إن حصار النفط الذي فرضه ترامب في التاسع والعشرين من يناير يطبق خناقه ببطء وثبات على كوبا، التي تعتمد في إنتاج 60% من طاقتها على الواردات النفطية. وقد أقرت الحكومة الكوبية بوجود محادثات تجري مع الولايات المتحدة، بيد أنها محادثات تدور في ظل ظروف من الابتزاز الإمبريالي الصارخ. فكيف يمكن الدفاع عن الثورة الكوبية؟

حصار نفطي شامل
لم تتلق كوبا أي شحنات من النفط أو الوقود منذ التاسع من يناير، حين وصلت ناقلة نفط تابعة لشركة (PEMEX) إلى الجزيرة قادمة من المكسيك. وعقب ذلك، علقت الحكومة المكسيكية شحنات النفط كافة تحت وطأة ابتزاز دونالد ترامب، الذي هدد بفرض رسوم جمركية عقابية على أي بلد يبيع النفط لكوبا. ورغم صدور قرار من المحكمة العليا الأمريكية يقضي بعدم قانونية الحجة التي استند إليها ترامب في أمره التنفيذي، إلا أن المكسيك لم تستأنف شحنات النفط.
وحينما سُألت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم عن هذا الأمر صرحت بأنهم «يبحثون في مخططات مختلفة، وسنوافيكم بالتقارير». والواقع أن المكسيك، التي غدت أكبر مصدر للنفط لكوبا، قد خضعت للابتزاز الأمريكي وقطعت إمدادات النفط تماما. وصحيح أن الحكومة المكسيكية أرسلت مساعدات إنسانية تشتد الحاجة إليها، إلا أنها آثرت الامتثال لمطالب ترامب في المسألة الجوهرية المتعلقة بالنفط.
وبعد الهجوم الإمبريالي الأمريكي على فنزويلا في الثالث من يناير، قطعت فنزويلا – التي كانت ثاني أكبر مورد لكوبا – شحنات النفط أيضا. مما وضع روسيا في واجهة الموردين الوحيدين المتبقين. وقد أصدرت الحكومة الروسية تصريحات علنية قوية تدعم كوبا وترفض حصار النفط الأمريكي، غير أنه لم يصل النفط الروسي إلى كوبا حتى الآن.
وفي مستهل شهر فبراير، شُحنت الناقلة (Sea Horse) بـ200 ألف برميل من الوقود الروسي من سواحل قبرص واتجهت نحو كوبا. بيد أنه في الرابع والعشرين من فبراير، توقفت السفينة على بُعد 1,300 ميل من كوبا وبدأت في الإبحار شمال المحيط الأطلسي دون وجهة محددة. وبعد أيام قلائل، وتحديدا في السابع عشر من مارس، أفادت التقارير بأنها سلكت مسارها نحو كوبا مجددا، وكان من المقرر وصولها في الرابع والعشرين من مارس.
جاء ذلك في سياق رفع الولايات المتحدة العقوبات عن النفط الروسي، في محاولة منها للسيطرة على الارتفاع المتسارع لأسعار النفط الناجم عن حرب ترامب على إيران. ومع ذلك، وبحلول العشرين من مارس، ذكرت وكالة رويترز أن الناقلة (Sea Horse) قد غيرت مسارها وأصبحت وجهتها الآن ترينيداد وتوباغو، ولم يتضح ما إذا كان هذا مجرد خدعة للإفلات من الحصار.
وعلى صعيد منفصل، أُفيد في الثامن عشر من مارس بأن الناقلة الروسية (Anatoly Klodniko) قد اتجهت نحو ميناء ماتانزاس الكوبي، محملة بـ730 ألف برميل من خام الأورال. وتخضع هذه الناقلة للعقوبات الأمريكية، لذا ليس من الواضح ما إذا كانت البحرية الأمريكية وخفر السواحل سيعترضون طريقها، خاصة وأنهم يقومون بدوريات نشطة في منطقة الكاريبي، وقد صادروا بالفعل عدة ناقلات حاولت التهرب من العقوبات الأمريكية على فنزويلا.
علاوة على ذلك، أصدرت وكالة العقوبات الأمريكية (OFAC)، في التاسع عشر من مارس، تعديلا على الرخصة العامة رقم 134 الصادرة في الثاني عشر من مارس، لاستثناء كوبا من شراء النفط الروسي رغم رفع العقوبات. ومن الجلي أن الرجل القابع في البيت الأبيض عازم بكل قوة على إنفاذ هذا الحصار النفطي الإجرامي على كوبا.
ماذا يريد ترامب وروبيو؟
تصاعدت حدة الخطاب العدائي الصادر عن الولايات المتحدة ضد كوبا في الأيام القليلة الماضية. إذ صرح دونالد ترامب مرارا برغبته في «الاستيلاء عليها، بطريقة أو بأخرى». وألمح إلى «استيلاء سلمي»، دون أن يستبعد اللجوء لوسائل أخرى. من جانبه، شدد ماركو روبيو على أن الاقتصاد الكوبي يمر بضائقة شديدة – متناسيا عن عمد دور الحصار الأمريكي في تدميره! – وأضاف أن القيادة لا تعرف كيفية التعامل مع الأزمة، وعليها التنحي.
وأعلن ترامب بأسلوبه المعهود – الذي يمزج بين الغطرسة الجاهلة الفجة واستهتار أباطرة العقارات بالدبلوماسية -: «أعني، سواء قمت بتحريرها أو الاستيلاء عليها، أعتقد أنني أستطيع فعل أي شيء أريده بها، إذا أردتم معرفة الحقيقة. إنهم أمة ضعيفة للغاية الآن».

وذكرت عدة وسائل إعلام أمريكية أن المحورين الرئيسيين للمطالب المفروضة على كوبا هما «إصلاحات اقتصادية» واسعة النطاق (والمقصود بها: استعادة الرأسمالية بشكل كامل)، وإزاحة الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل (وهي خطوة تعني بوضوح رضوخ كوبا واستسلامها). وسيكون ذلك نسخة مما فعلته الولايات المتحدة في فنزويلا، حيث اقترنت السيطرة الأمريكية على موارد النفط والمعادن في البلاد بإزاحة الرئيس مادورو عبر تدخل عسكري.
إن إزاحة ميغيل دياز كانيل هي الغنيمة التي يحتاجها ترامب ليظهرها كعلامة على تحقيقه النصر. ويتمثل الهدف الجوهري في تحويل كوبا إلى شبه مستعمرة تابعة للولايات المتحدة، وإزالة أي أثر للنفوذ الصيني والروسي، وفتح البلاد أمام الشركات الأمريكية.
ومن الجلي أن الولايات المتحدة ستطالب أيضا بسلسلة كاملة من التنازلات الأخرى (إطلاق سراح السجناء، وإجراء انتخابات برجوازية لاحقا، وغير ذلك)، لكن هدفهم الرئيسي هو استعادة الرأسمالية، ويريدون تحقيق ذلك – إن أمكن – دون حدوث اضطرابات اجتماعية قد تؤدي إلى موجة هجرة نحو الولايات المتحدة.
ويصف مسؤولون استشارتهم صحيفة (The Atlantic) الوضع كالتالي: «هناك مليارات الدولارات يمكن جنيها هناك». ووفقا لهم، فإن نهج ترامب هو: «نحن نسيطر على نصف كرتنا الأرضية، ونملك القدرة على فعل ذلك. نريد إخراج هذه الأنظمة المعادية من منطقتنا، وسوف نؤسس مجتمع الأعمال، لأننا لا نؤمن بالدبلوماسية».
بيد أن إدارة ترامب مضطرة أيضا للتعامل مع المجتمع الكوبي-الأمريكي الرجعي في فلوريدا، الذي لن يكتفي بإزاحة دياز كانيل، فهم يريدون الانتقام من الثورة الكوبية واستعادة الممتلكات التي صودرت من آبائهم. وتود هذه الفئة المسعورة والمناهضة للشيوعية رؤية الإطاحة الكاملة بالثورة وتدمير الدولة، ووضع حد لـ«الشيوعية» كما يتصورونها.
وكما هو حال مؤيدي ماريا كورينا ماتشادو في فنزويلا، لن يرضى هؤلاء إذا عقد ترامب صفقة مع جناح من القيادة. والكوبيون-الأمريكيون الرجعيون يمتلكون نفوذا في السياسة الأمريكية يفوق بكثير نفوذ نظرائهم الفنزويليين.
وأورد تقرير في صحيفة نيويورك تايمز في السادس عشر من مارس أن «إدارة ترامب تسعى لاسقاط الرئيس ميغيل دياز كانيل»، لكنها لم تكن «تضغط لاتخاذ أي إجراء ضد أفراد عائلة كاسترو، الذين لا يزالون يمسكون بزمام السلطة في البلاد». ووفقا لهذا التقرير، تركز الولايات المتحدة على «جعل كوبا تفتح اقتصادها تدريجيا لرجال الأعمال والشركات الأمريكية – مما يمهد الطريق لدولة تابعة – مع تحقيق بعض المكاسب السياسية الرمزية ليعلن عنها السيد ترامب».
وقد أثار هذا التقرير حنق الكثير من الديدان في فلوريدا – الذين يتوقون لسفك الدماء -، ومن المرجح أن رد الفعل العنيف هذا هو ما دفع ماركو روبيو لرفض التقرير علانية، واصفا مصادر نيويورك تايمز بأنهم «دجالون وكذابون».
وكان تقرير يسير في الاتجاه ذاته قد نُشر قبل أيام قليلة في صحيفة (USA Today). إذ جاء في المقال أن «الاتفاق قد يتضمن تخفيف القيود على قدرة الأمريكيين على السفر إلى هافانا»، وأن «المناقشات شملت مخرجا للرئيس ميغيل دياز كانيل، مع بقاء عائلة كاسترو في الجزيرة، وعقد صفقات بشأن الموانئ والطاقة والسياحة».
ما هو الرد الكوبي؟
بعد أسابيع من نفي وجود محادثات، أقر الرئيس الكوبي دياز كانيل أخيرا بحدوثها في وقت مبكر من صباح الثالث عشر من مارس. وقد حضر المؤتمر الصحفي أعضاء القيادة العليا للحزب الشيوعي والدولة (المكتب السياسي وأمانة اللجنة المركزية للحزب واللجنة التنفيذية لمجلس الوزراء).
وكان لافتا حضور حفيد راؤول كاسترو، راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، الذي تردد اسمه لأسابيع في تقارير حول محادثات مع مسؤولين أمريكيين، رغم عدم شغله أي منصب قيادي رسمي في الحكومة الكوبية أو الحزب الشيوعي.
أشار دياز كانيل في بيانه إلى سبل “تحديد المعضلات الثنائية التي تستوجب حلا”، واستجلاء “عزم الطرفين على بلورة إجراءات تخدم مصلحة شعبي البلدين”، فضلا عن حصر “آفاق التعاون الرامية لدرء المخاطر وصون أمن الأمتين وسلامهما.”

وشدد على أن الجانب الكوبي أعرب في المحادثات عن إرادته «في المضي قدما بهذه العملية على أساس المساواة واحترام الأنظمة السياسية لكلا الدولتين، واحترام سيادة حكومتنا وحقها في تقرير المصير».
ومع أنها كلمات منمقة، إلا أنه في الواقع لا يمكن إجراء محادثات على أساس المنفعة المتبادلة والتعاون والاحترام بينما تصوب الإمبريالية الأمريكية مسدسا نحو رأس الثورة الكوبية، أو بدقة أكثر، بينما قد لفت حبل المشنقة حول عنقها وتشدد الخناق يوما بعد يوم!
وبعد وقت قصير من المؤتمر الصحفي لدياز كانيل، أعلنت وزارة التجارة الخارجية عن إجراءات اقتصادية تسمح للكوبيين الأمريكيين وغيرهم من مواطني الولايات المتحدة بالاستثمار المباشر في كوبا (حيث كان عليهم في السابق القيام بذلك عبر شركات مقرها كوبا). ولن يقتصر استثمارهم على المشروعات الصغيرة فحسب، بل سيمتد لقطاعات مثل البنية التحتية، مع منحهم حق الوصول إلى النظام المصرفي الكوبي. والوزير المسؤول عن ذلك هو أوسكار بيريز أوليفا فراغا، الذي يشغل أيضا منصب نائب رئيس الوزراء، وهو أحد الشخصيات التي تسعى الآلة الدعائية في الصحافة الرأسمالية الأمريكية لتصويره بوصفه «ديلسي كوبا»، أي الشخص الذي سيكون تابعا للإمبريالية الأمريكية بمجرد إزاحة القاعد الأعلى.
وسارع ماركو روبيو إلى التقليل من شأن هذا الإعلان واصفا إياه بـ«غير الكافي»:
«تمتلك كوبا اقتصادا مختلا ونظاما سياسيا وحكوميا لم يتمكنوا من إصلاحه. وبناء عليه، يتعين عليهم إجراء تغييرات جذرية. وما أعلنوا عنه بالأمس ليس جذريا بما يكفي، ولن يحل المشكلة. لذا، أمامهم قرارات هامة ليتخذوها.»
من الواضح أن الإمبريالية الأمريكية تشعر بامتلاكها أوراق الضغط اللازمة للمطالبة بخطوات جوهرية وسريعة نحو استعادة الرأسمالية بشكل كامل تحت هيمنة واشنطن. ويبدو ميزان القوى، في ظاهره، غير مواتٍ بالمرة للثورة الكوبية.
وبينما يمثل حظر النفط الآن الأداة الرئيسية للابتزاز الإمبريالي، تُعد الولايات المتحدة أيضا لوائح اتهام قانونية ضد القيادة السياسية والعسكرية في كوبا، بمن فيهم راؤول كاسترو البالغ من العمر 95 عاما. وينسق المدعي العام لولاية جنوب فلوريدا بالفعل جهد مشترك بين عدة وكالات لصياغة تبرير قانوني لهجوم أمريكي على كوبا. وهذا هو الأسلوب ذاته الذي استُخدم في فنزويلا، حيث اتُهم مادورو بأنه زعيم كارتل الشمس المزعوم، لتُسقط هذه التهمة الملفقة بمجرد احتجازه في الولايات المتحدة.
كيف يمكن الدفاع عن الثورة الكوبية؟
مثّل هجوم الثالث من يناير على فنزويلا صدمة للقيادة والشعب في كوبا لأسباب عدة. أولها أنه أثبت أن الولايات المتحدة لن تكتفي بالترهيب الاقتصادي والدبلوماسي، ولن تتوانى عن التدخل العسكري المباشر، وأنها تملك من الوسائل العسكرية والتقنية الهائلة ما يمكنها من تنفيذ ذلك متى قررت.
وثانيها يكمن في الطريقة التي أبدت بها القيادة السياسية والعسكرية الفنزويلية – التي كانت مقربة جدا من كوبا – مقاومة هزيلة، وأظهرت رغبة في الرضوخ للإمبريالية الأمريكية في أعقاب الهجوم.
وثالثها هو الكلفة البشرية الباهظة التي تحملها الكوبيون بشكل غير متناسب، إذ قُتل 32 من أفراد جيشهم أثناء دفاعهم عن مادورو في مواجهة مباشرة مع القوات الأمريكية. وقد استُقبلت جثامين هؤلاء الجنود في الجزيرة بإعلان الحداد الوطني لثلاثة أيام وسط فيض عارم من المشاعر الشعبية.
وأخيرا، كشفت السرعة التي أخضعت بها الولايات المتحدة فنزويلا أن روسيا والصين، وأيا من “الحكومات التقدمية” المزعومة في أمريكا اللاتينية، لم تكن قادرة أو مستعدة للمساعدة في الدفاع عن كاراكاس في ساعة العسرة، بل اكتفوا بإصدار بيانات إدانة شديدة اللهجة.

وفي الأسابيع الأخيرة، تحدثت مع العديد من الرفاق الكوبيين، وكانت الفكرة التي شاطرني إياها كثيرون هي: «إذا أقدموا على غزو عسكري، فسنقاوم، رغم أن مواردنا التقنية أدنى بكثير. لن يكون الأمر كما حدث في فنزويلا».
وقد أعلن سيلفيو رودريغيز، وهو أحد أشهر المغنين والملحنين في كوبا: «أطالب ببندقيتي من طراز (AKM)، إذا ما شنوا هجوما. وليعلم الجميع أنني أعني ما أقول». وفي اليوم التالي، تسلم بندقية هجومية من القوات المسلحة الكوبية في مراسم علنية. وتُجسد لفتة سيلفيو هذه مزاجا متجذرا من مناهضة الإمبريالية والفخر الوطني في كوبا، وهو شعور يشاركه فيه كثيرون ممن ينتقدون البيروقراطية وأساليبها وعملية استعادة الرأسمالية المتنامية.
بيد أن الرفاق الذين تحدثت إليهم أضافوا أيضا: «لكن إذا جاؤوا بمقترح مفاده “نرفع الحصار مقابل تنفيذ إصلاحات اقتصادية”، فإن القيادة ستوافق، بل إن أغلبية الشعب ستؤيد ذلك، وإن كان يعني استعادة الرأسمالية».
وكان تفسيرهم لي هو: «لقد نال التعب من الناس واستنزفهم، والوضع الحالي لم يعد يحتمل، إذ يضطرون للطهي باستخدام الفحم، ولا يحصلون إلا على أربع ساعات من الكهرباء كل 48 ساعة… فكيف سنقاوم؟ وما هو البديل؟». وأخبروني أن «كثيرين يفكرون بمنطق أن “أي شيء سيكون أفضل مما نحن فيه الآن”».
وهذا عامل جوهري يجب وضعه في الحسبان. فلم يعد لدى قطاع عريض جدا من السكان ذرة من الثقة في القيادة، والسبب في ذلك تحديدا هو فشل كل ما أقدمت عليه تلك القيادة من خطوات.
تبعات الإصلاحات الموالية للرأسمالية…
ولبرهنة ذلك، يمكننا العودة إلى المبادئ التوجيهية الاقتصادية لعام 2011، التي أثارت نقاشا واسع النطاق. إذ كان المقترح يرمي إلى تقديم تنازلات للسوق بغية «تحرير القوى المنتجة»، بيد أن شيئا جوهريا لم يتغير.
وعلى الرغم من أن إعادة أوباما للعلاقات الدبلوماسية في عام 2014 منحت بصيصا من الأمل في تحسن الأوضاع، إلا أن قدوم ترامب وما تلاه من تشديد وحشي للحصار أجهض ذلك الأمل. وأعقب ذلك الضربة الموجعة التي وجهتها جائحة كوفيد-19، والتي خلفت أثرا اقتصاديا هائلا بقطعها أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة في البلاد، وهو قطاع السياحة، تزامنا مع زيادة النفقات.
تلا ذلك قرار توحيد العملة في عام 2020، الذي تسبب في انخفاض أكبر للقوة الشرائية وتفاقم التفاوت الاجتماعي.
وعندما تسلم دياز كانيل السلطة كان يحظى بقدر من الرصيد السياسي، إذ كان يُنظر إليه بصفته شخصا قريبا من الشعب ومتواضعا، إلا أنه فقد ذلك الرصيد بمرور الوقت.
لقد راهنت القيادة الكوبية، لا سيما في الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، بكل شيء على «الإصلاحات الاقتصادية» التي كان من المفترض أن «تحرر القوى المنتجة». وبعبارة أخرى، سلكت مسار استعادة الرأسمالية تدريجيا، متبعة النموذج الصيني (أو الفيتنامي). ولم تُطرح الإصلاحات الموالية للرأسمالية بوصفها تنازلات ضرورية في مواجهة التطويق الرأسمالي، بل وُصفت بأنها مخرج تقدمي من الأزمة التي تواجهها الثورة، وسادت فكرة مفادها أن تخطيط الدولة هو مكمن الخلل، وأن الحل يكمن في السوق التنافسي والمشروعات الخاصة.
…وسياسة خارجية قائمة على التوازنات الجيوسياسية
على الصعيد العالمي، ارتكزت سياسة القيادة الكوبية على دعم «الحكومات التقدمية» والدعوة إلى «تعددية الأقطاب» سبيلا للمضي قدما. وكان المحور المركزي هو النضال «ضد النيوليبرالية» (لا الرأسمالية)، مع تبني فكرة أن التحالف مع روسيا والصين والانضمام إلى البريكس سيتيح لكوبا كسر عزلتها. أما نداء «خلق فتنامين وثلاثة، بل فيتنامات كثيرة»، الذي أطلقه تشي جيفارا عام 1966 فقد أضحى مجرد ذكرى بعيدة.

ولم تعد الثورة العالمية جزء من النقاش أصلا. بل والأسوأ من ذلك، أنه حين لاحت الفرصة في فنزويلا إبان الثورة البوليفارية كانت نصيحة القيادة الكوبية: «لا تنسخوا نموذجنا، فلكل ثورة مسارها الخاص». وتحت ذريعة «نحن لا نصدر الثورة» لم تتم مشاركة دروس الثورة الكوبية – التي تؤكد أن المهام الديمقراطية الوطنية والإصلاح الزراعي والسيادة الوطنية لا تتحقق إلا بإسقاط الرأسمالية -، بل إن القيادة الكوبية أخفت تلك الدروس وحرضت ضدها.
لقد ذهب أورلاندو بوريغو، الذي كان يتمتع بسلطة سياسية هائلة وعمل مع تشي جيفارا، إلى فنزويلا ليلقي محاضرات على العمال قائلا إن «الإدارة العمالية المشتركة» [وهي شكل من أشكال الرقابة والإدارة العمالية] تعد «ثورة مضادة» ويجب التخلي عنها.
وماذا كانت النتيجة؟ إن الثورة البوليفارية، التي مثلت شريان حياة اقتصاديا وسياسيا بالدرجة الأولى (إذ لم تعد كوبا وحيدة)، لم تكتمل بمصادرة الرأسمالية، ومن ثم فشلت وانحرفت حتما. وكانت الخاتمة النهائية للسيرورة الترميدورية المضادة للثورة تلك هي أحداث الثالث من يناير 2026.
إن فكرة عدم وجوب تعلم فنزويلا من دروس الثورة الكوبية أدت مباشرة إلى تزايد عزلتها.
ومع انهيار أسعار السلع الأساسية بعد عام 2014 سقطت الحكومات الإصلاحية في أمريكا اللاتينية أيضا، أما تلك الموجودة اليوم فهي أجبن من أن تجرؤ على الدفاع عن كوبا. فالمكسيك وكولومبيا والبرازيل كلها بلدان منتجة للنفط، ومع ذلك لم تحرك ساكنا لإمداد كوبا بالوقود في مواجهة التهديدات الأمريكية. أما روسيا والصين فتكتفيان بإصدار البيانات، وعند الشدائد لن تدافعان عن الثورة الكوبية بل عن مصالحهما الرأسمالية الخاصة.
حتى دعمهما لكوبا مشروط. فقبل عامين توجه ممثلو معهد ستوليبين الروسي إلى هافانا للدفع بمزيد من الخطوات نحو الرأسمالية. إن الصين وروسيا دولتان رأسماليتان، ورغم اهتمامهما بإقامة روابط مع دولة تبعد 90 ميلا فقط عن منافسهما الرئيسي، إلا أن مصلحتهما بالتأكيد لا تكمن في الدفاع عن الثورة الكوبية.
إن هذه السياسة الاقتصادية القائمة على تقديم تنازلات متزايدة للسوق، وهذه السياسة الخارجية الداعمة للإصلاحية والقائمة على التوازنات الجيوسياسية، يتفاقم أثرهما بفعل العبء الثقيل للبيروقراطية. كما أن القمع الصريح أو المستتر للفكر النقدي يؤدي إلى عزل العناصر الأكثر حيوية وثورية في المجتمع، لا سيما بين الشباب الباحثين عن مسار بديل يساريا.
لقد تضافرت هذه العوامل كافة (الحصار الاقتصادي الوحشي والمطبق والعدوان الإمبريالي وسياسات استعادة الرأسمالية وتداعيات جائحة كوفيد-19) لتخلق حالة عامة من اليأس والإحباط. وقد هاجر أكثر من مليون كوبي، معظمهم من جيل الشباب، بينما يعاني الاقتصاد من الركود منذ عام 2022.
وتستمر هذه السياسات حتى في خضم هجوم ترامب. ففي مطلع مارس، لم يُجدد عقد أستاذ للهندسة المعمارية في جامعة هافانا التكنولوجية (CUJAE) بسبب انتقاده لسياسات البيروقراطية على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي الوقت ذاته، أعلنت الحكومة الكوبية لتوها عن فتح قطاع رعاية المسنين أمام القطاع الخاص.
لقد تآكلت المكتسبات المادية التي حققتها الثورة في مجالات التعليم والرعاية الصحية والإسكان تآكلا شديدا، وفي الوقت ذاته بدأت تظهر آفات الرأسمالية متمثلة في تزايد التمايز الاجتماعي.
أما الجيل الذي قاد الثورة عام 1959 فقد اختفى تماما تقريبا، ولم يرث أبناء تلك القيادة وأحفادهم أيا من خصالهم. إذ انخرط الكثير منهم في المشروعات الخاصة، بل ووصل الأمر بأسوأهم حد التباهي الفج بما اكتسبوه حديثا من ثروات وامتيازات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إن الكثير من هؤلاء – كما أوضح تروتسكي في كتابه «الثورة المغدورة» – يفكرون في كيفية التحول من موظفين ومديرين لقطاعات الاقتصاد المملوكة للدولة، إلى ملاك رأسماليين لتلك المشروعات ذاتها.
مهام الشيوعيين الثوريين
إن الخطر الذي يواجه الثورة الكوبية جسيم ووشيك، وواجبنا بصفتنا شيوعيين ثوريين حول العالم هو الدفاع عن كوبا. فنحن لا ندافع فحسب عن دولة صغيرة ذات سيادة ضد العدوان الإجرامي لأكثر القوى الإمبريالية غطرسة ورجعية في العالم، بل ندافع أيضا عن بلد قضى على الرأسمالية. ورغم أن الاقتصاد المخطط قد أُنهك بشدة – بفعل الحصار الأمريكي والبيروقراطية والإصلاحات الموالية للسوق- إلا أنه لا يزال قائما.
إن استعادة الرأسمالية في كوبا تعني إخضاعا وحشيا للبلاد للإمبريالية الأمريكية، وعودة إلى حقبة تعديل بلات (Platt Amendment) – الذي كرس هيمنة الولايات المتحدة على الجزيرة -، وانهيارا هائلا في مستويات معيشة غالبية الكوبيين، في حين ستتركز الثروة في أيدي أقلية صغيرة.
يتحتم علينا تعبئة الحركة العمالية العالمية ضد حصار النفط الذي فرضه ترامب، بكل ما لدينا من قوة.
وفي الوقت ذاته، من الأهمية بمكان مناقشة كيف وصلنا إلى هذه النقطة.
إن تاريخ الثورة الكوبية بأكمله يثبت استحالة بناء الاشتراكية في بلد واحد. فكوبا لم تتمكن من الحصول على متنفس إلا في الفترات التي ارتبطت فيها بالاتحاد السوفيتي (رغم الأثر السياسي السلبي الذي خلفه ذلك في عملية البقرطة)، ثم بالثورة البوليفارية لاحقا.
إن سياسة إصلاحات السوق الرأسمالية والإدارة البيروقراطية في الداخل، مقترنة بالسياسة القائمة على التوازنات الجيوسياسية و«تعددية الأقطاب» في السياسة الخارجية، هي سياسات ضارة وتساهم في تدمير الثورة الكوبية، ليست فقط غير مفيدة. ويجب التصدي لها عبر النضال من أجل أوسع أشكال الرقابة العمالية والديمقراطية على المستويات كافة، في الدولة والاقتصاد على حد سواء. فضلا عن انتهاج سياسة أممية بروليتارية حقيقية، والنضال من أجل الثورة العالمية.
من جانبنا، نحن الشيوعيين الثوريين خارج كوبا، سنقدم آراءنا الرفاقية في هذا النقاش الضروري الجاري بالفعل.
إن مهمتنا المركزية هي تسريع بناء الأداة الثورية التي يمكنها إيصال طبقتنا إلى السلطة، في هذا البلد أو ذاك. لأن السبيل الوحيد الفعال للدفاع عن الثورة الكوبية في نهاية المطاف هو… الثورة العالمية.
24 مارس/آذار 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
The Cuban Revolution is facing its most dangerous period ever
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية