مرت علينا، في الخامس عشر من مايو، الذكرى الثمانية والسبعين على النكبة، وهي حملة الإرهاب الوحشية التي شنتها القوات الصهيونية ضد الفلسطينيين لتأسيس دولة إسرائيل. وكان للإمبريالية البريطانية – بعد أن أخضعت المنطقة لعقود من الهيمنة والنهب والتقسيم – دور محوري في هذه الكارثة.

لقد شكل الانتداب البريطاني والنكبة البداية الدموية للتقسيم والاحتلال. لكن جرائم الإمبريالية في فلسطين استمرت حتى يومنا هذا. ولمطالعة المزيد عن هذا التاريخ – فضلا عن نضال الفلسطينيين – راجعوا مقالنا الذي يكشف تاريخ فلسطين وإسرائيل حتى عام 1993.
بدأت الحكومة البريطانية، وقبل أن تطوى صفحة انتدابها على فلسطين، في رسم خططها لبسط حكمها على الشرق الأوسط لبقية القرن.
انبرى وينستون تشرشل في عام 1921، متحدثا بصفته وزيرا للمستعمرات لجلالة الملك، لتوبيخ الأصوات المطالبة بالاستقلال العربي، حيث صرح قائلا:
«إن شكل الحكومة الحالي سيستمر لسنوات عديدة». واسترسل متحدثا عن طول الأمد المتوقع للانتداب: «سنعمل خطوة بخطوة على تطوير مؤسسات تمثيلية تفضي إلى الحكم الذاتي الكامل، ولكن أبناء أحفادنا سيكونون قد رحلوا عن الدنيا قبل تحقيق ذلك.»
وكان السؤال المعلق الذي خلفه هذا التصريح هو: أبناء أحفاد مَن الذين تترقبهم فلسطين؟ ففي نهاية المطاف، قطع الإمبرياليون البريطانيون وعودا خلال الحرب العالمية الأولى بتلبية التطلعات القومية لكل من اليهود والعرب في فلسطين.
وما إن وضعت الحرب أوزارها وتحقق النصر حتى أُزيح خيار إقامة دولة للعرب سريعا عن الطاولة. وهي خطوة جرى تبريرها عبر الكتيب الاستعماري المعهود من التفاهات العنصرية.
أدرك تشرشل الحاجة الملحة لتقويض التحركات القوية المطالبة بالسيادة الوطنية بين الشعب العربي. وهكذا، تحول الرجل الذي روج نظريات مؤامرة معادية للسامية إلى المدافع الأول عن القضية الصهيونية.
وقد أُنيط بفلسطين لعب الدور القيادي في الهيمنة البريطانية على الشرق الأوسط. ولكي يتسنى للبريطانيين نهب منطقة يتلألأ سطحها بالنفط كان عليهم أولا تحصين حكمهم عبر زرع بذور الشقاق في الأرض المقدسة.
«أولستر يهودية صغيرة موالية»
تحدث رونالد ستورس، الذي نعت نفسه بـ«أول حاكم عسكري لفلسطين منذ بنطيوس بيلاطس»، بصراحة مطلقة عن المآرب السياسية الكامنة وراء تسهيل تدفق موجات الهجرة ورؤوس الأموال اليهودية إلى فلسطين.
فخروج بريطانيا لتوها من تقسيم أيرلندا جعلها تطمح إلى إنشاء «أولستر يهودية صغيرة موالية» تتمثل في اليشوف (المستوطنات اليهودية).
وبعبارة أخرى، سعى البريطانيون إلى خلق جبهة معارضة موالية للاستعمار داخل فلسطين، وعمدوا إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للبلاد لتقسيم الشعب على أسس طائفية دينية، إذ كانت تلك السياسة هي حجر الزاوية للحكم البريطاني.
وتمنحنا تصريحات ستورس رؤية ثاقبة لمدى غطرسة الحامية الاستعمارية البريطانية، التي بلغت أوهام العظمة لديها حد تشبيه أنفسهم بجلاد المسيح.
وقد سهلت السلطات البريطانية للوكالة اليهودية شراء الأراضي من الأفندية (كبار الملاك) طوال عشرينيات القرن الماضي، ودعمت الحكومات البريطانية المتعاقبة الاستيلاء الصهيوني على الأراضي تحت شعار إحياء اليشوف للصحراء و”جعلها تزهر”.
أدى هذا الإجراء إلى تمزيق النسيج الاجتماعي للحياة الفلسطينية، وحُرم الفلاحين من سبل عيشهم المستقلة، فتدفقوا نحو المدن بحثا عن عمل، غير أنهم وجدوا الأبواب موصدة في وجوههم في قطاعات عدة جراء سياسات الهستدروت العنصرية، وهو مؤسسة شبه حكومية روجت للغزو العبري العمل.
وكانت سياسة الهستدروت، بوصفه أكبر مشغل للعمالة في فلسطين تحت الانتداب، واضحة لا لبس فيها: «إن السماح للعرب باختراق سوق العمل اليهودي يعني تسخير تدفقات رؤوس الأموال اليهودية لخدمة التنمية العربية، وهو ما يتناقض تماما مع الأهداف الصهيونية».
وهكذا، أضحى فقدان الفلسطينيين لمهنهم أمرا شائعا، بدء من مجال البناء وصولا إلى مصانع الصابون. وباتت أسواق العمل الفلسطينية غير مستقرة، حيث وجد الكثير من العمال أنفسهم يُطردون من وظائفهم بسلاسة تماثل تبدل الفصول في البيارات.
غدت فلسطين مع حلول أوائل ثلاثينيات القرن الماضي غريبة لا يكاد يعرفها أهلها الأصليون.
وقد خلفت سرقة الصهاينة الممنهجة للأراضي في الريف هواجس عميقة في نفوس الفلاحين من تواطؤ النخبة الفلسطينية مع أعدائهم. كما أن الخوف المستمر من الإملاق في المدن والشعور المحدق بالاقتلاع ولدا إحساسا عارما بأن ثمة شيء ما يجب فعله.
الإضراب العام
لقى مستوطنان يهوديان مصرعهما على أيدي الفدائيين الفلسطينيين في أبريل من عام 1936، فثارت ثائرة المستوطنين، وشهدت الأيام التالية أعمالا انتقامية أفضت إلى إعدام فلسطينيين اثنين. فكانت تلك هي الشرارة التي أشعلت النار في أرجاء فلسطين كافة.
انطلقت الثورة العربية الكبرى بإضراب عام عارم استمر ستة أشهر من رحم ذلك الحدث. وكان هذا الحراك الشعبي العفوي – الذي يُعد في كثير من الأحيان الانتفاضة الأولى – مباغتة حقيقية للاحتلال البريطاني لم يحسب لها حسابا.
إذ تألفت لجان قومية في طول البلاد وعرضها، ولم تمض أسابيع حتى نجحت نقابات السائقين في شل حركة النقل تماما، بينما احتشد عمال السكك الحديدية في يافا يوم عيد العمال تنديدا بالصهاينة الذين «يسلبون العامل العربي عمله والفلاح أرضه».
واجتاحت الريف حالة شبه ثورية، فانتشر الامتناع عن دفع الضرائب كالنار في الهشيم، وتواترت العمليات المسلحة ضد قوات الاحتلال.
وفي المقابل لم يتورع البريطانيون عن تفجير آلاف المنازل في يافا، وإنزال العقوبات الجماعية بالقرى الفلسطينية العزلاء، ليؤكدوا بذلك عقيدتهم الاستعمارية الراسخة بأن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها السكان الأصليين.
وفي المقابل، اندفع العمال اليهود من كاسري الإضراب لملء ردهات المصانع تحت حماية الحراب البريطانية. واغتنم الهستدروت الأزمة للاستحواذ على فرص العمل العربية، دفعا لخطته الرامية إلى إحكام السيطرة الاستراتيجية على الاقتصاد.
بيد أن هذا الإضراب العام ما لبث أن أُجهض على أيدي القيادات العربية المحلية التي فضلت مهادنة سلطات الانتداب والخطر الصهيوني.
طرح مشروع التقسيم
أوفدت بريطانيا لجنة ملكية للتحقيق في الانتفاضة. وخلص تقرير بيل في عام 1937 إلى أن استمرار الإدارة الحالية متعذر إلا بسلوك «طريق القمع المظلم»، واقترح التقرير تقسيم فلسطين.
وقد نص المقترح على ضم حصة الفلسطينيين المفترضة من الأرض إلى إمارة شرق الأردن المجاورة بدلا من منحهم دولة.
وهنا ظهر التعبير التجميلي «التبادل السكاني»، وهو اللفظ الذي استخدمه الصهاينة لاحقا لتغطية التطهير الاثني الوحشي في النكبة. وقضت الخطة بـ«نقل» 250 ألف فلسطيني لإخلاء المساحة لليشوف.
أطلق الفلسطينيون تمردا مسلحا أشد ضراوة في مواجهة هذا الرفض الصارخ للالتفات إلى مطالبهم. وشهدت البلاد على مدار عامين اغتيالات شبه يومية أعقبتها أعمال انتقامية وبطش وحشي.
وقد باتت الإدارة المدنية شبه منهارة مع انتصاف عام 1938، إذ فرض 20 ألف متمرد سيطرتهم على معظم المناطق الجبلية في أوج الثورة.
فأنشأوا محاكمهم الخاصة ومصلحة بريد بديلة عن مؤسسات الانتداب، وأغاروا على بنك باركليز مرتين في نابلس. أما في بيت لحم فقد هبط الفدائيون من قمم التلال وجردوا الشرطة من سلاحها وهم ينشدون الأهازيج الوطنية معتمرين كوفياتهم الرمزية.
إخماد الثورة
سعت بريطانيا بضراوة لاستعادة السيطرة على الأرض المقدسة. فأخضعت القرى المشتبه في إيوائها للمتمردين للعقوبات الجماعية، وفرضت حظر التجوال، واعتقلت الآلاف دون محاكمة، كما غدت عمليات القصف الجوي أداة رئيسية في جهود قمع التمرد.
وقد عمقت في الوقت نفسه تعاونها مع المنظمات الصهيونية شبه العسكرية. فتوسعت منظمة الهاغاناه سريعا برعاية بريطانية، في حين تلقت شرطة المستوطنات اليهودية التدريب والسلاح والدعم المالي من سلطات الانتداب.
ورغم أن الثورة أظهرت قوة المقاومة الفلسطينية إلا أنها اًصيبت في نهاية المطاف بالإنهاك والهزيمة، بعد أن تعرض جزء كبير من القيادة الفلسطينية للسجن أو النفي أو القتل.
ومع عشية الحرب العالمية الثانية كانت الحركة الوطنية الفلسطينية قد ضعفت وتشرذمت بشكل حاد، فضلا عن مقتل وتشويه زهاء 20 ألف فلسطيني.
وفي نهاية المطاف، أصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض لعام 1939، والذي حاول الحد من الهجرة اليهودية واقترح إقامة دولة فلسطينية مستقلة يتشارك فيها العرب واليهود. بيد أن الأمور كانت قد بلغت في تلك المرحلة نقطة اللاعودة.
جني الثمار
غدا طريق اليشوف نحو إقامة الدولة أكثر ثباتا ورسوخا. ورغم ما أحدثه الكتاب الأبيض من استياء عارم في الأوساط الصهيونية القيادية، فمما لا شك فيه أنهم كانوا المستفيد الوحيد من هزيمة الثورة الفلسطينية.
فقد أتقن القادة الصهاينة أساليب القمع وأدواته بتبعيتهم لأقوى قوة استعمارية على وجه الأرض، حتى أصبحت الدولة الإسرائيلية قائمة بالفعل في طور جنيني، ولم يعد ينقص سوى دفعة أخيرة للدولة الراعية لهم.
ومع وضع الحرب العالمية الثانية أوزارها انقلب ميزان القوى العالمي لصالح الصهاينة، إذ تبين أن الإمبراطورية البريطانية ما هي إلا عملاق قدماه من طين، وعاجزة عن إخماد التمرد الصهيوني في الأرض التي ظنتها يوما «أولستر الصغيرة».
اضطر البريطانيون مكرهين إلى إحالة مسألة التقسيم إلى هيئة الأمم المتحدة في عام 1947 تحت وطأة العمليات الإرهابية المستمرة التي شنتها منظمة الهاغاناه ضد سلطات الاستعمار.
وعلى الرغم من غطرستهم الإمبراطورية، فقد استحضرت بريطانيا القوة التي ستؤول إليها مقاليد الحكم فوق أنقاض الانتداب البريطاني. وكما قال غسان كنفاني:
«وليس من المبالغة أن نقول أن الوجود الاقتصادي والعسكري الصهيوني الذي توطدت صلاته بالإمبريالية قد أرسى ركائزه الأساسية في تلك الفترة، وبذلك كانت الظروف مواتية له في عام 1947 ليجني ثمار هزيمة ثورة 1936.»
20 مايو/أيار
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية