الرئيسية / الشرق الأوسط وشمال إفريقيا / الشرق الأوسط / إيران / ترامب يوقع وثيقة استسلام أمريكا

ترامب يوقع وثيقة استسلام أمريكا

كان اختيار ترامب لقصر فرساي لإقامة مراسم توقيع اتفاقية إنهاء الحرب مع إيران خيارا مثيرا للاهتمام. ولكن بالنظر إلى أنه كان يوقع وثيقة استسلام بحكم الأمر الواقع فإن الاختيار لم يكن مناسبا.

تمثل مذكرة التفاهم هذه، المكونة من 14 نقطة بين الولايات المتحدة وإيران، إهانة لترامب، وهزيمة استراتيجية للإمبريالية الأمريكية، ونقطة تحول في الوضع العالمي. وبالنسبة للإسرائيليين –الذين لم يُستشاروا وملزمين باتفاق لم يوقعوا عليه– فإن التداعيات قد تكون أكثر خطورة.

وتصف مجلة فورين بوليسي هذا الاتفاق بأنه هزيمة أكبر من فيتنام. وبالفعل، فإن تداعيات الحرب مع إيران تعد بعيدة المدى أكثر في نواحٍ عديدة، على الرغم من كونها حربا أقصر وأقل إنهاكا من حرب فيتنام.

فقد سُلمت السيطرة على مضيق هرمز إلى إيران. وتحولت الدول المنتجة للنفط في المنطقة إلى دافع جزية ومتزلف للإيرانيين.

وتخرج روسيا والصين من هذه الحرب أكثر قوة، فهما الوحيدتان اللتان تملكان نفوذا على إيران. وكان لباكستان، صديقة الصين، الدور الأكبر في الوساطة في جزء كبير من المفاوضات. على مستوى العالم، ستحدث إعادة توازن في القوى في وقت يلاحظ فيه حلفاء الولايات المتحدة وأعدائها على حد سواء الأوراق الضعيفة التي يمسك بها الأمريكيون.

لقد وقعت هذه الأنباء على إسرائيل كالصاعقة. وإذا استمر هذا الاتفاق فقد يمثل نهاية بنيامين نتنياهو، بل إنه يضع علامة استفهام حول مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية نفسها. أو ربما يملك نتنياهو خطة جديدة لإنقاذ نفسه، وهو ما لا يمكن أن يعني سوى فظائع جديدة للمنطقة.

فالرجال اليائسون يميلون إلى اتخاذ تدابير يائسة. وفي وقت كتابة هذه السطور، يقصف نتنياهو لبنان في محاولة مكشوفة لإفشال هذا الاتفاق. وثمة من يدفعه إلى ذلك من بين المحافظين الجدد في الولايات المتحدة.

تشير أحدث الأنباء إلى أن إسرائيل أُجبرت تحت الضغط على توقيع وقف إطلاق نار مع حزب الله. وبينما تظل الأمور غير مؤكدة بعد، يمكننا قول هذا: لا يوجد اتفاق أفضل من هذا متاح لترامب. وعلى الرغم من أن هذه الشروط هي شروط استسلام فإنها أفضل ما يمكن للإمبريالية الأمريكية أن تأمل فيه!

ما تقوله المذكرة

لنلقِ نظرة على الشروط.

تنص النقطة الأولى بوضوح على أن الأطراف «تعلن الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على الجبهات كافة، بما في ذلك لبنان…»، وعلاوة على ذلك تضمن «سلامة أراضي» لبنان.

بناءً على ذلك، لم يحصل الإيرانيون على السلام من الأمريكيين فحسب، بل إن هذا الاتفاق من شأنه أن يلزم الإسرائيليين بالانسحاب من لبنان، ليس فقط بوقف إطلاق النار.

ومع نهاية الأعمال العدائية، تبدأ الآن فترة مفاوضات مدتها 60 يوما للتوصل إلى اتفاق نهائي، «قابلة للتمديد بموافقة متبادلة». وخلال تلك الفترة، من المفترض التوصل إلى اتفاق بشأن المسألة الشائكة المتعلقة باليورانيوم المخصب في إيران. وإذا حدث ذلك، يوعد الإيرانيون باستثمارات بقيمة 300 مليار دولار، وإنهاء دائم للعقوبات كافة، وانسحاب بحري أمريكي كامل.

وعلى الرغم من أن ترامب وعد بأن الـ 300 مليار دولار لن تأتي من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، بل من مستثمرين إقليميين وآخرين، فلنكن واضحين: أمريكا المهزومة هي من سيدفع تعويضات الحرب.

وحتى قبل الوصول لهذا الاتفاق الكامل، تلغي المذكرة «العقوبات على تصدير النفط الخام الإيراني والمنتجات البترولية والمشتقات، والخدمات المرتبطة بها كافة، بما في ذلك المعاملات المصرفية والتأمينات والنقل وغيرها».

وهذا يعني أنها تلغي فعليا كافة العقوبات، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، منذ اليوم الأول!

وبغض النظر عن المفاوضات المستقبلية، تضمن هذه المذكرة على الفور:

  • إنهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان.
  • إنهاء بحكم الأمر الواقع للعقوبات.
  • الاعتراف بحق إيران في السيطرة على مضيق هرمز.
  • الإفراج عن مليارات من الأصول المجمدة.

وما لا يقل أهمية عن ذلك هو ما لم تذكره المذكرة.

فلا يوجد ذكر لتغيير النظام، ولا ذكر لوكلاء إيران، ولا ذكر لعدم السماح لإيران بفرض رسوم على حركة الملاحة البحرية عبر المضيق، ولا ذكر للصواريخ الباليستية الإيرانية. وقد قال ترامب عن الصواريخ الباليستية: “إذا كانت الدول الأخرى تمتلكها، فمن غير العادل قليلا ألا يمتلكوا بعض منها”. وهو محق في ذلك!

في واقع الأمر، لا يوجد ذكر لأي من أهداف الحرب العديدة والمتنوعة التي طرحها ترامب في الفترة التي سبقت هذه الحرب وخلالها.

ماذا يحصل الأمريكيون في المقابل؟

وعد من الإيرانيين بعدم امتلاك أسلحة نووية، وهو وعد لطالما قدمه الإيرانيون، وبعض الكلمات اللطيفة، وتنازل حقيقي واحد: إعادة فتح مضيق هرمز، الذي لم يكن مغلقا أصلا قبل بدء الحرب، وسيكون الآن تحت السيطرة الإيرانية.

ما يعنيه هذا للولايات المتحدة

يستطيع طفل في السادسة من عمره أن يرى أن هذا استسلام من جانب الأمريكيين.

حتى طفل في السادسة من عمره يستطيع أن يرى أن هذا استسلام من جانب الأمريكيين / الصورة: ملكية عامة

والسبب واضح: فمنذ أربعة أشهر أغلقت إيران المضيق، وفشلت الولايات المتحدة في إخضاعها بالوسائل العسكرية أو الاقتصادية، على الرغم من الاستنزاف الهائل لمخزونها من الصواريخ. وخلال تلك الفترة، كانت الولايات المتحدة تستنزف احتياطياتها النفطية الاستراتيجية للحفاظ على انخفاض الأسعار، والآن أوشكت تلك الاحتياطيات على النفاد وثمة كارثة اقتصادية وشيكة.

وقد اعترف ترامب بذلك صراحة قائلا: “لم أكن أريد رؤية كارثة اقتصادية. لو استمر هذا الأمر، لكان ذلك قد حدث”. ومع فتح المضيق، تراجع سعر النفط إلى 80 دولارا للبرميل، وانتعش سوق الأسهم.

لاقت هذه المذكرة العديد من الانتقادات، ولكن عدم كون سوق الأسهم من بين المنتقدين كان مبعث فرح لترامب، الذي قال مبتسما: “إن سوق الأسهم أكثر ذكاء من أي شخص هنا، بما في ذلك الأشخاص الموجودون على هذا المسرح. باستثنائي أنا بالطبع”، في حين كان «الأشخاص الآخرون على المسرح»، بمن فيهم ماركو روبيو، يتحركون في أماكنهم بارتباك.

تبدو خطوات ترامب خفيفة الآن. إذ يتنفس الصعداء، ولكن عواقب هذه الحرب ستلقي بظلالها على أمريكا لسنوات قادمة.

سيثير هذا الاتفاق غضب المحافظين الجدد في الحزب الجمهوري على الفور. إنهم يستشيطون غضبا الآن. فالمؤسسة الحاكمة الأمريكية لا تستطيع أن تتقبل سيكولوجيا فكرة أنهم –الأمريكيون القادرون على كل شيء– قد هُزموا، وهذه الهزيمة الكاملة.

كما سوف تندلع الحرب داخل حركة «ماغا» (MAGA). وإذا لم يتمكن المحافظون الجدد من إنهاء هذا السلام فورا، فسيطالبون بالانتقام، ربما بعد فترة من إعادة التسلح.

ولكن النتائج ستظهر عبر المجتمع الأمريكي برمته. فعندما يحاول ترامب تزييف الحقائق –مسترسلا إلى حد وصف هذا الاتفاق بأنه “استسلام غير مشروط” من جانب طهران– فماذا يفعل سوى إضافة مهزلة كوميدية إلى حقيقة الإهانة الأمريكية؟

ليس هذا بالهزيمة البطولية مثل معركة ألامو، التي يمكن أن تجعل الصدور الأمريكية تفيض بالفخر الوطني كما كان يحدث في الماضي. إن سخافة ترامب –مثل سخافة تنظيم قتال يو إف سي وعرض للدراجات الترابية على عشب البيت الأبيض بمناسبة الذكرى المائتين والخمسين للجمهورية الأمريكية– تجرد الدولة مما تبقى لها من وقار ضئيل. إن سلوك ترامب بأكمله، المتمثل في حفظ ماء وجهه فحسب، لا يثير سوى الازدراء والكراهية.

وقد رأينا هذا من قبل في تاريخ القوى الإمبريالية الآخذة في الأفول: الهزيمة في الخارج تمهد الطريق للصراع الطبقي في الداخل. فكانت هزيمة فرنسا في الجزائر هي التي أرست الأساس لأحداث مايو 1968. وفي البرتغال، كانت الحرب المكلفة في إفريقيا هي التي أرست الأساس لثورة القرنفل عام 1974. وسوف يسرع هذا الحدث من التوجه نحو الصراع الطبقي في الداخل الأمريكي.

التداعيات الإقليمية

وفي نفس الوقت، لدى هذا الاتفاق منتقديه في إيران أيضا. والعجيب أن هؤلاء المنتقدين يرون أن إيران فرطت في أوراق ضغطها بسهولة شديدة، ولا يرضون بأقل من فرض هزيمة مطلقة على الأمريكيين، وهو ما يعني انسحابا أمريكيا كاملا من الشرق الأوسط، والاعتراف بحق إيران في اليورانيوم المخصب.

إن عدم صمود قيادة الجمهورية الإسلامية للمطالبة بالمزيد يشير إلى الضغوط التي تتعرض لها، لا سيما من جانب روسيا والصين، اللتين ستخسران إذا غرق العالم بأكمله في أزمة اقتصادية عميقة.

ولكن لم يكن من الضروري للإيرانيين التمسك بهذه المطالب. فالولايات المتحدة ستكون أضعف من أي وقت مضى في المستقبل، وإن من دون انسحاب رسمي.

لقد تحولت قواعدها إلى أنقاض تصعد منها الأدخنة. وتذوق الجميع، عبر المنطقة بأسرها، طعم العجز الأمريكي والقوة الإيرانية. وبدأت دول الخليج المختلفة الآن في توقيع اتفاقياتها المنفصلة مع إيران.

فبعد تعرضها لأضرار جسيمة جراء القصف الإيراني في المرحلة الأولى من الحرب، وافقت الإمارات على ما يبدو على دفع من 10 إلى 20 مليار دولار لإيران، دُفع منها 3 مليارات بالفعل. كما أبرم القطريون اتفاقا مماثلا، وسيتعين على السعوديين التوصل إلى اتفاق قريبا. وهو ما يُعد بمثابة جزية.

وثمة التحالفات الأمريكية في المنطقة، والتي كانت متصدعة بالفعل قبل هذه الحرب. فمنذ بدء الحرب، انسحبت الإمارات من منظمة أوبك، مما أدى فعليا إلى إنهاء هذا التكتل وترسيخ الانقسام بين السعوديين والإماراتيين. كما هبطت العلاقات الباردة بين تركيا وإسرائيل إلى مستويات أدنى.

وهناك حليف أمريكا الأول، إسرائيل نفسها. ويمثل هذا سيناريو كابوسي للطبقة السائدة الإسرائيلية.

الخاسر الأكبر: إسرائيل

تتحرق سيكولوجية حكام إسرائيل شوقا للمواجهة مع إيران منذ عقود. لم يكن هدفهم مجرد تغيير النظام ونزع السلاح النووي، بل أرادوا تدمير إيران باعتبارها دولة قومية، كخطوة نحو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط برمته.

ففي بداية الحرب، ظنوا أن هذه هي فرصتهم، وتخيلوا أن بمقدورهم تدمير كل الدول القومية في المنطقة، باستثناء إسرائيل نفسها، وخلق حالة من الهمجية ليحكموا هم فوق الأنقاض.

وفي منتصف مارس، وبينما كانت الحرب مع إيران في ذروتها، كان نفتالي بينيت، مفكرا في المستقبل، يصف تركيا بالفعل بأنها «إيران الجديدة». ونفتالي بينيت هذا هو الآن المرشح المفضل لليبراليين لتحدي نتنياهو في الانتخابات المقبلة!

وفي فبراير ومارس، كانت الطبقة السائدة الإسرائيلية تعيش حالة من الانتشاء، سكرى بأوهامها الخاصة.

لكنهم سقطوا الآن من تلك الارتفاعات العالية إلى أرض الواقع بارتطام مدوٍ.

وفي الوقت الحالي، يُطلق على هذا الاتفاق عبر أطياف النخبة الصهيونية كافة وصف «استسلام كارثي»، ويهجمون على نتنياهو لارتكابه الخطأ الاستراتيجي الفادح بالسماح بربط مسألة لبنان بالحرب مع إيران.

في شهري فبراير ومارس، كانت الطبقة السائدة الإسرائيلية في حالة نشوة، غارقة في أوهامها / الصورة: الجيش الإسرائيلي، Wikimedia Commons

بيد أن هذا الربط كان استراتيجية نتنياهو بأكملها! وكما أوضحنا في مقال آخر، فقد اعتاد الإسرائيليون على لوي ذراع أولياء نعمتهم الأمريكيين، ومحاصرتهم لئلا يجدوا خيارا سوى دعم إسرائيل.

وقد غزا نتنياهو لبنان بالتزامن مع بداية حرب إيران، لتأكيد هذا الربط تحديدا. فإذا حاول الأمريكيون التراجع أو إبرام اتفاق مع إيران، يمكنه الاستمرار في استفزاز الإيرانيين في لبنان وإبقاء الأمريكيين في الحرب بأي ثمن.

لكن المشكلة هنا: نظرا لأن نتنياهو قد ربط بين الصراعين بهذه الطريقة، لم يجد ترامب خيارا سوى إنهاء التدخل الإسرائيلي في لبنان لتخليص نفسه من هذه الحرب.

لذلك، تعيش الطبقة السائدة الإسرائيلية حالة من الذعر والهلع. ويبدو الأمر أكثر سوء بالنسبة لنتنياهو، إذ تعني الهزيمة في هذه الحرب نهايته، حيث ينتظره الطرد من منصبه، وربما السجن أيضا.

هل يستطيع نتنياهو إفشال هذا الاتفاق؟

يصر بعض حلفاء نتنياهو على أن بمقدورهم المضي قدما بمفردهم. حيث احتج بن غفير قائلا: “اتفاق ترامب لا يلزمنا، وإسرائيل ليست تابعة للولايات المتحدة. نحن دولة مستقلة وذات سيادة”.

هل أنتم كذلك الآن؟ لقد ذكره جي دي فانس بالآتي:

“أولا، دونالد ترامب هو الرئيس الوحيد في العالم أجمع المتعاطف مع الأمة الإسرائيلية في هذه اللحظة من الزمن، وهو رئيس القوة العظمى في العالم. ولو كنت عضوا في الحكومة الإسرائيلية فربما لم أكن لأهاجم الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم أجمع.

والشيء الآخر الذي أود قوله هو أنه على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، صُنعت ثلثا الأسلحة الدفاعية التي حمت وطنكم بأيدي أمريكية ودُفع ثمنها من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين”.

وهذا تهديد شبه صريح: “لا تغامر بعلاقتك معنا يا بيبي! سوف تندم!”. ولكن نتنياهو تملص من مواقف صعبة في الماضي، وسوف يخطط للخروج من هذا الموقف أيضا. والسؤال هنا: هل يستطيع فعل ذلك؟

ثمة الكثير من الأمور المجهولة والشخصيات غير المتوقعة في هذا المشهد. ولكن على المدى القريب، يبدو أن واحدا من الثلاثة في طريقه إلى الانهيار: الاقتصاد العالمي أو العلاقة الإسرائيلية الأمريكية أو المجتمع الإسرائيلي نفسه، أو مزيج من الثلاثة معا.

السيناريو الأول: انهيار الاقتصاد العالمي

إذا نجح نتنياهو والمحافظون الجدد في دفع ترامب إلى استئناف هذه الحرب فلن يغير هذا من التوازن العسكري الحالي. فمخزونات الذخائر الثمينة قد استُنزفت بشكل حرج. وبناء على ذلك، إذا عاود الإيرانيون قصفهم لإسرائيل فلن يملك الأمريكيون صواريخ الدفاع الجوي اللازمة لحمايتها حتى لو أرادوا ذلك!

سيكون أفضل سيناريو محتمل في هذه الحالة هو إغلاق مضيق هرمز مرة أخرى، وهو ما يمثل كارثة للاقتصاد العالمي. بيد أن الإيرانيين يملكون أيضا القدرة على إضافة إغلاق مضيق باب المندب إلى ذلك –ومن ثم قطع الطريق إلى البحر الأحمر– عبر تفعيل حلفائهم الحوثيين في اليمن، مما سيؤدي إلى خنق الشريان الرئيسي للتجارة بين أوروبا وآسيا.

ما يزال الاقتصاد العالمي على كف عفريت في الوقت الحالي. وتجدر الإشارة إلى أنه، حتى الآن، قد يستغرق الأمر أسابيع طويلة، بل شهورا، قبل أن تتمكن شركات الشحن من معالجة التداعيات اللوجستية المتلاحقة، وتبدأ في استعادة الثقة الكافية لتعبر المضيق بأعداد كبيرة.

يضاف إلى ذلك أن العديد من منشآت النفط والغاز في مختلف أنحاء المنطقة ستتطلب سنوات من الإصلاح قبل أن تتمكن من تزويد السوق العالمية بالإمدادات مجددا. وفي غضون ذلك، فإن نفاد الاحتياطيات الاستراتيجية يجعل العالم بأسره أكثر حساسية للصدمات الجديدة، ناهيك عن حقيقة أن الطلب سيكون أعلى الآن لمجرد تعويض تلك المخزونات.

وكل هذه الأمور تطرح الكثير من التساؤلات لترامب ليتفكر فيها.

السيناريو الثاني: تصدع العلاقة الأمريكية الإسرائيلية

قد لا يمنع هذا الأمر نتنياهو من دفع الأمور إلى أقصى حدودها، فهو يحاول بالفعل القيام باستفزازات في لبنان. واضطر إلى توقيع وقف إطلاق نار في الوقت الحالي، لكنه سيبحث عن ذرائع لخرقه. ففي اليوم التالي لتوقيع مذكرة التفاهم، أعلن عن «منطقة عازلة» للاحتلال الإسرائيلي الدائم في لبنان، وهو ما يمثل خرقا مباشرا للاتفاق.

ولكن بقيامه بذلك، قد يغامر نتنياهو بالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية نفسها.

ومن جانبه، توقع نتنياهو نفسه المنطق الكامن في سياسته الرامية إلى الانفصال عن الولايات المتحدة، وحاول إلى حد ما إعداد المجتمع الإسرائيلي سيكولوجيا لهذا الأمر. ففي العام الماضي، تحدث عن ضرورة فطام المجتمع الإسرائيلي عن المساعدات الأمريكية في العقد المقبل، وتحويل إسرائيل إلى ما يشبه “إسبرطة فائقة القوة” يمكنها خوض معاركها الخاصة.

ربما يحاول فعل ذلك، بيد أن الانفصال عن الولايات المتحدة سيكون أمرا وجوديا بالنسبة لإسرائيل، ولن يعقبه سوى الهزيمة على أي حال.

السيناريو الثالث: تصدع إسرائيل

يتمثل الاحتمال الأخير في إجبار نتنياهو على الإذعان. ولكن حينها ستنفجر من جديد كافة التناقضات داخل المجتمع الإسرائيلي، والتي رأيناها تشتعل في احتجاجات الإصلاح القضائي عام 2023، وعاودت الانفجار بشكل دوري مثلما حدث في احتجاجات المطالبة بإعادة الرهائن.

لقد حاول نتنياهو توجيه تناقضات الداخل الإسرائيلي نحو الخارج منذ السابع من أكتوبر 2023 / الصورة: ملكية عامة

لقد حاول نتنياهو توجيه تناقضات الداخل الإسرائيلي نحو الخارج منذ السابع من أكتوبر 2023، غير أنها ستتحول إلى الداخل مرة أخرى.

فلقد تركت ثلاث سنوات من الحرب المجتمع الإسرائيلي ممزقا. حيث زاد طلب العلاج النفسي بنسبة 240% منذ عام 2024، في وقت يتواجد فيه الشباب في الجيش، بينما فر مستثمرو قطاع التكنولوجيا.

توقف الجيش عن نشر أرقام المسرحين بسبب اضطراب ما بعد الصدمة، نظرا لارتفاعها الشديد تحديدا. وقد صرح أحد المحاربين القدامى والمتخصص في الصحة النفسية لقناة الجزيرة قائلا: “لقد فقد الناس الثقة في مجتمعهم وحكومتهم ومؤسساتهم”.

وتشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من نصف جنود الاحتياط لا يستجيبون للاستدعاء.

كل هذا يهدد بالانفجار من جديد. فبعد أن ارتكز نتنياهو على العناصر الدينية المتطرفة في المجتمع الإسرائيلي يواجه الآن احتجاجات عارمة من اليهود الأرثوذكس المتطرفين الذين يرفضون الخدمة في الجيش الإسرائيلي.

وقد خرجت احتجاجات حاشدة شملت إغلاق الطرق السريعة، واندلعت أعمال شغب خارج منازل قضاة المحكمة العليا، بل وشهد قادة في الجيش الإسرائيلي محاولات لاقتحام منازلهم. مما دفع جهاز الشين بيت إلى البدء في إعداد تقييم استخباري للإرهاب اليهودي اليميني المتطرف.

يمكن للتناقضات العديدة داخل إسرائيل أن تنفجر بشكل غير متوقع.

ويمثل هذا سببا إضافيا يدفع نتنياهو إلى توجيه التركيز نحو الخارج مرة أخرى. إذا لم يكن ذلك في لبنان، ففي أي مكان إذن؟ لقد شهدنا تصاعدا في هجمات الجيش الإسرائيلي في غزة، كما بدأ سموتريتش، خلال الأسبوع الماضي، استفزازات في مدينة الخليل بالضفة الغربية. فهل يمكنهم تسريع عملية ضم الضفة الغربية؟

وعلاوة على ذلك، فقد وعد آخرون، مثل وزير الليكود عميحاي شيكلي، بأن إسرائيل ستكون قريبا في حرب مع سوريا، كجزء مما تسميه الطبقة السائدة الإسرائيلية «محور الشر السني الراديكالي» بقيادة تركيا. وفي ظل التزامها بطلب الولايات المتحدة عدم مهاجمة إيران أو حلفائها، هل يمكن لإسرائيل أن تنقلب مباشرة ضد حلفاء أمريكا الإقليميين أنفسهم؟

النتيجة

من المفارقات أن إحدى نتائج هذه الحرب تكمن تحديدا في جعل الولايات المتحدة أكثر اعتمادا على إسرائيل باعتبارها وكيلا لها، وذلك عن طريق إضعاف الولايات المتحدة بشكل عام في بقية أنحاء المنطقة! ومع استمرار خروج إسرائيل عن نطاق السيطرة فإنها قد تشعل حرائق جديدة في أنحاء المنطقة، وتجر الولايات المتحدة إليها أكثر.

ولكن دعونا نتراجع خطوة إلى الوراء لنركز على النقاط العامة الأكثر أهمية.

تخرج إيران من هذه الحرب أكثر قوة: سياسيا وعسكريا، وبفضل المليارات من الدولارات التي أُفرج عنها فمن المحتمل جدا أن تقوى اقتصاديا أيضا في المستقبل غير البعيد.

أما بالنسبة لأمريكا وحلفائها فإن هذا يمثل كارثة. كارثة كاملة ومطلقة. وسوف يؤدي هذا الوضع إلى إبراز كافة التناقضات داخل أمريكا وإسرائيل والغرب بأكمله، مثلما أدى إلى إضعاف النفوذ الأمريكي في المنطقة –وما وراءها بكثير– بشكل هائل.

ففي جنوب شرق آسيا، أرسلت الفلبين وأستراليا وفيتنام وكمبوديا ولاوس وتايلاند وميانمار وبنغلاديش، بلدان المنطقة هذه كافة، وفودا إلى الصين خلال هذه الحرب لطلب الأسمدة والنفط والسلع الأساسية الأخرى. وفعل الأوروبيون الشيء نفسه! بل وفعل ترامب ذلك أيضا، إذ زار الصين منذ فترة ليست ببعيدة، متوسلا دون شك إلى شي جين بينغ للضغط على الإيرانيين.

ودعونا لا ننسى أنه منذ بدء هذه الحرب، استشاط الأمريكيون غضبا مما اعتبروه غيابا للدعم الأوروبي، وخفضوا وجودهم العسكري في القارة الأوروبية. مما شكل مسمارا آخر في نعش ما يسمى «التجمع الغربي».

في غضون ذلك، يخرج الاقتصاد العالمي أكثر هشاشة من أي وقت مضى. أصبح الإيرانيون هم الأسياد المعترف بهم لمضيق هرمز، في وقت يمارس فيه الأقزام الأوروبيون القرصنة ضد ما يسمى «أسطول الظل» الروسي. ويمثل هذا تمزقا كبيرا آخر في التجارة العالمية، مما يؤدي إلى دفعة أخرى نحو السياسات الحمائية وإعادة التسلح.

وعلى الجانب الآخر، يمثل هذا ضربة قوية للقوة الإمبريالية الأولى في العالم. فالإمبريالية الأمريكية تستمر في ممارسة البلطجة والترهيب حتى الآن، لا سيما في نصف الكرة الغربي. ربما كانت الجماهير تقبل هذا الأمر باستسلام وقدرية من قبل، متسائلة: من عساه أن يهزم القوة الهائلة للإمبريالية الأمريكية؟ حسنا، لقد حدث ذلك الآن!

وفي المخطط العام للأحداث، سوف تُعد هذه الهزيمة نقطة تحول رئيسية في مسار أفول الإمبريالية الأمريكية.

19 يونيو/حزيران 2026

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

Trump signs America’s surrender