تتسارع الأحداث في فنزويلا بوتيرة محمومة عقب الهجوم الذي وقع في 3 يناير واختطاف نيكولاس مادورو وسيليا فلوريس. تتحرك الولايات المتحدة بسرعة كبيرة لفرض سيطرتها على فنزويلا ومواردها الطبيعية، في حين يبدو أن الحكومة الفنزويلية غير راغبة أو غير قادرة على الرد. ومن الطبيعي أن تتكاثر الأسئلة في ظل هذا الوضع.

أعلنت الولايات المتحدة بوضوح أنها ستتولى إدارة البلاد. وأضاف ترامب أنهم سيحتفظون بما بين 30 و50 مليون برميل من النفط (أي ما يعادل إنتاج شهر إلى شهرين). وسيجري بيع هذا النفط في الولايات المتحدة وبأسعار السوق، سواء ذلك المخزن على اليابسة، أو الموجود في الناقلات بسبب الحصار البحري الأميركي، أو الذي لم يُستخرج بعد. كما ستتحكم الولايات المتحدة في كيفية استخدام عائدات البيع «لصالح الفنزويليين والولايات المتحدة»، بحسب تعبير ترامب.
وأضاف وزير الطاقة، رايت، أن هذا الإجراء سيمتد إلى أجل غير مسمى. أي أن الولايات المتحدة أعلنت عمليًا أنها باتت تتحكم في بيع النفط الفنزويلي وفي الأموال المتأتية منه.
ولم يكتفِ ترامب بذلك، بل أضاف أن فنزويلا، وباستخدام أموال النفط، ستقوم بشراء منتجات أمريكية حصريًا!
وفوق كل هذا، جددت واشنطن تهديداتها باتخاذ إجراءات عسكرية إضافية ضد فنزويلا ما لم تلتزم حكومة كراكاس التزامًا كاملًا. وبعد الغارة العسكرية في 3 يناير، لا يمكن اعتبار هذه التهديدات فارغة.
وردت الحكومة الفنزويلية، برئاسة الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، ببيان أعلنت فيه أنها دخلت في «مفاوضات» مع الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق بشأن بيع النفط، وأنها «تبني تحالفات تعزز التنمية الوطنية لصالح الشعب الفنزويلي».
كما صرح ماركو روبيو بأن الخطة الخاصة بفنزويلا تتكون من ثلاث مراحل:
1. مرحلة الاستقرار، التي تحافظ فيها الولايات المتحدة على الحصار لمواصلة ما تسميه «نفوذًا غير مسبوق» (أي قدرة غير مسبوقة على الابتزاز)، مع بيع 50 مليون برميل من النفط.
2. مرحلة التعافي، حيث تحصل الشركات الأميركية والغربية على «وصول عادل» إلى فنزويلا، وتُطلق عملية «مصالحة وطنية».
3. مرحلة الانتقال، وصولًا في النهاية إلى انتخابات ديمقراطية.
وفي ختام هذه المرحلة الانتقالية، يتصور روبيو قيام بلد «صديق للولايات المتحدة، لا يشكل موطئ قدم لخصومنا، ويخدم مصالحنا». أي، بعبارة أخرى، مستعمرة أو محمية أميركية.
وطالب روبيو بالإفراج عن السجناء. وأعلنت الحكومة الفنزويلية أنها ستفرج عن عدد كبير منهم (يُقال إنه 88)، لكن حتى الآن لم يُفرج سوى عن 13 فقط، من بينهم خمسة مواطنين إسبان وبعض الأشخاص المقربين من إنريكي ماركيز (مرشح انتخابات الرئاسة 2024، الذي، رغم كونه مرشحًا برجوازيًا، حظي بدعم الحزب الشيوعي الفنزويلي). ولم يُفرج حتى الآن عن أي من أبرز المعتقلين المنتمين إلى المعارضة المضادة للثورة المرتبطة بماريا كورينا ماتشادو.
كما جرت تحركات سريعة لإعادة فتح السفارة الأميركية في فنزويلا، والتي ستلعب بلا شك دور رأس الحربة للسلطة الاستعمارية الأميركية في البلاد. وأصدرت فنزويلا بيانًا قالت فيه إن ذلك يجري «بهدف معالجة تداعيات العدوان واختطاف الرئيس» وضمن «أجندة مصالح مشتركة» (!!!).
بعبارة أخرى، تغزو الولايات المتحدة البلاد عسكريًا، وتختطف الرئيس… ويكون الرد هو إعادة العلاقات الدبلوماسية لمعالجة التداعيات وبحث أجندة مصالح مشتركة. أي مصلحة مشتركة يمكن أن تجمع بين المعتدي والضحية؟!
بصراحة، أشعر بالغضب. أين ذهبت كل التصريحات التي أطلقتها القيادة الفنزويلية قبل 3 يناير؟ قال الوزير ديوسدادو إنه في حال وقوع عدوان عسكري لن تُرسل فنزويلا «قطرة نفط واحدة» إلى الولايات المتحدة. وأعلن مادورو «إضرابًا عامًا ثوريًا». وصرحت ديلسي بأنهم لن يخضعوا للابتزاز وأن النفط ملك لفنزويلا.
الولايات المتحدة تطرح نفط فنزويلا في المزاد
يوم الجمعة 9 يناير، ترأس ترامب اجتماعًا/مؤتمرًا صحفيًا مع كبار التنفيذيين في جميع شركات النفط الأميركية والغربية. كان مشهدًا فاضحًا يكاد يكون غير مسبوق تاريخيًا، على الأقل من حيث انعقاده في وضح النهار. وقد ذكرني بمؤتمر برلين عام 1884، حين اقتسمت القوى الأوروبية أفريقيا.
ما جرى هنا هو أن الحكومة الأميركية، بكل عدوانيتها، وضعت النفط الفنزويلي في مزاد علني لمن يدفع أكثر. حرفيًا. قال ترامب لشركة إكسون: «إذا لم ترغبوا، قولوا ذلك، لأن لدي 25 شركة أخرى على القائمة».
بعض الشركات (وفي مقدمتها إكسون) لم تكن متحمسة كثيرًا. ما تريده هذه الشركات هو ضمانات: تريد الحصول على ما تقول إنها مستحقاتها (بين 2 و12 مليار دولار)، وقبل كل شيء تطالب بإطار قانوني ملائم لها، بما في ذلك إلغاء قانون الهيدروكربون الذي أقره تشافيز.
لكن شركات أخرى أبدت حماسًا واضحًا، وعلى رأسها شيفرون، التي واصلت العمل في فنزويلا طوال هذه السنوات بانتظار هذه اللحظة، إضافة إلى شركات أخرى ما زالت موجودة في البلاد بإنتاج أقل (مثل ريبسول الإسبانية). وقد قالت هذه الشركات إن الإنتاج يمكن أن يتضاعف خلال بضع سنوات.
وخلال المزاد/المؤتمر الصحفي، سُئل ترامب عما إذا كان يعتبر حكومة ديلسي حليفًا. فجاء رده: «إنهم يتصرفون كحلفاء، وأعتقد أنهم سيواصلون ذلك».
حتى الآن، لم يصدر (بحسب علمي) أي رد من الحكومة الفنزويلية على هذا المزاد الفاضح الذي أجراه ترامب على شيء لا يملكه. وفي اليوم نفسه، كان مسؤولان فنزويليان في واشنطن لإجراء محادثات بشأن النفط.
لا تذهبوا بعيدًا، فهناك المزيد!
في اليوم نفسه الذي طرحت فيه الولايات المتحدة النفط الفنزويلي في مزاد علني، ارتكبت البحرية الأميركية عمل قرصنة جديدًا، إذ سيطرت على ناقلة النفط أولينا (المعروفة سابقًا باسم مينرفا)، التي كانت تغادر فنزويلا محملة بالنفط ومتجهة إلى «زبائن في آسيا»، وأعادتها قسرًا إلى فنزويلا.
وبالطبع، اندلع غضب واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. ووصف الإعلام الحكومي الفنزويلي (La Iguana) والكوبي (Cubadebate) العملية بشكل صحيح بأنها سرقة وعمل قرصنة.
لكن كانت هناك تفصيلة واحدة لافتة. فقد قال ترامب، في إعلانه العلني، إن العملية نُفذت «بالتنسيق مع السلطات المؤقتة في فنزويلا».
وبعد ذلك بوقت قصير، أصدرت شركة نفط فنزويلا (PDVSA) بيانًا محرجًا زعمت فيه أن ما جرى كان «عملية مشتركة ناجحة» مع السلطات الأميركية، أدت إلى «عودة» السفينة، التي كانت قد أبحرت «من دون ترخيص أو دفع».
لكن إذا قرأنا ما بين السطور، فلا يوجد سوى تفسير واحد ممكن. فحصار النفط هو «النفوذ غير المسبوق» الذي كان ماركو روبيو يتحدث عنه. إذا كانت الولايات المتحدة تتحكم في تصدير النفط، فهي تتحكم في بيعه وفي وجهة الأموال المتأتية منه.
لكن الآن، تقول حكومة ديلسي إن كل ذلك جزء من اتفاق مشترك… أي أنهم يتعاونون، ولكن ليس كشركاء متساوين، بل خاضعين للاستعمار. الأمر يشبه أن يوقفك لص في الشارع ويسرق ممتلكاتك، ثم تعقد مؤتمرًا صحفيًا لتقول إن ممتلكاتك «نُقلت إلى منزل اللص في إطار عملية مشتركة ناجحة»!
إزاء كل هذه التصريحات الأميركية المتغطرسة والإجراءات المهينة التي تضع فنزويلا في وضع خضوع استعماري، ردت حكومة ديلسي بالقول إنها لا تريد «الانتقام»، بل سترد عبر «الدبلوماسية البوليفارية للسلام»، التي قالت إنها تعلمتها من المحرر العظيم.
إنه أمر يدعو إلى البكاء. سيمون بوليفار حمل السلاح ضد الاستعمار الإسباني! لم يعتمد «دبلوماسية السلام»، بل أصدر مرسوم «الحرب حتى الموت»، محذرًا: «أيها الإسبان والكناريون، انتظروا الموت، حتى لو كنتم محايدين، إذا لم تعملوا بنشاط من أجل حرية أميركا».
ما تفسير كل هذا؟
هناك من يدعي أن ما يجري هو مجرد «صراع على السردية». ووفقًا لهذا الرأي، فإن ترامب يدعي أنه «يسيطر على فنزويلا»، لكن هذا غير صحيح، لأن كراكاس ما زالت تحتفظ بالقيادة السياسية والعسكرية نفسها. أي أن ترامب حقق فقط «نصرًا بيروسيًا» أطاح بمادورو من دون أن يغير مسار الحكومة الفنزويلية.
ويذهب آخرون أبعد من ذلك، فيزعمون أن كل ما يحدث كان «خطة مادورو التي أعدها في حال حدوث مكروه له». ويقولون إن «الازدهار الذي ستحققه البلاد هو بفضل الخطة التي أقرها الرئيس»، وإن ما يقترحه ترامب بشأن النفط يتماشى مع «نموذج ترخيص شيفرون»، وإن إعادة فتح السفارة الأميركية ضرورية أصلًا لمساعدة الرئيس والسيدة الأولى المحتجزين في نيويورك.
يبدو أن أوساط السلطة في فنزويلا قد غرقت عميقًا في عالم الواقعية السحرية، حيث يكون الشيء هو ذاته ونقيضه في الوقت نفسه.
يؤكد خورخي أرياسا أن «القاعدة الشعبية تفهم الظروف وتدعم التحركات التكتيكية اللازمة لضمان تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى».
في الواقع، هم لا يفهمون، وهذه هي المشكلة بالضبط. لا أحد يفهم، لأن أحدًا لم يشرح شيئًا.
كيف يمكن تفسير ضربة 3 يناير؟
مر أسبوع كامل على هجوم 3 يناير، ولم يخرج أي من القيادات السياسية أو العسكرية في فنزويلا حتى الآن ليشرح ما الذي حدث في ذلك اليوم. ليس فقط لا يوجد أي تفسير، بل يبدو الآن أن مجرد طرح الأسئلة أصبح أمرًا محرمًا. الشعار الجديد الصادر عن القيادة هو: «الشك خيانة».
غياب أي شرح هو ما يغذي سيل الشائعات، لأن ما جرى لا يبدو له تفسير منطقي أو معقول يفسر غياب المقاومة الفنزويلية أمام العدوان، باستثناء الأفعال البطولية التي قام بها الحرس الرئاسي.
أين ذهبت خمسة آلاف منظومة إيغلا المحمولة المضادة للطائرات، التي قيل إنها وُزعت في أنحاء البلاد؟ أين منظومات الدفاع الجوي الروسية؟ والرادارات الصينية؟
أنا لست خبيرًا عسكريًا. قرأت عددًا من التحليلات من زوايا مختلفة، ويمكن تلخيص استنتاجي على النحو التالي:
- استخدمت الولايات المتحدة الحرب الكهرومغناطيسية لتعطيل الرادارات ومنظومات الدفاع الجوي، بعد أن حددت مواقعها عبر عملية استمرت أسابيع باستخدام طائرات غراولر (طائرات حرب إلكترونية تدفع الرادارات إلى بث إشاراتها ما يسمح برصدها)، والتي حلقت بشكل استفزازي فوق السواحل الفنزويلية لأسابيع.
- منظومات الدفاع الجوي الفنزويلية قديمة جزئيًا (نسخة من S-300 الروسية، والمصممة أساسًا للتصدي للصواريخ الباليستية، لا للطائرات التي تحلق على ارتفاع منخفض).
- استخدمت الولايات المتحدة طائرات منخفضة الارتفاع وتشويشًا كهرومغناطيسيًا، إلى جانب ضربات موضعية ضد بطاريات الدفاع الجوي (بوك) في نقاط محددة، لفتح ممر آمن لمروحيات الهجوم.
- هناك عنصر من عدم الكفاءة داخل الجيش الفنزويلي (بطاريات دفاع جوي بلا تمويه أو حماية، وفي مواقع ثابتة)، وربما تزامن ذلك مع قدر من الثقة المفرطة القاتلة («ترامب يركز الآن على حصار النفط، والهجوم العسكري مستبعد»).
- كان هناك على الأقل إطلاق فاشل واحد من بطارية بوك في كاتيا لا مار، ويبدو أن صاروخ إيغلا أُطلق أيضًا في كراكاس. وتدعي الولايات المتحدة أن إحدى المروحيات أُصيبت، لكنها لم تُعطل. هذه المروحيات مزودة بأنظمة كهرومغناطيسية لتشتيت المقذوفات التي تستهدفها.
- هناك تكهنات بأن القوات كانت قد مُنحت إجازات أعياد رأس السنة، رغم حالة التهديد المرتفعة.
هل كانت هذه العوامل مجتمعة حاسمة؟ وهل تفسر كل ما حدث؟ من الصعب الجزم. ما زالت هناك أسئلة مشروعة كثيرة. لماذا لم تتحرك القوات الجوية الفنزويلية من قاعدة ماراكاي، مثلًا، وهي قاعدة لم تتعرض لهجوم؟ ولماذا لم تقع هجمات إضافية على المروحيات، التي كانت تحلق على ارتفاع منخفض وبسرعة بطيئة ولفترة طويلة؟
يرى البعض أن سلاح الجو لم يتمكن من الرد لأن الرادارات ومراكز القيادة كانت معطلة، وأن الفنزويليين كانوا «عميانًا».
ويشير بعض الخبراء العسكريين إلى احتمال وجود اتفاق ضمني بين الولايات المتحدة والقوات المسلحة الفنزويلية، يعكس اختلال ميزان القوى بين الطرفين: «لن نهاجمكم على نطاق واسع، بل في نقاط محددة فقط، وأنتم لن تقوموا بمقاومة شاملة لن تؤدي إلا إلى تدميركم بالكامل».
لكن أمرًا واحدًا على الأقل بات واضحًا: وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كانت تمتلك معلومات دقيقة من مصدر داخلي حول مكان وجود مادورو وتخطيط مقر إقامته. وقد أكد ترامب ذلك، ويتطابق مع الوقائع. وقد أُقيل (ويقال اعتُقل) قائد الحرس الرئاسي ورئيس الاستخبارات العسكرية اللواء خافيير ماركانو تاباتا.
مع ذلك، يبقى الكثير من هذا في إطار التكهنات، بسبب غياب أي تفسير رسمي، وهو ما يغذي الشائعات: «ديلسي سلمت مادورو». «مادورو سلم نفسه كجزء من خطة».
أسهل طريقة أمام القيادة الفنزويلية لوضع حد لهذه الشائعات هي تقديم شرح واضح لما جرى. بعض الرفاق يقولون: «لا يمكننا كشف نقاط ضعفنا». لكن العدو يعرف نقاط ضعفنا بالتفصيل! الوحيدون الذين لا يعرفون هم نحن، الناس العاديون المناهضون للإمبريالية.
استراتيجية للخضوع
ما نعرفه على وجه اليقين هو أنه كانت هناك اتصالات وقنوات دبلوماسية بين فنزويلا والولايات المتحدة، ولا سيما مع شخصيات في قطاع النفط، وأن بعض هذه الاتصالات جرى عبر قطر. ونعلم أن ديلسي رودريغيز، بصفتها المسؤولة عن قطاع النفط، كانت في قلب العديد من هذه الاتصالات. ويتذكر بعضنا أنه في عام 2017، ساهمت شركة النفط الأميركية سيتيجو (CITGO) (التابعة لشركة نفط فنزويلا، والتي كانت آنذاك تحت السيطرة الفنزويلية) بنصف مليون دولار في حفل تنصيب ترامب، في وقت كانت فيه ديلسي رودريغيز تشغل منصب وزيرة الخارجية.
إن لغة وأفعال حكومة ديلسي رودريغيز في الأيام الأخيرة لا يمكن تفسيرها إلا بطريقتين:
- إما أنهم يُجبرون على التصرف بهذه الطريقة تحت إكراه وضغط أميركي، لكنهم في الواقع يحاولون إيجاد هامش للمناورة (من خلال التواصل مع إسبانيا وكولومبيا والبرازيل).
- أو أنهم يفرطون في نفط البلاد وسيادتها الوطنية لأنهم قرروا أن هذا هو «الخيار الأقل سوءً» من منظور مصالحهم الشخصية (الحفاظ على السلطة والامتيازات المتراكمة).
في كلتا الحالتين، تبقى الحقيقة أن الموارد الطبيعية والسيادة الوطنية للبلاد تُنتزع لصالح الولايات المتحدة، ولا يمكن لأي صراع على «السردية» أن يغير من هذا الواقع. إنها استراتيجية خضوع، مع قشرة رقيقة من التحدي موجهة أساسًا إلى القواعد الشعبية.

هذه «الاستراتيجية»، برأيي، كارثية تمامًا من منظور الدفاع عن السيادة الوطنية لفنزويلا وعن النضال ضد الإمبريالية (وهو أمر لا يخص فنزويلا وحدها بل يمس بلدانًا أخرى في المنطقة).
إنها استراتيجية لا تساعد على حشد الجماهير للمقاومة، بل تزرع الارتباك في صفوفها. الكلمات لا تتطابق مع الأفعال. ترامب وروبيو يتصرفان بغطرسة واشمئزاز بوصفهما سادة البيت، يملون السياسات، بينما ترد كراكاس بإعلانات عن «السلام البوليفاري» و«اتفاقات ذات منفعة متبادلة». هذا لا يمكن أن يؤدي إلا إلى السخرية والإحباط، وفي أفضل الأحوال إلى انشقاق بعض القواعد المادورية عن القيادة.
السؤال هو: هل هناك مسار آخر ممكن؟
أقول نعم. ويبدأ ذلك بالاعتراف بالوقائع. قيادة تقول: «لقد تلقينا ضربة قاسية (وتشرح كيف حدث ذلك)، والظروف غير مواتية للقتال الآن، سنعيد تجميع قوانا»، وتقدم منظورًا واضحًا للنضال، كانت ستكسب سلطة سياسية حقيقية وتكون قادرة على التحضير للمرحلة التالية.
إن النضال ضد الإمبريالية هو أولًا وقبل كل شيء مسألة سياسية. صحيح أن له جانبًا تقنيًا–عسكريًا بالغ الأهمية، لكن من دون وضوح سياسي يصبح الجانب العسكري محدود الفاعلية.
في الجوهر، لم تهزم فيتنام الولايات المتحدة، ولا هزمت الجزائر فرنسا، بسبب التفوق العسكري أو الخبرة التقنية لجبهات التحرير الوطني لديهما (وإن كانت موجودة)، بل قبل كل شيء لأنهما كانا شعبين يقاتلان من أجل التحرر من نير الإمبريالية.
تدمير الثورة البوليفارية في عهد مادورو
في فنزويلا، لا يكمن العائق الرئيسي أمام مقاومة الإمبريالية في الجانب العسكري، بل في الجانب السياسي. فمنذ وفاة تشافيز، سارت القيادة البوليفارية في مسار واضح لتفكيك الثورة البوليفارية سياسيًا خطوة بخطوة.
فبدلًا من الإصغاء إلى تحذير تشافيز في خطاب تصحيح المسار (Golpe de Timón)، حين شدد على ضرورة «بناء اقتصاد اشتراكي» و«سحق الدولة البرجوازية»، جرى القيام بعكس ذلك تمامًا. وبدل تبني سياسة ثورية أممية، أصبحت الجغرافيا السياسية «متعددة الأقطاب» هي السياسة المفضلة.
دُمرت رقابة العمال وخصخصة الشركات وانتُزعت الأراضي من أيدي الفلاحين، وتم بقرطة كل هياكل المشاركة الشعبية، وغير ذلك الكثير…
وأمام الانهيار الاقتصادي وتراجع أسعار النفط والعقوبات، قررت القيادة التخلي عن السياسات الكينزية القائمة على التوسع النقدي وتنظيم السوق، وطبقت حزمة نقدية قاسية حملت عبء الأزمة على كاهل الطبقة العاملة. جرى تدمير المفاوضة الجماعية وسُجن النقابيون الذين ناضلوا دفاعًا عن الحقوق المكتسبة. واضطر ملايين الأشخاص إلى الهجرة.
كل ذلك جرى بشكل منافق تحت راية تشافيز والبوليفارية والثورة والاشتراكية، بينما كان المسار الحقيقي يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.
لقد كانت هذه الثورة المضادة الترميدورية، بقيادة مادورو، هي التي أفرغت الثورة البوليفارية من مضمونها، وقادت إلى كارثة عام 2024.
أولئك الذين لم يفهموا هذا المسار سيُفاجأون كثيرًا بما يحدث الآن.
وفوق كل ذلك، وبعد الوعود بـ«مقاومة الإمبريالية حتى الموت»، حين جاءت الضربة في 3 يناير، التزمت القيادة الصمت، ولم تُفعل خطط الطوارئ. وحين كُسر الصمت أخيرًا… جاء مطالبًا بالهدوء والسلام.
إن المهمة الأساسية للشيوعيين والثوريين اليوم هي التعبئة بكل قوانا ضد العدوان الإمبريالي على فنزويلا، في عموم أميركا اللاتينية، وفي كل أنحاء العالم. وأن نفعل كل ما في وسعنا لتخفيف القبضة التي تخنق بها واشنطن فنزويلا. هذه هي مهمتنا الجوهرية.
لكننا لن نكون قد أدينا واجبنا كاملًا إذا لم نفتح أيضًا نقاشًا سياسيًا حول كيف ولماذا وصلنا إلى هذه النقطة، وكيف نرى إمكانية خوض معركة حقيقية وفعالة ضد الإمبريالية.
12 يناير/كانون الثاني 2025
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
A week from US military aggression: where is Venezuela going?
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية