وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، فإن الحرب ضد إيران لم تُحك في واشنطن، بل في القدس. بنيامين نتنياهو هو من صاغ الخطة، ثم عرضها على ترامب ومجلس وزرائه للموافقة عليها في اجتماع بالبيت الأبيض في فبراير.

بعد مرور أربعة أشهر، أصبح ترامب رجلا يائسا. لقد تم تهميش جميع أهداف الحرب الأمريكية المعلنة في البداية بهدوء، وكل ما يريده ترامب الآن هو حفظ ماء الوجه وإعادة فتح مضيق هرمز.
لدى نتنياهو أفكار أخرى. فأهدافه، التي تختلف تماما عن أهداف الأمريكيين، تشمل توسيع الأراضي التي تحتلها إسرائيل، وتمزيق إيران، والأهم من ذلك، إبقاء الولايات المتحدة في حرب طويلة الأمد. لذلك، يحاول نتنياهو إفشال وقف إطلاق النار واستئناف الأعمال العدائية من خلال استفزاز الإيرانيين باستمرار في لبنان.
وقد أخبر ترامب نتنياهو مؤخرا بشكل مباشر عبر الهاتف: “أنت مجنون تماما. لولاي أنا لكنت في السجن. أنا أنقذ مؤخرتك. الجميع يكرهونك الآن. الجميع يكرهون إسرائيل بسبب هذا”.
ومع ذلك، يبدو وقف إطلاق النار هشا بشكل متزايد. ترامب غير قادر على إجبار إيران على قبول أي موقف لا يبدو وكأنه استسلام من جانبه. وبالتالي، قد ينجح نتنياهو في فرض إرادته على ترامب. فبعد تبادل اطلاق النار الأخير بين إيران وإسرائيل، وبخ ترامب نتنياهو بغضب لإطلاقه النار على إيران، مذكرا إياه بغير إقناع: “أنا من يصدر الأوامر”.
منذ 7 أكتوبر 2023، يبدو أن إسرائيل قد حددت إيقاع الأحداث، حيث تشن حربا على سبع جبهات، بينما يبدو أن الولايات المتحدة قد سمحت لنفسها بأن تُقاد. إن أمة مترامية الأطراف تضم 350 مليون نسمة يتم قيادتها في مسار يثبت أنه ضار جدا بمصالحها من قبل أمة صغيرة يقل عدد سكانها عن 10 ملايين نسمة، تحتل مساحة صغيرة من الأرض على بعد 9000 كيلومتر.
إن هذا المظهر، الذي تبدو فيه إسرائيل كمن يملي أوامره على أمريكا، قد وفر مادة دسمة لمنظري المؤامرة المعادين للسامية. ومع ذلك، فإن هذه العلاقة الغريبة تستحق تفسيرا، والذي تبين أنه أبسط بكثير من كونه مؤامرة.
أصول العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل
بدأت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في التطور في فترة ما بعد الحرب. في ذلك الوقت، كان الشرق الأوسط يبرز كمنطقة رئيسية للولايات المتحدة، التي كانت ترتقي إلى وضع القوة العظمى الرأسمالية الأولى في العالم.
لماذا يعد الشرق الأوسط مهما جدا؟ بالتأكيد لعب النفط دورا في ذلك. فبحلول عام 1970، وصل إنتاج النفط الخام الأمريكي إلى ذروته، ثم انخفض بعد ذلك. وفي الوقت نفسه، أدى الازدهار الصناعي الطويل في فترة ما بعد الحرب إلى ارتفاع مستمر في الطلب الأمريكي على نفط الخليج.
لكن النفط ليس سوى جزء من المعادلة. لم يكن عامل خوف الطبقة السائدة في الولايات المتحدة من الشيوعية أقل أهمية. وبالنظر إلى قرب إسرائيل من الاتحاد السوفيتي والاضطرابات الثورية التي اجتاحت المنطقة منذ الخمسينيات، كان الشرق الأوسط خطا أماميا في الحرب الباردة.
اليوم، أصبحت الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل متشابكتين لدرجة أنه قد يكون من المغري تخيل أنهما كانتا دائما تتمتعان بهذه العلاقة؛ وأن إسرائيل نشأت كجسر للمصالح الأمريكية في المنطقة منذ اليوم الأول. لكن الأمور لم تتكشف على هذا النحو في الواقع.
إذن كيف تطورت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟
في عام 1948، وقت النكبة، كان الهدف الأساسي للإمبريالية الأمريكية الصاعدة هو إحلال نفوذها محل نفوذ بريطانيا المتراجعة في الشرق الأوسط.
كانت بريطانيا تحافظ على هيمنتها بشكل أساسي من خلال سلسلة من الأنظمة الملكية الرجعية. وقد عمل إنشاء إسرائيل لصالح الأمريكيين – فقد أضعف بريطانيا. ولذلك سارع الرئيس ترومان إلى الاعتراف بدولة إسرائيل.
ومع ذلك، لم تكن الإمبريالية الأمريكية تريد مجرد إضعاف الإمبراطورية البريطانية. بل أرادت الاستيلاء على كل امتيازاتها، وهو ما يعني دفع الأنظمة الملكية العربية الرجعية إلى مدارها الخاص. لذلك كان الأمريكيون حريصين على عدم إثارة الرأي العام العربي ضدهم في هذه المرحلة من خلال إظهار حماس مفرط للدولة الجديدة إسرائيل، التي أسست نفسها من خلال الإرهاب والتطهير الإثني للعرب.
وكما ناقشنا في مواضع أخرى، دعمت الولايات المتحدة إسرائيل، ولكن بشكل غير مباشر إلى حد كبير، في المقام الأول من خلال تعويضات ألمانيا الغربية والمساعدة الخاصة من الرأسماليين الأمريكيين اليهود.
لكن في الخمسينيات، واجهت السياسة الأمريكية تحدياً جديداً. بدأت الأنظمة الملكية العربية الرجعية تتساقط كأحجار الدومينو في جميع أنحاء المنطقة حيث اعتمد ضباط القومية العربية الراديكالية على الجماهير لإطلاق انقلابات، بدءا من انقلاب الضباط الأحرار في مصر عام 1952.

وحتى في مواجهة هذا الشيء الجديد، شق استراتيجيو الإمبريالية الأمريكية طريقهم تجريبيا. ففي نهاية المطاف، كان ملك مصر فاروق عميلا بريطانيا، وليس أمريكيا. ربما كان بإمكان الأمريكيين العمل مع ناصر؟
وهكذا، في عام 1956، عندما أمم ناصر قناة السويس – ورد الإسرائيليون والبريطانيون والفرنسيون باحتلال شبه جزيرة سيناء – طالب الرئيس أيزنهاور بغضب بانسحابهم.
هل يمكن لأي شخص أن يتخيل رئيسا أمريكيا يتخذ مثل هذا الموقف مع إسرائيل اليوم؟ يمكن للمرء أن يتخيل بالتأكيد أن تُفرض مثل هذه المطالب على بريطانيا وفرنسا، ولكن ليس على إسرائيل!
أدت تداعيات أزمة السويس إلى تعريض علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة للخطر لمدة عقد من الزمان. وليس من قبيل الصدفة أن إسرائيل طورت برنامجها النووي الخاص في الخمسينيات والستينيات، من وراء ظهر الولايات المتحدة، وبالتعاون السري مع الإمبريالية الفرنسية.
ومع ذلك، سرعان ما انحرفت هذه السياسة الأمريكية عن مسارها. بدأت مصر، من موازنتها للقوى العظمى، تميل بشكل متزايد نحو السوفيت، وبدأت تتلقى منهم أسلحة بكميات كبيرة. وبدأت سوريا تميل في نفس الاتجاه. ثم في عام 1958، اندلعت ثورة في العراق، وأُطيح بالنظام الملكي الهاشمي، واستُبدل هناك أيضا بضباط قوميين حريصين على محاكاة ناصر.
كان على السياسة الأمريكية أن تتكيف. في أواخر الخمسينيات، أعلن الرئيس عن “عقيدة أيزنهاور” : ستتدخل الولايات المتحدة في أي مكان تشعر فيه بالضرورة لـ “احتواء الشيوعية”، وهو ما فعلته في الأردن ولبنان.
أُلقي بالقناع جانبا. ظهرت الإمبريالية الأمريكية علنا كقوة إمبريالية عدوانية في المنطقة فكانت مستعدة للتدخل عسكريا للدفاع عن مصالحها.
بعد حرب الأيام الستة: إسرائيل، “حاملة الطائرات التي لا تغرق”
كانت المشكلة أن الولايات المتحدة كانت مشغولة في فيتنام. ما كان يحتاجه الأمريكيون قبل كل شيء في الشرق الأوسط هو وكيل قوي ومسلح يمكنهم العمل من خلاله. وفي هذا السياق وقع كينيدي أول صفقة عسكرية رئيسية مباشرة مع إسرائيل عام 1963.
لكن نقطة التحول الحقيقية في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل جاءت عام 1967 بانتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة.
في هجوم استباقي مذهل، دمرت إسرائيل سلاح الجو المصري بالكامل قبل أن يتمكن من الإقلاع. ومن هناك، استولوا بسرعة على الضفة الغربية من الأردن، ومرتفعات الجولان من سوريا، وليس فقط غزة بل شبه جزيرة سيناء بأكملها حتى قناة السويس من مصر.
كانت الطبقة السائدة في الولايات المتحدة في غاية السعادة. بضربة واحدة، تلقت اثنتان من حلفاء الاتحاد السوفيتي الرئيسيين في المنطقة (مصر وسوريا) ضربة قوية، دون مشاركة جندي أمريكي واحد. ومن تلك اللحظة، بدأت الأموال والأسلحة والمعلومات الاستخباراتية تتدفق في اتجاه إسرائيل.
منذ ذلك الحين، تلقت إسرائيل أكثر من 330 مليار دولار كمساعدات (معدلة حسب التضخم). قامت الولايات المتحدة ببنائها اقتصادياً وعسكرياً لتصبح قوة إقليمية عظمى: “إسبرطة صغيرة” قوية يمكنها القتال نيابة عن أمريكا.
إن أرقام الإنفاق العسكري ترسم صورة حية لاقتصاد إسرائيل المشوه والعسكري. حتى عام 1967، ظل هذا الإنفاق أقل من 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي – وهو لا يزال مرتفعا وفقا لمعظم المعايير. ثم، في عام 1967، قفز إلى أكثر من 15 في المئة واستمر في الصعود. بلغ الإنفاق العسكري ذروته عند أكثر من 30 في المئة (!) من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1975، ولم ينخفض أبدا إلى أقل من 15 في المئة حتى عام 1986.
في الفترة بأكملها من عام 1967 وحتى نهاية الحرب الباردة، كانت إسرائيل معسكراً مسلحاً، تدعمه الدولارات الأمريكية. أصبحت “أكبر حاملة طائرات أمريكية لا تغرق في العالم”، على حد تعبير الجنرال الأمريكي ألكسندر هيج.
في مقابل هذا الدعم، سدد الإسرائيليون دينهم لداعميهم الأمريكيين مرات عديدة.
أدى انتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة – والحروب اللاحقة في أوائل السبعينيات – بشكل مباشر تقريباً، بعد وفاة ناصر عام 1970، إلى عودة مصر إلى مدار نفوذ الولايات المتحدة في عهد السادات.

وفي سوريا أيضا، ساعدت الهزيمة في إحداث سقوط الضباط البعثيين اليساريين وصعود لعناصر يمينية في عهد حافظ الأسد عام 1970، الذي بدأ “الانفتاح”، بدأت سيرورة استعادة الرأسمالية.
لا عجب أن إسرائيل كانت تحظى بإعجاب كبير من قبل داعميها، الطبقة السائدة في أمريكا والغرب الرأسمالي.
أصبحت الخيوط التي تربط الاثنين أقوى وأكثر عددا. اجتذبت إسرائيل الاستثمارات الرأسمالية الغربية. واليوم، يعتبر قطاع التكنولوجيا في إسرائيل رائدا عالميا في الأمن السيبراني وطائرات الدرونز وتكنولوجيا الروبوتات، كل ذلك بفضل العلاقة المميزة التي تتمتع بها مع المجمع العسكري الصناعي الأمريكي، الذي تعد إسرائيل ملحقا قيما له.
العلاقة مميزة بالفعل. فإسرائيل لا تتلقى أكبر قدر من المساعدات العسكرية الأمريكية في العالم فحسب، بل هي الدولة الوحيدة التي تسمح لها الولايات المتحدة باستخدام مساعداتها العسكرية لدعم صناعة الأسلحة المحلية الخاصة بها بدلاً من شراء الأسلحة الأمريكية.
وفي الوقت نفسه، أصبح “الموساد” يشكل رابطا رئيسيا في الاستخبارات الأمريكية. ووصف الجنرال الأمريكي جون كيغان مساهمة إسرائيل الاستخباراتية للولايات المتحدة بأنها “تُعادل خمس وكالات استخبارات مركزية”.
في حروبها الكثيرة، استولت إسرائيل على كميات هائلة من المعدات والأسلحة السوفيتية التي سمحت للولايات المتحدة بالحفاظ على تفوقها في سباق التسلح. لقد ساعدت الولايات المتحدة في وضع يدها على رادار ودبابات وطائرات مقاتلة سوفيتية. وفي إحدى الحالات، حرض الموساد طياراً عراقياً على طيران طائرة ميج سوفيتية مباشرة إلى إسرائيل.
يمكننا الاستمرار في إيراد الأمثلة، لكن المغزى قد توضح.
بالنظر إلى الخدمة التي قدمتها إسرائيل للإمبريالية الأمريكية، والقيمة التي اكتسبتها، لا عجب أنها أسرت قلوب وعقول الطبقة السائدة في الولايات المتحدة على مدى عقود عديدة. أصبح دعم هذه الدولة الصغيرة بندا من بنود الإيمان الحزبي في الولايات المتحدة.
وقد شكل أكثر داعميها حماسة جماعة ضغط (لوبي) قوية – أقوى لوبي في السياسة الأمريكية. وإلى جانب كون اللوبي الإسرائيلي يضم العديد من الرأسماليين الأمريكيين اليهود ومؤسسات الجالية اليهودية، فإنه يضم أيضا عنصرا مسيحيا صهيونيا إنجيليا قويا بنفس القدر.
لقد عملوا معا لتعزيز الروابط الثقافية والاقتصادية والسياسية، وإسكات المناهضين للصهيونية، والأهم من ذلك ضمان تبني أكثر الخطوط تأييدا لإسرائيل في واشنطن. لقد سعوا إلى لحام مصائر هذين البلدين ببعضهما البعض بإحكام.
لكن يجب أن نؤكد: إن صعود اللوبي الإسرائيلي ليس سببا لهذه العلاقة الخاصة بل هو نتيجتها. إن انجذاب الطبقة السائدة في الولايات المتحدة لإسرائيل لا يحتاج إلى “اللوبي الإسرائيلي” كتفسير أكثر مما يحتاجه عداؤهم للثورة الكوبية إلى “لوبي غوسانو” لتفسيره.
لكن حتى عندما تكون تصرفات إسرائيل، في نظر مراقب موضوعي، ضارة بشكل واضح بمصالح الإمبريالية الأمريكية، ماذا نرى؟ يظل هذا الجسم القوي من الرأي داخل الطبقة السائدة في الولايات المتحدة، هذه الغريزة، التي يحفزها اللوبي الإسرائيلي، يتحرك جنبا إلى جنب مع إسرائيل، حتى مع تباعد الاثنين. ومع ذلك، لكل شيء حدود.
إسرائيل لديها مصالحها الخاصة
لطالما كان لـ الطبقة السائدة الإسرائيلية مصالحها المنفصلة الخاصة، بعيدا جدا عن مصالح الولايات المتحدة. لقد كانوا أقل خجلا بكثير في تحدي داعميهم عندما يتعلق الأمر بتأكيد تلك المصالح!
من أين يحصل الإسرائيليون على نزعتهم للتحدي؟ حسابات الطبقة السائدة الإسرائيلية بسيطة. بالنسبة للإمبريالية الأمريكية، فإن علاقتها بإسرائيل هي علاقة “كل شيء أو لا شيء”. فإما أن تحافظ إسرائيل على تفوقها العسكري في المنطقة، أو لاشيء.
قد يشتكي الأمريكيون من تصرفات الحكومة الإسرائيلية، وقد يوقفون شحنات الأسلحة مؤقتا، لكن حكومة تلو الأخرى في إسرائيل كانت تحسب دائما أنهم سينتهون في النهاية إلى جانبهم.
وبالتالي، فقد دفعت الطبقة السائدة الإسرائيلية بقوة مصالحها الخاصة، في مناسبات عديدة في تحدٍ مباشر لرؤساء الولايات المتحدة. وقد شمل ذلك حتى أعمالا عدائية علانية ضد الولايات المتحدة نفسها، بما في ذلك ارتكاب التجسس الصناعي وسرقة الأسرار النووية، بالإضافة إلى مجرد دفع أجندتها التوسعية الخاصة إلى أبعد مما يود رؤساء الولايات المتحدة.
وفي ثمانينيات القرن الماضي، ذهل ريجان – الذي كان مؤيداً لإسرائيل حتى بمقاييس الرؤساء الأمريكيين – من إقدام الإسرائيليين على قصف محطة أوزيراك للطاقة النووية في العراق عام 1981 دون حتى إعلام مسبق للولايات المتحدة. وكان يشد شعره غضباً مرة أخرى عندما بدأ الإسرائيليون قصف بيروت عام 1982.
حتى إنه اتصل برئيس الوزراء الإسرائيلي بيغن، الذي كانت قواته تضغط حينها على بيروت، واتهمه بارتكاب «محرقة»! وهي كلمات قوية حقاً بالنسبة لرئيس أمريكي، لم يتجاوزها مؤخراً سوى هجوم ترامب المليء بالشتائم ضد نتنياهو، في وقت يهدد فيه الأخير بيروت.
في النهاية، دعمت إدارة ريغان كل جريمة مروعة ارتكبتها إسرائيل في لبنان. أكثر من ذلك، كان ريغان هو الرئيس الذي عزز تماما “العلاقة الخاصة” مع إسرائيل. لقد حدد مستويات فريدة وجديدة للشراكة الاستراتيجية والعسكرية، مع كل الامتيازات التي نتجت عنها لإسرائيل، بل وأنقذ إسرائيل ماليا عندما استسلم اقتصادها العسكري المشوه بشكل هائل للتضخم المفرط وانهيار البنوك في عام 1985.
هذه هي القصة على طول الخط:
- رؤساء وزراء إسرائيل يفعلون ما يريدون.
- رؤساء الولايات المتحدة يتذمرون.
- إسرائيل تحصل على ما تريد.
ومثلما عززت هذه “العلاقة الخاصة” الفريدة ولاء أعمى تجاه إسرائيل لدى الطبقة السائدة في الولايات المتحدة، وهو الولاء الذي استمر طويلا بعد أن تجاوز حد العقلانية، فإنها قد شوهت أيضا سيكولوجية الطبقة السائدة الإسرائيلية، ويتجسد ذلك قبل كل شيء في بنيامين نتنياهو، الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية منذ تسعينيات القرن الماضي.
فالمتنمر الصغير الخبيث في الملعب يتجول بثقة مضايقاً الأطفال الآخرين لأنه يشعر أن المتنمر الكبير يقف في صفه.
وفي مقطع مسرب يعود إلى عام 2001، يشرح نتنياهو بخيلاء للصحفيين كيف شرع في تقويض اتفاقيات أوسلو. ورداً على سؤال عما إذا كان قلقاً من إغضاب الأمريكيين، أجاب: “أنا أعرف ما هي أمريكا. أمريكا شيء يمكنك تحريكه بسهولة شديدة”.
تشعر الطبقة السائدة الإسرائيلية أن القوة الكاملة لأقوى إمبراطورية على وجه الأرض تقف خلفها، وقد اعتادت على استخدام هذا الدعم بحرية.
نفسية الطبقة السائدة في الولايات المتحدة
هنا ربما يكمن السؤال الوجيه: كان للولايات المتحدة مصلحة في بناء إسرائيل كـ “إسبرطة صغيرة”. لكن الحرب الباردة انتهت. وفي الوقت نفسه، يعني النفط الصخري أن الولايات المتحدة، بدلاً من الاعتماد على نفط الخليج، أصبحت الآن واحدة من أكبر مصدري النفط في العالم.
تجاوزتها المصالح الأمريكية. فلماذا لم تتجاوزها الطبقة السائدة الأمريكية أيضاً؟ ما تزال علاقتها الودية مع إسرائيل مستمرة.
إن وعي الطبقات لا يتطور فورا بالتزامن مع الأحداث. لقد تشكل وعي الطبقة السائدة الأمريكية بما هو عليه من خلال ثمانية عقود من الهيمنة غير المقيدة.
إن المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة – الجمهوريون المحافظون والديمقراطيون الليبراليون – تشترك في وجهة نظر موحدة بشكل أساسي. يجادل أحدهم بأن القوة الأمريكية غير المقيدة تجلب معها “الأمن” و”الازدهار”. بينما يجادل الآخر بأن الولايات المتحدة ملزمة بدعم “النظام القائم على القواعد” في العالم.
كلاهما يعني الشيء نفسه: أمريكا تستطيع ويجب أن تؤكد نفسها في كل مكان؛ أمريكا تستطيع ويجب أن تظل القوة المهيمنة في العالم. إنها نظرة عالمية ذاتية تقريبا. إذا أرادت أمريكا ذلك، فيمكنها الحصول عليه. إنها مجرد مسألة إرادة، بغض النظر عن الواقع!
هؤلاء هم الأشخاص الذين يصدرون الأوامر، الذين يعملون جنباً إلى جنب مع إسرائيل الآن لإسقاط وقف إطلاق النار مع إيران، رغم جنون ذلك. إنهم يعيشون في عالم آخر غير عالمنا، عالم يمكنهم فيه فعل ما يريدون، حيث إسرائيل هي “حاملة طائراتهم الموثوقة التي لا تغرق” بدلاً من أن تكون عبئاً يغرق في الأزمات.
وترامب أيضاً يعيش في الماضي. لننظر إلى إيران. أي مواطن أمريكي كان يعرف أين تقع جزيرة خارك قبل اندلاع الحرب في فبراير؟ ترامب كان يعرف. فمنذ عام 1988، قال إنه إذا أصبح رئيساً، فإنه “سيوجه ضربة لجزيرة خارك”.
لقد عرفت الطبقة السائدة الأمريكية بأكملها منذ زمن طويل أين تقع جزيرة خارك بالضبط. الطبقة السائدة في الولايات المتحدة ليست معتادة على الإذلال، وحيثما تعاني من الإذلال، فإنها تظل حبيسة ذكراه. إن الإذلال الذي عانوه في إيران عام 1979 – مع قيام الجمهورية الإسلامية في إيران وأزمة رهائن السفارة الأمريكية – ظل يشغل بالهم لعقود.
لا علاقة للمنطق بسياساتهم إلا قليلا. الشيء “المعقول” الذي يمكن للأمريكيين القيام به الآن هو الاعتراف بهزيمتهم والتفاوض على انسحابهم من الحرب. وهذا يعني الاعتراف بالسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، ووضع أمريكي متضاءل بكثير في المنطقة.
لكن الطبقة السائدة في الولايات المتحدة لا تستطيع تصور عالم تكون فيه قوتها محدودة. حتى فكرة التفاوض تبدو غريبة على الطبقة السائدة الأمريكية. أمريكا لا تتفاوض؛ فالتفاوض يعني التنازل. إذا أرادت أمريكا شيئا، فإنها تمارس البلطجة والترهيب وتأخذه.

وهكذا، فإن “المفاوضات” التي سبقت هذه الحرب لم تكن مفاوضات على الإطلاق. كانت مجرد وسيلة لكسب الوقت بينما كان يتم نقل العتاد العسكري إلى المنطقة. كان المفاوضون الإيرانيون لا يزالون على طاولة المفاوضات في عمان عندما حاولت أمريكا قطع رأس النظام.
قد نضيف أن المفاوضات التي أجراها الأمريكيون مع الروس بشأن أوكرانيا كانت غير جادة بالقدر نفسه، مما يعكس نفس السيكولوجية الجوهرية.
نقطة تحول
هكذا كانت الأمور لعقود. لكن يجب أن تصل كل الأشياء في النهاية إلى حد معين. ففي النهاية، يجب أن يتحول الكم إلى كيف. أولا، إن احتضان أمريكا قد صاغ إسرائيل لتصبح مجتمعا يتمزق الآن بسبب تناقضاته الداخلية.
من ناحية، تتباهى إسرائيل بأنها “الديمقراطية الوحيدة” في الشرق الأوسط. ومن ناحية أخرى، فإن مستوى التمييز المقنن قانونيا ضد الفلسطينيين، والمنغرس في قوانين إسرائيل، يجعل من مثل هذا الادعاء مهزلة، بينما يعرف قانون الدولة القومية لعام 2017 رسميا غير اليهود باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية.
من ناحية، هي موطن لبعض أكثر الصناعات التكنولوجية تقدما في العالم. ومن ناحية أخرى، فقد زرعت كما هائلا من غوغاء المستوطنين المتعصبين الذين يؤمنون بالحقيقة الحرفية للتوراة.
من ناحية، لدى إسرائيل أكبر عدد من “الشركات المليارية” (الشركات التي تبلغ قيمتها أكثر من مليار دولار) مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي لأي دولة في العالم. ومن ناحية أخرى، لديها بعض أسوأ مستويات الفقر في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
قبل 7 أكتوبر 2023 بستة أشهر فقط، انفجرت كل هذه التناقضات على السطح. كانت إسرائيل تعاني من احتجاجات هائلة، و”إضرابات عامة” وعصيان مدني. وكانت الطبقة السائدة في حالة حرب مع نفسها.
لقد نجح نتنياهو في تغطية هذه التناقضات بحرب تلو الأخرى، بدءا من غزة. وبفعل ذلك، فقد أخر يوم الحساب من خلال رفع التناقضات في المجتمع الإسرائيلي إلى الدرجة القصوى.
هذه دولة صغيرة. فبعد ثلاث سنوات من الحرب المتواصلة بجيش من المجندين، يبدو أن الانضباط ينهار داخل قوات الاحتلال في لبنان. أكثر من نصف جنود الاحتياط لا يستجيبون عند استدعائهم من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي. و63% من الضباط يريدون ترك الجيش.
تلوح في الأفق متاعب اقتصادية. الشركات الناشئة في حالة فوضى. هناك فئة مهمة في سن العمل موجودة في الجيش. مشاكل الصحة النفسية وصلت إلى مستويات وبائية. وفوق كل شيء، عانت إسرائيل من ضربة نفسية هائلة. لقد تحطمت الصورة التي روجت لها الطبقة السائدة، وهي أن إسرائيل قوة لا تقهر. لم يعد بإمكان الدولة الصهيونية الادعاء بأنها ترقى إلى مبرر وجودها الخاص: أنها تستطيع ضمان سلامة السكان اليهود في إسرائيل.
في كل مرحلة، رفع نتنياهو سقف الرهان للحفاظ على حكومته معاً ولإنقاذ جلده. حتى الآن نجح في ذلك. لكن التناقضات داخل إسرائيل هددت مراراً بالظهور مجدداً، وفي كل مرة بشكل أعنف – كما رأينا مع الغضب الموجه ضد نتنياهو من عائلات الرهائن، وكذلك من اليهود الحريديم (الأرثوذكس المتطرفين) عندما هددوا بفقدان إعفائهم من التجنيد.
كل هذا سيصل في النهاية إلى حده الأقصى.
مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل
لكن الأمور يجب أن تصل إلى حدها أيضاً بالنسبة للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. إن أحداث السنوات الثلاث الماضية تقوض بعمق الدعم لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.
قبل 7 أكتوبر 2023، كان غالبية الأمريكيين يتعاطفون مع إسرائيل (54%) مقابل فلسطين (31%). هكذا ظلت الأمور لعقود.
اليوم، يدعم عدد أقل من الأمريكيين إسرائيل (35%) مقارنة بمن يدعمون فلسطين (41%). وبين الشباب، الأرقام أكثر لفتا للنظر، حيث تدعم أغلبية واسعة فلسطين (53 في المئة) مقابل (31%) تدعم إسرائيل.
إن هذه تحولات غير مسبوقة في وعي الجمهور الأمريكي. في كلمات النائب عن الحزب الديمقراطي رو خانا: “لم أرَ قط تغيرا بهذه السرعة في الرأي العام تجاه أي قضية، بما في ذلك قضية زواج المثليين […] كما حدث في تغير الرأي حول العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل”.
بدأ الديمقراطيون يشعرون بالضغط، حيث أصبح المال المقدم من مجموعة الضغط الإسرائيلية “أيباك” (AIPAC) بمثابة قبلة الموت لبعض السياسيين الديمقراطيين، لدرجة أنه كُشف عن لجوء أيباك إلى تمويل خلفي غامض لتجنب تحديد هويتها. كما يشعر الجمهوريون بالضغط أيضا، إذ تنقسم قواعد حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا” (MAGA) حول هذه المسألة، مع اتهام شخصيات مثل تاكر كارلسون لترامب بالتحول من “أمريكا أولا” إلى “إسرائيل أولاً”.

هل من الممكن، رغم كل شيء، تخيل قطيعة بين إسرائيل والولايات المتحدة في مرحلة ما؟ على الرغم من المكانة التي تحتلها إسرائيل في نفسية الإمبريالية الأمريكية، هناك اعتبار آخر سنحاول توضيحه بتشبيه بسيط.
قبل أن يبدأ تراجع الإمبريالية الأمريكية، وقبل أن تصبح هي القوة المهيمنة في العالم، كانت هناك الإمبريالية البريطانية.
بعد الحرب العالمية الأولى، فُرض رونالد ستورز من قبل البريطانيين كحاكم عسكري للقدس تماما كما كانت تسيطر على فلسطين بصفتها المستعمر الجديد. لقد كان من الممتع بالنسبة لهذا الحاكم أن يشير إلى نفسه بـ “أول حاكم عسكري للقدس منذ بيلاطس البنطي”. شجع البريطانيون الهجرة اليهودية وشجعوا الانقسام بين العرب واليهود.
في سيرته الذاتية التي كُتبت قبل تأسيس إسرائيل، أوضح ستورز أن فكرة إنشاء “أولستر يهودية موالية صغيرة في بحر من العروبة المعادية المحتملة” قد خطرت للإمبرياليين البريطانيين. وكما زُرعت أيرلندا الكاثوليكية بالبروتستانت في القرن السابع عشر في محاولة لضمان حامية للمصالح البريطانية، تخيل إمبرياليون مثل ستورز اليهود يلعبون دوراً مشابهاً بين العرب.
لقد تحققت “أولستر يهودية موالية صغيرة” في الأساس، باستثناء أنها كانت موالية للأمريكيين بدلا من البريطانيين.
قد تكون هناك بعض أوجه التشابه بين الشرق الأوسط وأيرلندا. ومع تراجع الإمبريالية البريطانية وانهيار إمبراطوريتها، تغيرت مصالحها أيضا في أيرلندا. بحلول فترة ما بعد الحرب، كانت أيرلندا الشمالية قد شهدت تراجعا صناعيا، ولم تعد هناك حاجة ماسة لوجود دائم لدرء التهديدات من المنافسين الأوروبيين للساحل الغربي لبريطانيا – إذ تحولت بريطانيا ومنافسوها على حد سواء إلى تابعين صغار لأمريكا.
لذا لم يعد لدى بريطانيا مصلحة في الحفاظ على تقسيم أيرلندا، فقد أدت “أولستر الموالية” دورها. باستثناء أن البريطانيين كانوا قد خلقوا وحش فرانكشتاين، فلم تذهب ولائية أولستر ببساطة إلى كتب التاريخ. بل استمرت في إثارة الفوضى واضطهاد الكاثوليك، وأنتجت وحوشا مثل القس إيان بيزلي، بخطبه ضد الكاثوليكية.
بحلول أواخر الستينيات، هددت هذه التناقضات بالانفجار إلى حرب أهلية. ومهما كان ما أراده البريطانيون – وربما كان من مصلحتهم في ذلك الوقت “التخلي” عن شمال أيرلندا – فقد كانوا سجناء لسياساتهم الماضية. لم يتمكنوا من التخلي، بل انجروا أكثر من أي وقت مضى.
أُرسلت القوات البريطانية إلى شوارع أيرلندا وظلت مقيدة لعقود، بينما وصل القصف إلى البر الرئيسي البريطاني. حتى اليوم، تواصل شمال أيرلندا خلق مشاكل للرأسمالية البريطانية المتضاءلة. انظر فقط إلى المذابح التي رأيناها في الأسبوع الماضي.
مثل عنكبوت محاصر في شبكته الخاصة، أصبحت الإمبريالية البريطانية محاصرة في التناقضات التي نسجتها في الماضي، والتي خدمت مصالحها ذات مرة، ولكن لم يعد بإمكانها الهروب منها.
لقد فعل الإمبرياليون الأمريكيون الشيء نفسه على نطاق أوسع بكثير، حيث قاموا بتوريط الشرق الأوسط بأكمله، وخلقوا “أولستر موالية صغيرة” ذات طموحات توسعية وأسلحة نووية. وحتى لو كانوا قادرين على النظر إلى الواقع بوقار – وهم لا يظهرون أي علامة على القدرة على ذلك – فلن يكونوا قادرين على تخليص أنفسهم من هذه الفوضى، التي أصبحت عاملا كبيرا في تسريع تراجعهم.
12 يونيو/حزيران 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية