يمثل العدوان الإمبريالي الأمريكي-الإسرائيلي على إيران بركانا حقيقيا ينفجر في قلب منطقة الشرق الأوسط، ليصب الزيت على نار الاضطراب المشتعلة منذ عام 2023. فلم تعد الحرب على إيران مجرد عناوين في نشرة الأخبار، فالمضايق الاستراتيجية أغلقت (هرمز، وباب المندب على الشفا)، بينما تتساقط الصواريخ على عشر دول على الأقل: إيران، لبنان، العراق، إسرائيل، السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، الأردن.
لقد تحول الشرق الأوسط برمته إلى مسرح عمليات عسكرية في مواجهة وحشية خلفت آلاف القتلى، أغلبهم من الإيرانيين واللبنانيين سقطوا بآلة الوحشية الإسرائيلية والأمريكية. ومن الجلي أن الحرب تتجه نحو توسع انتحاري، فالإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية لا تقبل الهزيمة، والنظام الإيراني عصي على الهزيمة حتى اللحظة، ومستعد وقادر على جر المنطقة إلى الجحيم.
تتبلور المعسكرات بوضوح: جبهة تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، وتتذيلها ممالك الخليج العربي سواء مكرهين أو عن قناعة، وفي المقابل إيران وأذرعها، ومن خلفها الصين وروسيا. وفي هذا الصراع، تقبع مصر في موقف لا تحسد عليه، إذ يمثل حلفائها المفترضين النقيض لمصالحها المباشرة.

هذا المأزق التاريخي يطبع كل تحركات وتصريحات النظام الحاكم. لقد زلزلت الحرب الحالية مصر من أقصاها إلى أقصاها، وشعرت الجماهير بآثارها مباشرة في تفاصيل حياتهم اليومية، لتصبح الحرب هي حديث الساعة منذ انطلاق الصاروخ الأول.
كارثة اقتصادية: الجماهير تدفع ثمن العربدة الإمبريالية
تتصدر الآثار الاقتصادية تداعيات الحرب عالميا، إذ تسبب إغلاق مضيق هرمز في اضطراب اقتصادي عالمي، وكان الاقتصاد الرأسمالي المصري الضعيف من أكثر الاقتصادات تضررا.
تعود نفس الدائرة الجهنمية للدوران. فعاود الدولار الارتفاع أمام الجنيه ليتجاوز حاجز الـ50، مسجلا 54.55 جنيها للدولار، بنسبة ارتفاع تخطت 14% عن سعره قبل الحرب. إذ يمثل هذا السقوط أدنى مستوى رسمي يصل له الجنيه أمام الدولار في تاريخه، مما يؤدي فورا لارتفاع فاتورة الاستيراد، إذ قفزت تكلفة الطاقة الشهرية من 1.2 مليار دولار شهريا إلى 2.5 مليار، ليتفاقم العجز التجاري وتشتعل الأسعار.
وكما حدث في الحرب الروسية-الأوكرانية، كانت الأموال الساخنة هي المحرك الأساسي لهذا الانهيار، إذ نزف الاقتصاد المصري ما يقارب من 5 مليارات دولار في الأسبوع الأول فقط من الحرب، مع تقديرات تشير لـ 8 مليارات حتى اللحظة.
رد البنك المركزي المصري برفع طفيف للفائدة (بنسبة 0.53% إلى 0.55%) في محاولة يائسة لاستبقاء المستثمرين المرابين والبنوك لسد فجوة خروج الأموال الساخنة بقدر الإمكان، غير أن هذا التحريك سيؤدي لزيادة كارثية في عجز الموازنة تقدر بين 15 و20 مليار دولار نتيجة ارتفاع كلفة الديون. أي أن الاقتصاد المصري بدأ فعليا في دفع فاتورة الحرب عبر زيادة تكلفة الاقتراض.
إن أدوات الدين هذه ليست مجرد أرقام صماء، بل هي أدوات للاستعمار المالي الحديث في العصر الإمبريالي. والنظام، برفعه أسعار الفائدة، يسعى لتفادي الإفلاس عبر استرضاء المقامرين الدوليين المستثمرين في الديون على حساب ميزانية الدعم والتعليم والصحة، ليبقى الاقتصاد المصري رهينة في أيدي هؤلاء المرابين الذين يمتصون دماء الكادحين.
يضاف إلى ذلك زيادة تكاليف الشحن، إذ من توقع ارتفاع أسعار السلع المستوردة بنسبة لا تقل عن 10% نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن فقط. ويظل التهديد الأكبر معلقا باحتمالية دخول الحوثيين الحرب وإغلاق مضيق باب المندب، مما سيضرب قناة السويس، أحد أهم المصادر الدولارية، مما سيؤثر على تدفق الدولار ويرفع سعر الشحن أكثر مطلقا صاروخ الأسعار إلى عنان السماء.
لقد استغل النظام مناخ الحرب لرفع سعر المواد البترولية بمقدار 3 جنيهات للتر، وهي الزيادة رقم 20 منذ عام 2019، والأكبر على الإطلاق منذ بدء برنامج الخراب الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي عام 2016، مما انعكس فورا على تكلفة المواصلات العامة والمنتجات والخدمات. فمصر تعتمد على الاستيراد لتوفير ما بين 35% و40% من احتياجاتها من المواد البترولية.
كما صدر قرار كارثي بإغلاق جميع المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم في الساعة التاسعة مساء، وتقليص إنارة الشوارع بنسبة 50%، ترشيدا لاستهلاك الكهرباء والوقود، وهو وقت مبكر جدا للسوق التجاري المصري الذي يعمل أغلبه ليلا.
إن هذا القرار يضع مصير نحو 10-12 مليون عامل/ة على المحك. وبإضافة أسرهم، نجد أن نصف الشعب المصري (نحو 48 مليونا) يتأثرون بشكل مباشر أو غير مباشر. وأكثرهم تضررا هم العمالة غير المنتظمة -اليومية في الغالب- في المقاهي والمطاعم والمحال التجارية الصغيرة، مما يضع 20-25 مليون مواطن تحت ضغط معيشي لا يطاق لتوفير مستلزمات الحياة اليومية.
اللافت أن هذا القرار تزامن مع إعلان إسرائيل تعليق تصدير الغاز لمصر، وهو ما يفند كل مزاعم النظام بأن الغاز الإسرائيلي معد للتصدير فقط. فتقارير وزارة البترول تشير أن مصر تستهلك نحو 6.8 مليار قدم مكعب يوميا وتنتج ما يقارب 5 مليارات، ويسد الغاز الإسرائيلي هذا العجز الذي يمثل حوالي 20% من حاجات الطاقة، هذا بعد تراجع الإنتاج في حقل ظهر. لذا عند توقف التصدير تظهر الأزمة مباشرة في الحياة اليومية للمصريين، مثلما حدث الصيف قبل الماضي عندما عانينا من انقطاعات طويلة في كهرباء المنازل.
لقد وضع النظام الديكتاتوري المفلس رقبة البلاد والعباد تحت سيف الصهاينة، إذ يمتلكون الآن ورقة ضغط قوية لابتزازه وإخضاعه بإظلام البلاد بكبسة زر. إن النظام الذي وعدنا بـ”مركز إقليمي للطاقة” والاكتفاء الذاتي أصبح عاجزا عن تشغيل محطات الكهرباء بمجرد أن أغلق الاحتلال المحبس. وينطبق الأمر نفسه على النظام الأردني، وإن كان خضوعه التام يجعل الأمريكان والصهاينة في غنى عن ممارسة ضغوط مباشرة عليه.
يشعر المصريون أنهم أكثر من يتضررون بالحروب والاضطرابات القريبة والبعيدة كالعادة، وما زالت آثار الحرب الروسية الأوكرانية عالقة في الأذهان، فقد كان الاقتصاد المصري من أكثر من الاقتصادات تضررا بها. والآن، مثلما حدث في الماضي، يلقي النظام بكامل ثقل الأزمة على عاتق الطبقة العاملة والفقراء وصغار الكسبة من أصحاب المحال الصغيرة، بينما يترك أباطرة البترول والغاز والمستوردين والرأسماليين دون مساس يعبثون بالسوق ويستفيدون من الاضطرابات ويراكمون المزيد من الأرباح.

فبينما يتحمل المواطن كلفة الإغلاق الساعة 9 مساء، تحقق شركات البترول الأجنبية قفزات في عوائدها نتيجة تقويم حصصها بالأسعار العالمية المشتعلة، لتتحول فاتورة الطاقة من عبء على الموازنة إلى مصدر ربح لهذه الشركات بنسب تتراوح بين 15% و20%.
ومع اليوم الأول لتنفيذ الإغلاق، تحولت مدن مصر المحمية بالحرامية بشوارعها التي لا تنام إلى مدن أشباح مظلمة في تمام الساعة التاسعة ليلا، في مشهد لم يسبق له مثيل في الذاكرة الحية للمصريين.
أين يقف النظام في الحرب الحالية؟ التناقض بين المصالح والتبعية
يعد موقف النظام المصري من أكثر النقاط التباسا في هذه الحرب. فهو موقف غير فعال بكل المقاييس، لكنه يحمل دلالات ودوافع عميقة. من الجلي أن النظام يميل إلى عدم هزيمة النظام الإيراني، رغم كل الخلافات التاريخية، إذ ينظر بقلق بالغ إلى احتمالية انتصار أمريكا وإسرائيل المطلق، وما قد يتبعه من ضغوط هائلة عليه، لا سيما في ملف التهجير وتصفية القضية الفلسطينية.
هذا التوجه ظهر بوضوح في التصريحات المبكرة للعديد من “الخبراء العسكريين” الذين يمثلون أذرع الهيئة العامة للشؤون المعنوية ولا يتحدثون إلا بما يتوافق مع رؤية السلطة. فقد صرح اللواء سمير فرج، مدير الهيئة العامة للشئون المعنوية الأسبق، بأن: “سقوط إيران ليس في مصلحة مصر والمنطقة”.
كما يتخوف النظام من الفوضى الإقليمية العارمة التي ستعقب انهيار الدولة الإيرانية بأيدي الإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما عبر عنه اللواء أركان حرب حمدي بخيت: “المشهد الحالي يتجاوز مجرد ضربة عسكرية لمنشآت نووية، نحن نتحدث عن إعادة صياغة جيوسياسية للمنطقة بالقوة. إسرائيل وأمريكا تدركان أن ضرب العمق الإيراني سيفتح أبواب الجحيم في مضيق هرمز وباب المندب.”
ورغم إدراك النظام أن مصالحه الحقيقية تقتضي الوقوف ضد العدوان على إيران وخفض التصعيد، إلا أن ضعفه البنيوي وهيمنة الإمبريالية الأمريكية ووكلائها الخليجيين عليه حالا دون اتخاذ إجراءات حقيقية. إن هذا التناقض ينبع من الضعف بشكل أساسي لا من سوء التصرف أو الخطأ في الحسابات، فهو أضعف من أن يعبر عن مصالحه بصراحة.
إن التبعية الاقتصادية والضعف المزمن تجعل النظام المصري عاجزا عن اتخاذ موقف مستقل، فالأزمة الحالية تعصف بالاقتصاد، ولا تجد الرأسمالية المصرية مفرا من الخضوع الكامل للولايات المتحدة والسعودية والإمارات، بوصفهم الملاذ الوحيد للنجاة من الإفلاس الكامل.
تجسد هذا العجز الفاضح في الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ونظيره الأمريكي، ماركو روبيو، حيث استجدى سيولة نقدية ودعما عاجلا للاقتصاد المصري المترنح. كما في الاستجداء المذل الذي مارسه السيسي في مؤتمر علني، متضرعا لترامب من أجل وقف الحرب، حينما قال:
“أنا بقول للرئيس ترامب، لن يستطيع أحد إيقاف الحرب في منطقتنا، في الخليج، إلا أنت. وأنا بكلمك باسم الإنسانية، وباسم كل محبي السلام، وأنت يا فخامة الرئيس من محبين السلام، بوجهلك رسالة مباشرة، باسمي واسم كل المنطقة، واسم كل العالم، والتدعيات الخطيرة لاستمرار الحرب دي أكتر من كدا، من فضلك فخامة الرئيس، من فضلك، من فضلك، ساعدنا في إيقاف الحرب، وأنت قادر على ذلك.”
يكشف هذا المشهد عن عمق الهاوية التي يقف النظام على حافتها. وإذا كنا لا نعلم بعد رد ماركو روبيو على تسول بدر عبد العاطي، فإننا على يقين أن الإمبريالية الأمريكية لم تفتح جمعية خيرية بعد، وكل دولار سيُدفع لإنقاذ النظام سيكون له ثمن باهظ، والطبقة العاملة والفقراء هم وحدهم من سيسددون هذه الفاتورة من دمهم وقوت يومهم.
النظام بين مطرقة الموقف الشعبي وسندان “الأشقاء”
يتمثل المأزق الآخر للنظام في غضب ولاة نعمته الخليجيين، وما يترتب على ذلك من احتمالية فقدان أهم داعم اقتصادي وسياسي له، أو على الأقل خفوت دعمهم له. يشعر هؤلاء اليوم بالخيانة بعد دفع مليارات الدولارات، وبعد أن توهموا بأسطورة “مسافة السكة”، صدقوا أن للخليج جيش مرتزقة في مصر سيحميهم في صراعاتهم.
وبغض النظر عن نوايا النظام، يظل الأكيد أنه عاجز عن الزج بالجيش المصري في هذا الأتون، حتى إن أراد ذلك، رغم أنه في الغالب لا يريد أصلا لأنه لا يتوافق مع مصالحه. فالخليج يصطف خلف أمريكا وإسرائيل، ومن المستحيل أن تقبل الجماهير وقواعد الجيش من صغار الضباط والجنود التخندق في خندق إمبريالي دموي إلى جانب إسرائيل. وهو ما يعلمه النظام جيدا جدا.
يختلف الوضع اليوم عما كان عليه إبان غزو العراق للكويت عام 1990، حين بيع الجيش المصري مرتزقة في حرب أمريكا ضد العراق في مقابل إسقاط الديون، إذ أُحيط التدخل وقتها بغلاف “العروبة” ووقف زحف صدام، ومنعت أمريكا إسرائيل من الدخول في الحرب بشكل مباشر لعدم إحراج الأنظمة العربية.
أما الآن، فالخليج مكروه بشدة من الشعب المصري، وضرب إيران للقواعد الأمريكية في الخليج ومقاومة العدوان فعل مبرر في نظر الغالبية العظمى من المصريين، خاصة في ظل انخفاض عدد الضحايا المدنيين في الخليج.
ما تزال الجماهير المصرية تعتبر إسرائيل وأمريكا العدو الرئيسي لها، رغم كل محاولات الأنظمة المتعاقبة لترسيخ وهم السلام تحت رعاية الإمبريالية الأمريكية، والحقيقة أن النظام الصهيوني لم يدخر جهدا في تأصيل العداء له في كل ركن من أركان المنطقة.
وبغض النظر عن وجهة النظر الشعبية اتجاه إيران في الأوقات العادية، وهي ليست وجهة نظر إيجابية بشكل عام، ولكن وقوفها وصمودها في مواجهة العدوان الهمجي الإمبريالي الذي يشن عليها من إسرائيل وأمريكا وقواعدها في الخليج والمنطقة جلب لإيران دعم شعبي كبير جدا، إن لم يكن ساحقا، وجلب إزدراء لكل من يقف في صف إسرائيل وأمريكا.

لقد تسبب التعاطف العام مع إيران والعربدة الإسرائيلية الأمريكية في سهو النظام المصري عن مراعاة مشاعر أسياده، فنسى إظهار تعاطفه وإبداء تضامنه معهم في مواجهة الصواريخ الإيرانية التي لا تستهدف مدنيين. وما أن كشر الخليجيون عن أنيابهم الاقتصادية حتى سارع للإقرار بالذنب إقرار العبد الذليل، فصدرت البيانات من كل حدب وصوب ملعنة الموقف المصري الأصيل في دعم الأخوة في الخليج ضد إيران المارقة!
حيث شهدت الأيام الماضية تصعيدا حادا ف في الخطاب الرسمي المصري، وانتقل الخطاب فجأة من الدعوة للتهدئة في المنطقة فحسب إلى التحذير من عواقب ضرب الخليج. ليؤكد ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام ورئيس الهيئة العامة للاستعلامات، أن: “التضامن المصري مع الأشقاء في الخليج ليس مجرد كلمات، بل هو موقف سياسي وأمني ثابت للدولة المصرية.”
وأُطلق العنان للأبواق الإعلامية ونقاط الإرتكاز الإعلامية السعودية في مصر لشن هجوم ضارٍ على إيران. فبهرنا الإعلامي العامل في قنوات mbc السعودية، عمرو أديب، بوصلة خضوع مذل لمن يطعم فمه قائلا:
“نحن مع دول الخليج. وبقول لحضراتكم أهو، أنا على الهوا، اتحدى حد يطلع يقول، يكتب سطر، يقولي أنا مع إيران ضد دول الخليج.”
وللمرة الأولى منذ أمد بعيد، نرى اتفاقا جامعا يضم الليبراليين الموالين لأمريكا وإسرائيل ومشيخة الأزهر والإسلاميين والدولة، متجاوزين معاركهم القديمة العقيمة حول المدنية والدينية. فنرى إبراهيم عيسى، الليبرالي الموالي لأمريكا، يقول:
“أمن الخليج هو أمن مصر، ونقطة ومن أول السطر. اللي فاكر إن المسافة بين القاهرة والرياض أو أبو ظبي مسافة جغرافية يبقى مش فاهم سياسة ولا فاهم تاريخ. أي تهديد لاستقرار الخليج هو طعنة في اقتصاد مصر وفي لقمة عيش المصريين، ومصر مش هتقف تتفرج على تهديد شريان حياتها.”
ومشيخة الأزهر تقول في بيان رسمي:
“يدين الأزهر الشريف بأشد العبارات الهجمات الإرهابية التي استهدفت المنشآت الحيوية والمدنية في دول الخليج الشقيقة، مؤكدًا تضامنه الكامل مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت في كل ما يتخذونه من إجراءات لحماية أمنهم واستقرارهم. ويشدد الأزهر على أن المساس بأمن الخليج هو مساس بالأمن القومي العربي والإسلامي، داعيًا المجتمع الدولي لاتخاذ موقف حازم لوقف هذه الاعتداءات التي تهدد السلم والأمن الإقليمي والدولي.”
وعزف الدكتور ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية بالأسكندرية، على الوتر نفسه بصبغة أصولية:
“ضرب الروافض لدول الخليج أمر يجب إدانته واستنكاره: خاصة بعد إعلان هذه الدول أنها لم تسمح باستعمال أراضيها ومجالها الجوي في أي اعتداء على إيران، ولكنها رغبة الشيعة في الانتقام من أهل السنة كما فعلوا حديثًا في العراق وأفغانستان، وقديمًا في معاونتهم التتار على اقتحام بغداد وقتل 1.8 مليون مسلم فيها؛ فلن ننسى تكفيرهم لأهل السنة واستباحة دمائهم وأعراضهم وأموالهم؛ فلا يجوز لمسلمٍ أن يفرح بقتل أو ترويع إخوانه المسلمين السُّنة بالأَوْلَى، وكذا تهديد بلادهم.”
حتى الإخوان المسلمين، بعد أن يؤيدوا حق إيران -التي ترعاهم- في الدفاع عن نفسها، لم ينسوا حق ممويلهم ورعاتهم الآخرين:
“ثالثا: إنه مع تأكيد حق إيران في الدفاع عن أرضها ومقدراتها ومصالح شعبها؛ فإننا نؤكد- هنا- على ضرورة الحرص على سلامة دول المنطقة التي رفضت بكل وضوح هذه الحرب، وبذلت جهودها المشكورة لمنع اندلاعها، أو الانجرار إلى أتونها؛ خاصة: دول الخليج العربي، والأردن، وسورية، والعراق، وتركيا، وغيرها من الدول الإسلامية. إننا نرفض تماما الاعتداءات على هذه الدول مهما كانت المبررات والأسباب الداعية لذلك.”
حريٌ بنا أن نفرح، فقد عاد زمن المعجزات بفضل الأموال الخليجية والأوامر الديكتاتورية، وعم التوافق والوئام كافة أطياف النخبة المصرية، التي توحدت … خلف المال الخليجي.
غير أن الجماهير المصرية تقف على النقيض تماما من بيانات دعم العصابات التي تحكم الخليج، ولا تجدي معها الدعوات الذليلة للحفاظ على كفيل لقمة العيش الخليجي، ولا ترهبها الدعاية الدينية لدعم أمراء النفط الرجعيين. إن ما تسمى النخبة المصرية لم تعد سوى مجموعة من المرتزقة تباع في سوق النخاسة الخليجية، فقد اشترى المال الخليجي ذمم المثقفين والإعلاميين والشيوخ، كما اشترى الشركات والأراضي، بأبخس الأثمان، برعاية الديكتاتورية العسكرية الحاكمة التي تحرس مصالح رأس المال المحلي والخليجي والأجنبي.
الموقف الشيوعي الثوري من الحرب
“مكتوب على شهود البلاد الممسوحين بأستيكة:
أنت حر ما لم تضر … أمريكا
-مصطفى إبراهيم، قصيدة البنكنوت“
إن موقف الشيوعيين الثوريين واضح: إننا نقف ضد الإمبريالية الأمريكية والإسرائيلية، ومع حق الشعب الإيراني في الدفاع عن نفسه. إن الإمبريالية الأمريكية هي القوة الأكثر رجعية ودموية في التاريخ، فقد حصدت أرواح الملايين، في أفغانستان والعراق وإيران وليبيا واليمن وأمريكا اللاتينية، بالتوازي مع دعمها اللامحدود للدولة الصهيونية، القوة الأكثر وحشية في المنطقة التي قتلت بدورها مئات الآلاف في فلسطين ولبنان وإيران وسوريا ومصر والأردن والعراق.
لا يمكن أن يأتي خير من هذه الأيدي التي عاثت فسادا واجراما، المسببة الرئيسية لكل الفوضى التي عانت منها شعوب وبلدان المنطقة، والتاريخ يثبت النتيجة الحتمية لأي عدوان إمبريالي، وليس علينا سوى أن ننظر إلى الدمار الذل حل بالشعوب الليبية والسورية والعراقية والأفغانية، حيث تحولت هذه البلدان الثرية إلى ساحات للاقتتال الطائفي والأصولية والخراب.

وهذا هو المصير الذي ينتظر إيران إن سقطت الدولة بأيدي الإمبريالية، ولكن بصورة أكثر وحشية، إذ ستغدو فوضى العراق الطائفة والداعشية نموذجا مصغرا لما سيحدث في إيران المهزومة. فتناقضات الانقسامات الدينية والطائفية والإثنية والقومية التي ظلت تحت السطح لعقود بفعل قمع الجمهورية الإسلامية ستنفجر دفعة واحدة محملة بمرارة الإذلال والهزيمة، لتدخل المنطقة في نفق مظلم من العنف تضاف فيه بقعة جديدة إلى رقعة الدول الفاشلة التي سادت فيها الهمجية فداء للهيمنة الإمبريالية الأمريكية والسيادة الإسرائيلية على المنطقة.
ولهذا، لا نملك ذرة تعاطف مع الممالك الخليجية التي تتعرض لقصف الصواريخ الإيرانية، فهذا ما جنته أيديها من عقود من الارتهان للإمبريالية الأمريكية. لقد صنعت الإمبريالية هذه الممالك المصطنعة في القرن العشرين بهدف تقسيم المنطقة وحولتها إلى أدوات في يديها، لتصبح ركيزة أساسية للهمينة على المنطقة عبر قواعدها العسكرية المنتشرة في كافة أرجاء جزيرة العرب.
إن هذه الممالك هي قلاع الرجعية العربية، فقد نشرت الأصولية الدينية والتخلف في المنطقة، ومولت الجماعات الإرهابية من تنظيم القاعدة في الجهاد الأفغاني خدمة لمصالح الولايات المتحدة، وصولا إلى الجماعات الجهادية والأصولية التي خربت الثورة السورية، والجماعات الإسلامية مثل الإخوان المسلمين في مصر، وغيرهم من القوى الرجعية. كما دعمت الأنظمة الاستبدادية لضرب ثورات المنطقة، مثل نظام أحمد الشرع في سوريا وعبد الفتاح السيسي في مصر.
وانطلاقا من هذه المعطيات، فإن انكسار هذا العدوان الإمبريالي يمثل السيناريو الأفضل حاليا. إذ سيمنع مزيدا من الفوضى، وسيكبل يد إسرائيل عن الاستفراد بالشعب الفلسطيني والهيمنة على المنطقة، ويفتح الباب لتشقق قاعدة دعم ترامب تحت وطأة التوابيت العائدة بالضحايا الأمريكان والمغامرة العسكرية الفاشلة التي تضر بالاقتصاد الأمريكي. كما سينكسر في إسرائيل وهم “الأمان الأبدي” القائم على سحق الآخرين، لتكون المرة الأولى التي تنهزم فيها واشنطن وتل أبيب هزيمة استراتيجية منذ عقود.
ولهذا كثيرا ما تُرسم تشابهات بين هذا المشهد والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، الذي كان من علامات أفول الإمبريالية البريطانية والفرنسية. ستكون هذه الهزيمة ضربة قاصمة لمكانة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي، ومكسب كبير لمنافسيها (الصين وروسيا)، وصافرة البداية للعديد من الأنظمة لتحدي الهيمنة الأمريكية في وقت تسعى فيه إدارة ترامب لإعادة بناء قوتها القديمة.
كما سينسحب التأثير على دول الخليج التي عاشت في كنف الحماية الأمريكية، واعتمدت على الاستقرار في تحقيق الطفرة الاقتصادية، إذ سيخلخل هذا موقعها باعتبارها ملاذا آمنا للأموال المودعة والاستثمارات. وسينفتح الباب لكثير من التغييرات في مستقبل هذه البلدان، التي تكبدت بالفعل خسائر اقتصادية كبيرة جراء القصف الإيراني الذي عطل تصدير النفط ومنع السياحة.
لكن هذا لا يعني أبدا أن انتصار إيران هو انتصار للجماهير. ففي نهاية المطاف، النظام الإيراني نظام رجعي، يتبنى سياسات رأسمالية ودينية يمينية قمعية. لقد عانت الجماهير الإيرانية أشد المعاناة طوال ما يقارب خمسين عاما من حكم الجمهورية الإسلامية، إذ أفقر الجماهير، وقمع العمال والنقابيين والشيوعيين والنساء، وقتل الآلاف منهم، ولا يمكن أن نمنح صكوك غفران لنظام قمعي مثل النظام الإيراني بحجة الحرب ضد إسرائيل وأمريكا.
فصحيح إننا ندعم حق الشعب الإيراني في الدفاع عن نفسه ونترقب انكسار الإمبريالية، لكن لا يجب أن نبالغ في هذا الصدد بتصوير نظام الملالي بوصفه نظاما تقدميا أو يمثل مصالح الجماهير أو يمثل النضال ضد الهيمنة الإمبريالية، فهذا ليس صحيحا على الإطلاق. فالواقع، إن انتصاره لن يحسن حياة الجماهير في إيران أو المنطقة بأي حال من الأحوال، غير أن هزيمته ستؤدي إلى اندلاع حرائق ستحرق الجميع، وأولهم الشعب الإيراني نفسه.
لو كنا في إيران لعارضنا العدوان الإمبريالي على بلادنا، دون انخداع بأوهام التحرير التي تبثها وسائل الإعلام البرجوازية، فشر العدوان والاحتلال أعظم بالتأكيد. ولكن معارضتنا لن تكون دعما للنظام، بل عبر دفع المقاومة العمالية والجماهيرية إلى الأمام، دافعين ومطالبين لتشكيل لجان الدفاع الذاتي والاستعداد للحرب البرية، وانتخاب مندوبين من المصانع والأحياء والجامعات والجيش، لتشكيل قيادة وطنية جماهيرية تقاوم العدوان، وتعبئ كافة الموارد الوطنية لخدمة الجماهير ونضالها ضد الإمبريالية والرأسمالية معا، مع إطلاق خطاب للطبقة العاملة في المنطقة والولايات المتحدة للوقوف في وجه العدوان الإمبريالي والتضامن مع الشعب الإيراني.
هذا هو السبيل الوحيد لمقاومة تقدمية حقيقية تقوم بالجماهير وتمثل مصالحهم، والضمانة الوحيدة ألا تذهب تضحيات الجماهير سدى لتُستغل في ترسيخ حكم رجعي يمثل مصالح الأقلية مثل حكم الملالي، وداعميه الإمبرياليين في روسيا والصين.
لا بديل عن إسقاط النظام الرأسمالي الهمجي
تُجبر الجماهير المصرية، وجماهير المنطقة والعالم، على دفع فاتورة أزمة لم تكن هي المسبب لها، إذ تسدد اليوم ثمن العدوان الإمبريالي على منطقتنا المنكوبة التي لطالما كانت ضحية لأطماع القوى الكبرى. وبينما تستغل الطبقات الرأسمالية السائدة ودولها الأوضاع لتشديد قبضة التقشف على الطبقة العاملة، نجد قيادات النقابات العملاء للنظام مع الإصلاحيين يلعبون دورهم المعهود في تكبيل أيدي العمال وشل حركتهم.
إن استمرار هذه الحرب يعني انزلاق حياة الجماهير نحو جحيم معيشي غير مسبوق، من اشتعال الأسعار إلى انفجار عجز الموازنة وتراكم الديون. وتشير التقارير إلى أن عجز الحساب الجاري لمصر قد يقفز من 15 مليار دولار (تقديرات ما قبل الحرب) إلى 24 مليارا في حال استمرار الصراع، ما يعني زيادة قدرها 9 مليارات دولار في فاتورة الاستيراد والالتزامات الخارجية.
كما ستتفاقم أزمة الطاقة لتضعنا أمام صيف شديد القسوة، تنقطع فيه الكهرباء لساعات أطول مما شهدناه العام قبل الماضي إذا لم يجد النظام حلا حقيقيا لهذا المأزق، فمن المشكوك فيه أن تجدي إجراءات النظام التقشفية نفعا في ظل اضطرابات. وبهذا فقد نجد أنفسنا أمام مزيج من قطع الكهرباء عن المنازل وإغلاق المحال التجارية مبكرا.
وقد تمتد أزمة الطاقة لتضرب القطاع الصناعي في مقتل، فبالفعل أوقفت الحكومة كل المشروعات الحكومية عالية الاستهلاك للطاقة، وإن امتد هذا لبقية القطاعات سنكون أمام زلزال اقتصادي يقضي على ما تبقى من آمال للنمو والاستقرار، إذ ستقل الإنتاجية وستزداد البطالة، في ظل ارتفاع مستمر للأسعار نتيجة الأزمة العالمية.
وإن أضفنا إلى ذلك ارتفاع البطالة نتيجة تسريح العمالة من القطاع التجاري، فإننا على أعتاب ركود تضخمي سيأكل الأخضر واليابس. وهذه ليست سوى البداية، إذ يبشرنا النظام عن طريق رئيس الوزراء بإجراءات أكثر صعوبة إن استمرت الحرب، وبالفعل بدأ الحديث عن موجة خصخصة جديدة، تضم عدة بنوك حكومية.
إن إجراءات النظام لا تفعل سوى تحميل الجماهير ثقل الأزمة أكثر فأكثر، بينما يزداد كبار الرأسماليين والمستوردين والتجار ثراء، ويفرضون شروطهم على الجماهير والنظام. فالنظام الديكتاتوري لا يملك سوى الجباية من جيوب الفقراء لمواجهة أزماته.
بعد كل موجات التقشف وربط الأحزمة وانهيار مستويات المعيشة بوعد جني الثمار في المستقبل، ووعود الرخاء والنمو وأن “مصر هتبقى قد الدنيا”، تأتي الأزمة الحالية لتفضح أوهام الاستقرار في ظل الرأسمالية والهيمنة الإمبريالية، فبعد أكثر من عقد على استتباب حكم الديكتاتورية العسكرية تُدفع الجماهير إلى درك جديد في بئر تقشف وإفقار لا قاع له.
خصوصا في ظل نظام رأسمالي عالمي يتجه نحو مستوى جديد للأزمة، فقد أصبح المحللين الاقتصاديين الجدين الآن لا يتحدثون عن ركود تضخمي (ركود اقتصادي مصحوب بتضخم)، بل عن احتمالية كساد تضخمي في حال استمرار الصراع في إيران فترة أطول، وهو تطور نوعي في الأزمة الرأسمالية.
إن منطقتنا تدخل نفقا مسدودا من العنف والهمجية، ولم يعد أمام الجماهير سوى العمل على إسقاط مصالح الإمبريالية في المنطقة، ومصالح الطبقات السائدة المحلية التي تقتات علينا، وتجبر الطبقة العاملة على دفع ثمن أزماتها، دون أن تنال ذرة من نعيم استقرارهم المزعوم.
إن المعركة ضد غلاء الأسعار وإظلام الشوارع هي في جوهرها معركة ضد التبعية للإمبريالية، فلا خبز ولا كرامة ولا سيادة وطنية في ظل نظام يرهن قرارنا ليد أعدائنا، ولا تحرر حقيقي إلا بكسر القيود الرأسمالية التي تربط لقمة عيشنا وأمننا بأطماع الإمبريالية وشركائها المحليين.
5 أبريل/نيسان 2026
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية