
قبل مئة سنة، وفي خضم الحرب العالمية الأولى، ظهر في زيورخ منشور مجهول المصدر تحت اسم مستعار “جونيوس”، وسرعان ما انتشر في أوساط الحركة العمالية العالمية. كان ذلك المنشور قد كُتب، في الواقع، من داخل زنزانة في سجن ألماني على يد روزا لوكسمبورغ. كتبت فيه:
“يقف المجتمع البرجوازي على مفترق طرق، إما الانتقال إلى الاشتراكية أو التراجع إلى الهمجية”.
وقد أصبح هذا التنبؤ الجريء، الذي نسبته إلى فريدريك إنجلز، أحد أشهر شعارات الحركة الماركسية: “الاشتراكية أو الهمجية”.
[ننشر هنا افتتاحية العدد 52 من مجلة “الدفاع عن الماركسية” – وهي مجلة نظرية فصلية تصدرها الأممية الشيوعية الثورية. احصل على نسختك الآن!]وما تزال تلك الكلمات تحتفظ بقوتها حتى اليوم. فهي تُجسد بدقة المرحلة التي نعيشها: نظام اجتماعي في حالة تدهور متقدمة؛ طبقة سائدة منحطة عاجزة عن معالجة مشاكل الإنسانية؛ وصراع حياة أو موت يخوضه المضطهَدون للتخلص من النظام القديم، حيث لا بد للطبقة العاملة إما أن تنتصر أو تواجه الخراب.
هذا هو الواقع الذي يتجلى اليوم بوضوح في السودان، والذي نخصص له هذا العدد من مجلة “الدفاع عن الماركسية”.

الصعود والهبوط
إن التاريخ، على عكس الفكرة الليبرالية التي كانت شائعة سابقا، ليس صعودا متواصلا وتدريجيا على طريق التقدم البشري، فهو يشهد انحدارا مثلما يشهد الصعود، وقفزات هائلة إلى الأمام وكذا انهيارات كارثية.
قم بزيارة الآثار المهيبة، وإن كانت مهجورة، لمدن المايا العظيمة، أو قف على بقايا سور هادريان -الذي بُني لتحديد حدود الإمبراطورية الرومانية- وستلمح القانون الديالكتيكي العظيم للتاريخ: “كل ما هو موجود يستحق الفناء”.
لكن لا يكفي مجرد ملاحظة أن حضارات قد ظهرت واختفت قبل حضارتنا؛ بل من الضروري فهم السبب. وهو السؤال الذي حير المؤرخين والفلاسفة لعدة قرون. لقد أصدرت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) مؤخرا سلسلة بعنوان “الحضارات: الصعود والسقوط”، وهي سلسلة تتناول هذا الموضوع تحديدا، وتتطرق إلى انهيار روما، ومصر البطلمية، وإمبراطورية الأزتك، وشوغونية توكوغاوا في اليابان.
وبغض النظر عن محتوى تلك السلسلة (وكلما قل الكلام عنها كلما كان ذلك أفضل)، فإن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو الاعتراف الصريح بالتشابهات مع واقعنا اليوم. خذ على سبيل المثال قراءة في تلك السلسلة نشرت في صحيفة الغارديان بعنوان: “تلفزيون سيجعلك تشعر باليأس من مجتمعنا المتدهور”.
غالبا ما يُعزى انحدار الحضارات وانهيارها إلى سوء القيادة، كالأباطرة غير الأكفاء أو المختلين عقليا، أو إلى أسباب خارجية كالكوارث الطبيعية والأوبئة. ومع أن هذه العوامل تلعب دورا، فإن الانحدار الذي لا رجعة فيه لحضارة بأكملها لا يمكن تفسيره بمجرد أخطاء الأفراد. فمثل هذا التفسير لا يثير سوى السؤال التالي: “لماذا استمر قادتهم في ارتكاب الأخطاء؟”، وهو السؤال الذي يطرحه الكثيرون حول حكامنا اليوم.
لقد اكتشف كارل ماركس السيرورة الجوهرية التي تحدد في نهاية المطاف صعود الحضارات وسقوطها، وعرضها في سطور قليلة لكنها لامعة في مقدمته لكتاب “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي”، الذي نُشر عام 1859، وهو العام نفسه الذي نُشر فيه كتاب داروين “أصل الأنواع”.
من خلال تطبيقه للمنهج العلمي حدد ماركس أن كل التشكيلات الاجتماعية تنشأ على أساس مادي: ليس فقط الظروف البيئية، بل مجموعة محددة من العلاقات بين البشر، والتي من خلالها ينتجون ضرورات الحياة وفقا لمستوى التكنولوجيا المكتسبة.
خلال فترة من الزمن، يؤدي انتشار علاقات الإنتاج هذه -وكل النظام الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي الذي ينشأ على ذلك الأساس المادي- إلى تسريع هائل لتطور العمل الاجتماعي ووسائل الإنتاج والعلم والتقنية، أي باختصار ما نطلق عليه اسم: قوى الإنتاج. وتطور قوى الإنتاج يؤدي بدوره إلى تعزيز النظام الصاعد، الذي يجتاح كل شيء في طريقه.
والتاريخ مليء بأمثلة عن هذه الظاهرة: انتشار الزراعة خلال الثورة النيوليتيكية؛ ظهور الدول والمجتمع الطبقي خلال العصر البرونزي؛ وصعود نظام الرق في أوروبا القديمة ومنطقة البحر الأبيض المتوسط؛ و”الطفرة القروسطوية” التي أعقبت ترسيخ النظام الإقطاعي؛ وبالطبع، الصعود المتواصل للرأسمالية الصناعية الحديثة. وهذه ليست قائمة شاملة بأي حال من الأحوال.
لكن كل شيء ينقلب في النهاية إلى نقيضه. وكما يوضح ماركس، فإن قوى الإنتاج التي تطورت في ظل النظام القائم تصبح أقوى وأوسع نطاقا من أن تستوعبها علاقات الإنتاج والتبادل الضيقة القائمة.
في مثل تلك الفترات، يصبح الحفاظ على العلاقات القديمة قيدا مؤلما متزايدا أمام أي تطور إضافي. وفي الوقت نفسه فإن أي تطور اقتصادي يحدث لا يؤدي إلى تعزيز النظام القائم، بل يقوضه، مما يؤدي إلى الأزمات والحروب والثورات.
تدهور اقتصاد الرق الروماني، ومن رحم ذلك التدهور انبثقت النظام الإقطاعي في النهاية. وبالمثل، فقد ازدهرت الإقطاعية في أوروبا طيلة قرون، لكي تدخل بعد ذلك في فترة انحدارها، والتي وُضعت أثناءها أسس الرأسمالية. وهكذا، فإن في صعود أي نظام اجتماعي بذور انحداره النهائي، وفي كل انحدار بذور تقدم مستقبلي، مهما بدا بعيدا.
الإمبريالية
لكن ماذا عن الرأسمالية؟ بأي معنى يمكننا الحديث عن انحدار النظام الرأسمالي اليوم بالنظر إلى أن الاقتصاد العالمي قد نما أضعافا مضاعفة خلال القرن الماضي؟ يكمن الجواب في طبيعة الإمبريالية، كما وصفها لينين في كتابه “الإمبريالية: أعلى مراحل الرأسمالية”، الذي نُشر في نفس العام الذي صدر فيه منشور لوكسمبورغ.

الإمبريالية ليست مجرد هيمنة أمة على أخرى، كما هو شائع، بل هي مرحلة في تطور النظام الرأسمالي العالمي، مرحلة انقلبت فيها العلاقات الرأسمالية إلى نقيضها.
لقد تم استبدال ما يسمى “المنافسة الحرة” بين الشركات الرأسمالية بالهيمنة على السوق من طرف سلسلة من البنوك العملاقة والاحتكارات، المرتبطة ارتباطا وثيقا بالدولة. وينطبق هذا الأمر على الدول التي يُعترف فيها بدور الدولة بشكل صريح، كالصين، مثلما ينطبق على الولايات المتحدة الأمريكية، التي يُفترض أنها معقل “المبادرة الحرة”.
إن تزايد التخطيط داخل الاحتكارات لا يقضي على فوضى السوق، بل يزيدها سوءا، مما يؤدي إلى أزمات أعمق فأعمق. وفي الوقت نفسه نجد أن مفاهيما مثل “التدمير الخلاق” و”اليد الخفية” للسوق قد تم استبدالها عمليا بشركات “أكبر من أن ُيسمح بإفلاسها” تتلقى عمليات إنقاذ ودعما وعقودا حكومية مربحة، وكلها ممولة بمستويات هائلة من الدين العام.
ونتيجة لذلك أصبحت الطبقة الرأسمالية نفسها طفيلية تماما. فالنمو الذي يحدث يعتمد إلى حد كبير على الدولة، ولا ينفذه أرباب العمل بل جيش من العمال المأجورين. وبدلا من أن يؤدي ذلك النمو إلى تقوية الطبقة السائدة، فإنها تصبح أكثر تضاؤلا.
ويتجلى هذا بوضوح في القوى الإمبريالية القديمة في أوروبا، حيث أشرفت الطبقة السائدة على عقود من الركود الاقتصادي، وتراجع التصنيع، وانهيار البنية التحتية. لكن علامات انحلال الرأسمالية تظهر في كل مكان، ولا سيما في مستويات اللامساواة الرهيبة.
في الحقيقة، لم يشهد التاريخ طبقة سائدة بهذه الدرجة من الطفيلية، وبهذه الدرجة من الانفصال عن الواقع، وبهذا القدر من النضج لتتم الإطاحة بها.
وينعكس ذلك بطبيعة الحال في الانحطاط الفكري والأخلاقي، بل وحتى النفسي، لهذه الطبقة السائدة. ويتجلى هذا بوضوح في المصرفي وتاجر الجنس، جيفري إبستين، الذي شملت شبكته القذرة من “الزبائن” شريحة واسعة من أغنى وأقوى العائلات في العالم الغربي. وهذا غيض من فيض.
كما أن هيمنة الإمبريالية على العالم تجلب معها ويلات الحرب والإبادة الجماعية على نطاق غير مسبوق. وبهذا المعنى، فإن أعلى مستوى من الحضارة بلغه الإنسان حتى الآن قد صار يُنتج بالضرورة نقيضه: الهمجية.
وقد كان هذا هو الحال طوال تاريخ الإمبريالية الرأسمالية الحديثة. في فجر العصر الإمبريالي، وضع مؤتمر برلين سنة 1884 مبدأ terra nullius (“الأرض المباحة”) سيئ السمعة، والذي بموجبه تم تدمير دول وإبادة شعوب لإفساح المجال أمام القوى الإمبريالية الأوروبية.
وبدافع من نهم الاحتكارات الذي لا يشبع للموارد والأسواق ومجالات الاستثمار، أدى الصراع الدؤوب بين أقوى الدول الرأسمالية على تمزيق أوصال العالم، إلى ويلات حربين عالميتين، حصدتا معا أرواح أكثر من 100 مليون شخص.
وحتى خلال العصر الذهبي لما سمي ‘Pax Americana’ (“السلام الأمريكي”)، شهد العالم حرب إبادة شنتها الإمبريالية الأمريكية ضد الشعب الفيتنامي، لخصت وحشيتها عبارة أحد الجنرالات الأمريكيين والذي قال: “سنقصفهم حتى نعيدهم إلى العصر الحجري”.
واليوم لا تنقصنا الأمثلة على الوحشية التي رعتها ونشرتها الإمبريالية. ففي الرعب الذي حل بشعوب غزة ودارفور وشرق الكونغو، تتجلى لنا بوضوح حقيقة التحذير الذي قالته لوكسمبورغ:
“انتصار الإمبريالية هو فناء الحضارة”.
وإذا سُمح للرأسمالية بالاستمرار في تدمير البيئة، فسوف يتأكد هذا التحذير بأكمل صورة ممكنة.
الصراع الطبقي
بسبب الرعب الذي أحدثته أزمة الرأسمالية اليوم، فقد كثيرون إيمانهم بإمكانية فهم العالم بعقلانية. وقد أدى هذا بدوره إلى تزايد الاهتمام بالدين ونظريات المؤامرة. بل إن كثيرين يتحدثون عن نهاية العالم، سواء كان ذلك بسبب ذكاء اصطناعي مارق، أو حرب نووية، أو أي سبب آخر.
هذا الخوف من نهاية العالم ليس بجديد؛ فقد كان شائعا في أواخر أيام الإقطاع خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر. لكن ذلك لم يكن نهاية العالم، بل مجرد احتضار لنظام عفا عليه الزمن.
في مثل تلك الفترات، يصير معنى التقدم هو التحرر من حطام نظام مُنهار، وإرساء أسس نظام جديد قائم على علاقات مختلفة جذريا.
إن إزالة هذه العلاقات البالية وفتح الطريق أمام تطور قوى الإنتاج هو جوهر الثورة الاجتماعية. لكن الثورات لا تُنفذ بواسطة قوى الإنتاج نفسها، ولا بواسطة “الإنسانية” أو “التاريخ” في المجرد. بل تُنفذ على يد البشر الأحياء، المنقسمين إلى طبقات ذات مصالح متناحرة.
شرح ماركس أن الإنسانية لا تطرح على نفسها إلا “المهام التي تستطيع حلها”. فمع ازدهار أي نظام اجتماعي، يخلق القوى المادية اللازمة لإسقاطه، بما في ذلك طبقات اجتماعية جديدة قادرة على إرساء نظام اجتماعي جديد. في ظل الإقطاع كانت البرجوازية هي هذه الطبقة. أما اليوم، فالطبقة العاملة هي التي تُجسد آمال الإنسانية.
هذه ليست مجرد عقيدة. فالطبقة العاملة تُنتج معظم ثروات العالم. وقد أثبت العمال مرارًا عبر التاريخ قدرتهم على تولي زمام الإنتاج وتنظيمه بكفاءة أكبر، دون العبء الزائد الذي يمثله أرباب العمل والملاكون العقاريون.
وعلاوة على ذلك فإن الطبقة العاملة، ومنذ ظهورها على ساحة التاريخ، دفعت، بحكم موقعها الطبقي، إلى النضال ضد الطبقة السائدة والنظام القائم، مما جعلها في طليعة كل حركة تحرر وتقدم.
لذا، فإن عبارة “الاشتراكية أو البربرية” تعني أن استيلاء الطبقة العاملة على السلطة هو السبيل الوحيد لهزم الإمبريالية وإسقاط النظام الرأسمالي المتداعي. لكن من الضروري أيضا أن ندرك أن الطبقة السائدة لن تتوانى عن فعل أي شيء، حتى لو كان ذلك على حساب تقويض حضارتها نفسها، لسحق أي إمكانية ظهور لمجتمع جديد داخل المجتمع القديم.
عندما ارتكبت المذبحة ضد عمال باريس سنة 1871، كان التقتيل وحشيا لدرجة أن حتى الصحافة البرجوازية المحترمة نفسها ناشدت السلطات التوقف، إذ صارت رائحة الجثث لا تُطاق. وفي القرن العشرين، كانت البرجوازية الأوروبية مستعدة لإطلاق العنان لوحش الفاشية على أوروبا لأجل القضاء على الحركة العمالية، بدلا من التعرض لخطر الإطاحة بها.
وبالمثل، ففي الآونة الأخيرة، كانت الطبقة السائدة السودانية أكثر من مستعدة لاستخدام قوات الدعم السريع ككلاب مسعورة ضد الحركة الثورية. وقد استفادت تلك القوة شبه العسكرية الرجعية طيلة سنوات من التدريب والتمويل ليس فقط من قبل الدولة السودانية، بل وكذلك من قبل العديد من القوى الأجنبية. وكانت النتيجة تدمير البلاد.
ينبغي أن يكون مصير السودان بمثابة تحذير: أي ثورة لا تصل إلى حد الإطاحة الكاملة بالبرجوازية ودولتها إنما تُهيئ نفسها لكارثة.
الحزب
قد يُطرح السؤال المنطقي التالي: إذا كانت الطبقة العاملة قادرة حقا على إسقاط الرأسمالية وإنقاذ المجتمع من النظام الرأسمالي المتداعي، فلماذا لم يتحقق ذلك بعد؟
إن بقاء الإمبريالية لا يمكن إرجاعه على الإطلاق إلى أي نقص في شجاعة أو عزيمة العمال عند خوضهم غمار الثورة. فعلى مدى المئة عام الماضية، اهتزت جميع بلدان العالم تقريبا بحركات جماهيرية ملهمة، طرحت مسألة السلطة بشكل مباشر وصريح.

ومع ذلك لم تُفض الغالبية العظمى من تلك الحركات إلى إسقاط الرأسمالية. إن ما أثبتته تجربة القرن الماضي بما لا يدع مجالا للشك هو أن قوة الجماهير وبطولتها، وإن كانت ضرورية للغاية لأي ثورة، غير كافية بحد ذاتها.
ما هو مطلوب هو التنظيم، وقبل كل شيء، قيادة قادرة على مواجهة التحديات الجسام للتاريخ، وإيصال النضال إلى النصر. وهذا هو العامل الحاسم الذي غاب للأسف في كثير من الحالات.
لا يعود هذا إلى حوادث عرضية أو أخطاء فردية. فعندما تنخرط الجماهير في النضال، من الطبيعي أن تتطلع أولا إلى الشخصيات المعروفة أو المنظمات المعروفة، أو إلى من يقدمون لها الطريق الأسهل. لكن هؤلاء يميلون إلى النظر إلى الماضي، أو أنهم يجدون أنفسهم في حيرة تامة أمام الوضع الراهن.
من خلال تجاربهم الشخصية في خضم الأحداث، يتعلم العمال والشباب دروسا قيّمة ويبدأون في استخلاص استنتاجات ثورية. لكن إذا لم تكن هناك قيادة بديلة قادرة على التعبير عن تلك الاستنتاجات، فلن يكون بالإمكان ارتجالها في اللحظة الراهنة. ونتيجة لذلك ستصل الحركة إلى طريق مسدود، كما حدث في السودان.
تتمثل المهمة الحاسمة للحزب الثوري في ربط العلاقة مع الوعي المتنامي للجماهير وكسب قيادة الحركة في الوقت المناسب، قبل أن تتمكن قوى الثورة المضادة من إخمادها أو سحقها.
هذه ليست مهمة سهلة، ولذا فهي تتطلب بناء ذلك الحزب قبل أن ينفجر بركان الثورة. وقد أكد لينين، في سياق رده على كتيب لوكسمبورغ “جونيوس”، على ضرورة بناء تلك المنظمة، فكتب:
“إن أحد أكبر نواقص الماركسية الثورية في ألمانيا ككل هو افتقارها إلى منظمة سرية متماسكة تتولى بشكل منهجي تنفيذ خطها وتثقيف الجماهير بروح المهام الجديدة…”.
حملت هذه الكلمات دلالة بالغة الأهمية خلال الثورة الألمانية عام 1918. فقد بدأت لوكسمبورغ وماركسيون ثوريون آخرون النضال الحاسم لبناء قيادة ثورية عندما أسسوا الحزب الشيوعي الألماني في دجنبر 1918. لكن بحلول ذلك الوقت، كانت الثورة قد اندلعت بالفعل، وتلقى الثوار ضربة قاسية بتعرض لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت للاغتيال بطريقة وحشية، بعد أقل من شهر.
تكررت مأساة الثورة الألمانية مرات عديدة. كان بإمكان الموجة الثورية الملهمة التي اجتاحت أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أن تُغير مجرى التاريخ جذريا، لكن قيادتها تعمدت إعاقتها وتوجيهها نحو مسارات “آمنة”.
وحتى في الولايات المتحدة، التي هي أعظم قوة إمبريالية على وجه الأرض، لو كان قد تم بناء حزب شيوعي ثوري قوي خلال سنوات الستينيات المضطربة، لكان من الممكن الإطاحة بالرأسمالية.
بين عامي 2019 و2021، كانت السلطة في متناول عمال وشباب السودان. وعدم استيلائهم عليها يعود بالكامل إلى قادتهم الذين كبحوا باستمرار جماح الحركة لإبقائها ضمن حدود انتقال تدريجي وسلمي إلى الديمقراطية، وهو الانتقال المستحيل بالنظر إلى طبيعة الرأسمالية السودانية.
لا يسع المرء إلا أن يتذكر الحرب الأهلية الإسبانية في ثلاثينيات القرن العشرين. كان بإمكان الجماهير الإسبانية أن تستولي على السلطة مرات عديدة، لكن أحزابها كبّلتها باسم “النظام”. وكانت النتيجة رعبا لا يمكن تصوره، كما هو الحال اليوم في السودان.
وهكذا فإن المعضلة التاريخية المتمثلة في “الاشتراكية أو البربرية” تتحول إلى المسألة السياسية العملية المتمثلة في الحزب الثوري.
لا وقت نضيعه
الهمجية ليست مجرد احتمال مستقبلي، بل هي تستشري الآن. لكن هذا ليس سببا لفقدان الأمل.
وبالعودة إلى مقولة ماركس العميقة: “لا تضع الإنسانية على نفسها إلا المهام التي تستطيع حلها”، فإن إمكانية قيام حزب ثوري عالمي للطبقة العاملة موجودة في كل مكان. في الواقع، لم تكن هذه الإمكانية أكبر مما هي عليه الآن.
على الصعيد العالمي، لم تكن الطبقة العاملة أقوى مما هي عليه الآن. وفي الوقت نفسه، فإن الطبقة السائدة في معظم أنحاء العالم، توجد في أضعف حالاتها منذ عقود، ويجري استقطاب جيل كامل تحت راية “ثورات جين زي”.
إن الطبقة العاملة والجماهير المضطهَدة في العالم لن تسمح للطبقة السائدة بجرنا إلى الهاوية دون مقاومة، مقاومة ستتجاوز جميع ثورات الماضي.
تتمثل مهام الماركسيين اليوم في التنظيم، والوصول إلى أكثر فئات العمال والشباب طليعية، وبناء أحزاب تضم آلاف الثوريين الشيوعيين المتمرسين، المستعدين والقادرين على الانضمام إلى نضال الجماهير خلال المعارك الجبارة القادمة، وأخيرا قيادة النضال نحو استيلاء الطبقة العاملة على السلطة.
إذا كان للتاريخ من عبرة يعلمنا إياها فهي أن هذه المهمة لن تكون سهلة ولا تسير في خط مستقين، إلا أنه لا توجد قضية أعظم منها على وجه الأرض.
لقد أظهرت لنا التجربة السودانية حجم المخاطر. فلنتقدم إلى الأمام ونحن مدركين تماما للتحديات التي تلوح في الأفق، وعازمين أشد العزم على تحطيم كل العقبات التي تعترض طريقنا.
15 يناير 2026
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية