كانت الثورة البوليفارية في فنزويلا نقطة تحول تاريخية في مسار الصراع الطبقي، إذ مثلت شعاع نور في تلك السنوات المظلمة التي تلت انهيار الستالينية. فقد أعادت تلك الثورة الاعتبار لمناهضة الرأسمالية والإمبريالية، وبثت الروح في الفكر الاشتراكي، قبل وقت طويل من أزمة عام 2008 وحركات «احتلوا» (Occupy) و«حياة السود مهمة» (BLM)، وقبل صعود ساندرز أو ممداني.

جسد هوغو شافيز الثورة، وعبر عن تطلعات جماهير الفقراء في جميع أنحاء العالم، حتى غدا احتمال قيام ثورة اشتراكية إقليمية أمرا جليا. ولو قُدر لها النجاح لصار كوكبنا مكانا مختلفا تماما عما هو عليه الآن. فبدلا من فرار مئات الآلاف من اللاجئين الفنزويليين اليائسين نحو الولايات المتحدة كانت الثورة الاشتراكية ستنتشر كالنار في الهشيم عابرة الحدود.
إن الأوضاع المأساوية وتصاعد الغطرسة الإمبريالية التي يعاني منها الفنزويليون اليوم ليست إلا نتيجة مباشرة لإخفاق الثورة. وتلك هي إحدى سنن التاريخ: إن ثمن عدم استكمال الثورة الاشتراكية هو الارتداد والثورة المضادة.
ومما يثير العجب أن كثيرين ممن يطلقون على أنفسهم ماركسيين يزعمون أنها لم تكن ثورة من الأساس. بيد أن أي شخص شاهد فيلم «الثورة لن تُبث تلفزيونيا» (The Revolution Will Not Be Televised) سيلحظ بلا ريب روح التضحية والسمو المعنوي التي ابدتها أكثر فئات المجتمع الفنزويلي تواضعا. وهذا هو المشهد بعينه حين تدخل الجماهير مسرح التاريخ لتنتزع مصيرها بأيديها وتبلغ عنان السماء.
ثورة لم تكتمل
ظلت الثورة الفنزويلية، لأكثر من عقد من الزمان، تقف عند مفترق طرق. لكن في نهاية المطاف، وتحت وطأة الضرورة الحتمية، تحول الكم إلى كيف، وأُغلق طريق الثورة، في الوقت الراهن على الأقل.
وهذا يمثل تذكيرا صارخا بأن الفرص الثورية لا تدوم للأبد، مهما بلغت استثنائية الظروف. إذ لا يوجد طريق ثالث بين الاشتراكية والرأسمالية، ولا يمكن للمرء أن يقوم بنصف ثورة. وكما أوضح البيان الشيوعي: «لا يمكن للطبقة العاملة ببساطة أن تضع يدها على آلة الدولة الجاهزة، وتسخرها لخدمة أغراضها الخاصة»، وبالمثل لا يمكنها أيضا أن تضع يدها ببساطة على الاقتصاد الرأسمالي القائم.
ومن المؤسف أن هذا هو ما حاول شافيز وأقرب معاونيه فعله. فعلى الرغم من المجهودات البطولية للجماهير، ظلت المهام الرئيسية للثورة معلقة، وأبرزها: إقامة دولة عمالية ديمقراطية ومصادرة البنوك والمصانع والملكيات الزراعية الكبرى، سواء كانت أجنبية أم محلية.
إن الهدف المعلن للإمبريالية الأمريكية هو الاستيلاء على النفط الفنزويلي، الذي يمثل أضخم احتياطي مؤكد في العالم. كما تسعى واشنطن إلى تلقين الجماهير الفنزويلية «درسا» لمعرفة من هو السيد، مع توجيه ضربة متزامنة لكوبا واليسار اللاتيني بصورة أوسع. وفوق هذا كله، يهدف هذا التوجه إلى التصدي للنفوذ الصيني والروسي المتنامي بوتيرة متسارعة، في وقت تهدد فيه مجموعة البريكس الهيمنة الأمريكية في نصف كرتها الأرضية.

يأمل الإمبرياليون أن يؤدي تصعيد الضغط العسكري وتخريب الاقتصاد – الذي أضعفته العقوبات أصلا – إلى انهيار الحكومة على غرار ما حدث في سوريا. بيد أن فنزويلا ليست معزولة كما كانت في الماضي، فقد استعدت لأكثر من عقدين من الزمان لخوض حرب غير متكافئة ضد أي هجوم إمبريالي. ومع أنها تفتقر بوضوح للتكافؤ في مواجهة مباشرة، إلا أنها قد تكون قادرة تماما على تدمير سفينة أو طائرة أو اثنتين، وربما أكثر من ذلك بكثير. وبعد تجارب فيتنام والعراق وأفغانستان، بات لدى الجمهور الأمريكي حساسية عالية للغاية تجاه وقوع خسائر بشرية، لا سيما إذا نتجت عن حرب غير مبررة قد تشعل أزمة لاجئين أكثر يأسا.
وحتى اللحظة، اتسمت «عملية الرمح الجنوبي» ببداية متعثرة، ضمن محاولة ترامب الواضحة للتمركز في نصف الكرة الغربي. فقد أدان كبير المحامين في القيادة الجنوبية للجيش الأمريكي ضربات «النقر المزدوج» التي استهدفت قوارب يُزعم أنها تهرب المخدرات ووصفها بأنها غير قانونية، كما استقال قائد القيادة الجنوبية احتجاجا على عمليات القتل هذه التي تمت خارج إطار القانون. ويواجه هيغسيث وترامب الآن اتهامات علنية بارتكاب جرائم حرب. وعلاوة على ذلك، فإن إنفاق مليارات الدولارات لإرسال 20% من القوات البحرية الأمريكية لاستعراض القوة أمام فنزويلا ليس هو بالضبط ما كان يدور في خلد ناخبي حركة «ماجا» حين وعدوا بسياسة «أمريكا أولا».
ومع نسبة تأييد للتدخل العسكري 15% فقط في كل من الولايات المتحدة وفنزويلا، فإن أي هجوم قد يأتي بنتائج عكسية وخيمة، وقد ينتهي الأمر بالأمريكيين بمواجهة دولة فاشلة على طراز ليبيا في محيطهم القريب، أو قد يؤدي ذلك إلى إحياء الثورة في القارة بأكملها، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها. ورغم الضغوط المستمرة من المحافظين الجدد لشن الهجوم، فإن كل هذه المعطيات تدفع ترامب بلا شك للتريث والتفكير. ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن نستبعد وقوع هجوم تحت راية زائفة في محاولة لحشد الأمريكيين خلف فكرة الإطاحة بمادورو، على غرار حادثة بيرل هاربور أو خليج تونكين.
كاراكازو
نالت فنزويلا استقلالها عام 1821، بعد قرون من الحكم الإسباني، إثر حرب ثورية طويلة قادها سيمون بوليفار. بيد أن البلاد ظلت متخلفة اقتصاديا وتفتقر للديمقراطية وترزح تحت وطأة التبعية. ومع اكتشاف النفط عام 1914، تسارع التغلغل الإمبريالي في مفاصل الاقتصاد. إذ منح ديكتاتور البلاد آنذاك امتيازات سخية لشركات النفط الأجنبية، وتعاقبت زمر عسكرية على حكم فنزويلا حتى عام 1958، حين أطاحت انتفاضة شعبية عارمة بنظام ماركوس بيريز خيمينيز القمعي.
حلت محل الحكم العسكري المباشر فترة من الديمقراطية الشكلية المحدودة، عُرفت باتفاق بونتو فيخو. وهو اتفاق لتقاسم السلطة بين الحزبين البرجوازيين الرئيسيين: حزب العمل الديمقراطي (AD) ولجنة التنظيم السياسي الانتخابي المستقلة (COPEI). فتشكلت بذلك أوليغارشية ثنائية الحزب تشبه حال الجمهوريين والديمقراطيين.
وفي عام 1976، إبان أزمة النفط العالمية، قام الرئيس كارلوس أندريس بيريز بتأميم قطاع النفط وتأسيس شركة النفط الفنزويلية (PDVSA)، ومع أنها كانت شركة حكومية في الظاهر إلا أن نخبة تكنوقراطية هيمنت عليها، وظلت الشركات الأجنبية تحتفظ بنفوذ ملموس فيها. وبعد عقد آخر من الفساد والأزمات تهيأ المسرح لاندلاع مجزرة كاراكازو.
بحلول عام 1989، أُعيد انتخاب كارلوس أندريس بيريز رئيسا للمرة الثانية. وفي فبراير من العام ذاته، أعلن عن حزمة «تعديل هيكلي» فرضها صندوق النقد الدولي، شملت سياسات تقشفية واسعة وعمليات خصخصة وخفضا لقيمة العملة. وبين ليلة وضحاها، ارتفعت أسعار الغذاء والوقود والنقل بشكل جنوني مع إلغاء الدعم الحكومي.
وفي الساعات الأولى من يوم 27 فبراير، احتشدت جموع غاضبة في أحياء الصفيح المحيطة بالعاصمة كاراكاس احتجاجا على رفع أجرة الحافلات. وسرعان ما انفجرت الاحتجاجات لتتحول إلى انتفاضة شاملة عفوية، وكانت تفتقر لقيادة منظمة أو خطة مسبقة. فاجتاح الجياع واليائسون المتاجر الكبرى وأُحرقت الحافلات وهوجم رموز الثراء وسلطة الحكومة.
أعلن بيريز حالة الطوارئ وعلق الضمانات الدستورية ونشر الجيش والشرطة. فدُهمت المنازل وأُطلق النار على المدنيين العزل في الشوارع. وقد وصل عدد القتلى والمفقودين إلى قرابة 3,000 شخص، فضلا عن تعرض الآلاف للضرب والاعتقال.
استعادت الدولة سيطرتها في نهاية المطاف، غير أن نظام بونتو فيخو كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة. وقد صرح لاحقا رائد شاب في الجيش، اسمه هوغو شافيز، وقد تأثر بشدة بهذه الأحداث، بأن الدماء التي سُفكت في كاراكازو هي التي روت بذور الثورة البوليفارية.
صعود شافيز
ولد هوغو رافاييل شافيز فرياس في كنف أسرة ريفية فقيرة عام 1954، وكان يحلم بأن يغدو لاعبا محترفا لرياضة البيسبول، غير أن الأقدار قادته بدلا من ذلك إلى الأكاديمية العسكرية الفنزويلية. وهناك تأثر بشخصية بوليفار، وآمن بضرورة تسخير ثروات البلاد الطبيعية الهائلة لصالح الفنزويليين العاديين.
وفي أعقاب مجزرة كاراكازو، شكل شافيز مع ضباط تقدميين آخرين مجموعة سرية تُدعى الحركة البوليفارية الثورية 200 (MBR-200)، وبلور أيديولوجيته «البوليفارية» التي مزجت بين نزعة بوليفار الجامعة لأمريكا اللاتينية ومناهضة الإمبريالية. وبصفته عقيدا في الجيش آنذاك، قاد شافيز انقلابا ضد بيريز في الرابع من فبراير عام 1992. بيد أن تلك المحاولة كانت سابقة لأوانها وسرعان ما أخفقت. فظهر شافيز على شاشات التلفاز في بث مباشر ليدعو رفاقه إلى إلقاء السلاح.
وبدلا من تقديم الأعذار لتلك المغامرة الفاشلة، تحمل شافيز المسؤولية كاملة، وأردف قائلا إن أهداف الحركة لم تتحقق في الوقت الراهن. وبسبب شجاعته وأصالته اللتين ألهبتا المشاعر رأى فيه الملايين بطلا شعبيا. ورغم إدانته وإيداعه السجن، واصل تثقيف نفسه وتواصل مع الحركات الشعبية في البلاد. وتحت وطأة الضغط الشعبي، أُصدر عفو عن شافيز ورفاقه بعد عامين فحسب.
انخرط شافيز في العمل السياسي وجاب أرجاء البلاد. ومع أنه كان مثالا كلاسيكيا للصدفة التي تعبر عن الضرورة إلا أنه وضع بصمته الخاصة والفريدة على الأحداث. فقد أدرك المشاكل التي يواجهها العمال والفلاحون الفقراء، وكان يفيض كاريزما ومنحهم الاحترام والكرامة اللذين يستحقونهما. كما مزج ببراعة بين الإشارات إلى بوليفار والثورة والاشتراكية والمسيح. حتى إن المسنات اللطيفات كن يطالبنه بحرارة بأن يحمل الكتاب المقدس في يد وسيف بوليفار في اليد الأخرى ليقطع به رؤوس الأوليغارشية.
أسس شافيز حركة الجمهورية الخامسة (MVR) وأطلق حملته الرئاسية في عام 1997، مدعوما بـ «الدوائر البوليفارية» التي انتشرت كالفطر في أنحاء البلاد. دعا برنامجه إلى تشكيل جمعية تأسيسية لإعادة كتابة الدستور، وطالب باستخدام ثروة فنزويلا النفطية لتمويل البرامج الاجتماعية للفقراء. ورغم تفوق خصومه عليه في التمويل بشكل هائل، وتعرضه لعداء شرس من وسائل الإعلام والحزبين الرئيسيين اللذين أيدا مرشحا واحدا لإيقافه، إلا أن حملته الشعبية كانت عصية على الانكسار، وانتخب رئيسا في السادس من ديسمبر عام 1998 بنسبة حاسمة بلغت 56%.

وفي أبريل 1999 صوت 87.75% لصالح عقد جمعية تأسيسية، وصِيغ دستور جديد بعد نقاشات مستفيضة ومشاورات شعبية واسعة. ومع أن إطاره العام ظل برجوازيا إلا أنه كان أكثر تقدمية بكثير من النسخ السابقة.
سُميت البلاد رسميا «جمهورية فنزويلا البوليفارية»، واعتمُد علم جديد لها. وأكد الدستور سيادة الدولة على الموارد الطبيعية، لا سيما النفط، وحظر خصخصة شركة النفط الوطنية. كما كفل المساواة في الحقوق للنساء، ووسع آليات الديمقراطية المباشرة، بما في ذلك الاستفتاءات والانتخابات لسحب الثقة. وضمن الرعاية الصحية والتعليم المجانيين بوصفهما حقين دستوريين، واعترف بحقوق الشعوب الأصلية والفنزويليين من أصول أفريقية في أراضيهم ولغاتهم وثقافاتهم، إلى جانب حقوق أخرى.
وأُقر الدستور بموافقة 71.78% في ديسمبر من ذلك العام. وأعقب ذلك «الانتخابات الكبرى» في يوليو عام 2000 لتثبيت الرئاسة وجميع المناصب المنتخبة الأخرى على أساس الدستور الجديد، وفيها رُفعت حصة شافيز من الأصوات إلى 59.76%. ومع تجديد تفويضه الشعبي، شرع في فرض سيطرة فعلية على شركة النفط الوطنية وقطاع الطاقة.
انقلاب أبريل عام 2002
أقرت الجمعية الوطنية، في نوفمبر عام 2001، قانون التمكين، الذي أتاح لشافيز التشريع في قضايا محددة عبر مراسيم تنفيذية لمدة عام واحد. وقد أصدر شافيز 49 مرسوما بموجب هذه الصلاحيات، شملت قانونا لإعادة توزيع الأراضي وقانون الهيدروكربون، الذي رفع حصة الدولة من عوائد استخراج النفط وأعاد فرض السيطرة على شركة النفط الوطنية.
وكما هو متوقع، كان هذا أكثر مما تحتمله الأوليغارشية وداعموها الإمبرياليون، فشنوا حملة هستيرية وصفت القرارات بأنها «شيوعية» و«ديكتاتورية». لم يكن خوفهم نابعا من تلك الإصلاحات المتواضعة في حد ذاتها بل من الجماهير التي تقف خلف شافيز.
بدأ اتحاد الغرف التجارية – وهو تجمع يضم أقوى العائلات والشركات – في تخريب الاقتصاد منذ اللحظة الأولى. إذ احتكروا زيت الطهي والأرز وورق المرحاض وغيرها من السلع الأساسية مما تسبب في نقص اصطناعي. كما أغلقوا المصانع وهربوا رؤوس الأموال خارج البلاد ورفضوا الاستثمار، ونظموا الاحتجاجات والإضرابات وقطع الطرق لنشر الفوضى في البلاد.
وغني عن القول إن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية كانت ضالعة في الأمر بعمق. حيث قامت المؤسسة الوطنية للديمقراطية (NED) والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) بتدريب نشطاء اليمين على أساليب تغيير الأنظمة. وضخوا الملايين للمعارضة اليمينية المتطرفة، ومنهم ماريا كورينا ماتشادو الحائزة على جائزة نوبل للسلام. هذه الوطنية الفنزويلية العظيمة وعدت بتسليم موارد بلادها الطبيعية الهائلة للشركات الأمريكية، ولن تمانع في رؤية بلادها تتحول إلى سوريا جديدة طالما ستحصل هي ورفاقها المجرمون على حصتهم. بل إنها دعت نتنياهو لغزو بلادها لتحريرها.
وعندما أصبحت السيطرة على ثروات شركة النفط الوطنية على المحك أطلقوا ما يشبه «الثورة الملونة» في أبريل عام 2002. وكما سيفعلون في أوكرانيا عام 2014، دبروا اشتباكا مسلحا بين تظاهرات متنافسة، واستخدموا القناصة لقتل أشخاص من كلا الطرفين، ثم ألقوا باللوم على الحكومة. حينها أعلنت القيادة العليا للجيش تمردها، وحاصرت قوى الرجعية القصر الرئاسي. رفض شافيز توقيع استقالته فاختُطف إلى جزيرة تمهيدا لترحيله خارج البلاد بمعرفة الأمريكيين.
وفي 12 أبريل، أدى بيدرو كارمونا – رئيس اتحاد الغرف التجارية – اليمين رئيسا للبلاد، وحظي باعتراف فوري من إدارة جورج بوش الابن. واحتشد أقطاب الثورة المضادة في القصر الرئاسي، يتبادلون التهاني والهتافات بينما كان كارمونا يحل كل المؤسسات الديمقراطية للجمهورية البوليفارية، وكل ذلك باسم الديمقراطية طبعا.
ووسط موجة من الاعتقالات الجماعية والقمع والحصار الشرس للسفارة الكوبية، اضطر وزراء شافيز للاختباء. ظن الإمبرياليون والأوليغارشية المحلية أن الأمور قد استتبت لهم، لكن الجماهير كان لها رأي آخر. فبالنسبة إليهم، هم من انتخبوا شافيز، وهم فقط من يقررون متى يرحل عن الرئاسة.
في صباح 13 أبريل، انتشرت الأنباء في أحياء الصفيح بأن شافيز لم يستقل وأنه محتجز قسرا. وكما حدث في عام 1989، انحدر طوفان بشري نحو وسط كاراكاس مطالبين بعودة شافيز، وتحركت وحدات عسكرية موالية، منها الحرس الرئاسي، ضد الانقلابيين. وأولئك الذين لم يُعتقلوا فروا كالجرذان، ولكن بعد أن نهبوا الخزائن الرئاسية. وفي الساعات الأولى من يوم 14 أبريل نُقل شافيز جوا إلى القصر الرئاسي واستعاد منصبه.
للمرة الأولى في تاريخ أمريكا اللاتينية أُحبط انقلاب حرضت عليه الولايات المتحدة بفعل العمل الثوري للجماهير. كان جهاز الدولة القديم معلقا في الهواء، فالعمال والفقراء يملكون الشوارع، وصغار الضباط والجنود مع الثورة. وكما أوضح آلان وودز آنذاك، كان يكفي شافيز أن يرفع إصبعه الصغير لتكتمل الثورة دون إراقة دماء أو حرب أهلية.
كان بإمكانه الدعوة لاحتلال المصانع والملكيات الزراعية الكبرى وتأميمها ومصادرة ممتلكات الإمبريالية ورفض الديون الخارجية. كان بإمكانه الدعوة لتشكيل لجان عمل شعبية (سوفييتات) وميليشيات شعبية مسلحة للدفاع عن الثورة لتحل محل الجيش النظامي والشرطة. كانت الجماهير متأهبة ومستعدة تنتظر الكلمة فحسب. وكان من الممكن لمسار التاريخ البشري بأكمله أن يتغير في تلك اللحظة، وتُفتح بوابات الثورة الاشتراكية على مصراعيها، لتتبعها أمريكا اللاتينية قاطبة، وأماكن أخرى كثيرة.
وبدلا من ذلك ضاعت الفرصة. ففي سحر ذلك الصباح دعا شافيز إلى السلام والهدوء وعودة الجميع إلى منازلهم. ولم يُعتقل أي أحد ممن شاركوا في الانقلاب، حتى “بيدرو الوجيز”، كما لُقب كارمونا، سُمح له بالتجول بحرية في شوارع كاراكاس وميامي.
«لكل حادي عشر ثالث عشر»
لا يمكن المبالغة في وصف حجم هذه الفرصة الضائعة. ومع ذلك، غدت مقولة «لكل حادي عشر ثالث عشر» جزء من الذاكرة الجمعية للجماهير الفنزويلية. فسوط الثورة المضادة يمكن سحقه بالعمل الثوري المنظم، وما حدث في أبريل عام 2002 في فنزويلا هو الدليل القاطع على ذلك.
واستمر الصراع المستميت بين الثورة والثورة المضادة على مدار السنوات القليلة التالية. إذ لم تفتأ الأوليغارشية والإمبريالية عن غيها وقسوتها، فبعد أن خسروا المعركة رفضوا الإقرار بالهزيمة في الحرب. وبدلا من أن يُجهز شافيز عليهم ويضع حدا لشرورهم حاول استرضاءهم. ولكن، وكما هو معلوم، فإن الضعف لا يجلب إلا العدوان.
وبعد أشهر قليلة فحسب، وتحديدا في ديسمبر عام 2002، انطلقت محاولة أخرى لتغيير النظام، تمثلت هذه المرة في إغلاق أصحاب العمل لقطاع النفط. حيث فُصلت الحواسيب التي تتحكم في العمليات عن بُعد من مدينة هيوستن الأمريكية، وحُطمت المعدات ودُمرت الصمامات وسُكبت الرمال في خطوط الأنابيب، مما تسبب في خسارة مليارات الدولارات من الإيرادات.
بيد أنه، وفي غضون أيام، شكل عمال شركة النفط الوطنية مجالس تنسيقية وشرعوا في إعادة الإنتاج يدويا. وخلال أسابيع، أصبحت الآلة العملاقة للشركة تحت سيطرة العمال دون إدارة، بيد أن الكثير منهم لم يدركوا آنذاك حجم الإنجاز الذي حققوه.
وفي السنوات اللاحقة، شهدت عشرات المصانع الأخرى حالات إغلاق. وكان رد العمال في كثير من الأحيان هو احتلال تلك المصانع، حتى غدا شعار «مصنع يُغلق.. مصنع يُحتل!» هو الصيحة المدوية آنذاك. كما حدث زخم عضوي في التنظيم النقابي، حيث انشق العمال عن اتحاد عمال فنزويلا (CTV) الفاسد وشكلوا نقاباتهم الديمقراطية الخاصة تحت مظلة الاتحاد الوطني للعمال (UNT).
أطلق شافيز البرامج الاجتماعية الشهيرة المعروفة بالمهمات، والتي شملت متاجر بقالة مدعومة وحملات لمحو الأمية وتعليما مجانيا. كما وفرت الرعاية الصحية الأساسية للأحياء الفقيرة والقرى النائية عبر استقدام أطباء كوبيين مقابل النفط. ووزعت الأراضي غير المستغلة على الفلاحين الفقراء، وأُطلق برنامج عاجل للإسكان الميسر. كما وفرت «مهمة المعجزة» جراحات مجانية لعلاج الماء الأبيض وغيرها من جراحات العيون، ليعود البصر للفقراء من جديد.
لقد غيرت هذه البرامج حياة الملايين حرفيا، ولم يقتصر أثرها على فنزويلا فحسب. بل إن شركة سيتجو (Citgo)، وهي شركة طاقة فنزويلية مملوكة للدولة وتعمل في الولايات المتحدة، وفرت وقود تدفئة مجانيا أو رخيصا لمحميات الهنود الحمر والأحياء الفقيرة في بوسطن وبرونكس.
وخلال السنوات القليلة التالية تكررت المحاولات للإطاحة بشافيز. حيث أشعلت المعارضة أعمال شغب، غالبا بمساعدة ميليشيات كولومبية يمينية متطرفة، فهاجموا المباني الحكومية واستهدفوا المسؤولين الشافيزيين بالسيارات المفخخة.
كما نظموا حملات مقاطعة للانتخابات في محاولة لنزع الشرعية عن العملية الديمقراطية، رغم أنهم كانوا سيخسرون الانتخابات في كل الأحوال. وفي عام 2004، نظموا استفتاء لسحب الثقة بعد جمع توقيعات كافية، شملت أسماء لحديثي ولادة وأموات، وفاز شافيز بنسبة 59% من الأصوات. وفي عام 2005 خربوا شركة الطيران الوطنية.
وبناء على الخبرة الحية للثورة وسلوك الطبقة السائدة، خلص شافيز إلى أن الحل الوحيد هو الاشتراكية. وعبر عن ذلك عند إعلانه الحاجة إلى «اشتراكية القرن الحادي والعشرين» في المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو أليغري: «إما الرأسمالية، وهي الطريق إلى الجحيم، وإما الاشتراكية، لمن يريدون بناء الجنة هنا على الأرض».

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية لعام 2006 قرابة 78%، وفاز شافيز بنسبة 62% من الأصوات. وقد شهد المراقبون الدوليون، بمن فيهم جيمي كارتر، بنزاهتها وحريتها. ومع ذلك، استمرت وسائل الإعلام الغربية في نعت شافيز بالديكتاتور.
وأعلن عن تأسيس حزب سياسي جديد في عام 2007، وهو الحزب الاشتراكي الموحد لفنزويلا (PSUV). وفي غضون أسابيع انضم إليه 5.5 مليون عضو، أي ما يعادل 20% من السكان تقريبا. ونظرا لموجة احتلال المصانع، طلب شافيز من وزيرة العمل إعداد قائمة بالمصانع المعطلة لتأميمها وإدارتها تحت رقابة العمال، فقدمت له قائمة تضم 1,200 مصنع.
البيروقراطية البوليفارية
بيد أن عددا قليلا جدا من المصانع قد أُمم، ولم يُدار تحت رقابة العمال سوى قلة قليلة منها. ولم يقتصر الأمر على عدم إدماجها في اقتصاد مُخطط بعقلانية، بل إن بيروقراطية الدولة التي تضخمت بشكل متزايد بذلت كل ما في وسعها لخنق أجرأ مبادرات شافيز. وحين دعا إلى تأسيس أممية خامسة لتكون بديلا للأحزاب الاشتراكية والشيوعية البالية قوبل مقترحه بتجاهل مثير للسخرية من جانب أعضاء اللجان المحافظين المحيطين به.
علاوة على ذلك، كان تمويل «الاشتراكية النفطية» في فنزويلا يعتمد على إعادة توجيه عوائد النفط التي كانت تُثري الأوليغارشية في السابق. فخلال طفرة الأسعار في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بلغت الإيرادات السنوية أكثر من 90 مليار دولار، ولكن حين انهارت الأسعار بعد عام 2014 وجد الشافيزيون أنفسهم بلا قاعدة إنتاجية يستندون إليها. فإلى جانب فشلهم في مصادرة ممتلكات الرأسمالية وإرساء ديمقراطية عمالية، أخفقوا أيضا في تنويع الاقتصاد، وظلوا يعتمدون على الاستيراد في كل شيء، بدء من الغذاء والسيارات وصولا إلى الإلكترونيات، غير أنهم لم يعودوا يملكون المال اللازم لشرائها.
كما تسببت مليارات الدولارات النفطية في تشوهات تضخمية حادة، خلفت لاحقا آثارا كارثية. وعزز البترودولار من الميول المحافظة لدى البيروقراطية البوليفارية التي ترعرعت في أحضان السيرورة الثورية. لقد كانت هذه هي دولة في الجمهورية الخامسة «العميقة»، والتي لم يتمكن شافيز أبدا من القضاء أو السيطرة عليها.
توفي هوغو شافيز في الخامس من مارس 2013، بعد معركة طويلة مع السرطان. وكما حدث مع لينين قبيل وفاته، استشعر شافيز زحف البيروقراطية وحث على تغيير المسار، غير أن الأوان كان قد فات بالفعل.
لقد كان شافيز، بلا أدنى شك، ثوريا نزيها ونصيرا لشعبه، يستمد طاقته من الحماس الثوري للجماهير ويغذيها في آنٍ واحد. كان يقدر كتابات ماركس ولينين وتروتسكي وآلان وودز ويقتبس منها مرارا. لكنه لم يكن ماركسيا بالمعنى الحقيقي أبدا، وهذا عيب قاتل منعه من إتمام الثورة الاشتراكية.
أما الأوليغارشية البوليفارية التي تسيطر الآن على الدولة والحزب الاشتراكي الموحد فقد جعلت من الشافيزية بلا شافيز مسخرة. حيث قاد مادورو ردة تيرميدورية متراجعا عن معظم مكتسبات الثورة. فخصخص ما جرى تأميمه، وخنق رقابة العمال، وأعاد الملكيات الزراعية الكبرى إلى الإقطاعيين. كما ضيق الخناق على اليسار والإعلام الناقد، وسحق أي معارضة لحكمه، بما في ذلك النقابات. ورغم تهديدات ترامب، حاول مادورو استرضاء الإمبريالية وأعاد فتح أبواب شركة النفط الوطنية أمام الشركات الأجنبية مثل شيفرون.
ومع ذلك، تظل للثورة المضادة درجات. فلو قُدر للإمبريالية والحرس القديم العودة للسلطة المباشرة من المحتمل أن تندلع موجة من الانتقام وحمام دم بحجم ما تعرضت له كومونة باريس المهزومة.
إن فهم الموت البطيء للثورة يتلخص في الآتي: مع أن شافيز وصل إلى السلطة عبر انتخابات برجوازية إلا أنه لم يمتلك السلطة فعليا، وبالتأكيد لم يمتلكها العمال الفنزويليون يوما.
لقد كانت هذه حالة فريدة لثورة اشتراكية تحاول النجاح باستخدام القنوات القديمة، دون أن تحسم مسألة السلطة. فرغم فقدان البرجوازية سيطرتها المباشرة على دولتها ظلت الدولة برجوازية في جوهرها. ورغم تطهير الجيش والشرطة عدة مرات إلا أن طبيعتهما ظلت برجوازية، وتبلورت حولهما – وحول بقايا جهاز الدولة القديم – بيروقراطية جديدة.
وعلى الرغم من تأميم حفنة من المصانع وإدارتها تحت رقابة العمال، إلا أن الأغلبية العظمى ظلت في أيدي القطاع الخاص، وهو ما استغله الرأسماليون لتخريب السيرورة الثورية. ففرض شافيز قيودا على الأسعار والعملة بدلا من المصادرة. ثم جاءت العقوبات التي فُرضت خلال ولاية ترامب الأولى لتزيد الطين بلة. أدى كل ذلك إلى حالة من التخبط الاقتصادي، فلا هو اقتصاد مخطط مركزيا وعقلانيا، ولا هو اقتصاد تُرك ليد السوق التي تنظم الأمور رغم لا عقلانيتها.
ارفعوا أيديكم عن فنزويلا!
لقد كانت النتيجة فوضى عارمة وعدم استقرار مزمن، مما أدى إلى استفحال السوق السوداء وتفشي التضخم الجامح. ومن المفهوم تماما أن تصاب قطاعات واسعة من المجتمع الفنزويلي بخيبة أمل وتفقد حماسها الثوري، مما فتح الأبواب أمام ثورة مادورو المضادة في ثوبها البوليفاري.
ومع ذلك، فإن تصفية الحسابات مع مادورو هي مهمة العمال الفنزويليين وحدهم. فما ينشده ترامب من وراء التصعيد العسكري غير المسبوق في منطقة الكاريبي ليس «استعادة الديمقراطية» ولا «محاربة الإرهاب المرتبط بالمخدرات»، بل يسعى إلى إخضاع فنزويلا وانتزاعها من دائرة النفوذ الصيني والروسي. إن العدو الرئيسي للشيوعيين الأمريكيين يكمن في عقر دارهم. لذا فإننا ندافع عن فنزويلا دفاعا غير مشروط في وجه الإمبريالية، ونقول: «ارفعوا أيديكم عن فنزويلا!».
إن الدرس الجوهري هنا واضح وضوح الشمس: لا بد من إعداد القيادة الثورية مسبقا، فهي لا تُرتجل في أتون اللحظة. إن غياب مثل هذه القيادة هو مأساة فنزويلا، ومأساة كل الثورات الأخرى منذ عام 1917، وهو الأمر الذي يعكف الشيوعيون الثوريون في أمريكا (RCA) على تصحيحه الآن.
15 ديسمبر/كانون الأول 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية