الرئيسية / الشرق الأوسط وشمال إفريقيا / الشرق الأوسط / إيران / الحرب العراقية الإيرانية: بناء الجمهورية الإسلامية

الحرب العراقية الإيرانية: بناء الجمهورية الإسلامية

عقب الثورة الإيرانية عام 1979، اغتنم صدام حسين الفرصة، فغزا إيران في 22 سبتمبر/أيلول 1980. حيث كان الجيش الإيراني قد تفكك إلى حد كبير وكانت الجمهورية الإسلامية، التي لم يكن قد مضى على تأسيسها سوى أقل من عام، بعيدة كل البعد عن ترسيخ سلطتها. واجه الإسلاميون مهمة شاقة لإعادة بناء الدولة البرجوازية الإيرانية، في وقت كانت فيه السلطة الفعلية ما تزال في يد الشارع.

كان دخول العمال على خط المواجهة، من خلال الإضراب العام في خريف عام 1978، هو الذي حول احتجاجات البازار والطلاب المنتمين للطبقة المتوسطة إلى ثورة حقيقية، حيث شكل العمال مجالس شورى (سوفييتات) في الأحياء والمصانع، وطالبوا بأجور أعلى، بل واستولوا في بعض الحالات على مصانعهم. لقد ناضلوا لكي لا يعود استبداد أرباب العمل -الذين كانوا حلفاء مقربين للنظام البهلوي إبان الثورة- مرة أخرى.

بيد أن الفشل الذريع للشيوعيين في تقديم أي بديل واضح، في مواجهة تصاعد وتيرة القمع، سمح للإسلاميين، بقيادة آية الله الخميني، باختطاف الثورة. ورغم أن الثورة نفسها قد ضمت طيفا واسعا من القوى الشيوعية، بما في ذلك: حزب توده الستاليني، وحركات الكفاح المسلح مثل فدائيو خلق، و”الماركسيين الإسلاميين” في منظمة مجاهدو خلق، والقوميين العلمانيين مثل الجبهة الوطنية، فإن الإسلاميين بذلوا كل ما في وسعهم لعزل الشيوعيين واليسار.

بدأ الخميني، عبر المؤسسة الدينية، إلى اختطاف مجالس شورى الأحياء -المجالس الشعبية- وحولها إلى “لجان إسلامية ثورية” مرتبطة بالمساجد، وهو ما مهد الطريق لاحقا لظهور المنظمات شبه العسكرية الإسلامية. كان الخميني، في ذلك الحين، مدعوما من طرف الإمبريالية الغربية، التي رأت فيه خيارا أفضل من الشيوعيين. حتى أن الولايات المتحدة تفاوضت مع بقايا الجيش البهلوي ليتخذوا موقف الحياد قبيل لحظة النصر النهائي للثورة.

لكن وعلى الرغم من النجاح الأولي للإسلاميين في اختطاف الثورة، فإن طاقة الجماهير لم تخمد على الفور. فيوم 8 مارس 1979، خلال اليوم العالمي للمرأة العاملة وبعد شهر فقط على وصول الخميني إلى السلطة، اندلعت مواجهات في الشوارع على إثر صدور قرار فرض ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة. استمرت الاحتجاجات أربعة أيام بمشاركة الشيوعيين أعضاء فدائيو خلق ومنظمة مجاهدي خلق وحزب توده. كانت هناك صدامات عنيفة مع العصابات الإسلامية. كانت قوى الثورة المضادة ما تزال ضعيفة، واضطر الخميني إلى إلغاء القرار.

مباشرة بعد استيلائه على السلطة وجه الخميني أمرا للعمال بالعودة إلى العمل وهددهم بالعقوبات في حالة الرفض. وبحلول يونيو 1980، أدان الرقابة العمالية باعتبارها تخريبا من طرف “أعداء الثورة”، ووصف المضربين بأنهم “أعداء الشعب وأعداء الله”. لكن بالرغم من ذلك كان مزاج العمال كفاحيا، حيث قامت الجماهير العمالية في المصانع بطرد المديرين الجدد الذين عينتهم الجمهورية الإسلامية الناشئة.

الكرد

لم يلق الإسلام الشيعي الخميني أي قبول في أوساط المكونات القومية السنية في إيران مثل الكرد والتركمان والبلوش والعرب، حيث كانت تهيمن المنظمات اليسارية القومية والشيوعية، ومن بينها المنظمات الكردية مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وكومله -جمعية كادحي كردستان الثورية-. وفي المناطق التركمانية، نشطت أيضا جمعية الشعب التركماني الثقافية والسياسية، المرتبطة بفدائيي خلق.

طالبت الأحزاب الكردية بالحكم الذاتي ضمن إطار إيران، على أن تُدار شؤونهم عبر مجالس المدن الخاصة بهم، مع ضمان الحقوق اللغوية في التعليم والإدارة المحلية، والاعتراف برجال الدين السنة ضمن الجمهورية الإسلامية. وخلال الثورة، قامت هذه الأحزاب بتجريد مختلف الميليشيات الإسلامية والجيش من السلاح، وطردهم من أراضيها.

وفي 19 غشت/ آب 1979، أعلن الخميني الجهاد ضد الكرد، واصفا إياهم بـ”الانفصاليين” و”الكفار” و”أعداء الإسلام”. وسرعان ما احتلت القوى الإسلامية العديد من المدن الكردية، لكنها واجهت مقاومة ضارية. ففي باوة وسنندج ومهاباد هاجم المدنيون العزل المحتلين، ورد الإسلاميون بارتكاب مجازر، كانت أبشعها في قرية قارنة حيث قُتل العشرات على يد عناصر الحرس الثوري الإسلامي.

وبسبب عدم قدرته على تصفيتهم عسكريا في تلك اللحظة، اضطر الخميني مجددا إلى التراجع، ودعا إلى مفاوضات أواخر 1979، لكنها باءت بالفشل في ربيع 1980. وظل الحكم الذاتي أمرا واقعا في الأقاليم الكردية حتى عام 1983، إذ احتفظت قوى مثل الحزب الديمقراطي وكومله بزمام السيطرة على مساحات ريفية شاسعة والعديد من الطرق.

غزو إيران

بمجرد وصوله إلى السلطة سنة 1979، تحول نظام البعث العراقي، بزعامة صدام حسين، إلى نظام طائفي سني. وعند إعلانه الحرب على إيران في سبتمبر 1980، صور صدام الحرب بكونها استمرارية للحرب العربية الفارسية لسنة 633م، في إشارة إلى الغزو الإسلامي لإيران. وبفعل تصديقه لدعايته القومية العربية اعتقد صدام بغرور أن العرب الإيرانيين -الذين يتركزون أساسا في مقاطعة خوزستان الحدودية الغنية بالنفط- سيهبون لاستقباله باعتباره محررا لهم.

أثبتت تلك الحرب، في واقع الأمر، أنها كانت فرصة ذهبية للإسلاميين وللخميني، إذ وفرت لهم الخصم المثالي. للإسلام الشيعي جذور عميقة في المجتمع الإيراني، ولاسيما بين المتحدثين بالفارسية والآذريين الإيرانيين، وعليه فقد واجهت قوات صدام مقاومة صلبة. ولم تسقط مدينة خرمشهر الحدودية إلا بعد 34 يوما من القتال المباشر من بيت لبيت، حتى أن المدنيين هاجموا القوات العراقية، وهو ما جعلها تُعرف بـ”مدينة الدم” بعد سقوط 7000 قتيل منذ المعركة الأولى.

كما واجهوا نفس المقاومة في العديد من المدن الإيرانية، بما في ذلك عبادان والأهواز ودزفول وغيرها. حوصرت عبادان لمدة 11 شهرا ولم تسقط، ولم تفقد إيران مصفاة النفط (الأكبر في البلاد)، ورفض عمال النفط إخلاءها.

لكن وعلى الرغم من القتال العنيد ضد القوات العراقية، فقد شهدت الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب وحدها نزوح أكثر من 1.5 مليون إيراني داخليا ومقتل 18 ألفا، عند تقدم القوات العراقية 80 كيلومترا داخل الأراضي الإيرانية.

كان الجيش الإيراني في حالة تفكك؛ ولم تكن الجمهورية الإسلامية تمتلك سوى 150 ألف مقاتل فقط، وهو تقريبا نصف العدد الذي كان عند إيران قبل الثورة. من الناحية النوعية كانت الأوضاع أسوء، إذ تمت تصفية الكوادر العسكرية، حيث أُقصي 12 ألف ضابطا و85 جنرالا بعد الثورة. وكانت أغلبية المعدات في حالة مزرية، لتقتصر القدرة التشغيلية على نصف سلاح الجو والدبابات وثلث سلاح المروحيات فقط.

كان الخميني يشك في ولاء الجيش، فقد كان ما يزال يحتوي على العديد من أنصار النظام الملكي، وحاول قطاع منه القيام بانقلاب في يوليو/تموز 1980، انتهى بالفشل. كان للجيش الإيراني تاريخ طويل من التغلغل الشيوعي والتعاطف مع منظمات الكفاح المسلح. خلال السبعينات قام حزب توده بإعادة بناء منظمته العسكرية لتوسيع نفوذه داخل الجيش، وللمفارقة، فقد كان الضباط المنتمون لحزب توده هم من أفشلوا مخطط الانقلاب في تموز/ يوليو 1980.

ركز أول رئيس منتخب، وهو أبو الحسن بني صدر (الليبرالي الإسلامي والعضو السابق في الجبهة الوطنية)، على إعادة بناء الجيش النظامي. في حين أن الخميني فضل الميليشيات الإسلامية، فجعل من نفسه القائد الأعلى وحولها إلى منظمة الحرس الثوري الإسلامي، التي ألحقت بها قوات الباسيج. وبذلك استحدثت الجمهورية الإسلامية نظامها العسكري المزدوج، حيث كان الحرس الثوري دائما هو الأفضل تسليحا من الجيش التقليدي.

جند الحرس الثوري والباسيج أعضاءه من بين فقراء المدن وحتى شرائح البروليتاريا الرثة، القريبة من البازار، وهي الفئات التي كانت دائما قريبة إلى رجال الدين. شكل هؤلاء، إضافة إلى البازاريين وسكان الأرياف الفارسيين والآذريين، القاعدة الاجتماعية للنظام الناشئ. سرعان ما توسع عدد الحرس الثوري من 10 آلاف عضو سنة 1980 إلى 450 ألفا سنة 1987. كما شهدت قوات الباسيج بدورها ارتفاعا سريعا، وصار عدد أعضاءها، في 1983، 450 ألفا، في الجبهات، إضافة إلى مليوني متدرب على حمل السلاح.

وأما العراق، الذي كان يتسلح بالفعل من الاتحاد السوفياتي كوكيل له خلال الحرب الباردة، وجد له أيضا حلفاء بين الإمبرياليين الغربيين. تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية للإذلال عندما اقتحم الايرانيون مقر سفارتها في نوفمبر 1979، واحتلوها لمدة 444 يوما. دعم الخميني اقتحام السفارة، ووظف العملية لتصوير نفسه كمعادي للإمبريالية من أجل تعزيز قبضته على السلطة. إلا أن اقتحام السفارة الأمريكية كانت له دلالة أعمق، إذ من تلك السفارة تحديدا خطط الأمريكيون لانقلاب 1953، وكان الخميني محقا في القلق من إمكانية التحضير لانقلاب آخر.

لم تكن الإمبريالية الأمريكية حليفا وفيا لصدام حسين، بل كان هدفها إنهاك القوتين المتصارعتين لتحكم قبضتها على الركام. كان صدام أداتهم الوحيدة للحد من آثار الثورة الإيرانية، خاصة مع فشل الملكيين الإيرانيين في أن يشكلوا بديلا جديا، رغم الدعم الأميركي الذي كانوا يتلقونه.

وخلال الحرب حصل العراق على حوالي 5 مليارات دولار على شكل قروض ومعدات تكنولوجية أمريكية، وكذلك معلومات استخباراتية فضائية حيوية. وذلك بالإضافة لمساهمات من حلفاء غربيين آخرين، ومن الأنظمة العربية الموالية للغرب، ليصل مجموع ما حصل عليه العراق إلى 63 مليار دولار على شكل أسلحة، و80 مليار دولار على شكل قروض.

الثورة المضادة الإسلامية في ذروتها

في عيد النوروز، رأس السنة الإيرانية، سنة 1980، أطلق الخميني ما يُعرف بـ”الثورة الثقافية الإسلامية”. فأغلقت الجامعات حتى 1983، وقامت عصابات الإسلاميين بحل التنظيمات الطلابية اليسارية، وتعرض الكثير من أعضاء هيئة التدريس الجامعيين، الذين كان أغلبهم من اليساريين، للطرد.

تم فرض الحجاب تدريجيا، في البداية من خلال الترهيب في الشارع على يد بلطجية السلطة، لكن بحلول سنة 1983 أصبح الحجاب إلزاميا بقوة القانون تحت تهديد الغرامات والجلد. وفي أغسطس 1980، بدأت عملية تصفية مجالس شورى المصانع، وتحويلها إلى مجالس عمل إسلامية لتسهيل إعادة إرساء النظام الرأسمالي.

في 21  يونيو/ حزيران 1981، قام المجلس (البرلمان) بسحب الثقة من الرئيس أبو الحسن بني صدر، وعزله الخميني من منصبه. كان بني صدر قد انتُخب قبل عام واحد بأغلبية ساحقة، وحاول توطيد سلطته من خلال الاستناد إلى مجالس الشورى والمجموعات الكردية. نشب الصراع حول طبيعة الجمهورية الإسلامية ذاتها، وحمَّل الإسلاميون بني صدر مسؤولية الهزائم العسكرية أمام العراق.

في 20 يونيو/ حزيران ، وحتى قبل سحب الثقة منه، دعا بني صدر إلى احتجاجات. لاقت تلك الدعوات صدى لدى منظمة مجاهدي خلق، واستقطبت 500,000 متظاهر في طهران، بالإضافة إلى احتجاجات أخرى في تبریز، ورشت، وآمل، وقيام شهر، وجرجان، وبابلسر، وزنجان، وكرج، وأراك، وأصفهان، وبيرجند، والأهواز، وكرمان.

كان الخميني قد حشد قوة قمعية هائلة، متمثلة في الباسيج والحرس الثوري، لقمع الاحتجاجات بعنف، معلنا أن المتظاهرين “أعداء لله”. وفي محيط جامعة طهران وحدها، قُتل 50 شخصا، وأُصيب 200 آخرون، واعتقل 1000 شخص. وهكذا بدأ عهد من الإرهاب شهد اعتقال عشرات الآلاف بين يونيو 1981 ومارس 1982.

في البداية تم استهداف أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق، ثم اتسع نطاق الإرهاب ليشمل منظمة فدائيي خلق (الأقلية) ومنظمة النضال من أجل تحرر الطبقة العاملة (بيكار). وبحلول نهاية عام 1982، قُدر عدد الذين أُعدموا أو قُتلوا في معارك الشوارع بنحو 7500 شخص.

وردا على تلك الحملة القمعية، لجأت منظمة مجاهدي خلق إلى الإرهاب، حيث نفذت 336 عملية اغتيال بين أغسطس 1981 وديسمبر 1982. غير أن ما تبقى لها من تعاطف لدى الجماهير الإيرانية تبخر لاحقا عندما تحالفت مع صدام حسين، إذ انتقلت المنظمة في نهاية المطاف إلى العراق، وقاتلت جنبا إلى جنب مع القوات العراقية بين عامي 1987 و1988.

وفي المناطق الكردية، أعادت الحكومة احتلال المدن بحملة وحشية، رغم استمرار المقاومة في شكل حرب عصابات. وفي عام 1983، وبدافع من اليأس، تلقت الأحزاب الكردية مساعدات من صدام حسين. وبالرغم من أن تلك المجموعات الكردية أدانت الغزو العراقي، إلا أن الحرب مكنت الخميني من تصوير الحركة الكردية على أنها حركة انفصالية ومرتزقة أجانب وأعداء للإسلام.

دور حزب توده

كان حزب توده أقدم حزب شيوعي في إيران، وكان بإمكانه قبل انقلاب عام 1953 تعبئة الملايين. لكن بعد الثورة، كان الحزب ما يزال في طور إعادة بناء قواه، حيث ضم في عام 1980 نحو 5000 عضو و 100.000 متعاطف. لكن حزب توده للأسف بني بصلابة على أساس النهج الستاليني، الذي حصر مهام الثورة الإيرانية في “تعزيز المكاسب المناهضة للإمبريالية”، وصور الخميني والإسلاميين على أنهم “قادة قوة معادية للإمبريالية” وممثلون مفترضون لبرجوازية وطنية “تقدمية”.

أدى ذلك إلى تبني موقف مثير للسخرية تجاه مجالس الشورى. كانت تلك المجالس تمثل جنين سلطة العمال، تماما مثل السوفييتات في روسيا عام 1917، وكان من الممكن تطويرها لتصبح بديلا حقيقيا عن الدولة الرأسمالية. ولكن بدلا من ذلك، طرح لهم حزب توده مطلبا يقضي بتحويلها إلى مجرد منظمات نقابية تعمل إلى جانب الدولة الرأسمالية، بل وقام الحزب لاحقا بدعم اختطاف تلك المجالس من طرف الإسلاميين.

طوال فترة الثورة، حاولوا حشد القوى اليسارية معا، ولكن جناحا واحدا فقط من فدائيي خلق -والذي كان قد انشق لتوه بسبب الموقف من النظام- أصبح متحالفا بشكل وثيق مع حزب توده. وبينما أصبحت الطبيعة الرجعية لنظام الخميني واضحة تماما للجميع، ظل حزب توده الاستثناء الوحيد، حيث نأى بنفسه عن الاحتجاجات الشعبية المناهضة للإسلاميين.

كانت النتيجة المنطقية لموقف حزب توده من الثورة هي دعمه للقمع الذي مارسه النظام سنة 1981 إبان الحرب[1]. أصبح حزب توده معزولا عن بقية القوى اليسارية، واعتبره الكثيرون حزب خونة. لكن وبالرغم من دعمهم للنظام، فإنهم عانوا أنفسهم من القمع على يد الإسلاميين.

بحلول سنة 1983، تعززت قوة النظام الإسلامي إثر انشقاق عميل الاستخبارات السوفياتية المتمركز في إيران، فلاديمير كوزيتشكين، ولجوئه إلى بريطانيا سنة 1982، حيث قدم معلومات إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية،  والتي بدورها زودت النظام الإسلامي بتلك التفاصيل، بما في ذلك قوائم لعملاء سوفييت وأعضاء حزب توده المدعوم من الاتحاد السوفياتي.

وفي فبراير 1983، اُعتقل قادة حزب توده، بمن فيهم الأمين العام نور الدين كيانوري. وفي مايو 1983، تم حل الحزب رسميا وحظره قانونيا. عقب ذلك، بدأت عملية مطاردة للأعضاء المتبقين، مما أدى إلى اعتقال الآلاف. وفي نهاية المطاف، أُعدم أكثر من 150 شخصا، كانت غالبيتهم من التنظيم العسكري للحزب.

لقد مهدت سياساتهم الطريق لتلك الكارثة العظمى. فلو لم يكن حزب توده قد أحرق بالكامل جسوره مع الجماهير لكان في وضع مختلف تماما. إن النهج الصحيح آنذاك كان يتمثل في الدفاع عن إيران ضد صدام حسين وحلفائه الإمبرياليين على أساس حشد الجماهير نفسها، وفي الوقت ذاته، النضال ضد كل محاولة من طرف الإسلاميين لتعزيز سلطتهم.

كان من المفترض أن يتضمن ذلك المشاركة في مجالس الشورى، وتنظيم ميليشياتهم الخاصة باستخدام تنظيمهم العسكري، ودعم المطالب الديمقراطية والاقتصادية، مع شرح ضرورة استكمال الثورة من خلال استيلاء الجماهير نفسها على السلطة.

لكن بحلول تلك اللحظة، كان حزب توده قد بدد كل فرصة أتيحت له منذ اندلاع الثورة. وفي نهاية المطاف، كان بإمكانهم على الأقل الاستعداد للعمل السري، بدلا من تضليل أعضائهم وذر الرماد في عيونهم عبر “تحالف” من طرف واحد وغير متبادل مع الإسلاميين.

رعب بلا نهاية

وفي غياب مسار ثوري واضح للمضي قدما، تحول الوضع في إيران إلى كابوس مرعب للجماهير الإيرانية. فقد لجأ صدام، بعد أن أصيب بالإحباط بفعل المقاومة الإيرانية، إلى استخدام الأسلحة الكيميائية، بما في ذلك غاز الخردل والسارين والتابون. وكانت النتيجة مقتل ما مجموعه 25.000 شخص وجرح 100.000 آخرين.

كان الإمبرياليون الغربيون على دراية تامة باستخدام صدام للأسلحة الكيميائية، وهو أمر موثق جيدا في الوثائق التي رُفعت عنها السرية والمقابلات. بل في واقع الأمر، ساعدت الإمبريالية الغربية العراق في الحصول على تلك الأسلحة في المقام الأول، حيث ساهمت شركات بريطانية وألمانية غربية في بناء المنشآت الكيميائية المستخدمة لإنتاجها. كما زودت هولندا العراق بأكثر من 5000 طن من المواد الأولية الكيميائية اللازمة للتصنيع، بينما قدمت إسبانيا وفرنسا والنمسا وإيطاليا الذخائر اللازمة لإطلاق تلك الأسلحة الكيميائية.

بحلول ديسمبر 1980، تمكنت الجماهير الإيرانية، من خلال مزيج من الأعداد الهائلة والتضحيات العظيمة، من إيقاف تقدم صدام، ثم بدأت تدريجيا في دفعه خارج الأراضي الإيرانية. لقد حشدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية الملايين، بل ولجأت إلى تجنيد المراهقين لشن الهجمات البشرية المكثفة وتطهير حقول الألغام، مع وعود بنيل الجزاء في الجنة. قُتل عشرات الآلاف من الجنود الأطفال خلال الحرب، بينما تراوحت الحصيلة الإجمالية للقتلى من الجنود ما بين 200.000 إلى 600.000 جندي.

بحلول منتصف 1982، تم طرد القوات العراقية من إيران، وفي يوليو من العام نفسه، بدأت إيران هجومها داخل العراق. وفي ذروة يأسه، شرع صدام في حملة قصف عُرفت بـ”حرب المدن”، حيث قصف كل المدن الكبرى في إيران، مما أسفر عن مقتل 16.000 مدني. ونظرا لمحدودية سلاحها الجوي بسبب العقوبات الغربية، اتجهت إيران إلى تطوير صواريخها وطائراتها المسيرة الخاصة. والآن، يطالب الغرب -الذي هو المسؤول تحديدا عن تلك المجازر بحق المدنيين الإيرانيين- بأن تفكك إيران برنامجها للصواريخ الباليستية وتجعل نفسها عزلاء بلا دفاع!

ذهب الخميني إلى حد الدعوة للإطاحة بصدام من أجل “تصدير الثورة” إلى العراق وحلفائه الموالين للغرب في المنطقة. فقام بتطوير صلات وتقديم مساعدات للقوى المناهضة للإمبريالية وحلفاء آخرين مثل حزب الله في لبنان، وحزب الدعوة في العراق، وغيرهم. بالنسبة لإيران كانت تلك جبهات لمحاربة العدو الحقيقي وراء صدام حسين: الإمبريالية الغربية، وخاصة أمريكا. ومرة أخرى، تطالب الإمبريالية الأمريكية الإيرانيين بوقف دعم “الوكلاء” في المنطقة، لكن العدوان المدعوم من الإمبريالية الأمريكية نفسها هو الذي دفع الإيرانيين إلى تطوير هؤلاء الوكلاء!

أدت المساعدات الإيرانية لحزب الله ضد التدخل الأمريكي في الحرب الأهلية اللبنانية بشكل خاص إلى تفاقم العداء مع الإمبريالية الأمريكية. ومع ذلك فإن التوسع المأمول للثورة الإسلامية لم يتحقق أبدا. فقد قمع صدام شيعة العراق بعنف، وتم طرد أعضاء من رجال الدين الشيعة والعراقيين ذوي الأصول الفارسية أو جرى ترحيلهم إلى إيران. وبعد دحر قوات صدام خارج إيران عام 1982، أرسل الأخير طلبات متكررة لوقف إطلاق النار، وبحلول أغسطس 1988، أصبح من الواضح حتى للخميني أن الحرب قد وصلت إلى طريق مسدود. ومع نهاية الحرب، كانت الجماهير قد استُنزفت تماما بفعل الحرب والقمع، على خلفية الهزائم في الصراع الطبقي.

كانت الحرب هي الأداة التي ثبتت أركان الثورة المضادة في إيران في نهاية المطاف. فمباشرة بعد الحرب، غصت سجون النظام الإيراني بالمعتقلين السياسيين، الذين تعرضوا لمجزرة جماعية بتهم شتى، مثل التواطؤ مع صدام، والردة عن الإسلام، ومحاربة الله. وتُشير التقديرات إلى أن عدد الذين أُعدموا وصل إلى 30.000 شخص.

أيها الإمبرياليون: ارفعوا أيديكم عن إيران!

لقد تركت كل من الثورة المضادة وحرب الثمانينيات المجتمع الإيراني في حالة صدمة عميقة. ومنذ ذلك الحين ربط النظام الإيراني شرعيته بأكملها بمبدأ الاستقلال عن الإمبريالية الغربية وتجنب أهوال حرب أخرى، وعلى هذا الأساس بُنيت سياسته الخارجية برمتها. وفي حين تم التخلي جوهريا عن ترهات “تصدير الثورة”، فإن إيران ما تزال محاطة بالإمبريالية الأمريكية المعادية، ولذلك حافظت على وكلائها في المنطقة وعملت على توسيع نطاق تحالفاتهم.

وفي الوقت ذاته، أظهر النظام مرارا استعداده للتفاهم مع الإمبريالية الغربية، مطالبا بالاعتراف به باعتباره قوة شرعية في الشرق الأوسط. غير أن الإمبريالية الأمريكية، وبسبب غطرستها، لا يمكنها قبول إيران كقوة شرعية، بل وتضمر ضغينة ضد الجمهورية الإسلامية بسبب رفضها الخضوع لها.

لكن هذا الموقف يتسم بنفاق محض، فمن ناحية، كانت الإمبريالية الغربية هي التي ساعدت على خلق وتعزيز الجمهورية الإسلامية، في البداية عبر الدعم المباشر للخميني، ثم بشكل غير مباشر من خلال الحرب العراقية الإيرانية والعداء المستمر منذ ذلك الحين، وهو الشيء الذي أدى إلى تقوية نظام الثورة المضادة الإسلامي سياسيا عبر تعزيز صورته وشعاراته المناهضة للإمبريالية، بدلا من أن يؤدي إلى إضعافه.

إن الجمهورية الإسلامية، في نهاية المطاف، ليست سوى وحش فرانكنشتاين ساهمت الإمبريالية الغربية بيد طولى في خلقه، وعجزت حتى الآن عن السيطرة عليه أو الإطاحة به.

إن أي حديث من جانب الدجالين الغربيين عن “حقوق الإنسان” في الجمهورية الإسلامية، لا سيما في الثمانينيات، هو محض هراء مطلق. إن أهوال الجمهورية الإسلامية تضاهي أهوال نظام بهلوي الذي كان مدعوما من طرف الغرب، والذي كان يحلم هو نفسه بتحقيق ما حققه الإسلاميون في نهاية المطاف: استئصال الحركة الشيوعية. إن الإمبريالية الغربية هي القوة الأكثر رجعية في العالم، ويتجلى ذلك في إيران وحدها من خلال سلوكها الإجرامي في الحرب العراقية الإيرانية، وفي سيل الجرائم التي ارتكبتها طوال القرن الماضي من التاريخ الإيران.

18 مارس/آذار 2026

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

Iraq-Iran war: the forging of the Islamic Republic

الهوامش:

[1] Rebels with a Cause: The Failure of the Left in Iran, pp. 115-116