يُمثل الغزو الأمريكي لفنزويلا مطلع هذا العام حدثا ذا دلالة تاريخية. فمع اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تحت وابل من الرصاص والقنابل، أعلنت إدارة ترامب النهاية الكاملة للنظام العالمي القائم على “القواعد”.

انتهى عهد التذرع بـ”القانون الدولي” و”الديمقراطية” كغطاء للتدخلات الإمبريالية. لم تكن هذه العملية سوى إخضاع سافر لأمة ذات سيادة وتحويلها إلى دولة شبه مستعمرة سعيا وراء المواد الخام ومناطق النفوذ.
كما هدفت عملية “العزم المطلق” إلى توجيه رسالة واضحة لبقية بلدان الأمريكتين، وأعقبها تهديدات مباشرة لكولومبيا والمكسيك وكوبا. شكل كل ذلك جزءا من محاولة الإمبريالية الأمريكية لإعادة بسط سيطرتها على القارة، كما هو محدد في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الجديدة لترامب وقمة “درع الأمريكتين” في مارس.
جوهر سياسة ترامب، التي يشار إليها بـ”مبدأ ترامب المكمل لمبدأ مونرو” -أو “مبدأ دونرو”- يمكن تلخيصه في كلمات البيان الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية، والذي أكد على أن:
“هذا نصف الكرة الأرضية الخاص بنا، والرئيس ترامب لن يسمح بتهديد أمننا”.
وبهذا تعيد إدارة ترامب ببساطة تأكيد السياسة الإمبريالية الأمريكية القديمة المتعلقة بما يسمى “فناءها الخلفي”. ففي عام 1912، ادعى الرئيس ويليام تافت أن نصف الكرة الغربي “سيكون لنا في الواقع، فهو ملك لنا بالفعل من الناحية الأخلاقية بحكم تفوقنا العرقي”.
لكن هذا ليس “عودة الإمبريالية”، كما تدعي الصحافة الليبرالية، إنه ببساطة استمرار لخمسة قرون من الهيمنة والنهب والاستغلال في أمريكا اللاتينية.
خمسة قرون من النهب
تمتلك أمريكا اللاتينية كل ما يلزم لبناء جنة على الأرض، لكن شعبها أجبر على تحمل عذاب مرير. فعلى مدى خمسمائة عام تعرضت أراضي وشعوب أمريكا اللاتينية للنهب الوحشي والمنهجي، تحت سيطرة إسبانيا والبرتغال ثم بريطانيا، قبل أن تخضع في النهاية لهيمنة الولايات المتحدة.
وقد وثق إدواردو غاليانو هذا النهب المستمر ببراعة في كتابه “عروق أمريكا اللاتينية المفتوحة” (Open Veins of Latin America) الصادر عام 1971.
جاء الغزاة الأوائل باحثين عن الذهب والفضة، لكن مع تطور السوق العالمية، ازدادت شهية القوى الاستعمارية النهمة للمواد الخام الأخرى الضرورية لتطور الاقتصاد الحديث: الحديد، والقصدير، والنحاس، والنفط، والآن الليثيوم، المعروف باسم “الذهب الأبيض”، والكوبالت المستخدم في التكنولوجيات “الخضراء” والصناعات العسكرية.
قد يكون شكل نهب الثروات تغير عبر القرون، لكن وحشية استخراجها ظلت ثابتة.
أجبر السكان الأصليون والأفارقة المستعبدون على العمل القسري في مناجم بوتوسي. واليوم يُجبر العمال الأصليون “الأحرار” على العمل لساعات طويلة مقابل أجور زهيدة، مدفوعين بالفقر المدقع، ليموتوا بسبب تسمم الرئة في سن الخامسة والأربعين، أي قبل نحو ثلاثين عاما من متوسط عمر بقية السكان. أليست هذه عبودية باسم آخر؟
لا تقتصر ثروات أمريكا اللاتينية على المعادن الموجودة تحت الأرض؛ إذ أن تنوّعها البيولوجي المذهل وتربتها الخصبة وفرا سلعا أساسية للسوق العالمية طيلة قرون. وإلى جانب المحاصيل المحلية كالكاكاو والقطن والمطاط، أُضيفت محاصيل مستوردة -كالسكر والبن والموز- بكثافة وعلى نطاق واسع من خلال المزارع الرأسمالية.
تزامن توسع المزارع مع تخريب البيئة والقضاء على ما لا يحصى من مجتمعات الفلاحين الأصليين، الذين سُلبت أراضيهم وأُجبروا على العمل كأقنان في الضيعات الكبرى (Haciendas) أو في المناجم. وتشهد غابات البرازيل المطيرة اليوم عملية مماثلة، حيث يتم تهجير السكان الأصليين ويُقتلون على يد شركات التنقيب عن الذهب وشركات تربية الماشية.
ومنذ ذلك الحين تطورت تلك الضيعات الكبرى القديمة إلى مزارع ضخمة حديثة تُعرف باسم “لاتيفونديات”، وهي عبارة عن ضيعات زراعية رأسمالية هائلة تحتكر أراضي واسعة. حل محل النبلاء الإسبان والكنيسة الكاثوليكية ملاك الأراضي الرأسماليين، مثل شركة “يونايتد فروت”، التي كانت تمتلك في خمسينيات القرن الماضي 40% من جميع الأراضي الصالحة للزراعة في غواتيمالا.
تعكس سيرورة انتزاع الملكية والاستغلال، من نواح عديدة، ما وصفه ماركس بـ”التراكم البدائي لرأس المال”، والذي مهد الطريق لظهور النظام الرأسمالي. لكن على عكس أوروبا، لم يُفض ذلك الاستغلال الوحشي إلى نشوء اقتصادات صناعية قوية في أمريكا اللاتينية، فبدلا من استثمار الأرباح محليا، تم تحويلها إلى حسابات مصرفية أجنبية، ولم يسقط منها سوى الفتات لوكلاء الرأسمال الأجنبي المحليين.
يتم نقل خام المعادن من المناجم المملوكة لشركات أجنبية عبر خطوط سكك حديدية ممولة بقروض أجنبية إلى موانئ حيث تقوم شركات الشحن الأجنبية باستلامه، ليتم تكريره في أماكن أخرى وبيعه مرة أخرى إلى بلدان المنطقة بأسعار أعلى بكثير. وقد تم سحق أي محاولة من جانب الشركات المحلية للمنافسة. وتتعزز هذه الحلقة المفرغة من التبعية بالديون، فبعد أن كانت المستعمرات تدفع الجزية للتاج الإسباني، أصبحت الآن تدفع مبالغ طائلة على شكل فوائد لبنوك البلدان “المتقدمة”.

يستحيل الحفاظ على هذا النظام دون دوامة لا تنتهي من التدخلات الإمبريالية والحروب والإبادة الجماعية. والنتيجة هي معدل فقر يبلغ تقريبا ضعف مثيله في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وبصورة إجمالية فإن 56.5% من سكان أمريكا اللاتينية هم إما فقراء أو في وضعية هشاشة، مما يجعلها المنطقة الأكثر تفاوتا في العالم.
الفقر والعنف اللذان تعاني منهما الجماهير يدفعانها حتما إلى الهجرة. ففي 1830، قال سيمون بوليفار بمرارة: “الشيء الوحيد الذي يمكنك القيام به في أمريكا هو الرحيل”[1]. وبحلول 2020، كان هناك 47.2 مليون مهاجر من الأمريكتين يعيشون خارج أوطانهم، وغالبا ما يتبعون تدفق الأرباح المسروقة بحثا عن عمل في البلدان التي أفقرت أوطانهم.
شعلة الثورة
واجهت شعوب المنطقة قرون الاضطهاد بقرون من المقاومة والثورة.
اندلعت أول ثورة ناجحة ضد العبودية والاستعمار في أمريكا اللاتينية في هايتي، حيث حولت انتفاضة العبيد عام 1791 أكثر المستعمرات ربحية في العالم إلى أول أمة مستقلة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
تلت ذلك موجة من الثورات في ما كان يعرف آنذاك بأمريكا الإسبانية، بعد هزيمة الملكية الإسبانية على يد نابليون عام 1808. بدأت أولى تلك الثورات في لاباز في يوليوز 1809، عندما أصدر مجلس الدفاع عنطردنا حقوق الشعب، بقيادة بيدرو دومينغو موريلو، إعلانا جريئا للاستقلال، يدين “طغيان مغتصب ظالم طردنا من الجنس البشري ووصمنا بالمتوحشين واعتبرنا عبيدا”[2].
ورغم أن موريلو قُبض عليه وأعدم على يد القوات الإمبراطورية في يناير 1810، فقد أعلن متحديا:
“يا أبناء وطني، إن الشعلة التي أتركها مشتعلة لن يستطيع أحد إخمادها”[3].
ولم يكن مخطئا.
ففي ربيع ذلك العام، اندلعت ثورات في كاراكاس وبوينس آيرس، فاتحة عهدا من الحروب الثورية التي حررت في نهاية المطاف جميع بلدان أمريكا الجنوبية الناطقة بالإسبانية.
وفي غضون ذلك، وفي الساعات الأولى من صباح السادس عشر من شتنبر عام 1810، قرع ميغيل هيدالغو أجراس كنيسة بلدة دولوريس المكسيكية وأطلق صرخته الشهيرة “صرخة دولوريس”، والتي وردت عنها روايات عديدة، من بينها:
“يا أبنائي! انضموا إلي! ساعدوني في الدفاع عن وطننا! الإسبان يريدون تسليمه للفرنسيين الكافرين. لا مزيد من الاضطهاد! لا مزيد من الجزية! لمن يتبعني على صهوة جواده، سأعطيه بيزو؛ وسأعطي 50 سنتا لمن يتبعني سيرا على الأقدام”[4].
وبحلول عام 1826، كانت جميع بلدان أمريكا اللاتينية الحديثة، باستثناء كوبا وبورتوريكو، قد نالت استقلالها.

كانت تلك الحركات تقدمية للغاية، إذ رفعت المطالب الكلاسيكية للثورة البرجوازية الديمقراطية: السيادة الوطنية، والمساواة أمام القانون، وإلغاء العبودية، والإصلاح الزراعي. ومع ذلك، ولأن البرجوازية الكريولية (criollo) [البرجوازية المحلية ذات الأصول الأوروبية] المحلية كانت تخشى الجماهير أكثر من كراهيتها للتاج، فقد جرى الالتفاف على تلك الأهداف أو تركها ناقصة غير مكتملة.
انتقلت شعلة الثورة مرة أخرى بعد قرن من الزمان، مع اندلاع الثورة المكسيكية الثانية عام 1910. شهد ذلك العصر صعود قادة فلاحين راديكاليين، مثل بانشو فيا وإيميليانو زاباتا، الذين أصبح شعارهم “الأرض لمن يزرعها” مطلبا أساسيا للثورات في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية.
ومنذ ذلك الحين اجتاحت المنطقة مرارا وتكرارا حركات ثورية ملهمة. لكن ذلك لا يُظهر فقط بسالة الجماهير، بل يُبين أيضا أن الثورة اللاتينية الأمريكية الكبرى لم تكتمل بعد.
مهام لم تُنجز
على الرغم من قرنين من النضالات، لم يتم تنفيذ أي من المطالب الأساسية التي رفعتها الجماهير تنفيذا كاملا. فالسيادة الوطنية -التي تُعرَّف بأنها السلطة العليا للدولة في حكم نفسها دون أي تدخل خارجي- ما تزال مجرد طموح وليست واقعا ملموسا، في منطقةٍ يمارس فيها التدخل الإمبريالي سطوته على جميع مستويات المجتمع.
وبغض النظر عن كون بورتوريكو ما تزال “إقليما غير مُدمج” -أي مستعمرة- تابعة للولايات المتحدة، فإلى أي مدى يمكننا الحديث عن السيادة الوطنية، حتى في البلدان المستقلة رسميا؟
ما الذي تعنيه السيادة لفنزويلا بينما يمكن اختطاف رئيسها من قِبل قوة أجنبية ومحاكمته في نيويورك كمجرم عادي، بينما تُملى سياسات الحكومة، بل وحتى ميزانيتها، من الخارج؟ وهل يمكن اعتبار دولة الأرجنتين ذات سيادة حقا بينما يمكن نقض قوانين إعادة هيكلة ديونها فعليا من قِبل محكمة في الولايات المتحدة، كما حدث عندما رفعت “صناديق الاستثمار الانتهازية” الأمريكية دعوى قضائية ناجحة ضد الأرجنتين سنة 2013؟
وبالمثل فقد عملت القوات الأمريكية لعقود طويلة دون رادع داخل الأراضي الكولومبية، مرتكبة أعمال تدخل سياسي وتعذيب وقتل باسم “مكافحة الإرهاب المرتبط بالمخدرات”.
ينتج افتقار هذه البلدان للاستقلال السياسي، في نهاية المطاف، من افتقارها للاستقلال الاقتصادي. فالاحتكارات الأجنبية تهيمن على أهم القطاعات الاقتصادية في كل المنطقة.
تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى ثلثي قطاع التعدين في تشيلي مملوك لجهات أجنبية. وحتى في البلدان التي تُدار فيها المناجم في الغالب من قبل التعاونيات المحلية والدولة، كما هو الحال في بوليفيا، فإن العديد من العمليات المحلية هي ممولة في الواقع من جهات أجنبية، وتعتمد على التكنولوجيا التي توفرها شركات من البلدان الامبريالية.
ويشهد قطاع التصنيع وضعا مشابها، حيث تُعد صناعة السيارات في المكسيك أكبر مصدر لصادراتها، وتصل نسبة ملكية الشركات الأجنبية فيها إلى 90%. في الوقت نفسه، تهيمن البنوك الأجنبية، مثل بنك سانتاندير، على القطاع المالي.
يعتبر الإصلاح الزراعي أحد أهم مطالب الثورة في أمريكا اللاتينية، التي تعرف أكبر التفاوتات في توزيع الأراضي في العالم، إذ تسيطر 1% من “المزارع العملاقة” على مساحة أراض أكبر مما يملكه 99% من المزارعين مجتمعين.
في كولومبيا تمتلك أكبر 1% من المزارع 81% من الأراضي. وهذا التفاوت الهائل يؤجج بدوره العنف والاضطرابات المستمرة في أجزاء كبيرة من الأرياف.
في هذا السياق حتى الديمقراطية الشكلية تصبح مجرد قشرة جوفاء. فبينما أنتجت أمريكا اللاتينية دساتير أكثر من أي منطقة أخرى في العالم، فإن الحقوق المنصوص عليها في تلك الوثائق تبقى محصورة إلى حد كبير في الورق الذي كُتبت عليه.
والحال هو أن المنطقة عانت لأكثر من قرن من الانقلابات والحروب الأهلية، تفصل بينها فترات من “الاستقرار”، حيث تسيطر قلة أوليغارشية فاسدة على جميع مؤسسات الديمقراطية الشكلية: البرلمان والمحاكم والإعلام.
الخيانة العظمى
سبب هذا الركود هو طبقة برجوازية محلية ضعيفة وطفيلية خانت الثورة منذ بدايتها.
فحتى خلال حروب الاستقلال الإسبانية الأمريكية، تعرض حلم بوليفار بتوحيد أراضي الأنديز التي كانت تابعة للإمبراطورية الإسبانية في فدرالية واحدة، فدرالية الأنديز، للخيانة على يد النخبة الكريولية (criollo) المحلية، التي آثرت امتيازات الترف والقروض التي يقدمها التجار والمصرفيون البريطانيون على تطلعات شعبها الفقير. ومثلما فعل عيسو في الكتاب المقدس، فقد باعت البرجوازية في أمريكا اللاتينية حقها في البكورية مقابل “طبق من العدس”.
واليوم ما تزال الطبقات السائدة في جميع بلدان أمريكا اللاتينية مرتبطة ارتباطا وثيقا -وغالبا ما تكون متطابقة- مع كبار ملاك الأراضي (latifundistas) الذين يحتكرون الأرض. هذا يجعل أي إصلاح زراعي حقيقي مستحيلا دون مواجهة المصالح الأساسية للطبقة الرأسمالية المحلية.
يتجلى هذا في كولومبيا اليوم، حيث تعثر برنامج الإصلاح الزراعي للرئيس غوستافو بيترو وأحبط بسبب حملة مقاومة مستمرة، وتشويه سمعة، وزعزعة استقرار من قبل الأوليغارشية الكولومبية.
وكما أوضح غاليانو، فقد نشأت برجوازيات المنطقة كـ”تروس في الآلية العامة التي استنزفت المستعمرات وأشباه المستعمرات”[5]. وبسبب اعتمادها التام على الإمبريالية الأجنبية والسوق العالمية، فهي عاجزة عن بناء اقتصاد وطني مستقل حقا. بل إنها لا تصلح إلا لدور المرتزقة والقتلة المأجورين – الجلادين الذين يُستأجرون ضد شعوبهم.
الشيء الوحيد الذي برعت فيه الطبقة السائدة في أمريكا اللاتينية هو إنتاج دكتاتوريين متوحشين في خدمة الإمبريالية الأجنبية. تاريخ كل بلدان أمريكا اللاتينية ملطخ بالفظائع المرتكبة ضد مئات الآلاف من الفلاحين والعمال والسكان الأصليين: عمليات الإخصاء، وشق بطون النساء الحوامل، ورمي الأطفال على رأس الحراب، وكل ذلك باسم الدفاع عن “الحضارة” و”الديمقراطية” و”التجارة الحرة”.

وحتى عندما لا يرتكبون جرائم قتل جماعي، فإن غباء وخضوع الرجعيين يفوق التصور. وعلى سبيل المثال فقد قامت ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة “الديمقراطية” الفنزويلية، مؤخرا بتسليم جائزة نوبل للسلام إلى دونالد ترامب كعربون شكر له لغزوه بلدها.
في غضون ذلك نجد خافيير ميلي، ذلك “اللاسلطوي الرأسمالي”، الذي يستمتع بلعب دور الرجل القاسي مع العمال الأرجنتينيين، يهرع كالجرو إلى حجر سيده في واشنطن. إن هؤلاء الناس يشكلون تجسيدا حيا لطبقة بلا عقل ولا قلب ولا مستقبل.
خلال السنوات الأخيرة اتجهت أنظار الكثيرين في أمريكا اللاتينية نحو الصين كبديل محتمل للهيمنة الأمريكية. من المفهوم لماذا يرى الكثيرون في بكين أنها شريك أفضل: فالاستثمارات الصينية غالبا ما تأتي دون التهديد بالتدخل العسكري والإذلال السياسي الذي يميز العلاقات مع الولايات المتحدة. لكن ما دام الاقتصاد في أيدي نفس الطبقة الرأسمالية الفاسدة، ستستمر التناقضات واللامساواة والتبعية الخارجية التي تعيق تقدم المنطقة.
لذا فإن ما هو ضروري لتقدم الثورة في أمريكا اللاتينية هو الإطاحة بالأوليغارشية والاحتكارات الأجنبية ومصادرة ممتلكاتهم. بدون ذلك، سوف تبقى تطلعات الجماهير معلقة.
دروس مهمة
في يناير 2005، أعلن هوغو تشافيز أن السبيل الوحيد للخروج من الركود التاريخي الذي تعاني منه أمريكا اللاتينية هو الثورة “لكسر هيمنة الرأسمالية، وكسر هيمنة الأوليغارشيات”، لكنه أضاف:
“لا يمكن تجاوز الرأسمالية من الداخل. يجب تجاوزها عبر الاشتراكية”[6].
تكمن المأساة الكبرى للثورة البوليفارية في أنها، رغم جهود تشافيز، لم تُحقق النجاح الكامل في إسقاط الرأسمالية. بل ما حدث هو العكس، فقد قضت الرأسمالية على جميع مكاسب الثورة، بتواطؤ فعال من جانب البيروقراطية البوليفارية نفسها.
أما الثورة الكوبية فقد نجحت في إسقاط الرأسمالية. فمن خلال مصادرة رؤوس الأموال الأجنبية، وممتلكات كبار ملاك الأراضي والبرجوازية المحلية، حقق شعب تلك الجزيرة الصغيرة المعجزات رغم ستة عقود من العدوان المتواصل من طرف أعتى قوة إمبريالية في العالم.
في عام واحد تمكنت كوبا من القضاء على الأمية التي كانت تتجاوز 23% عام 1959. وحققت متوسط عمر مماثلا لنظيره في الولايات المتحدة، ومعدلا منخفضا لوفيات الرضع، مع إنفاقها عُشر ما تنفقه الولايات المتحدة على الرعاية الصحية. ومنذ عام 1963، أرسلت كوبا أكثر من 600 ألف متخصص طبي إلى 164 بلدا، مما يُظهر الإمكانات الهائلة للاقتصاد المخطط.
والأهم من ذلك هو أن كوبا نفذت أوسع إصلاح زراعي في أمريكا اللاتينية. فقد تم تأميم الأراضي الزراعية الكبيرة (Latifundios) وإعادة توزيعها على شكل قطع أرض عائلية صغيرة، أو إعادة تنظيمها على شكل تعاونيات ومزارع تديرها الدولة. اختفى الفقر وانعدام الأمن في الريف إلى حد كبير، مما أدى إلى تغيير جذري في أوضاع الأرياف.
ومع ذلك فإن أهم درس يمكن استخلاصه من تجربة كوبا هو خطر العزلة. إذ لا يمكن لأي بلد في أمريكا اللاتينية أن يتحرر بشكل كامل بينما تبقى بقية المنطقة تحت الحكم الرأسمالي. فبعد انهيار الكتلة السوفياتية، دخلت الجزيرة في فترة خاصة، وهي حقبة من الحرمان المادي الشديد حيث واجه الشعب الكوبي خطر المجاعة.
ورغم ذلك فقد صمدت الثورة. واليوم تعمل الإمبريالية الأمريكية على تشديد الخناق على الثورة الكوبية من جديد. فمن خلال قطعه لإمدادات النفط من فنزويلا والمكسيك، يدفع ترامب الاقتصاد الكوبي إلى حافة الانهيار.
مصير الثورة الكوبية على المحك. ستظل إنجازاتها مصدر إلهام للأجيال القادمة. لكن علينا أن نتعلم الدرس الأساسي من التجربة الكوبية، والذي هو: لكي تبقى الثورة وتزدهر، يجب أن تنتشر؛ يجب أن تصير ثورة عالمية.
من أجل الاشتراكية في كل أمريكا اللاتينية
لقد دخلنا مرحلة جديدة من الأزمة الرأسمالية والعدوان الإمبريالي، حيث تتراكم الشروط لاندلاع انفجارات وثورات اجتماعية هائلة. لكن تلك الانفجارات والثورات لن تنجح إلا بإسقاط الرأسمالية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية.
سوف تجد الثورة الأمريكية اللاتينية أقوى حليف لها في الطبقة العاملة الضخمة في “العملاق” شمال ريو غراندي. فإلى جانب حقيقة أن نسبة كبيرة من الطبقة العاملة الأمريكية تنحدر من أصول أمريكية لاتينية وترتبط ارتباطا وثيقا بالمنطقة، فإن مصالح جميع العمال الأمريكيين تتطابق جوهريا مع مصالح الجماهير المضطهَدة في الجنوب.
إن المواجهات الأخيرة التي اندلعت بين العمال وبين قوات إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس تعكس المواجهات التي حدثت بين الشباب الثوري وبين شرطة مكافحة الشغب خلال احتجاجات بارو ناسيونال في كولومبيا عام 2021. إنهما جبهتان في صراع واحد. عمال وفلاحو أمريكا -أمريكا الحقيقية، الممتدة من الدائرة القطبية الشمالية إلى رأس هورن- يشكلون، إذا هم اتحدوا، قوة أعظم من أعظم قوة عسكرية على وجه الأرض.
باتحادهم معا سيصير في إمكانهم بناء أمريكا اشتراكية جديدة، وتغيير العالم بأسره. وكما قال خوسيه كارلوس مارياتيغي:
“لن تكون ثورة أمريكا اللاتينية أكثر ولا أقل من مرحلة، طور من أطوار الثورة العالمية. سوف تكون، ببساطة ووضوح، الثورة الاشتراكية”[7].
15 أبريل/نيسان 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
Latin America – an unfinished revolution
الهوامش:
[1] S Bolívar, ‘Carta de Bolívar al general Juan José Flores (1830)’, Wikisource
[2] ‘Proclama de la Junta Tuitiva’, bolpress, 16 June 2021
[3] J R M Cabrera, Galería de hombres célebres de Bolivia, 1869,José Domingo Cortés, pg 186
[4] J M Morelos, Los sentimientos de la nación, Biblioteca Jurídica UNAM, pg 39
[5] E Galeano, Open Veins of Latin America, Monthly Review Press, 1997, pg 116
[6] H Chávez, ‘V Foro Social Mundial: El Sur, Norte de nuestros pueblos’, todochavez, 30 January 2005
[7] J C Mariátegui, ‘Aniversario y balance’, Amauta, Vol. 3, No. 17, September 1928
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية
