تحوم النسور الإمبريالية الغربية حول النظام الإيراني. فقد هدد دونالد ترامب بالفعل بالتدخل في إيران ثلاث مرات منذ اندلاع الاحتجاجات. وفي الوقت نفسه، أرسلت الدولة الإسرائيلية رسائل مقلقة عبر حساب الموساد باللغة الفارسية على منصة X، من بينها: «لنخرج إلى الشوارع معًا. لقد حان الوقت. نحن معكم. ليس من بعيد وبالكلام فقط. نحن معكم على الأرض أيضًا».
إن الإمبريالية الغربية هي أكثر القوى رجعية في العالم. لقد دمرت مناطق شاسعة من الشرق الأوسط، وها هي اليوم تهدد بأن تفعل الشيء نفسه في إيران.

مر أكثر من 16 يومًا على اندلاع الاحتجاجات في إيران. لكن منذ مساء الخميس، أقدم النظام على قطع الإنترنت. وكانت آخر التقارير تشير إلى احتجاجات في 46 مدينة وبلدة، وإلى إضراب شبه كامل في البازارات في الإقليم الكردي، امتد حتى تبريز وطهران وكرمنشاه ومدن أخرى.
أما التقارير المتقطعة التي خرجت بعد قطع الإنترنت، فتشير إلى حالة من الفوضى العارمة، مع مشاهد لمواجهات عنيفة مع قوات الأمن. شوهدت حشود ضخمة في طهران وكرج (وهي مدينة صناعية كبرى قرب طهران) ومشهد وغيرهم، بما في ذلك مدن كردية مثل سقز وعبدلان وغيرهم. أعاد الشباب إقامة المتاريس وإشعال النيران في الشوارع، وهاجموا رموز النظام مثل الثكنات والمقار الرسمية وغيرهم.
إن قطع النظام للإنترنت يكشف بوضوح قراره اللجوء إلى القمع الدموي والقضاء على أي شهود. وقد أكدت منظمة «هرانا» مقتل 544 شخصًا، رغم أن الرقم الحقيقي على الأرجح أعلى بكثير. تستند هذه الأرقام إلى تقارير من عاملين في المستشفيات، وهي موثوقة. بالإضافة إلى أنه جرى اعتقال أكثر من 10,681 شخصًا. قبل قطع الإنترنت، لم يكن عدد القتلى يتجاوز بضع عشرات. أما الآن، فهناك تقارير تفيد بمقتل 200 شخص في طهران وحدها. ورغم صعوبة التحقق من ذلك في الوقت الراهن، فإن ما يجري يمثل تصعيدًا سريعًا، وقد يجعله القمع الأكثر دموية منذ انطلاق موجة الانتفاضات والإضرابات والاحتجاجات في عام 2018.
كان الوضع متوترًا أصلًا قبل يوم الخميس. ففي مدن مثل قزوين وبجنورد وهمدان وغيرهم، كانت الاحتجاجات تتخذ أبعادًا أوسع بكثير. وينطبق الأمر نفسه، وبدرجة أكبر، على الأقاليم الكردية. ففي مدينتي إيلام وعبدلان، نجح المتظاهرون مؤقتًا في طرد قوات الأمن. وفي إيلام، أعلنت الجماهير – سخرية من النظام – تنصيب فتى مشارك في الاحتجاجات حاكمًا جديدًا.
وفي مدينة سقز الكردية – مسقط رأس مهسا أميني التي أشعل مقتلها انتفاضة 2022 – اندلعت اشتباكات في الشوارع مساء الأربعاء، تمهيدًا لإضراب عام في البازارات بالمناطق الكردية.
أما في المدن الكبرى، مثل طهران ومشهد وكرمنشاه وغيرهم، فقد خرجت احتجاجات في الشوارع، لكنها سرعان ما تحولت إلى اشتباكات متفرقة. لا تشارك الطبقة العاملة في المدن بشكل جماعي كما هو الحال في الأقاليم والمدن الصغيرة. فهي خائفة، رغم كراهيتها للنظام، لأنها لا ترى بديلًا ثوريًا واضحًا، بل ترى فقط شبح التدخل الإمبريالي.
ومن اللافت أيضًا أن أولى الاحتجاجات بدأت في إقليمي خوزستان وبوشهر قبيل قطع الإنترنت. فقد انضمت بازارات الأهواز وعبادان، وكلتاهما في خوزستان، إلى إضراب البازارات والاحتجاجات في الشوارع، التي تحولت إلى مواجهات متفرقة مع قوات الأمن.
هذه أقاليم بالغة الأهمية، حيث تضم منشآت بتروكيميائية كبرى. وخلال الفترة غير المسبوقة من الصراع الطبقي منذ عام 2018، كانت بؤرًا مركزية للنضال الطبقي، مع إضرابات شبه سنوية لعمال النفط وانتفاضات واحتجاجات كبرى. وفي بندر كنغان، انضمت حتى مجموعة صغيرة من عمال النفط المضربين بسبب مطالب اقتصادية إلى الاحتجاجات.
من المرجح أن يكون شباب من الطبقة العاملة شاركوا في الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في المدن الكبرى وفي خوزستان. أما في المدن الكردية، من الممكن أن يكون الشباب قد نجحوا في طرد قوات النظام من بلداتهم وقراهم. خلال انتفاضة 2022، فقد النظام السيطرة على المدن الكردية لمدة ثلاثة أشهر، ما خلق وضعًا أشبه بالحرب الأهلية.
اليوم، كما في عام 2022، تبقى الطبقة العاملة وحدها القادرة على توجيه الضربة الحاسمة لتحويل انتفاضة شبابية إلى ثورة حقيقية.
السيرك الإعلامي الإمبريالي والتهديد بالتدخل العسكري
في الوقت الذي تنزف فيه جماهير إيران وتقدم التضحيات بأرواحها، تشم الإمبريالية الغربية رائحة فرصة لإضعاف خصمها في الشرق الأوسط، أو حتى تدميره. يكاد لا يوجد سياسي برجوازي غربي بارز إلا وقد أعلن تضامنه مع الجماهير الإيرانية. إن هذا نفاق مقزز. فالعقوبات التي تقودها الولايات المتحدة، إلى جانب استغلال النظام، تتحمل مسؤولية مباشرة عن البؤس الاقتصادي الذي تعانيه الجماهير.
يردد هؤلاء المتوحشون الإمبرياليون ادعاءات بالغة السخف حول الاحتجاجات الجارية. ففي 9 يناير، شارك دونالد ترامب عبر منصة «Truth Social» ادعاءً من القناة 13 الإسرائيلية يقول: «أكثر من مليون شخص تظاهروا: ثاني أكبر مدن إيران سقطت تحت سيطرة المتظاهرين، وقوات النظام غادرت المدينة». والحال أن مدينة مشهد يبلغ عدد سكانها 2.4 مليون نسمة، وكانت الاحتجاجات آنذاك لا تتجاوز عشرات الآلاف الموزعين على أرجاء مدينة شاسعة.
حتى حساب وزارة الخارجية الإسرائيلية باللغة الفارسية على «X» نشر: «قم، مشهد، طهران، دزفول – إيران كلها ستعود قريبًا إلى الشعب الإيراني». إنهم لا يكترثون بالحقيقة ولا بالجماهير الإيرانية. إنهم يرون حركة الشعب الإيراني مجرد قطعة شطرنج في صراعهم على الهيمنة في الشرق الأوسط.
تعيد الصحافة الإمبريالية تكرار كل مبالغة، لأنها عاجزة وذليلة في آنٍ واحد. ويشمل ذلك ترديد صدى الملكيين الإيرانيين الرجعيين بقيادة رضا بهلوي، ولي العهد السابق ونجل الشاه الموالي للغرب الذي أطاحت به الثورة الإيرانية عام 1979. ففي خضم الاحتجاجات الجارية، أُجريت مقابلات مع رضا بهلوي في وول ستريت جورنال وواشنطن بوست. وليس في ذلك جديد، فهذا المسار مستمر منذ عام 2022، فيما تُسكت الأصوات الحقيقية للجماهير الإيرانية.
ولا تقل قنوات الأخبار الفارسية الأجنبية الممولة من الإمبرياليات السعودية والأميركية والبريطانية – مثل بي بي سي فارسي وإيران إنترناشيونال ومن وتو وراديو فردا – سوءًا عن ذلك. وتبقى إيران إنترناشيونال الأسوأ والأكبر بينها، إذ تدعم علنًا الملكيين الإيرانيين والتدخل العسكري.
إن الإمبرياليين وصحافتهم المأجورة يمهدون الطريق لاحتمال تدخل عسكري في إيران. ومرة أخرى، ليس هذا جديدًا، ولا سيما منذ اندلاع الحرب في غزة. فالإمبريالية الأميركية لم تغفر يومًا للجماهير الإيرانية ثورة عام 1979، وهي تريد استعادة مستعمرتها السابقة. أما إسرائيل فتسعى إلى ضمان هيمنتها على الشرق الأوسط.
وقد دعا ترامب إلى اجتماع لمجلس الوزراء يوم الثلاثاء لبحث خيارات التدخل. غير أن هذا المسار محفوف بالمشكلات: فالغزو العسكري الشامل مستحيل. إيران بلد شاسع وشديد الوعورة، ومعظم مدنه تقع في وديان. كما أن هناك احتمالًا كبيرًا بأن تلتف الجماهير الإيرانية للدفاع عن وطنها في وجه غزو أجنبي. فالكراهية العميقة والمتجذرة للإمبريالية الغربية في إيران تعود إلى أكثر من قرن من النضال.
حتى الضربات الجوية تنطوي على مخاطر جسيمة. فقد توعد النظام بالرد. وإذا دُفع إلى الزاوية، فلن يتردد في ضرب إسرائيل، وربما حتى القواعد العسكرية الأميركية. وسيكون ذلك مختلفًا تمامًا عن حرب الأيام الاثني عشر، حين سعى النظام إلى تفادي التصعيد، فاستخدم أقدم صواريخه الباليستية ضد إسرائيل وتجنب استهداف القواعد الأميركية. ومع ذلك، تسببت تلك الضربة المحدودة بأضرار جسيمة. أما إذا واجهت الولايات المتحدة نظامًا إيرانيًا يقاتل من أجل البقاء فستكون أمام معادلة مختلفة كليًا.
رضا بهلوي ومهرجو الملكية
لدى الإمبرياليين خيار آخر: رضا بهلوي، الذي نصب نفسه عام 2022 قائدًا للمعارضة. فقد نشر مركز أبحاث إيراني–أميركي يدعى الاتحاد الوطني من أجل الديمقراطية في إيران (NUFDI) خطة مفصلة يُفترض أن يقود بموجبها بهلوي «الانتقال إلى الديمقراطية». ووفقًا لهذه الخطة، يتولى رضا بهلوي رئاسة الحكومة الانتقالية، مع سيطرة كاملة على تعيين أعضاء البرلمان الانتقالي والجهاز القضائي (الذي يسمى حرفيًا «الديوان الملكي»).
ويستشهد أنصاره بوعوده بإجراء استفتاء وتشكيل جمعية تأسيسية بوصفها دليلًا على «ديمقراطيته».
في عام 1979، أعلن الإسلاميون بدورهم أنهم قادة الثورة. بل وتلقوا في البداية دعمًا من الإمبرياليات الغربية التي سعت إلى التحكم في الوضع، ثم لاحقًا من بقايا دولة بهلوي التي حاولت إنقاذ نفسها. هم أيضًا انتخبوا جمعية تأسيسية وأجروا استفتاءً في مارس 1979. لكن ذلك لم يكن سوى غطاء ديمقراطي. فبمجرد أن رسخ النظام سلطته، جرى سحق اليسار – الذي كان معزولًا إلى حد كبير بسبب أخطائه الستالينية الكارثية – وذبحه.
برنامج رضا بهلوي الاقتصادي بسيط: خصخصة واسعة النطاق، تشمل الموارد الطبيعية لإيران (على الأرجح باستثناء النفط)، وفتح البلاد أمام الإمبريالية الأجنبية. وهذا يخدم مصالح أسياده الإمبرياليين ووكلائهم الإيرانيين.
ثم من يكون رضا بهلوي ليُحاسِب الجمهورية الإسلامية؟ لقد ارتكب هو وبقية نظام بهلوي القديم جرائم فظيعة بحق الجماهير الإيرانية، من بينها نهب مليارات الدولارات عند فرارهم من البلاد – إذ سرقت عائلة بهلوي وحدها نحو ملياري دولار. إن المصادرات والعدالة ستكون سابقة مرعبة بالنسبة لهم.
وبعيدًا عن أوهامه بتسلم السلطة – التي على الأرجح ستُواجه بمقاومة عنيفة – فإن النشاط الحقيقي الوحيد لرضا بهلوي بوصفه «قائدًا» هو الاستيلاء على نضال الجماهير الإيرانية ونسبه إلى نفسه. فالمد الراهن، بما في ذلك الإضراب العام في كردستان، لم يدع إليه ابن الشاه، بل دعت إليه الأحزاب الشيوعية الكردية التي لا تزال تتمتع بسلطة فعلية في الإقليم.
وينطبق الأمر نفسه على الدعوات إلى الإضراب العام، سواء اليوم أو في عام 2022. فالعمال والشيوعيون والكرد هم آخر من يمكن أن يتلقى أوامر من أحد من آل بهلوي. فقد كان والده قوميًا فارسيًا متعصبًا، قمع انتفاضات كردية عديدة، وأعدم وسجن وعذب الشيوعيين.
ورضا بهلوي، كأبيه، لعاق أحذية مخلص للإمبريالية الغربية. ففي محاولة للتقرب والحصول على الاعتراف به «قائدًا»، شكر دونالد ترامب. لكن عندما سُئل ترامب عما إذا كان سيلتقي بهلوي، أجاب: «أعتقد أننا يجب أن نترك الجميع يخرجون ويروا من سيبرز. لست متأكدًا بالضرورة من أن ذلك سيكون أمرًا مناسبًا».
هناك كثير من الجمهوريين المتحمسين لتغيير النظام ويدعمون آل بهلوي. لكن تردد ترامب في الاعتراف ببهلوي يكشف عن الحذر السائد لدى جزء كبير من الطبقة السائدة الأميركية من تقديم دعم كامل له. فهو لا يمكن أن يصل إلى السلطة إلا على ظهر تدخل أميركي. وهم قد رأوا في العراق وسوريا وأفغانستان ما يعنيه ذلك: خطر الفوضى وانهيار الدولة، بل وحتى الحرب الأهلية، بكل ما يترتب على ذلك من تداعيات على المصالح الأميركية الإقليمية والاقتصاد العالمي.
ورغم أنه قد لا يحظى باعتراف رسمي من ترامب، إلا أن الولايات المتحدة تحتضن معظم نخب بهلوي المنفية، التي لها حلفاء مؤثرون داخل نخبة الحزب الجمهوري.
وقد تراجع بهلوي لاحقًا، موضحًا أنه لا يؤيد تدخلًا عسكريًا يقوده ترامب. لكنه عاد وغير موقفه مرة أخرى، وفي 9 يناير دعا إلى التدخل العسكري أثناء حديثه مع دونالد ترامب. لقد كان هذا دائمًا هدف تملقه للإمبرياليين، وإن لم يكن دائمًا بهذا الوضوح. والجماهير الإيرانية تفهم ذلك جيدًا. حتى عندما دعا إلى انتفاضة خلال حرب الأيام الاثني عشر، تجاهله الجميع داخل إيران. وقد اعتبرته الأغلبية الساحقة – بحق – خائنًا.
أوثق رعاته هم إسرائيل وبنيامين نتنياهو. فقد زار رضا بهلوي إسرائيل عام 2023، ويزور أعضاء جماعة الضغط الملكية «الاتحاد الوطني من أجل الديمقراطية في إيران» إسرائيل بانتظام. وكشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن الدولة الإسرائيلية، منذ عام 2022، دعمت الملكيين عبر روبوتات إلكترونية، والاختراق عبر تلغرام ومنصات التواصل الأخرى، وغير ذلك. والحقيقة أن هذه العلاقة، على الأرجح، أعمق بكثير. هذا الدعم المكثف – إلى جانب اليأس المطلق الذي تعيشه الجماهير – يفسر لماذا أصبح الملكيون فجأة أكثر حضورًا في الشوارع.
لقد عبرت الجماهير الإيرانية مرارًا عن رفضها التام لرضا بهلوي والإمبرياليين. ومؤخرًا، كتب اتحاد عمال قصب السكر في هفت تبه – وهو اتحاد نقابي مناضل قاد نضال من أجل الرقابة العمالية وساند باستمرار كل الانتفاضات – في بيان له ما يلي:
«يمكن لآل بهلوي أن يعتمدوا على الرأسمالية، أما العمال والناس الذين يريدون الحرية والمساواة فلا. عبيد الشاه، وعبيد الإمام، وعبيد الأصنام، يمكنهم أن يذهبوا ليكذبوا وينشروا الأخبار المزيفة في وسائل إعلام مستأجرة، إنهم يسيئون إلى ذكاء الناس ويطمسون الحد الفاصل بين الحقيقة والكذب. لكن العالم ليس زائفًا. الزائفون فقط هم الكذابون الذين بلا سمعة».
وكتب اتحاد عمال شركة حافلات طهران والضواحي ما يلي:
«لقد قلنا مرارًا ونكررها اليوم: إن طريق تحرر العمال والكادحين لا يمر عبر قائد مفروض من فوق رؤوس الناس، ولا عبر الاتكال على قوى أجنبية، ولا من خلال أجنحة داخل السلطة، بل يمر عبر الوحدة والتضامن وبناء منظمات مستقلة في مواقع العمل وعلى المستوى الوطني. يجب ألا نسمح لأنفسنا بأن نكون ضحايا ألعاب السلطة ومصالح الطبقات السائدة مرة أخرى.
ويدين الاتحاد بشدة أي دعاية أو تبرير أو دعم للتدخل العسكري من طرف حكومات أجنبية، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل. فمثل هذه التدخلات لا تؤدي إلا إلى تدمير المجتمع المدني وقتل الناس، كما توفر ذريعة جديدة لاستمرار العنف والقمع من طرف الحكومة. وقد أظهرت التجارب السابقة أن الحكومات الغربية المتسلطة لا تولي أدنى اعتبار لحرية الشعب الإيراني ومعيشته وحقوقه».
أما الطلاب في إيران، سواء اليوم أو في عام 2022، فقد دأبوا على ترديد الشعار: «الموت لكل الطغاة – سواء كانوا شاهًا أم ملالي». ولدى الشباب الكرد وغيرهم من الشيوعيين صيغة أخرى: «لا نريد الشاه ولا الملالي، بل حكم السوفييتات».
هذا يحدد بدقة الطريق الذي يمكن أن تُستكمل به الثورة! على الطبقة العاملة في إيران أن تتولى السلطة بنفسها، ولا يكون ذلك إلا عبر السوفييتات أو ما يماثلها من تنظيمات (التي كانت تُعرف في ثورة 1979 باسم «الشورى»). غير أن هذه السوفييتات أو الشورى لا وجود لها بعد في اللحظة الراهنة. لذلك يجب أن يكون الشعار: تشكيل السوفييتات أو الشورى أولًا!
ويجب ربط شعار السوفييتات (أو الشورى ولجان الدفاع ولجان الإضراب ولجان الأحياء…إلخ) ببرنامج واضح من المطالب الطبقية. فالعمال بحاجة إلى السوفييتات بوصفها أكثر التنظيمات فعالية لانتزاع مطالبهم ومواصلة النضال لإسقاط النظام. ولن تتشكل الشورى بمرسوم أو إعلان، بل بفعل حركة الطبقة العاملة نفسها عندما تنخرط في الصراع.
تغلب على شعارات الاحتجاجات الجارية مطالب اقتصادية، مثل: «الموت لغلاء الأسعار!»، و«الفقر، الفساد، غلاء الأسعار: سنسقطكم!»، إلى جانب شعارات ديمقراطية ومعادية للنظام، مثل: «حرية، حرية، حرية»، و«الموت لخامنئي/ للدكتاتور/ للنظام بأكمله/ للجمهورية الإسلامية!»، و«خامنئي قاتل، حكمه غير شرعي!».
يوجد ملكيون في إيران، لكنهم أقلية ضئيلة من البرجوازيين الصغار المختلين، وربما حتى من البروليتاريا الرثة. يقومون بحركات غريبة، مثل وضع لافتة طريق جديدة فوق شارع غورجي (الذي كان يسمى سابقًا شارع أيزنهاور)، وتغيير اسمه إلى شارع دونالد ترامب، اقتداءً بسيدهم الأعلى رضا بهلوي الذي صور وهو يحمل لافتة تمجد ترامب.
وفي الغرب، ينظم ملكيون لا يقلون جنونًا تظاهرات يرفعون فيها الأعلام الإسرائيلية والأميركية والملكية الإيرانية (وأحيانًا راية درفش كاوياني من أواخر العصور القديمة) إلى جانب صور الشاه ودونالد ترامب. ومثل شاههم، يقلد بعضهم بشاعة شعار ترامب خلال حرب الأيام الاثني عشر: «لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى»، في محاولة للتملق.
إن غياب القاعدة الجماهيرية لم يمنع رضا بهلوي وأنصاره المختلين في الشتات من نشر مقاطع احتجاج مزيفة، بعضها بشعارات معدلة، وأخرى مفبركة بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي. ورغم أن عددًا قليلًا من هذه المقاطع قد يكون حقيقيًا، فإن حجم التضليل يجعل من الصعب التمييز بين الحقيقي والمزيف، مع غرق منصتي X وإنستغرام بالهراء الملكي. ومع تداول وسائل إعلام غربية لهذه الأكاذيب، تبقى المصادر الموثوقة الوحيدة هي قنوات تلغرام داخل إيران التي يديرها الشباب الثوري والعمال أنفسهم.
ارفعوا أيديكم عن إيران! الموت للطغاة – شاهًا كانوا أم ملالي!
كل ذلك لا يخدم في النهاية سوى الجمهورية الإسلامية. فالنظام يدعي أن الاحتجاجات اختراق أجنبي، وقد بث اعترافات كاذبة على الهواء لما وصفهم بالملكيين. ورغم أن كثيرًا من هذه الاعترافات كُشف زيفها، فإنها تترك أثرها.
ومن خلال استغلال المخاوف الحقيقية لدى الجماهير، تمكن النظام من حشد آلاف الأشخاص في تظاهرة مؤيدة له في مدينة أصفهان الكبرى قبل قطع الإنترنت. ومع إعلان الحداد لثلاثة أيام والدعوة إلى مسيرات جديدة مؤيدة للنظام يوم الأحد، يبقى أن نرى حجم قوته الفعلية.
إن تدخل الغرب والملكيين يزرع الارتباك في صفوف الجماهير. فالجماهير تتذكر جيدًا نظام الشاه: ديكتاتورية وحشية بلا أي حقوق ديمقراطية، نظام تغذيه اللامساواة الفاحشة والفساد، ونظام فتح البلاد أمام نهب الإمبرياليين.
إن الجماهير تفهم أن الإمبرياليين يريدون إعادة إيران إلى وضعها التابع الذليل. وهم يرون بأعينهم الخراب الذي خلفته الإمبريالية في المنطقة: الفقر، تدمير العراق وسوريا واليمن، الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين، وغير ذلك.
هذا الارتباك يولد حالة فوضى في الشوارع، ويخلق مزاجًا من الخوف لدى بعض الفئات، ما يضعف زخم الاحتجاجات، ويمنح النظام فرصة للتدخل بقمع وحشي. إن غياب قيادة واضحة هو ما أتاح لهذه الفوضى أن تتفاقم. فلو كانت هناك قيادة ثورية متشكلة بالفعل لكان في مقدور الجماهير الإيرانية إسقاط الجمهورية الإسلامية مرات عديدة منذ عام 2018. لكن بدلًا من ذلك، امتد الصراع الطبقي وتحول إلى مسار دموي وقاسٍ.
على الثوريين الإيرانيين أن يسارعوا إلى بناء بديل ثوري واضح، ببرنامج مستقل طبقيًا بالكامل، ويربط النضال بالحركة العمالية الإيرانية. برنامج يستند إلى المطالب السياسية والاقتصادية التي طُرحت منذ عام 2018.
وفي غياب مثل هذه القيادة يمكن أن تتدهور الأوضاع بسرعة. فالتدخل العسكري ضد النظام سيكون كارثة على الجماهير، ومن غير الواضح أصلًا إن كان سينجح في إسقاطه. وهناك احتمال آخر يتمثل في انقلاب قصر تقوم به أجنحة من داخل النظام تسعى لإنقاذ نفسها.
مهما كان المسار الذي ستتخذه الأحداث، فمن الواضح أن أيام الجمهورية الإسلامية باتت معدودة. فالوضع غير قابل للاستمرار منذ عام 2018، مع الإضرابات المتواصلة والاحتجاجات الاقتصادية وانتفاضات الشباب العنيفة وسقوط مئات القتلى واعتقال آلاف الأشخاص كل عامين تقريبًا. لكن التهديد الإمبريالي وغياب بديل ثوري واضح لم يحولا إسقاط النظام إلى مسار دموي فحسب، بل يهددان الآن بتفكيك إيران بصفتها أمة ونهب البلاد وكوارث أخرى.
وحتى لو سقط النظام، لا يكفي تغيير الوجوه الحاكمة. فالمشكلة ليست في الملالي أو آل بهلوي. هؤلاء مجرد أجنحة لطبقة سائدة طفيلية واحدة. إن الرأسمالية الإيرانية، بحكم تخلفها، أعادت مرارًا إنتاج شروط الديكتاتورية والفقر. ولا يمكن كسر هذه الحلقة إلا باستيلاء الطبقة العاملة على السلطة.
على الشيوعيين الإيرانيين أن يُعدوا الأرضية لبناء حزب شيوعي ثوري، حزب قادر، فور سقوط النظام، على النمو السريع. وفي الوقت نفسه، تقع على عاتق الطبقة العاملة في البلدان الإمبريالية الغربية مسؤولية استخدام موقعها وقوتها لمنع مغامرة إمبريالية جديدة في إيران. ومن ثم، فإن واجب الشيوعيين في الغرب هو فضح طبقاتهم السائدة بلا هوادة.
12 يناير/كانون الثاني 2025
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية