الرئيسية / دول العالم / آسيا / الصين / الصين تفرض جدول الأعمال في قمة شي-ترامب

الصين تفرض جدول الأعمال في قمة شي-ترامب

«إن الهيمنة أحادية القطب لقوة كبرى أصبحت غير مستدامة على نحو متزايد. ففي الداخل، تبدلت ديمقراطيتها وتآكل اقتصادها ويتصدع مجتمعها بوتيرة متسارعة. وفي الخارج، تفلس مصداقيتها سريعا وتتداعى هيمنتها وتنهار أسطورتها».

– تشن يي شين، وزير أمن الدولة الصيني

لم تسفر القمة بين الصين وأمريكا الأسبوع الماضي عن أي نتائج ملموسة تذكر. فلم يطرأ أدنى تغيير في موقف الصين بشأن إيران أو التعريفات الجمركية أو المعادن الأرضية النادرة أو تايوان. لكن في العلاقات بين القوى الإمبريالية، قد تصبح المظاهر المعنوية المرتبطة بالهيبة والمكانة عاملا حاسما، تماما كما يحدث بين عصابتين تحاول كل منهما كشف خداع الأخرى واستعراض قوتها.

من هذا المنطلق، شهدت القمة نجاحا صينيا واضحا. إذ تركت انطباعا عاما بأن القيادة الصينية الثابتة على مواقفها كانت تستقبل ملتمسا يائسا يطلب العون. لم يكتف الصينيون برفض تغيير أي أمر ذي أهمية، بل إنهم لم ينطقوا سوى ببضع كلمات تحذيرية بخصوص تايوان، ولم يكن لديهم أي حاجة للمزيد، فهذا هو جوهر المسألة. وفي المقابل، أفرط ترامب في الكلام، مظهرا مزيجا من اليأس والمهابة تجاه مضيفيه.

قبل تسع سنوات، عندما قام ترامب بزيارته الرسمية الأخيرة للصين، بذلت بكين جهودا حثيثة لإثبات أنها قوة كبرى تضاهي الولايات المتحدة في المكانة. أما هذه المرة، فلم تكن بحاجة لتكبد هذا العناء. بل تركت ترامب يقول ذلك نيابة عنها في مناسبات عدة، حين أعلن أن شي جين بينغ قائد قوي ومبهر لدرجة لا تُصدق، وأن الصين “شريك” تأمل الولايات المتحدة في بناء علاقة “جميلة” معه.

وفي خطوة بدت كأنها استشراف لطبيعة هذه القمة، اختار ماركو روبيو السفر إلى الصين مرتديا بدلة رياضية تطابق تماما تلك التي ارتداها مادورو حين نُقل مكبل اليدين لمواجهة أسياده الجدد في نيويورك. وظن روبيو واهما أن هذا التصرف يستعرض قوته عبر إحياء أمجاد الغارة الأمريكية في كراكاس قبل خمسة أشهر، لكنه بدلا من ذلك ذكر الجميع بمدى البعد الذي تبدو عليه تلك الأيام الآن في أعقاب خطأ ترامب الفادح في إيران. وبسبب ذلك الخطأ الفادح، تبدل الحال ليتوجه ترامب وروبيو، من موقع ضعف، للقاء رئيس قوي. وبذلك كانت تلك البدلة الرياضية معبرة عن حال روبيو بأكثر مما أدرك هو نفسه.

المصائب الداخلية

يحب دونالد ترامب عقد «الصفقات» ويرى نفسه صانع صفقات بارعا، وهذا أمر يعلمه الجميع. وحين يتفاوض رجلا أعمال، أو رجلا عصابات، على صفقة ما، فإنهما ينجحان عادة في إخفاء عيوبهما ونقاط ضعفهما عن الطرف الآخر. ويمثل هذا التكتيك جزء رئيسيا من مناوراتهما، إذ يحاول كل منهما إظهار نفسه بمظهر القوي، مع محاولة استشفاف مكامن القوة الحقيقية لدى الخصم وتمييزها عن الخداع والمراوغة.

هذا التكتيك ليس متاحا لترامب في مجمله. فالصين على دراية تامة بنقاط ضعف أمريكا، مثل: انقساماتها الداخلية، وانتخابات التجديد النصفي الوشيكة، وأرقام استطلاعات الرأي المزرية لترامب، وسخط الطبقة العاملة الأمريكية، ومعدل التضخم، ووضع الاقتصاد الأمريكي، وتقلص تفوقها التكنولوجي.

وتعلم الصين، على سبيل المثال، أن النظرة العامة للشعب الأمريكي، لا سيما الشباب، تجاه الصين أصبحت إيجابية على نحو متزايد، وأن الاهتمام ببأس الإمبريالية الأمريكية يتراجع لديهم، وهي الإمبريالية التي فقدوا الثقة بها في كل الأحوال، وتحركهم بدلا من ذلك المخاوف الاقتصادية بأغلبية ساحقة. كما تعلم الصين بالطبع أن ترامب ارتكب خطأ فادحا بمهاجمة إيران، وأنه خسر ذلك الصراع فعليا، ويتلمس الآن مخرجا بأي ثمن.

ولم تضم حاشية ترامب سوى عدد قليل من الخبراء بالشأن الصيني، لكنها غصت في المقابل بأبرز أقطاب الرأسمالية من أمثال إيلون ماسك، وجينسن هوانغ من شركة نفيديا، وتيم كوك من شركة أبل. ويمثل هذا دليلا ساطعا على طبيعة الدولة البرجوازية في عصر الإمبريالية. وتفاخر ترامب، كعادته، بجلبه هذه العصبة من الاحتكاريين، لكن هذا التباهي أخفى وراءه تحولا كاملا في موقفه تجاه الصين، فالرجل الذي أشعل فتيل الحرب التجارية مع الصين يسافر إليها الآن مدعوما برجال أعمال في محاولة منه لانتزاع تنازلات اقتصادية.

وكان أحد أهم التنازلات التي أمل في الحصول عليها يتعلق بالمعادن الأرضية النادرة، إذ إن قبضة الصين المحكمة على هذه المعادن الحيوية منحتها تفوقا حاسما في حرب التعريفات الجمركية عام 2025. وتحب الصين تذكير الولايات المتحدة بهذه الحقيقة باستمرار عبر تعليق تراخيص تصدير هذه المعادن لبعض الشركات الأمريكية. وأمل فريق ترامب في التوصل إلى اتفاق ينهي هذه الممارسة الصينية، لكنه لم يتلق أي استجابة.

وفي تحول ساخر للأحداث، فتحت القمة آفاقا لاستثمارات صينية داخل الولايات المتحدة، تجلب معها تكنولوجيا صينية متفوقة، تحديدا في مجالات البطاريات والطاقة الخضراء والسيارات الكهربائية. ويبدو ترامب منفتحا بشكل كامل على هذا الأمر، حيث صرح في يناير قائلا:

“إذا كانوا يريدون القدوم وبناء مصنع وتوظيفكم وتوظيف أصدقائكم وجيرانكم، فهذا أمر رائع… أنا أحب ذلك. لتأتي الصين، ولتأتي اليابان. إنهم يبنون المصانع وسيفعلون ذلك، لكنهم يستخدمون عمالتنا.”

ومع ذلك، لم يتمخض عن هذا الجانب أي شيء ملموس.

أما الشيء الوحيد الذي تحقق بالفعل، وحظي بترحيب صاخب من جانب ترامب، فهو موافقة الصين على شراء 200 طائرة من طراز بوينغ وكميات غير محددة من لحوم الأبقار وفول الصويا من الولايات المتحدة. وجاءت هذه النتيجة مخيبة للآمال أيضا، إذ كان المتوقع أن توافق الصين على شراء 500 طائرة بوينغ. ونتيجة لذلك، هبطت أسهم شركة بوينغ بنسبة 4%.

تايوان وآسيا

إدراكا منه لمأزق ترامب الناجم عن خطئه الفادح في إيران ورغبته في إظهار نفسه بمظهر صانع السلام، أعلن شي بحزم في مستهل القمة أن «قضية تايوان هي القضية الأكثر أهمية في العلاقات الصينية الأمريكية»، محذرا من أنه «إذا أُسيء التعامل معها، فقد تصطدم الأمتان أو حتى يدخلان في صراع، مما يدفع بالعلاقات الصينية الأمريكية برمتها إلى وضع محفوف بالمخاطر الشديدة».

وكان شي بهذا التصريح يهدد إدارة منهكة بحرب أخرى، حرب بات ترامب والعالم يعلمون الآن – بفضل الصعوبات التي واجهوها في إيران – أن الولايات المتحدة لن تكسبها على الأرجح. ومن هنا جاءت إشارة شي الواضحة إلى ضرورة تجنب «فخ ثوسيديدس»، الذي يشير إلى سيناريو ينتهي فيه المطاف بقوتين لا تريد أي منهما الحرب إلى خوضها بسبب عدم الثقة المتبادلة والتهديدات والردود الانتقامية المتبادلة. وكانت الإشارة بليغة للغاية، لأن السبب وراء التوتر في فخ ثوسيديدس الكلاسيكي يكمن في أن إحدى القوتين آخذة في الأفول والأخرى في صعود.

وقد التزم ترامب بضبط النفس على نحو مفاجئ في تعليقاته بشأن تايوان خلال القمة، رافضا الانجرار إلى تحديد ما سيفعله إذا ما هاجمت الصين تايوان. وهذا هو الموقف الأمريكي التقليدي تجاه تايوان والمعروف بـ«الغموض الاستراتيجي»، ويهدف هذا الموقف إلى ردع الصين عن مهاجمة تايوان (بما أن الولايات المتحدة “قد” تختار الدفاع عنها بالقوة الهائلة) دون استفزازها للإقدام على ذلك (من خلال عدم جعل تايوان مفرطة في الثقة بالدعم الأمريكي مما قد يدفعها لإعلان الاستقلال).

ولكن بعد القمة، كشف ترامب عن مدى تأثره بالقوة الصينية وبالمصاعب الأمريكية في إيران، حين صرح لشبكة فوكس نيوز قائلا:

“تدركون أنه عندما تنظر إلى الاحتمالات، تجد أن الصين بلدا كبيرا وقويا للغاية. وتلك جزيرة صغيرة جدا. فكر في الأمر، إنها تبعد 59 ميلا فقط. 59 ميلا. بينما نبعد نحن 9,500 ميل. هذه مشكلة صعبة بعض الشيء.”

هذا التذبذب من جانب ترامب بشأن تايوان هو ما يأمل شي في تعزيزه. فقد جعل الحزب الشيوعي الصيني، وشي على وجه الخصوص، من ضم تايوان ركيزة أساسية لمصداقية النظام الصيني. وفي نهاية المطاف، يمثل ضم تايوان والسيطرة الكاملة عليها هدفا جوهريا يسعى إليه نظام الحزب الشيوعي الصيني منذ فترة طويلة قبل ولاية شي، لكنهم يفضلون بشدة تحقيق ذلك دون غزو عسكري قد يتسبب في تكاليف اقتصادية وسياسية باهظة.

وإذا أعلنت الولايات المتحدة فعليا أنها لن تدافع عن تايوان، فلن يكون أمام البرجوازية التايوانية في الواقع خيار سوى الإذعان لبكين. ولا يعني هذا بالضرورة ضما كاملا وفوريا من جانب الصين، بل يعني على الأقل موافقتها في النهاية على الاندماج مع الصين، تماما كما حدث لهونغ كونغ.

إلى جانب ذلك، وبسبب المستنقع الذي وقع فيه ترامب في إيران، تملك الصين فرصة سانحة في آسيا. فالبلدان الآسيوية هي الأكثر تضررا من أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب، وبات بعضهم، مثل الفلبين وفيتنام، في وضع يائس على نحو متزايد. وكما هو الحال في شتى المجالات، تبدو الصين أفضل استعدادا بكثير هنا، بعد أن أمضت الفترة الماضية في بناء مخزون هائل من النفط. كما أنها تمتلك أكبر طاقة تكرير نفط في العالم، وتتمتع بمصادر هائلة للطاقة المتجددة وغيرها من مصادر الطاقة. وبناء على ذلك، بدأت بلدان هذه المنطقة تذهب مستجدية، والعديد منها حلفاء مقربون للولايات المتحدة. وتشير مجلة الإيكونوميست إلى أنه:

“سمحت الصين هذا الشهر لشركات التكرير بشحن بعض شحنات البنزين والديزل ووقود الطائرات إلى الخارج، مما خفف من الحظر الذي فرضته في بداية الحرب. وتشير التقارير إلى أن الشحنات الأولى ستتوجه إلى فيتنام ولاوس، اللتين تتمتعان بعلاقات ودية مع جارهما الشمالي. لكن حتى حلفاء أمريكا جاؤوا يطلبون العون، ففي التاسع والعشرين من أبريل، أبرمت بيني وونغ، وزيرة الخارجية الأسترالية، صفقة للحصول على وقود الطائرات خلال زيارة لبكين.”

وفي غضون ذلك، يبدو موقف واشنطن في إيران يائسا لدرجة أن القمة في الصين تحولت جزئيا إلى مهمة للحصول على مساعدة صينية، ويفترض أن يتحقق ذلك عبر الضغط على طهران لإعادة فتح مضيق هرمز. وقد اعترف روبيو نفسه بذلك قائلا إنهم يأملون في «إقناع [الصين] بلعب دور أكثر فاعلية في دفع إيران إلى التراجع عما تفعله الآن وتحاول فعله الآن في بحر الخليج».

قد يبدو الأمر كأن الولايات المتحدة قد أحرزت نصرا هنا، بما أن الصين وافقت في القمة على عدم بيع أي أسلحة لإيران. ومع ذلك، فمن الواضح أن إيران لا تحتاج إلى أسلحة من الصين بشكل خاص. وكما ورد في التقارير، تقدر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أن إيران لا تزال تحتفظ بـ70% من مخزونها من الصواريخ (ناهيك عن الطائرات المسيرة) و80% من منصات الإطلاق. ويبدو أن الولايات المتحدة تخشى استئناف الحرب على وضعها الحالي.

أما النهج الأساسي للصين تجاه حرب إيران فيتلخص ببساطة في عدم «مقاطعة العدو عندما يرتكب خطأ». ولهذا السبب، وإلى جانب كونها في موقف أقوى فيما يتعلق بأمن الطاقة، بالتأكيد لن تساعد الصين أمريكا في الضغط على إيران، على الرغم من أنها تريد إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن لأسباب اقتصادية.

الصين المضيافة وترامب المفتون

في حين أن النظام الصيني كان في البداية غير متأكد مما يمكن توقعه من ترامب، بل وكان متوجسا من أجندته المناهضة للصين، إلا أنه يشعر الآن بأنه قد خبره وفهم أبعاده. وبدلا من السعي إلى إهانته، اختار الصينيون مهادنته وإبهاره خلال الرحلة، عبر العروض الراقصة الاستعراضية ورفع الأنخاب والجولات الإرشادية المشتركة.

وكان الهدف من ذلك هو تغيير تصور ترامب، مستغلين وضعه الحالي الهش لإشعاره بالإطراء لكونه ندا لهذا العملاق الصيني العظيم، وكي يبيعوا له رؤية لعالم يهيمن عليه هذان البلدان الكبيران معا. ويبدو أنهم نجحوا إلى حد كبير في تحقيق هذا الهدف.

ومع ذلك، فإن مستقبل أهم علاقة في العالم لا يعتمد على كيفية رؤية ترامب لها، ولا رؤية شي. فكلا العملاقين يعيشان في ظل نظام رأسمالي عالمي غارق في الأزمات، وكلا البلدين يعانيان من مشاكل اقتصادية، وأي أمر يمكنه أن يزعزع استقرار العلاقات بينهما.

أجل، إن الصين في مرحلة صعود، لكن نموها آخذ في التباطؤ، ومعدل البطالة بين الشباب يقترب من 20%، كما أنها تواجه أزمة فائض إنتاج هائلة. وفي المقابل، تواجه أمريكا انفجارات للصراع الطبقي في وقت تستعد فيه لهزيمة عسكرية وتضخم وأزمة ديون تلوح في الأفق.

إن محاولات كل منهما لحل أزمته الداخلية عبر غزو – أو إعادة غزو – الأسواق في الخارج ستأتي حتما على حساب مصالح الطرف الآخر. وبالفعل، هما على خلاف الآن في أمريكا اللاتينية. ومن هذا المنطلق، فإن الهدنة الجديدة بين ترامب وشي يمكن أن تنقلب في أي لحظة.

ففي ظل الرأسمالية لا وجود لاستقرار عالمي دائم أو عقلانية.

19 مايو/أيار 2026

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

China sets the agenda at the Xi-Trump summit