تُعد نظرية الثورة الدائمة، إلى جانب نظرية الإمبريالية عند لينين، من أهم الإسهامات في الماركسية منذ وفاة ماركس وإنجلز. ولذلك فإننا نفخر في هذا العدد من مجلة “الدفاع عن الماركسية” بنشر مجموعة من المقالات التي تتناول هذا المفهوم بتعمق.

مصطلح “الثورة الدائمة” الذي استخدمه ماركس لأول مرة عام 1850، أصبح مرادفا لاسم ليون تروتسكي، الذي طور أفكاره في أعقاب ثورة 1905 في روسيا.
لذا فإن أي نقاش حول الثورة الدائمة يثير بالضرورة مسألة ما يسمى “التروتسكية”. لكن ما معنى التروتسكية، إن كان لها معنى أصلا؟ وما أهميتها اليوم، بعد 85 سنة على اغتيال تروتسكي؟
الحقيقة ملموسة
غالبا ما يتم تقديم التروتسكية ببساطة على أنها مناهضة الستالينية. لكن هذا الوصف قد يشمل مجموعة متنوعة من التوجهات، التي ليست لمعظمها أية صلة بأفكار تروتسكي.
لا يكمن جوهر التروتسكية فيما تعارضه، بل فيما تطرحه. لذا فإن أي دراسة للتروتسكية ينبغي أن تنطلق من المبادئ الأساسية التي شكلت حياة تروتسكي باعتباره مناضلا ثوريا.
أول هذه المبادئ وأكثرها جوهرية هو مقاربة تروتسكي للمنهج الفلسفي للماركسية: الديالكتيك. وكما كتب عام 1939:
“إن تدريب العقل على الديالكتيك، ضروري للمناضل الثوري كما هي ضرورية تمارين الأصابع لعازف البيانو، ويتطلب النظر إلى جميع المشكلات بوصفها سيرورات لا كتصنيفات (Categories) جامدة”[1].
لقد اعتدنا في السياسة، كما في الحياة، على سماع واستخدام أفكار معينة مثل “الديمقراطية” و”الديكتاتورية” و”الرأسمالية” و”الاشتراكية”، وما إلى ذلك. وإضافة إلى ذلك فقد طورت الماركسية مصطلحاتها العلمية الخاصة للتعبير عن مفاهيم أكثر تحديدا، مثل “الثورة البرجوازية”، و”الدولة العمالية”، و”البونابرتية”، وغيرها.
جميع هذه التصنيفات مستمدة من الواقع، وتوفر أدوات قيّمة لفهم المجتمع في سياق تطوره. ومع ذلك فنظرا لكونها تركز على جانب محدد من الظواهر، فإن لكل منها طابعا تجريديا، لا سيما عند مقارنتها بالواقع المعاش، الذي يتسم بتنوعه وتعقيده.
فعلى سبيل المثال يُدرك معظم الناس مفهوم “الرأسمالية”، وأن معظم اقتصادات العالم اليوم تُصنف بكونها رأسمالية. كما يتفق معظم الناس على أن تلك الدول، بحكم كونها رأسمالية، تشترك في خصائص محددة، وتخضع لقوانين أو اتجاهات مشتركة.
لكن هل يمكننا أن نستخلص من ذلك أن جميع الاقتصادات الرأسمالية متماثلة، وأنها تتطور بنفس الطريقة والوتيرة؟ وإذا لم يتوافق مجتمع ما مع الصورة العامة التي يرسمها مفهومنا النظري للرأسمالية، فهل يعني ذلك أنه لا يمكن أن يكون رأسماليا على الإطلاق؟
إن التفكير بهذه الطريقة سيؤدي إلى الوقوع في فخ الصورية، أي الانطلاق من تصنيفات وتعريفات عامة، واستخلاص استنتاجات محددة منها، ثم محاولة فرضها على الحقائق المرصودة. هذا النهج شائع جدا في السياسة، وغالبا ما يؤدي إلى أخطاء جسيمة.
في الواقع، وعلى عكس أفكارنا وتصنيفاتنا، لا شيء على الإطلاق ساكن أو معزول. كل الأشياء مترابطة، وفي سيرورة مستمرة من الوجود والفناء، والتحول إلى نقيضها: من المادة الميتة إلى الحية؛ من الاستقرار والتقدم إلى الأزمة والانحدار… والعكس صحيح.
المنطق الديالكتيكي هو أقوى أداة طورها الإنسان لفهم هذا الواقع فكريا، حيث أثرى مفاهيمنا وتصنيفاتنا بالمرونة والوضوح اللازمين ليكون دليلا للعمل.
قال تروتسكي:
“علاقة التفكير الديالكتيكي بالتفكير المبتذل تشبه علاقة الفيلم بالصورة الثابتة. فالفيلم لا يقصي الصورة الثابتة، بل يجمع سلسلة منها وفقا لقوانين الحركة”[2].
جميع كتابات تروتسكي وخطاباته تتضمن جدالا دائما ضد كل أنواع الصورية والمخططات الجامدة والتكرار الأعمى للعبارات.
التحليل الديالكتيكي
في عام 1906، أي قبل نحو عشرين عاما على المناظرات مع ستالين، خاض تروتسكي صراعا نظريا ضد الجناح المنشفي للحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، الذي حول المفاهيم الماركسية إلى صيغة بالية من “المراحل”.
انطلق المناشفة من مبدأ كان مقبولا لدى جميع الماركسيين آنذاك، وهو أن الثورة في روسيا “ثورة برجوازية”. لكنهم، انطلاقا من هذه الفكرة المجردة، جادلوا بأنه على البرجوازية أولا إقامة ديمقراطية رأسمالية، على غرار البلدان الغربية. وأن روسيا لن تصبح مهيأة للثورة الاشتراكية إلا بعد فترة غير محددة من التطور الرأسمالي.
إلا أنه، وكما جادل تروتسكي فإن هذا غريب تماما عن المنهج الحقيقي لماركس وإنجلز. وأن ما كان المطلوب بدلا من ذلك هو القيام بتحليل دقيق لنقاط قوة مختلف الطبقات، التي كانت موجودة فعليا داخل روسيا آنذاك، ومصالحها الحقيقية. وكانت ثمرة تحليله الديالكتيكي هي نظرية الثورة الدائمة.
أوضح تروتسكي أن البرجوازية الروسية لم تكن لها أية مصلحة في إسقاط القيصرية والإقطاع. ولذلك فإنه لا يمكن إتمام الثورة البرجوازية الديمقراطية إلا إذا استولت الطبقة العاملة على السلطة على رأس تحالف مع الفلاحين. لكن الطبقة العاملة لن تكتفي، بطبيعة الحال، بإقامة جمهورية برجوازية. وهكذا سوف تتطور الثورة البرجوازية إلى ثورة اشتراكية.
لقد تأكدت نظرية تروتسكي تماما من خلال تجربة الثورة الروسية واستيلاء السوفيتات على السلطة في أكتوبر 1917. ومنذ ذلك الحين يمكن رؤية منطق الثورة الدائمة في الثورات في جميع أنحاء العالم: من فيتنام إلى فنزويلا، ومن سوريا إلى السودان، وغيرها.
دفاعا عن الماركسية
خاض تروتسكي النضال نفسه ضد من ادعوا أنهم الورثة الشرعيون لإرث لينين، مثل ستالين وبوخارين، الذين جمعوا بين التكيف قصير النظر مع “الوقائع القائمة” في تلك اللحظة، وبين منهج صوري سكولاستيكي للغاية في تطبيق النظرية الماركسية.
وقد حذر من أن: “من يعمل في مجال النظرية بتصنيفات مجردة محكوم عليه بالاستسلام الأعمى للواقع”[3].
وهكذا فإنه بعد أن هدأت الموجة الثورية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، أعلن ستالين في خريف 1924 عن نظرية “الاشتراكية في بلد واحد” الغريبة كليا عن الماركسية. وفقا لتلك النظرية، كان بإمكان الاتحاد السوفياتي بناء النظام الاشتراكي الجديد بالكامل داخل حدوده، دون الحاجة إلى استيلاء الطبقة العاملة على السلطة في البلدان الرأسمالية المتقدمة.
تم اتهام تروتسكي، الذي عارض ذلك التحريف لأحد المبادئ الأساسية للماركسية، بـ”التشاؤم”، وبالاعتقاد أن الثورة “محكوم عليها بالفشل”. لماذا؟ لأن ستالين جادل بأنه إذا لم يكن بالإمكان بناء الاشتراكية في روسيا آنذاك فإنه “ما كان ينبغي لنا أن نستولي على السلطة في أكتوبر 1917“. [التشديد في الأصل][4].
وبهذا كرر ستالين ومعاونوه الحجة نفسها التي ساقها المناشفة. لكن بينما استخدم المناشفة ذلك المنطق الصوري ليستنتجوا أن العمال ما كان ينبغي لهم الاستيلاء على السلطة، فإن الستالينيين قلبوا منطقهم رأسا على عقب: بما أن العمال قد استولوا على السلطة، فلا بد أنهم قادرون على بناء الاشتراكية.
وقد أدت تلك الطريقة المنشفية إلى سياسات منشفية بطبيعة الحال. وبناء على ذلك فقد تلقى الشيوعيون الصينيون الأمر بالخضوع لحزب قومي برجوازي، هو الكومينتانغ، بحجة أن الصين كانت أمام “ثورة وطنية برجوازية”.
أدى ذلك النهج إلى سلسلة من الهزائم والأزمات، داخليا وخارجيا. لكن وحتى عندما غيرت الحكومة السوفياتية مسارها فجأة سنة 1928، فقد ظل نهجها الصوري ثابتا.
ويتجلى الدليل الأبرز على ذلك في نظرية “الاشتراكية الفاشية” سيئة السمعة: فبما أن كلا من الفاشيين والاشتراكيين الديمقراطيين يدعمون الرأسمالية؛ فإن الاشتراكية الديمقراطية بالتالي ليست سوى “الجناح المعتدل” للفاشية. وليس هذا فحسب، بل تم اعتبارها “الركيزة الأساسية لديكتاتورية رأس المال”[5].
وكانت النتيجة العملية لهذه “النظرية” المزعومة هي انقسام الطبقة العاملة وشلّها، مما أدى إلى انتصار هتلر.
ومرة أخرى اضطرت الأممية الشيوعية إلى تغيير مسارها. لكن مع كل تحول في السياسة، ظهرت مراجعة جديدة للماركسية، مصحوبة بمجموعة جديدة من “الاقتباسات” من لينين، منتزعة من سياقها ومحرفة لإثبات أن موقف القيادة كان صحيحا “بشكل عام”، سواء قبل التحول أو بعده.
ثم نُفذت عملية “إعادة تثقيف” الصفوف تلك عن طريق التشهير والطرد وحتى القتل. لم يقتصر أثر كل ذلك على استئصال الفكر الماركسي من صفوف الأممية الشيوعية فحسب، بل أدى إلى استئصال أي فكر من أي نوع، باستثناء التبعية العمياء لـ”خط الحزب”.
لم تنشأ معارضة تروتسكي لتلك الأفكار من مجرد خلافات حول سياسة الحكومة السوفياتية، ولا من أي صراعات أو مكائد شخصية على السلطة؛ بل كانت نضالا للدفاع عن جوهر الماركسية نفسه.
لكن نضال تروتسكي لم يقتصر على الدفاع عن الماركسية ضد الستالينيين، بل خاض لاحقا نضالا مماثلا ضد أولئك الذين انضموا إلى راية المعارضة اليسارية الأممية بدافع معاداة الستالينية، دون أن يكونوا قد استوعبوا حقا أفكار الماركسية ومنهجها.
بفعل الضغط الهائل للرأي العام البرجوازي، عارضت شريحة من التروتسكيين في الغرب دفاع تروتسكي المطلق عن الاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية. جادلوا بأنه لم يعد بالإمكان اعتبار الاتحاد السوفياتي دولة عمالية، أو دولة انتقالية بين الرأسمالية والاشتراكية، وذلك بسبب الدكتاتورية الوحشية والسياسات الرجعية للبيروقراطية الستالينية.
ومن اللافت للنظر أن بعضا من أغنى كتابات تروتسكي في أعوامه الأخيرة لم يكرسها فقط للرد السياسي على ذلك التراجع البرجوازي الصغير عن الماركسية، بل كذلك للدفاع الحثيث عن الأسس الفلسفية للماركسية نفسها. وفي خضم ذلك النقاش قدم تروتسكي درسا نموذجيًا في الديالكتيك:
“ستكون المشكلات الاجتماعية أسهل بلا شك لو كانت للظواهر الاجتماعية طبيعة مكتملة دائما. لكن ليس هناك ما هو أخطر من استبعاد عناصر من الواقع، بحجة الكمال المنطقي، عناصر تخالف اليوم مخططك وقد تقلبه رأسا على عقب غدا. […] إن المهمة العلمية، كما السياسية، ليست إعطاء تعريف نهائي لسيرورة غير مكتملة، بل تتبُّع جميع مراحلها، وفصل اتجاهاتها التقدمية عن اتجاهاتها الرجعية، وكشف علاقاتها المتبادلة، واستشراف مسارات التطور المحتملة، وإيجاد أساس للعمل في ذلك الاستشراف”[6].
وقد شكلت هذه المنهجية دليلا لا يخطئ لتروتسكي طوال حياته باعتباره ثوريا ماركسيا.
مبادئ البلشفية
انطلاقا من منهجه الماركسي، يُعدّ تعزيز استقلال البروليتاريا ووعيها الطبقي ونزعتها الأممية سمة ثابتة في جميع كتابات تروتسكي ونشاطه السياسي.
ما هي، في نهاية المطاف، النتيجة السياسية العملية لنظرية الثورة الدائمة؟ إنها تعني أنه ينبغي على جميع الشيوعيين، مع مراعاة الظروف الموضوعية الفريدة لكل بلد، أن يحرصوا على الحفاظ على الاستقلال السياسي للبروليتاريا، ورفع وعيها وتنظيمها إلى مستوى الاستيلاء المباشر على السلطة على رأس جميع المضطهَدين.
وهذا ما قصده ماركس نفسه باستخدامه لهذا المصطلح. وكانت هذه هي “الأوهام الثورية” التي تعرضت للهجوم تحت مسمى “التروتسكية”، عندما صاغ المصطلح لأول مرة الليبرالي الروسي بافل ميليوكوف سنة [7]1907.
وكان هذا أيضا هو المضمون السياسي الجوهري للنضال الذي خاضه تروتسكي من أجل الدفاع عن تقاليد البلشفية بعد وفاة لينين.

ليس من قبيل المصادفة أن مصطلح “التروتسكية” انتشر على نطاق واسع بعد وفاة لينين سنة 1924. ففي ذلك الوقت كانت البيروقراطية المتنامية للاتحاد السوفياتي قد بدأت تنأى بنفسها عن الثورة العالمية، وتتجه نحو التوافق مع الفئات الأكثر ثراء من بين الفلاحين في الداخل ومع الرأسمالية الأجنبية في الخارج.
وفي مواجهة ذلك ناضل تروتسكي من أجل تعزيز الوضع الاقتصادي للطبقة العاملة في الاتحاد السوفياتي؛ وتعزيز المكانة السياسية للعمال داخل السوفييتات وداخل الحزب الشيوعي نفسه؛ والهدف الاستراتيجي المتمثل في نشر الثورة على الصعيد الأممي. لم يكن ذلك سوى الدفاع عن البرنامج الأساسي للحزب البلشفي عام 1917، والمبادئ التي تأسس عليها الاتحاد السوفياتي.
في هذا السياق، سارعت “الترويكا” المكونة من ستالين وزينوفيف وكامينيف إلى استغلال مصطلح “التروتسكية” لخلق خط فاصل مصطنع بين أفكار تروتسكي وأفكار لينين. وفجأة، في أواخر 1924، ظهرت في الصحافة السوفياتية موجة من المقالات تدافع جميعها عن “اللينينية” ضد “التروتسكية”.
في الواقع، لم يكن هناك انقسام حقيقي بين تروتسكي ولينين. بل إن لينين نفسه سبق له أن قال إن تروتسكي بعد أن صار يعارض المصالحة مع المناشفة “لم يعد هناك بلشفي أفضل منه”[8].
لم يكن مصطلح “التروتسكية” يعجب تروتسكي قط. ولم يكن من قبيل الصدفة أنه وصف الحملة ضد “التروتسكية” بأنها “نضال ضد الإرث الأيديولوجي للينين”[9]. ولهذا السبب فإن تروتسكي وأنصاره لم يطلقوا على أنفسهم اسم تروتسكيين بل اسم “البلاشفة اللينينيين” للتأكيد على ذلك الترابط.
تحطيم كل العقبات
من المهم التأكيد على أن ذلك لم يكن مجرد صراع فكري. فقد كانت مبادئ تروتسكي النظرية والسياسية مترابطة بعزيمة ثورية لا تُقهر، والتي تُشكل بدورها سمة أساسية من سمات الماركسية.
وكما قال تروتسكي نفسه:
“يمكن أن يكون لديك ثوريون حكماء وثوريون جهلة، لكن لا يمكن أن يكون لديك ثوريون يفتقرون إلى الإرادة لتحطيم العقبات”[10].
كثيرا ما يكرر الشيوعيون مقولة لينين العميقة: “الماركسية قوية لأنها صحيحة”[11]. لكن من الضروري أيضا استخلاص النتائج العملية اللازمة. فالماركسية تطالبنا ليس فقط بالسعي وراء الحقيقة والتحدث بها، بل أيضا بفعل ما تقتضيه الحقيقة، مهما كانت المقاومة والصعوبات التي نواجهها. هذا هو معدن الثوريين.
أمضى تروتسكي حياته كلها مطاردا ومُجبرا على المنفى، من قبل السلطات القيصرية في البداية، ثم من قبل الستالينيين. وبعد أن رفضت “الديمقراطيات” المستنيرة السماح له بالدخول إلى أراضيها، اضطر إلى الذهاب إلى الجانب الآخر من العالم. تعرضت عائلته للمطاردة والاغتيالات، وعاش هو تحت تهديد دائم بالاغتيال.
لكن ورغم شدة الضغوط، فإنه لم يستسلم أبدا.
يمكنك أن ترى نفس العزيمة في حياة ماركس والعديد من الثوريين الآخرين عبر التاريخ؛ كما يمكنك أن تراها في النضال الباسل للمعارضين اليساريين داخل الاتحاد السوفياتي، الذين كانوا يغنون النشيد الأممي أثناء اقتيادهم إلى الإعدام خلال حملة التطهيرات الكبرى؛ وفي آلاف البلاشفة اللينينيين حول العالم، الذين كرسوا حياتهم لبناء قوى الماركسية الحقيقية، وذلك غالبا تحت وطأة التهديد بالقمع الشديد.
ضد العصبوية
ومع ذلك فإن دفاع تروتسكي الراسخ عن المبادئ الأساسية للبلشفية لم ينحط مطلقا إلى نزعة عصبوية. فقد أظهر دائما فهما عميقا لضرورة ربط برنامج الثورة الاشتراكية بالنضال الحقيقي للجماهير.
لقد ربط بشكل صريح بين النضال ضد العصبوية في الممارسة العملية وبين النضال ضد النزعة الصورية في النظرية:
“مع أن العصبوي قد يُقسم بالماركسية في كل جملة، إلا أنه النفي المباشر للمادية الديالكتيكية، التي تتخذ من التجربة نقطة انطلاق لها وتعود إليها دائما”[12].
سعى جاهدا إلى نقل المنهج الصحيح إلى الأممية الرابعة، بما في ذلك وصف لاذع للعصبوية في برنامجها التأسيسي:
“هؤلاء السياسيون العقيمون لا يحتاجون عموما إلى جسر على شكل مطالب انتقالية لأنهم لا ينوون العبور إلى الضفة الأخرى. إنهم ببساطة يتسكعون في مكانهم، مكتفين بتكرار نفس التجريدات الهزيلة. الأحداث السياسية بالنسبة لهم مناسبة للتعليق لا للعمل. ولأن العصبويين، كغيرهم من المخبطين وأصحاب الحلول السحرية، يسقطون أمام الواقع في كل خطوة، فإنهم يعيشون في حالة من الضيق الدائم، يشتكون من “النظام” و”الأساليب” ويغرقون بلا هوادة في مؤامرات صغيرة. وعادة ما يمارسون، في دوائرهم الخاصة، نظاما استبداديا”[13].
واختتم بتحذير شديد اللهجة:
“إن من لا يسعى لإيجاد طريق إلى الجماهير، ولا يجد الطريق إلى الجماهير، ليس مناضلا بل عبئا ثقيلا على الحزب. لا يصاغ البرنامج لأجل هيئة التحرير أو لقادة نوادي النقاش، بل للعمل الثوري للملايين. إن تطهير صفوف الأممية الرابعة من العصبوية والعصبويين الذين لا يرجى شفاءهم شرط أساسي لنجاح العمل الثوري”[14].
للأسف لم تتح لتروتسكي فرصة إكمال نضاله الأخير. فقد حرم عميل ستاليني الأممية الرابعة من قائدها البارز بضربة جبانة على مؤخرة رأسه في 20 غشت 1940.
خرج القادة الذين ورثوا الأممية من فوضى الحرب ومجازرها إلى عالم تغير جذريا. لكن بدون التوجيه النظري الحازم على يد تروتسكي لم يثبت أي منهم قدرته على عبور العتبة بين المرحلة السابقة والوضع الجديد الذي كان يتبلور، لا فكريا ولا عمليا.

وكما سبق لتروتسكي أن حذر، فقد كانت النتيجة هي انحطاط الأممية الرابعة إلى عدد لا يحصى من العصب المتناحرة الهامشية. وهذا ما يدعونا إلى توضيح ما ليست عليه التروتسكية.
لا تمت أي من المنظمات التي تدّعي اليوم اسم الأممية الرابعة بأي صلة إلى أفكار تروتسكي الحقيقية وأساليبه. بل هي في أحسن الأحوال مجرد تشويه ضار، لم تُسهم في الحركة إلا في تشويه سمعة التروتسكية بين شرائح واسعة من الطبقة العاملة.
إرث تروتسكي
لقد تم تحطيم الأممية الرابعة، لكن جوهر التروتسكية ما زال حيا. إنه استمرار للأفكار الحقيقية للماركسية وتقاليد الحزب البلشفي بقيادة لينين، التي ما تزال راهنية وضرورية اليوم كما كانت عند تأسيس الأممية الرابعة عام 1938.
في ذلك الوقت، كتب تروتسكي: “إن الأزمة التاريخية للبشرية تُختزل في أزمة القيادة الثورية”[15]. وتعتبر هذه الكلمات صادقة اليوم كما كانت عند كتابتها.
إن الحركة الشيوعية العالمية في حالة فوضى عارمة. فقد انحدرت العديد من الأحزاب التي نصّبت نفسها “ماركسية” إلى أحزاب إصلاحية، أو عصب هامشية، أو اختفت تماما من الساحة. وفي الوقت نفسه، يبحث ملايين الناس حول العالم عن إجابات، بل وأكثر من ذلك: إنهم يبحثون عن حركة، عن راية يتحدون تحتها.
إن أعظم إنجازات تروتسكي هو حفاظه على راية الماركسية النقية، ورفعها عاليا وسط كل الرعب والارتدادات الفكرية التي واجهته. فلنرفع هذه الراية، ولنستخدمها لبناء حزب عالمي للثورة الاشتراكية، حزب قادر على قيادة الطبقة العاملة، أخيرا، إلى النصر.
المصادر:
[1] L Trotsky, ‘A Petty-Bourgeois Opposition in the Socialist Workers Party’, In Defence of Marxism, Wellred Books, 2019, pg 73
[2] ibid. pg 70-71
[3] L Trotsky, ‘Bonapartism and Fascism’, Democracy, Bonapartism and Fascism, Wellred Books, 2025, pg 148
[4] J Stalin, Problems of Leninism, Foreign Languages Press, 1976, pg 217
[5] Resolution of the Central Committee of the Communist Party of Germany, quoted in J Braunthal, Geschichte der Internationale: 1914–1943, Vol. 2, Dietz Verlag, 1963, pg 414
[6] L Trotsky, Revolution Betrayed, Wellred Books, 2022, pg 183
[7] P Miliukov, ‘The Elections to the Second State Duma’, quoted in L Trotsky, 1905, Penguin Books, 1971, pg 295
[8] L Trotsky, The Stalin School of Falsification, Pathfinder, 1972, pg 17
[9] L Trotsky, My Life, Wellred Books, 2018, pg 432
[10] L Trotsky, ‘How Revolutionaries are Formed’, Writings of Leon Trotsky [1929], Pathfinder, 1975, pg 192
[11] V I Lenin, ‘The Three Sources and Three Component Parts of Marxism’, Lenin Collected Works, Vol. 19, Progress Publishers, pg 21
[12] L Trotsky, ‘Sectarianism, Centrism and the Fourth International’, Writings of Leon Trotsky [1935-36], Pathfinder, 1977, pg 153
[13] L Trotsky, ‘The Transitional Programme’, Classics of Marxism, Vol. 1, Wellred Books, 2025, pg 269-270
[14] ibid. pg 270
[15] ibid. pg 224
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية