بأمور يسيطرون عليها فعليا على أرض الواقع.

أما بخصوص انسحاب القواعد العسكرية الأمريكية، فقد حدث ذلك جزئيا في العراق. حيث سحب حلف الناتو ما تبقى من قواته من قاعدة النصر، لتقتصر القوات الأمريكية في البلاد الآن على أعداد محدودة في أربيل (كردستان العراق) وعلى الحدود السورية.

ووفقا لتحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز، فإن «العديد من القواعد العسكرية الـ13 في المنطقة التي تستخدمها القوات الأمريكية باتت غير صالحة للسكن تقريبا» جراء الضربات الإيرانية، مما اضطر الجنود للانتقال إلى الفنادق، ودفع الولايات المتحدة لشن هجماتها من مسافات أبعد، عبر السفن الحربية والقواعد الموجودة في أوروبا.

وفي مرحلة ما، سيتعين على دول الخليج النظر في مدى جدوى استمرار الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها. فهي تجد نفسها اليوم في وضع تتعرض فيه بنيتها التحتية لهجمات إيرانية ردا على حرب أشعلت فتيلها الولايات المتحدة، لا هم.

ويبدو أن الإيرانيين يدركون جيدا مكامن قوتهم في المفاوضات. ففي ردها على مزاعم ترامب بشأن وجود مفاوضات «ودية»، أكدت إيران عدم وجود أي مفاوضات من الأساس. وقد صرح ممثل للحرس الثوري مؤخرا في مؤتمر بأن إيران تقف في جانب الحق، بينما تقف الولايات المتحدة في جانب الزيف، مشيرا إلى أن أكاذيب الإعلام الأمريكي لم تعد تقنع أحدا.

وفي رد إضافي على المزاعم الأمريكية بوجود مفاوضات ينفيها الإيرانيون، قالت إيران:

«هل بلغت درجة صراعكم الداخلي حدا جعلكم تتفاوضون مع أنفسكم؟… لا تسموا فشلكم اتفاقا.»

إن إيران تقول إن الأمريكيين يتفاوضون مع أنفسهم، فبينما يزعم ترامب وجود مفاوضات، تنفي إيران ذلك، وبينما يدعي ترامب تدمير كافة المنشآت الإيرانية، ترد إيران بالإشارة إلى نجاحها في ضرب أهداف في إسرائيل وأماكن أخرى رغم الزعم بافتقارها للمنشآت.

لهذا الأمر أثر سياسي بالغ في كل مكان، لاسيما في البلدان الخاضعة لهيمنة الإمبريالية، وفي العالمين العربي والإسلامي. إذ يرى الناس الولايات المتحدة وهي تُهان على يد بلد كان من المفترض سحقه في ثلاثة أيام، وهو ما يحمل دلالات سياسية كبرى للمستقبل.

وثمة أيضا مسألة لبنان، إذ أبدى الكثيرون دهشتهم من قدرة حزب الله على إعادة بناء نفسه وفق النموذج الإيراني. لقد باغتت المخابرات الإسرائيلية الإيرانيين مرتين أو ثلاثا، ويبدو أنهم في لبنان استخلصوا الدروس من ذلك.

فمن ناحية، كفوا تماما عن استخدام أجهزة الاتصال الرقمية، ولم يعودوا يتواصلون عبر الوسائط الرقمية أبدا. كما انتهجوا نموذج الدفاع «الفسيفسائي» اللامركزي ذاته الذي يتبعه الإيرانيون، واستثمروا الوقت في ترميم قدراتهم. لذا، حين حاول الإسرائيليون التوغل بريا كانت النتائج وبالا عليهم، مما اضطرهم للتباطؤ والشروع في قصف الجسور والبنية التحتية. ومع إعلان إسرائيل أن هدفها هو غزو المنطقة العازلة بشكل دائم وصولا إلى نهر الليطاني، إلا أن هذا الأمر لن يكون يسيرا عليهم.

الأثر الاقتصادي

ثم يأتي الأثر الاقتصادي لهذه الحرب. إذ تتأرجح أسعار النفط صعودا وهبوطا ما بين 120 دولارا للبرميل و87 دولارا، قبل أن تعاود الارتفاع مجددا، لتحوم بصفة عامة حول 100 دولار للبرميل. وإذا ما طال أمد الحرب حتى أبريل فستزداد الأمور سوء. والواقع أن الأثر بدأ يتجلى بالفعل عبر دفع معدلات التضخم نحو الارتفاع. وقد شهدت أسعار الوقود في المحطات زيادة في عدة بلدان، وما هذه إلا البداية.

لقد تأثرت تايوان، وهي أكبر منتج للرقائق الدقيقة المتقدمة في العالم، تأثرا بالغا بالحرب على إيران. فهي تعتمد على الغاز الطبيعي المسال لتأمين 40% من احتياجاتها من الطاقة، ويُستورد ثلث هذه الكمية من قطر التي أوقفت إنتاجها. وقد تجد تايوان نفسها مضطرة للسحب من احتياطياتها الاستراتيجية التي لا تكفيها سوى لـ11 يوما فقط.

وثمة أيضا مسألة الهيليوم، وهو مكون حيوي لصناعة الرقائق الدقيقة المتقدمة وغيرها. فالهيليوم يُنتج بوصفه منتجا ثانويا لاستخراج الغاز الطبيعي، وتعد قطر المصدر والمستخرج الأكبر له، حيث تستورد تايوان 69% من احتياجاتها من الهيليوم من قطر.

وفي الفلبين، أُعلنت حالة الطوارئ الاقتصادية لمدة عام، وطُبقت جملة من الإجراءات لمحاولة التعامل مع قضايا إمدادات النفط والغاز وارتفاع الأسعار. أما في إسبانيا، فقد اضطرت الحكومة للإعلان عن برنامج طوارئ بقيمة 5 مليارات يورو لدعم فواتير الطاقة، وهذا في بلد يعد عموما أقل عرضة لتقلبات أسعار الغاز والنفط.

وإلى جانب النفط والغاز، يمثل مضيق هرمز شريانا حيويا لصادرات الأسمدة العالمية، بما في ذلك اليوريا والأمونيا. إذ تستحوذ المنطقة على نحو 25% إلى 30% من تجارة الأمونيا العالمية، و46% من اليوريا، و44% من تجارة الكبريت المنقولة بحرا في العالم. وتكفي الإشارة إلى أن شركة قطر للأسمدة (قافكو)، التي تُعد أكبر مورد لليوريا في العالم، وحدها تمد السوق العالمية بنحو 14% من احتياجاته.

وقد تسبب إغلاق المضيق بالفعل في قفزة بأسعار اليوريا بنسبة تتراوح بين 35% و40% خلال أسابيع قليلة. إذ توقفت حركة نقل الأسمدة تماما، وذلك في وقت حرج يتزامن مع موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي. وسيكون لهذا الأمر أثر تتابعي على المحاصيل الغذائية وإنتاجيتها في بلدان مثل الهند وبنغلاديش وباكستان، بل وفي الولايات المتحدة نفسها، حيث إن ما يصل إلى 20% من الأسمدة المستوردة لأمريكا تأتي تحديدا من قطر.

ويحذر المحللون في غولدمان ساكس من أن أثر ارتفاع أسعار الأسمدة ونقص الإمدادات سيظهر جليا بعد فترة تتراوح بين 6 إلى 12 شهرا. إذ سيتجسد نقص الأسمدة الحالي في صورة «فقدان في الإنتاج المحصولي» في وقت لاحق من عام 2026، مع توقع ظهور أشد مخاطر الجوع وقفزات الأسعار في أوائل عام 2027.

وفضلا عن ارتفاع التضخم والاضطراب في أسواق الأسهم، فإن التبعات الاقتصادية للحرب في إيران تدفع تكاليف الاقتراض نحو الارتفاع، وتزيد من أعباء الديون على البلدان الرأسمالية المتقدمة.

وبالأخذ في الحسبان وضع الاقتصاد العالمي الهش أصلا، فإن صدمة إيران قد تدفعه بسهولة نحو الركود. وحينها لن نتحدث عن ركود تضخمي (ركود اقتصادي مصحوب بتضخم) فحسب، بل ربما عن كساد تضخمي (Slumpflation).

إن ارتفاع التضخم والمزيد من الخفض في الإنفاق الاجتماعي نتيجة ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي، يمثلان معا وصفة جاهزة لتأجيج الصراع الطبقي.

الصين وروسيا

وفي غضون ذلك، تجني القوى المنافسة للولايات المتحدة ثمار مأزقها. فقد جددت الصين مؤخرا تأكيدها على عدم استبعاد التدخل العسكري في تايوان، وهو ما لا يعني بالضرورة غزوا وشيكا، بقدر ما يحمل رسالة صينية جلية: لقد كشفت حرب إيران حدود القوة الأمريكية، وبما أن الولايات المتحدة تعجز عن بلوغ مآربها العسكرية ضد إيران، فعليها ألا تفكر حتى في مواجهة الصين.

ولعل روسيا هي المستفيد الأكبر من مقامرة ترامب الكارثية في إيران. فمنذ ثلاثة أشهر، كانت روسيا تضطر لتقديم خصومات هائلة لمشتري نفطها، مثل الهند، لدرجة بيعه بـ22 دولارا فقط للبرميل في وقت ما. أما اليوم، فهي تبيعه بنحو 100 دولار للبرميل. وتُقدر صحيفة فايننشال تايمز أن روسيا تجني 150 مليون دولار يوميا إيرادات إضافية بفضل طفرة الأسعار. علاوة على ذلك، تعد روسيا مصدرا رئيسيا للأسمدة.

وقد رفعت الولايات المتحدة الآن العقوبات المفروضة على النفط الروسي لمدة 30 يوما. ورغم عدم معرفة المدى الذي ستستمر فيه هذه الأسعار المرتفعة، إلا أنها منحت الاقتصاد الروسي دفعة هائلة في وقت كان يمر فيه بحالة من التباطؤ.

وثمة مكسب آخر لروسيا يتمثل في تهافت الولايات المتحدة حاليا في شتى أنحاء العالم لتأمين المزيد من صواريخ باتريوت وثاد وبطاريات الاعتراض وغيرها. وبما أن الولايات المتحدة تستنزف مخزوناتها، فإن هذا يعني توقف إمداد الأوكرانيين بها، مما يمنح الروس موقفا متفوقا هناك أيضا.

ووفقا لصحيفة واشنطن بوست، فقد «أخطر البنتاغون الكونغرس يوم الاثنين باعتزامه تحويل نحو 750 مليون دولار من التمويل المقدم من دول حلف الناتو عبر برنامج (PURL) لإعادة ملء المخزونات العسكرية الأمريكية الخاصة، بدلا من إرسال مساعدات إضافية إلى أوكرانيا». وهذا يعني أن بلدان الناتو الأوروبية تدفع للولايات المتحدة لتزويد أوكرانيا بالسلاح، بينما تستخدم الولايات المتحدة هذه الأموال ذاتها لترميم مخازنها!

وفي عرض من الجنون، رفعت الولايات المتحدة أيضا العقوبات عن النفط الإيراني! وتفسيرا لهذا المنطق، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت:

«في الجوهر، نحن نمارس رياضة الجيو جيتسو مع الإيرانيين، باستخدام نفطهم ضدهم.»

والمنطق هنا يزعم أن الإيرانيين يسعون لرفع أسعار النفط، لذا لن يسمح الأمريكيون لهم بذلك عبر شراء نفطهم بـ100 دولار للبرميل. لست في مقام يخولني الحكم على مهارات بيسنت في الفنون القتالية، ولكن الإيرانيين -الذين يبيعون الآن مزيدا من النفط وبسعر أعلى- يضحكون ملء أشداقهم وهم في طريقهم إلى البنك.

شعبية ترامب

وأخيرا، تبرز مسألة معدلات القبول الشعبي لدونالد ترامب. فبينما قد يلاحظ البعض أن شعبية ترامب لا تزال تفوق نظيراتها لدى القادة الأوروبيين، إلا أن هذا المعيار بحد ذاته متدن للغاية. فمنذ توليه السلطة، وشعبيته في تراجع تدريجي مستمر، لكنها شهدت الأسبوع الماضي تراجعا حادا ومفاجئا بواقع أربع نقاط، وهو أمر ذو دلالة كبيرة. إذ بلغت نسبة المؤيدين لرئاسته 36%، مقابل 62% من الرافضين. ووفقا لاستطلاع (IPSOS) لتتبع المستهلك، أفاد 92% من الأمريكيين بملاحظتهم ارتفاع أسعار الوقود في مناطقهم، فيما يتوقع 87% منهم تفاقم الوضع سوء.

وتظهر استطلاعات الرأي تراجعا في شعبية ترامب في مجالات متنوعة. فقد وجد استطلاع أجرته مؤسسة (YouGov) في مارس 2026 أن 61% من مواطني الولايات المتحدة يعارضون استخدام القوة العسكرية لمهاجمة كوبا، بينما لا يؤيد ذلك سوى 13%. كما أشار الاستطلاع ذاته إلى أن نسبة الأمريكيين الرافضين للحظر المفروض على كوبا تفوق نسبة المؤيدين له، لاسيما بخصوص حصار النفط الأخير الذي بدأ في مطلع عام 2026، إذ يعارض نحو 46% منع شحنات النفط مقابل تأييد 28% فقط.

أما بخصوص الحرب على إيران، فقد أظهر استطلاع لمركز (Pew) للأبحاث، أُجري في الفترة من 16 إلى 22 مارس، أن 61% من الأمريكيين يرفضون طريقة تعامل ترامب مع الصراع، بينما يرى 59% منهم أن قرار استخدام القوة العسكرية كان قرارا خاطئا.

إن تعثر الحرب في إيران وتداعياتها الاقتصادية المتفاقمة تسببا في انقسامات حادة داخل حركة (MAGA) الموالية لترامب، مما أدى إلى تصدعات واضحة داخل الإدارة نفسها. وفي هذا السياق، استقال مؤخرا جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، من منصبه، وشرع في جولة عبر قنوات «يوتيوب» والبودكاست المقربة من حركة “MAGA” مهاجما ترامب.

وقد استغل الإيرانيون بذكاء هذه الانقسامات لزرع بذور الشقاق في قلب إدارة ترامب. إذ صرحوا مؤخرا بعدم رغبتهم في التفاوض مع ستيف ويتكوف أو جاريد كوشنر -الذين وصفوهم بـ”الحمقى”- معلنين في المقابل رغبتهم في التفاوض مع نائب الرئيس جيه دي فانس، المعروف بعدم حماسه لهذه الحرب.

وبعد انقضاء مهلة الـ48 ساعة مطلع الأسبوع، لجأ ترامب إلى ما يسمى بـ «تأجيل التنفيذ» لمدة خمسة أيام. وبعد هدوء قصير، عادت البورصة الأمريكية إلى النزيف مجددا، حيث خُسرت تريليون دولار في يوم واحد (26 مارس). ونتيجة لذلك، يعلن ترامب الآن منح إيران مهلة 10 أيام أخرى للامتثال لمطالبه.

وقد لا تخرج هذه المهلة عن كونها خدعة أخرى تهدف لكسب الوقت للتحضير لعملية برية ما. وفي كل الأحوال، لم تنطل الحيلة على الإيرانيين الذين يدركون تماما أن ترامب سبق وأن تستر بالمفاوضات للتجهيز لعدوان عسكري وشيك.

لا توجد خيارات جيدة

في نهاية المطاف، لا تملك الإمبريالية الأمريكية أي خيارات جيدة. فالانسحاب الآن دون تحقيق أهداف الحرب سيمثل إهانة مدوية، والاستمرار في الحملة لن يحل شيئا، بل سيفاقم من تبعاتها الاقتصادية الوخيمة. أما إذا اختاروا التصعيد، فسيجعلون الموقف أكثر سوء من حيث احتمالية وقوع خسائر في صفوف الجيش الأمريكي، دون أي ضمانة بانتزاع تنازلات من إيران.

وفي تعليق ساخر عبر منصة (X) أشار وزير الدفاع الباكستاني إلى أن: «هدف الحرب يبدو وكأنه تحول إلى فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحا أصلا قبل اندلاع الحرب».

إن تداعيات مقامرة ترامب الفاشلة في إيران ستكون بعيدة المدى، سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا واقتصاديا.

27 مارس/أذار 2026

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

Trump faces impossible dilemma as Iran gets the upper hand