الرئيسية / دول العالم / أوروبا / فرنسا / فرنسا: الجبهة الشعبية والإضراب العام لـ مايو–يونيو 1936

فرنسا: الجبهة الشعبية والإضراب العام لـ مايو–يونيو 1936

في مايو ويونيو 1936، وفي أعقاب انتخاب حكومة الجبهة الشعبية، اجتاحت فرنسا موجة إضراب عام كانت الأكبر في تاريخها آنذاك. وحققت هذه الحركة الملهمة انتصارات كبرى للطبقة العاملة، من قبيل أسبوع العمل المحدد بأربعين ساعة. بيد أنه عقب سنوات قليلة فحسب، تم التراجع عن العديد من هذه المكتسبات، وتفتتت الطبقة العاملة الفرنسية تحت الاحتلال النازي.

فما هي الدروس التي يمكن للشيوعيين استخلاصها من هذه الأحداث؟ وكيف انتهت هذه الحركة —التي كان بمقدورها أن تتطور إلى ثورة شاملة— إلى مواجهة الهزيمة في نهاية المطاف؟

يتناول هذه الأسئلة المقال التالي، الذي كتبه جيروم ميتيلوس، أحد الرفاق القياديين في المنظمة الشيوعية الثورية. 


قبل تسعين عاما، وفي الثالث من مايو 1936، فازت الجبهة الشعبية —وهي ائتلاف يضم الحزب الشيوعي الفرنسي (PCF)، الفرع الفرنسي للأممية العمالية (SFIO، وهو الحزب الاشتراكي حاليا)، والحزب الراديكالي— بالانتخابات التشريعية. وعقب ثمانية أيام، وتحديدا في 11 مايو، أطلق عمال الطيران في مصانع بريغيه بمدينة لُهافر موجة إضرابات واحتلال للمصانع، استمرت لأسابيع عدة وأدت إلى شلل تام في أرجاء البلاد.

وفور توليتها السلطة، مررت الحكومة الجديدة —برئاسة ليون بلوم (SFIO)— تشريعات تقر، من بين أمور أخرى، أسبوع عمل محدد بأربعين ساعة، وعطلة مدفوعة الأجر لمدة أسبوعين. وفي الذاكرة الجماعية للحركة العمالية، يرتبط اسم الجبهة الشعبية بهذه التعبئة العمالية المهيبة وبتلك الإصلاحات الاجتماعية.

إن هذه الإصلاحات —عبر حدها من ساعات العمل، ومن ثم تحرير العمال جزئيا من ربقة المصنع أو المكتب— رفعت من شأنهم قليلا فوق مستوى الاقتصار على مجرد كونهم عبيد لدى رأس المال الكبير. ومن ثم، فمن الصائب تماما أن نواصل اليوم الاحتفاء بجرأة هؤلاء العمال وطاقتهم، إذ إنهم خطوا واحدا من أبهى الفصول في تاريخ طبقنا.

غير أن الفصول التي تلت ذلك كانت حالكة. فبعد عامين ونصف العام من وصولها إلى السلطة، أفسحت الجبهة الشعبية المجال لائتلاف يميني، وتم التراجع عن معظم المكتسبات الاجتماعية لربيع عام 1936. وعقب عام واحد، كانت الطبقة العاملة ترزح تحت وطأة نظام بيتان والاحتلال النازي.

فلماذا تبددت آمال الجبهة الشعبية على نحو مباغت كهذا؟ ولماذا لم تفضِ الاندفاعة الثورية لربيع 1936 إلى مجتمع جديد بلا فقر واستغلال؟ وما الذي كان غائبا؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكتسب أهمية بالغة، لأن تاريخ الجبهة الشعبية وانهيارها يقدم دروسا قيمة لكافة أولئك الذين يناضلون اليوم من أجل عالم أكثر عدلا.

الخطر الفاشي

لم تكد الرأسمالية تخرج من أتون الحرب العالمية الأولى، حتى غرقت مجددا في أزمة هيكلية طاحنة. أزمة حملت في طياتها —بدء من أوائل ثلاثينيات القرن الماضي— خطر اندلاع محرقة عسكرية عالمية جديدة.

فقد كان الانكماش الاقتصادي يقوض الدعائم المادية للإصلاحية والديمقراطية البرلمانية، بينما بلغت التناقضات الطبقية أوجها. لقد كانت حقبة ثورات وثورات مضادة، وهو ما تجلى بوضوح في الهجوم الذي شنته الحركة العمالية الإسبانية، كما في سحق النازية للعمال الألمان. وفي فرنسا أيضا، وضع مأزق الرأسمالية الحركة العمالية أمام خيار مباشر لا مناص منه: إما استيلاء الطبقة العاملة على السلطة، وإما الخضوع لدكتاتورية رجعية.

فكيف تعاطى قادة المنظمات الكبرى للحركة العمالية الفرنسية مع هذا الوضع؟ لقد أغمض من في الفرع الفرنسي للأممية العمالية أعينهم عن فداحة الأزمة وتداعياتها. ومع أنهم أقروا قولا بضرورة الإطاحة بالرأسمالية، إلا أن سياستهم بأكملها كانت تقوم على منظور التحول التدريجي والسلمي للنظام الاجتماعي، عبر الاستعانة بأغلبية برلمانية يسارية.

وقد أثبتت هذه السياسة ذاتها للقادة “الاشتراكيين” إخفاقها الذريع في ألمانيا. بيد أن ليون بلوم —قائد الفرع الفرنسي للأممية العمالية— جهد في إقناع الجماهير بأن “فرنسا ليست ألمانيا”، وبأن شن هجوم ثوري لن يكون ضروريا في فرنسا للقضاء على الاستغلال والفقر والبطالة.

من جانبهم، واصل قادة الحزب الشيوعي الفرنسي حتى عام 1934 انتهاج سياسة ما سُمي بـ”الفترة الثالثة»”، والتي تمثلت في توصيف الفرع الفرنسي للأممية العمالية بوصفه حزبا “فاشيا اجتماعيا”. ورفض الحزب الشيوعي الفرنسي أي شكل من أشكال العمل المشترك مع الفرع الفرنسي للأممية العمالية في مواجهة المنظمات الفاشية الحقيقية، التي كان نفوذها يتنامى باستمرار بين أوساط البرجوازية الصغيرة.

في ألمانيا، كانت هذه السياسة ذاتها القائمة على شق صف الحركة العمالية قد طبقها أقوى حزب شيوعي في الأممية الثالثة خارج روسيا، حتى استولى أدولف هتلر على السلطة وسحق المنظمات العمالية، بما فيها الحزب الاشتراكي الديمقراطي “الفاشي اجتماعيا”.

وكشفت هذه الكارثة عن مدى الانحطاط الذي آلت إليه الأممية الثالثة، وهو انحطاط كانت علته الأساسية تتمثل في انحطاط الثورة الروسية ذاتها. إذ إن الديمقراطية السوفياتية التي أرسى دعائمها ثورة أكتوبر 1917 —وبسبب عزلتها في بلد متخلف— قد أفسحت المجال في نهاية المطاف للستالينية: أي دكتاتورية طغمة طفيلية ومتميزة.

الجبهة الشعبية

في جوهرها، كانت الجبهة الشعبية تحالفا بين ثلاثة أحزاب: الحزب الشيوعي الفرنسي، والفرع الفرنسي للأممية العمالية، والحزب الراديكالي. وبالتالي، كان تحالف الحزب الشيوعي الفرنسي مع الفرع الفرنسي للأممية العمالية يعني ضمنيا التخلي عن نظرية “الفاشية الاجتماعية”. فكيف يمكننا تفسير هذا التحول بـ 180 درجة من جانب قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي؟

في 6 فبراير 1934، حاولت مسيرة فاشية الزحف نحو الجمعية الوطنية.

على الرغم من خطاياهم السياسية الجسيمة، لم يكن بوسع قادة الأممية الثالثة —وفرعها الفرنسي— تجنب استخلاص الدروس من الكارثة الألمانية. ففي نهاية المطاف، لم تكن لهم أي مصلحة في رؤية الفاشية تستولي على السلطة في فرنسا. غير أن العامل الرئيسي هنا لم يكن مخاوف موريس توريز (قائد الحزب الشيوعي الفرنسي) أو غيورغي ديميتروف (رئيس الأممية الثالثة)، بل الضغط الصادر عن العمال، الذين تاقوا غريزيا إلى وحدة المنظمات العمالية.

ففي 6 فبراير 1934، حاولت مسيرة فاشية الزحف نحو الجمعية الوطنية، وأسفرت اشتباكاتها مع الشرطة عن مقتل 17 شخصا وإسقاط الحكومة. وردا على محاولة الانقلاب هذه، دعت النقابات وأحزاب اليسار إلى إضراب عام في 12 فبراير، وحقق الإضراب نجاحا باهرا. وفي ذلك اليوم، وحين تلاقت مسيرتا الحزب الشيوعي الفرنسي والفرع الفرنسي للأممية العمالية في ساحة الأمة اختلطت صفوفهما بروح من الحماس. وبوضع قادة الحزب الشيوعي الفرنسي أمام الأمر الواقع للوحدة في الشوارع، وجه العمال ضربة قاضية لنظرية “الفاشية الاجتماعية”.

غير أن هذه الوحدة بين الحزب الشيوعي الفرنسي والفرع الفرنسي للأممية العمالية لم تكن تماثل المآل الذي آلت إليه الجبهة الشعبية، والتي امتدت لتشمل الحزب الراديكالي. وهنا، كان أحد العوامل الرئيسية يتجسد في المعاهدة الفرنسية السوفياتية الموقعة في باريس في 2 مايو 1935. وكان لهذه المعاهدة تبعات جسيمة على سياسة الحزب الشيوعي الفرنسي، إذ بات الحزب ملزما بتبجيل الإمبريالية الفرنسية. وورد في البيان الرسمي لوزارة الخارجية السوفياتية: “إن ستالين يفهم ويقر تماما سياسة الدفاع الوطني الفرنسية التي تهدف إلى الإبقاء على قواتها المسلحة عند مستوى يضمن أمنها”.

وكان هذا الموقف يتناقض تناقضا تاما مع مبادئ الأممية الثورية. ففي أيام لينين، كان من غير المتصور إطلاقا أن يستتبع توقيع اتفاقية مع حكومة إمبريالية —على غرار الاتفاقية التي فرضتها ألمانيا على روسيا البلشفية عام 1918 في بريست ليتوفسك— دعم الشيوعيين لسياسات القوة الإمبريالية المعنية.

ومع ذلك، أعلنت قيادة الأممية الثالثة لعمال فرنسا في عام 1935 أن زمن الإطاحة بالطبقة الرأسمالية الفرنسية قد ولى، وأن الوقت قد حان الآن للتعاون مع تلك الطبقة الرأسمالية ذاتها. وكان تحالف أحزاب اليسار مع الحزب الراديكالي —والذي شكل الحبل الملفوف حول عنق الجبهة الشعبية— أداة لهذه السياسة القائمة على التعاون الطبقي.

الحزب الراديكالي

برر قادة الفرع الفرنسي للأممية العمالية والحزب الشيوعي الفرنسي دخولهم في جبهة مع الحزب الراديكالي بضرورة “التحالف مع الطبقات الوسطى” (صغار المزارعين، وصغار أصحاب المحلات، وغيرهم)، التي كانت تشكل القاعدة الانتخابية التقليدية للراديكاليين. غير أنه في الواقع، لم يكن الحزب الراديكالي حزب الطبقات الوسطى، بل كان يعبر عن مصالح الطبقة الرأسمالية، التي استخدمت هذا الحزب لإخضاع الطبقات الوسطى سياسيا.

وكما كتب تروتسكي:

“إن الحزب الراديكالي يعبر عن مصالح البرجوازية الكبيرة، لا البرجوازية الصغيرة. فهو يمثل —بجوهر ماهيته— الآلة السياسية لاستغلال الإمبريالية للبرجوازية الصغيرة. وبناء على ذلك، فإن التحالف مع الحزب الراديكالي ليس تحالفا مع البرجوازية الصغيرة، بل مع مستغليها. ولا يمكن إقامة تحالف حقيقي بين العمال والفلاحين إلا عبر تعليم البرجوازية الصغيرة كيفية التحرر من الحزب الراديكالي، وكيفية التخلص من نيره عن أعناقهم نهائيا. وفي هذه الأثناء، تسلك الجبهة الشعبية مسلكا مناقضا تماما. فبدخولهم في هذه ‘الجبهة’، يتحمل الاشتراكيون والشيوعيون المسئولية عن الحزب الراديكالي، ويساعدونه بالتالي على استغلال الجماهير وخيانتها.”

لم يكن بوسع هذا التحالف بين الأحزاب العمالية وحزب برجوازي إلا أن يسفر عن برنامج يتماشى مع مصالح الرأسمالية. فقد عارض الراديكاليون أي إجراء من شأنه أن يزعج “العائلات البرجوازية المائتين” التي كانت تحرك خيوط الاقتصاد الوطني.

وكتب الراديكالي دالادييه: “لا يتضمن برنامج الجبهة الشعبية أي بند من شأنه الإضرار بالمصالح المشروعة لأي مواطن، أو إثارة قلق المدخرين، أو تقويض أي قوة سليمة ضمن القوى العاملة الفرنسية”. وعلى سبيل المثال، لم ينص هذا البرنامج على أي عمليات تأميم باستثناء الصناعات العسكرية، وهو أمر تصادف أنه يخدم مصالح البرجوازية ذاتها، بالنظر إلى آفاق نشوب حرب عالمية أخرى.

كانت الطبقة العاملة تتجه بسرعة نحو اليسار.

كان تحالف اليسار مع الحزب الراديكالي يتناقض مع الدينامية الشاملة للموقف. إذ رافق أزمة الرأسمالية واشتداد التناقضات الطبقية استقطاب متزايد في المجتمع، نحو اليسار ونحو اليمين. وكانت الطبقة العاملة تتجه بسرعة نحو اليسار. أما الطبقات الوسطى، فكانت تتخلى عن الحزب الراديكالي لصالح اليسار أو اليمين أو اليمين المتطرف.

وتجلى هذا بوضوح في الجولة الأولى من الانتخابات العامة في أبريل 1936. فبينما حافظ الفرع الفرنسي للأممية العمالية على نتيجته لعام 1932 (على الرغم من انشقاق جناح “الاشتراكيين الجدد” اليميني)، ارتفعت أصوات الحزب الشيوعي الفرنسي من 780 ألفا إلى زهاء 1.5 مليون صوت، بينما خسر الراديكاليون أكثر من 500 ألف صوت. وهكذا، وعلى الرغم من الدعم الذي قدمه قادة الحزب الشيوعي الفرنسي والفرع الفرنسي للأممية العمالية للراديكاليين، فإن العمال وقطاعا كبيرا من الطبقات الوسطى رفضوا الراديكاليين وضاعفوا الأصوات لصالح الحزب الذي كان يدعي أنه الوريث لثورة أكتوبر.

أعطت الجولة الثانية أحزاب الجبهة الشعبية أغلبية مطلقة. إذ ارتفعت مقاعد الحزب الشيوعي الفرنسي من 10 إلى 72 مقعدا، ومقاعد الفرع الفرنسي للأممية العمالية من 97 إلى 147 مقعدا، بينما انخفضت مقاعد الراديكاليين من 159 إلى 116 مقعدا. وبصفته الكتلة البرلمانية الأكبر داخل الجبهة الشعبية، عين الفرع الفرنسي للأممية العمالية قائده، ليون بلوم، رئيسا للحكومة. بيد أنه بدلا من إرغام الحكومة القائمة على الاستقالة الفورية، قرر ليون بلوم احترام “المهلة الدستورية” المحددة بشهر واحد. وكانت هذه طريقته للقول للعمال: “إننا سنحترم قوانين الجمهورية البرجوازية”.

وردت الجماهير بتعبئة ثورية ذات أبعاد غير مسبوقة.

الهجوم الثوري

لم تكن المؤشرات المُنذرة بموجة إضرابات مايو–يونيو 1936 غائبة. فعلى سبيل المثال، انتفض العمال في أحواض بناء السفن البحرية في بريست وتولون في أغسطس 1935، تتقدمهم الأعلام الحمراء، رفضا لاقتطاع أجورهم، وشهدت ليموج أحداثا مماثلة في سبتمبر من العام ذاته.

كما اندلع إضراب في مصنع بريغيه بمدينة لُهافر في 11 مايو 1936، حيث احتل 600 عامل المبنى. وفي 13 مايو، جاء الدور على عمال مصنع لاتيكوير في تولوز الذين احتلوا مصانعهم. وفي 14 مايو، حل الدور على مصانع بلوخ في كوربفوا. وفي الأيام التالية، تضاعفت الإضرابات المصحوبة باحتلال المصانع في قطاع التشغيل المعدني بجهة باريس.

وفي 24 مايو، جذب إحياء الذكرى التقليدي لثوار الكومونة عام 1871 في مقبرة بير لاشيز حشدا ضم 600 ألف شخص، بينما غاب الراديكاليون غيابا لافتا. وبدء من 2 يونيو، اتسع نطاق حركة الإضراب لتتجاوز صناعة التشغيل المعدني وتجتاح البلاد بأسرها. وفي ظرف 15 يوما، تملكت الحماسة الثورية أكثر من 2.5 مليون عامل.

كتب ليون تروتسكي في 5 يونيو:

“إن الخبرة التاريخية بأسرها للطبقة العاملة، تاريخ استغلالها ومآسيها ونضالاتها وهزائمها، تعود إلى الحياة تحت وطأة الأحداث، وتنتصب في وعي كل بروليتاري، حتى الأكثر تخلفا، لتدفعه إلى الصفوف المشتركة. لقد تحركت الطبقة برمتها، ولا يمكن إيقاف هذه الكتلة الهائلة بالكلام. إذ يتوجب أن ينتهي هذا النضال إما بأعظم الانتصارات وإما بأشد الهزائم هولا.”

وبقدر ما يشتمل إضراب من هذا النوع  على شرائح الطبقة العاملة الخاملة وغير المنظمة عموما، ليس فقط على الطليعة، فإنه يشكل الشرارة الكلاسيكية للثورة.

ولم تخفَ دلالة احتلال المصانع على الرأسماليين: إذ كان هذا هجوما مباشرا على الملكية الخاصة المقدسة، التي كفت عن أن تكون مقدسة في أعين الملايين من كاسبي الأجور. وكان العمال يبعثون بإشارة مفادها أنهم يريدون أن يغدوا السادة حيث لم يكونوا حتى ذلك الحين سوى عبيد. وبات السؤال مطروحا على الجميع: “من ينبغي له إدارة الاقتصاد: الرأسماليون أم العمال؟”.

وفي سياق كهذا، كان بمقدور حزب ثوري أن يدفع نحو إنشاء مجالس عمالية مترابطة من المستوى المحلي إلى المستوى الوطني. وكان من شأن ذلك أن يتيح للطبقة العاملة الاستيلاء على السلطة، وتحطيم الدولة البرجوازية، وإقامة دولة عمالية، والبدء في تجميع وسائل الإنتاج الرئيسية.

استخدم قادة الحزب الشيوعي الفرنسي —الذين تعهدوا بدعم حكومة بلوم “بلا تحفظ وبلا تردد”— كامل سلطتهم لإستعادة “النظام”.

فماذا فعل الحزب الشيوعي الفرنسي، والفرع الفرنسي للأممية العمالية، والكونفدرالية العامة للشغل (CGT)؟ بينما كان أعضاؤهم القاعديون —لا سيما أعضاء الحزب الشيوعي الفرنسي والكونفدرالية العامة للشغل— منخرطين بقوة في الحركة، استبد الذعر بقادتهم على غرار الرأسماليين. وفي 3 يونيو، وقبل توليه منصبه وزيرا للداخلية، صرح النائب “الاشتراكي” روجيه سالينغرو في الجمعية الوطنية:

“ليؤدّ أولئك الذين تقع على عاتقهم مهمة قيادة المنظمات العمالية واجبهم، وليسرعوا بوضع حد لهذه الاضطرابات غير المبررة. ومن جانبي، فإن خياري واضح: النظام أو الفوضى، وسأدعم النظام ضد الفوضى.”

وعلق ليون تروتسكي قائلا:

“إن النظام هو الاسم الذي ينعت به هذا الشخص الفوضى الرأسمالية، بينما يطلق اسم الفوضى على النضال من أجل نظام اشتراكي.”

واستخدم قادة الحزب الشيوعي الفرنسي —الذين تعهدوا بدعم حكومة بلوم “بلا تحفظ وبلا تردد”— كامل سلطتهم لإستعادة “النظام” الذي يطالب به سالينغرو والقادة الراديكاليون. والتقاء مع ليون جوهو —قائد الكونفدرالية العامة للشغل الموحدة— صرح موريس توريز بأن أهداف هذه الحركة “اقتصادية محضة”، وأن أي تفسير آخر لا يمكن إلا أن يكون من صنع المشاغبين أو الأفراد غير المسؤولين.

وعقب توقيع ممثلي رأس المال الكبير على اتفاقيات ماتينيون في ليلة 7–8 يونيو، والتي تضمنت، من بين أمور أخرى، أسبوع عمل من 40 ساعة، وعطلة مدفوعة الأجر لمدة أسبوعين، وزيادة في الأجور بنسبة 7%–15%، أعلن توريز: “يجب على المرء معرفة متى ينهي الإضراب فور الاستجابة لمطالبه”.

وفي الوقت ذاته، كانت إضرابات جديدة مصحوبة بالاعتصامات تندلع، لا سيما في المتاجر الكبرى بباريس. غير أنه في شهر يونيو، نجحت قيادات الكونفدرالية العامة للشغل، والفرع الفرنسي للأممية العمالية، والحزب الشيوعي الفرنسي، في توجيه الحركة مجددا نحو حيز “المطالب الاقتصادية”. ومن ثم تلاشت الحركة تدريجيا. وفي بعض الحالات، حركت حكومة الجبهة الشعبية الشرطة لوضع حد لهذه “الاضطرابات غير المبررة”، بحسب عبارة سالينغرو.

الثورة المضادة تطل برأسها

غالبا ما يُقال إن إضرابات مايو–يونيو 1936 نجمت عن “الآمال” التي عقدها العمال على الجبهة الشعبية في أعقاب نصرها الانتخابي. ومع أن ثمة نزر من الصحة في هذا، إلا أن الأجدر بالدقة القول إن الإضرابات نشأت جراء انعدام ثقة الجماهير في قدرة الجبهة الشعبية على كسر مقاومة رأس المال الكبير. إذ كان العمال يتخوفون من الراديكاليين بوجه خاص، وكانوا محقين تماما في ذلك. وبطريقتهم الخاصة، أراد المضربون “مساعدة” الجبهة الشعبية لاتخاذ إجراءات حاسمة ضد الرأسماليين.

ولكن، رفض قادة الجبهة الشعبية —بما فيهم قادة الحزب الشيوعي الفرنسي— هذه المساعدة رفضا قاطعا. غير أنه عبر انتزاع تنازلات من أرباب العمل تجاوزت بكثير برنامج الجبهة الشعبية، أثبت العمال، مرة أخرى، أن الإصلاحات الحقيقية تأتي دائما بوصفها نتائج جانبية للحركات الثورية.

لم تقدم الطبقة السائدة التنازلات إلا لخوفها من فقدان كل شيء. بيد أنه فور انحسار الموجة الثورية، ظلت تحتفظ بالسيطرة على الاقتصاد، واستخدمت ذلك لتسترد بيديها ما أُكرهت على التخلي عنه باليد الأخرى.

ومكّنتها الآلة البرلمانية —بمجلس شيوخها الرجعي وإدارتها البيروقراطية وما إلى ذلك— من عرقلة العمل الحكومي. وإضافة إلى ذلك، هدد فرار رؤوس الأموال حكومة بلوم بالإفلاس. ونزوعا تحت الضغط، خفض قيمة العملة الوطنية (الفرنك)، مما زاد من تفاقم التضخم الذي أجهز سريعا على الزيادات في الأجور الممنوحة في يونيو 1936.

بات ليون بلوم محكوما بالعجز بإخفاقه في التعاطي مع السلطة الاقتصادية للطبقة السائدة، ثم قدم استقالته في يونيو 1937. وانجرفت الحكومات المتعاقبة نحو اليمين بدرجة أكبر. حيث قُمعت الإضرابات بقسوة، لا سيما تلك التي اندلعت في نوفمبر وديسمبر 1938 رداً على استهداف حكومة الراديكالي دلادييه لأسبوع العمل المحدد بـ 40 ساعة.

وإثر تداعي معنوياتها وشللها بسبب قيادتها، اقتيدت الحركة العمالية نحو طريق الحرب، وحُطمت في نهاية المطاف على يد نظام بيتان عام 1940. إن المنظور الذي طرحه تروتسكي منذ عام 1934: “إما ثورة اشتراكية وإما دكتاتورية رجعية”، قد تجسد وسط أنقاض واحدة من أعظم الحركات الثورية التي عرفتها فرنسا على الإطلاق. ولم تسترد الطبقة العاملة عافيتها من هذه الهزيمة النكراء وتستعيد الثقة في قواها الذاتية إلا إبان الانتفاضة ضد الاحتلال الألماني في أغسطس 1944.

8 يوليو/تموز 2026

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

France: the Popular Front and the general strike of May-June 1936