الرئيسية / دول العالم / أوروبا / ألمانيا / حرب الفلاحين في ألمانيا

حرب الفلاحين في ألمانيا

يمثل هذا العام الذكرى الـ 500 لذروة حرب الفلاحين الألمانية (1524-1526). ففي سياق هذه الحرب، نهضت الجماهير المضطهدة في المدن والأرياف على حد سواء ضد النظام الإقطاعي الآخذ في التفسخ. وقد تركت هزيمة الثوار في مايو-يونيو 1525 بصمة لا تمحى في تاريخ ألمانيا وأوروبا بأسرها.

[نشر هذا المقال في العدد 50 من مجلة “الدفاع عن الماركسية”، المجلة الفصلية للأممية الشيوعية الثورية.]

كانت حرب الفلاحين حدثاً محورياً في حركة الإصلاح البروتستانتي، الذي اعتبره فريدريك إنجلز أحد أهم المراحل في نضال البرجوازية الأوروبية ضد الإقطاع، إلى جانب الحرب الأهلية الإنجليزية (1642-1651) والثورة الفرنسية (1789-1794). بل إنه وصف حركة الإصلاح بأنه أول ثورة برجوازية في التاريخ.

ما بدأ كصراع بين مارتن لوثر – الراهب الألماني وأستاذ اللاهوت – والكنيسة الكاثوليكية، أشعل لهيبا ثورياً في أوروبا بواكير العصر الحديث. ففي هولندا، أوصلت حركة الإصلاح الديني البرجوازية إلى السلطة، حين انتصر الكالفينيون البروتستانت على حكامهم الإسبان الكاثوليك وأسسوا جمهورية المقاطعات السبع المتحدة عام 1581. لكن قبل ذلك بنحو ستة عقود اندلعت الانتفاضات الجماهيرية في جنوب ووسط ألمانيا، وكذلك في النمسا، والألزاس، وسويسرا.

لقد صعد الفلاحون بحزم إلى مسرح التاريخ. وكما كتب إنجلز:

«وراء الفلاح تقف البدايات الثورية للبروليتاريا الحديثة، حاملة الراية الحمراء بيدها والشيوعية على لسانها».[1]

ومع توسع الحركة، تجاوزت شرائح من المستغَلين مرحلة النضال ضد الكنيسة وانتقلت إلى مهاجمة النظام الإقطاعي ذاته، بل وبشّر بعضهم بمبادئ شيوعية مبكرة. وبهذا، سبقت حرب الفلاحين الألمانية الصراعات الطبقية المقبلة – تلك التي ستندلع بين البرجوازية والبروليتاريا.

بدأ المضطهدون يأخذون مصيرهم بأيديهم. فقد نظموا أنفسهم، واختبروا برامج وأساليب، واستخلصوا استنتاجات راديكالية من تجاربهم. وقد فقد عشرات الآلاف من الأبطال، المجهولين في غالبيتهم، حياتهم في هذا النضال.

وحين دخلت الجماهير إلى الساحة بمطالبها الخاصة، انقسمت حركة الإصلاح في ألمانيا على أسس طبقية: بين المالكين والمحرومين من الملكية. فقد وقف لوثر والبرجوازية الحضرية إلى جانب النبلاء البروتستانت. وهؤلاء بدورهم وقفوا فعليا مع النبلاء الكاثوليك الذين كانوا يشتركون معهم في المصالح الطبقية نفسها، لسحق الفلاحين وحلفائهم بوحشية. وهكذا لم تنتهِ أول ثورة برجوازية بالاستيلاء على السلطة من طرف البرجوازية.

أبدى إنجلز اهتماماً خاصاً بحركة الإصلاح الديني. ففي عام 1850 نشر كتيباً بعنوان “حرب الفلاحين في ألمانيا”، رسم فيه أوجه التشابه بين الثورة التاريخية في ألمانيا سنة 1525 وثورة 1848-1849. ففي ثورة 1848، عقدت البرجوازية الألمانية مرة أخرى صفقة مع النبلاء خوفاً من الجماهير، بدلاً من دفع النضال ضد الإقطاع إلى نهايته المنطقية. وقد صرّح إنجلز قائلاً:

«إن تلك الطبقات وشرائح الطبقات التي خانت ثورتي 1848 و1849 في كل مكان، نجدها قد اضطلعت بدور الخيانة منذ 1525، وإن كان ذلك على مستوى أدنى من التطور».[2]

يمثل هذا العمل محطة بارزة في تطور الماركسية. فلأول مرة، طُبق منهج المادية التاريخية على أحداث من الماضي البعيد. ولا يزال درس حرب الفلاحين، وكتيب إنجلز عنها، يقدم دروساً مهمة لكل من يسعى لفهم الماركسية والصراع الطبقي.

عالم في غليان

تندلع الثورات عندما تصبح علاقات الإنتاج – مثل العلاقة بين الملاك والفلاحين، أو العبيد وملاك العبيد – عائقاً أمام تطور القوى المنتجة للبشرية، أي العلم والصناعة والتقنية. كان هذا التناقض هو القوة الدافعة وراء حركة الإصلاح وحرب الفلاحين. ففي ذلك الوقت، كانت علاقات الإنتاج الرأسمالية الجديدة والأكثر إنتاجية تنضج، لكن النظام الإقطاعي كان يقف عقبة أمام تطورها. لقد وصلت المجتمعات إلى طريق مسدود، أصبح وعي قطاعات متزايدة من السكان به مؤلماً.

انتصار الموت (عام 1562)، بيتر برويغل الأكبر/ الصورة: ملكية عامة

في القرن السادس عشر، كانت ألمانيا مجتمعاً إقطاعياً هرمي التنظيم، مُقسمًا إلى أكثر من 300 دويلة ضمن الإمبراطورية الرومانية المقدسة. من الناحية الشكلية، كان الإمبراطور يتربع على رأس هذا المجتمع. لكن على عكس الحال في إنجلترا أو فرنسا، لم يكدْ يوجد أي سلطة مركزية في الإمبراطورية، وذلك لأن مستوى التطور الاقتصادي والمصالح الناجمة عنه في المقاطعات المختلفة كانت متباينةً إلى حدٍ حال دون قيام أي مركزية.

وقد انتهز الأمراء الدنيويون والكنسيون في أكبر هذه الدويلات الألمانية تلك الحالة. فعمل هؤلاء الأمراء الكبار على توسيع نطاق سيطرتهم ليحولوها إلى كيانات شبه مستقلة تضاهي الدول المطلقة، بجيوشها الدائمة وأجهزتها البيروقراطية المستقلة. وأتاح لهم ذلك تعزيز نفوذهم في مواجهة الإمبراطور، فضلاً عن النبلاء المتوسطين والصغار والمدن.

وقد كان لهذا التطور عواقب ثورية. فالحفاظ على الجنود المرتزقة والموظفين كان يتطلب المال. وحتى أولئك الذين أرادوا معارضة مشاريع الأمراء، أو مجرد مجاراتهم في مظاهر البذخ، كان عليهم أن يجدوا المال. ومع اختراع البارود، بدأت الأسلحة النارية تصبح الوسيلة الأهم في الحرب. لكن لم يكن بوسع سوى الأغنياء تحمّل كلفتها.

كان النمط الإقطاعي للإنتاج قائماً على استغلال الفلاحين، في البداية عبر الدفع بالمحاصيل العينية، مثل العشر (ضريبة مقدارها 10% من الإنتاج السنوي تدفع لرجال الدين)، وأداء أعمال غير مدفوعة الأجر في أملاك السادة الإقطاعيين، ما يُعرف بـ خدمة السخرة.  وقد استخدمت هذه الأشكال من الاستغلال لدعم النبلاء، والإكليروس، وحكام المدن. أما الفلاحون فكانوا يعيشون مما يزرعونه لأنفسهم إضافة إلى عملهم من أجل أسيادهم.

وكانت هناك درجات متفاوتة من الاستغلال:

  • الفلاحون الأقنان في ألمانيا كانوا أقرب إلى العبيد لدى ملاك أراضيهم، بلا حقوق تقريباً.
  • وهناك الفلاحون المرتبطون بالأرض ممن تمتعوا ببعض الحريات الشخصية، لكنهم ظلوا ملزمين بأداء أعمال لسيد الأرض.
  • إضافة إلى المزارعين الأحرار المستأجرين، الذين لم يكن عليهم سوى دفع الإيجار.

غير أن الحاجة المتزايدة لدى الطبقة السائدة إلى المال خلقت ضغطاً هائلاً باتجاه حرمان الفلاحين من حقوقهم وتكثيف استغلالهم ككل.

وبحلول نهاية القرن الخامس عشر، أصبحت أوضاع الفلاحين لا تُطاق. فقد استنزفهم الملاك حتى أقصى الحدود. ابتكروا ضرائب وخدمات جديدة لا حصر لها، وحظروا الهجرة، وقيدوا استخدام الأراضي المشتركة في القرى، بل وزجوا بالفلاحين المرتبطين بالأرض والمزارعين الأحرار في السجون لإجبارهم على التحول إلى عبودية القنانة. وهناك كان بوسع الملاك أن يخضعوا الفلاحين لأبشع أنواع التعذيب بلا عقاب.

تراوحت أشكال “عدالة” السادة من قص الأذان، وبتر الأنوف، وفقء العيون، والتعذيب على المخلعة، وقطع الأصابع والأيدي؛ إلى الإعدام بقطع الرأس، أو “السحق على العجلة”، أو الوسم بالحديد المحمي، أو “التقطيع إربا إلى أربعة أجزاء”. وعندما كان الموت يخلص الفلاح أخيراً من عذابه الدنيوي، كان على أقاربه الناجين أن يسلموا الجزء الأعظم من ميراثهم إلى مالك الأرض.

وفي الوقت نفسه، أعاد الحكام هيكلة النظام القضائي بما يخدم مصالحهم. ففي السابق، كان وجهاء القرى في أماكن كثيرة يجرون المحاكمات بأنفسهم وفقا للأعراف المحلية. أما الآن فقد استأجر السادة محامين محترفين ودونوا القوانين – بطبيعة الحال بما يتوافق مع مصالحهم الاستغلالية.

التطور البرجوازي

من أجل أن يجني السادة الأرباح من الفائض المنتزع من الفلاحين، كان عليهم بيعه في شكل سلع. وقد استفادت من ذلك المدن وبورجوازيتها بالدرجة الأولى. هناك برزت التجارة والرأسمالية الصناعية الناشئة. وبينما كانت الحرف الطائفية الوسيطة ما تزال مهيمنة، كانت البدايات الأولى للعمل المأجور قد أخذت تتطور. على سبيل المثال، في شكل ما يسمى “نظام التشغيل الخارجي”، الذي كان واسع الانتشار بشكل خاص في صناعة النسيج. أو في التعدين، الذي ازدهر في المناطق التي تُعرف اليوم بولاية تورينغن وساكسونيا.

الإمبراطورية الرومانية المقدسة حوالي عام 1400 / الصورة: ملكية عامة

كان للزيادة المطردة في استخراج المعادن الثمينة عواقب بعيدة المدى – وليس فقط لأن الذهب والفضة لبّيا الطلب المتزايد على النقد. فكما أوضح كارل كاوتسكي في كتابه “الشيوعية في أوروبا الوسطى في عصر حركة الإصلاح الديني”، إن المناجم قد حفّزت الإنتاجَ السلعي في الأرياف، إلى جانب المدن التي تُجرى فيها معالجة تلك المعادن. فكانت الحاجة ماسّة إلى المواد الغذائية لتوفير القوت لِعُمّال المناجم. كما كانت هناك حاجة إلى الأخشاب لتدعيم الأنفاق وتمديد قضبان المناجم وصهر الخامات.

في كتابه “حرب الفلاحين في ألمانيا”، ذكر إنجلز أن الإنتاج القومي لألمانيا لم يكن قادرًا على مجاراة الانتعاش في البلدان الأخرى. غير أنه، وفي رسالة إلى كاوتسكي عام 1889، أثنى فيها على تحليلاته لأهمية صناعة المناجم، غيّر تقييمه جذريا فقال:

«لقد تأكد لي بوضوح […] المدى الذي شكل فيه إنتاج الذهب والفضة في ألمانيا […] الحافز الحاسم الذي، في الفترة بين 1470 و1530، رفع ألمانيا إلى الصدارة اقتصاديا في أوروبا، محوّلاً إياها بذلك بؤرةَ أول ثورة برجوازية، في الرداء الديني لما يُعرف بحركة الإصلاح. وكان هذا هو الحافز الحاسم بمعنى أن الحرف الطائفية والتجارة بالوكالة قد بلغتا مستوى متقدما نسبيا من التطور، مما رجّح كفة الميزان لصالح ألمانيا على حساب إيطاليا أو فرنسا أو إنجلترا».[3]

شكلت العائلات التجارية الألمانية مثل آل فوجر وآل فيلسربين الأكثر نفوذًا في العالم آنذاك. فقد جمعت ثروات هائلة، أَقْرَضَتْها للكنيسة والإمبراطور والأمراء. غير أن تلك العلاقات التجارية ذاتَها أوثَقَت ارتباطَهم بالحكام الإقطاعيين ومَنَحَتْهُمْ امتيازاتٍ مُعَينة. وقد أدّى هذا التفضيل لبعض البورجوازيين إلى انقسام في صفوف البرجوازية.

كما ركزت البرجوازية الكبرى، أو ما يُسمى الباتريكيين (Patricians)، السلطة في أيديها من خلال احتكارها لمجالس المدن. أما البرجوازية الصغيرة والمتوسطة فقد طالبت بنصيب في هذه السلطة السياسية. في حين أن عمال المدن والفقراء لم يكن لديهم أي حقوق مدنية، وبالتالي كانوا مستبعدين من أي شكل من أشكال التمثيل. وهكذا واجه الباتريكيون معارضة برجوازية من جهة، ومعارضة ثورية من البروليتاريا المبكرة وعموم المستغَلّين من جهة أخرى.

قيود التقدم

شكل المجتمع في الإمبراطورية الرومانية المقدسة خلال القرن السادس عشر «كتلة بالغة التعقيد، تتشابك فيها الحاجات الأكثر تنوعًا وتتقاطع في اتجاهات شتى»[4]. بيد أن طبقاتٍ عديدةً دخلت في صِدام مع النظام القديم، وإن تباينت أسبابُ ذلك. ولم يُجسِّد أيُّ شيءٍ هذه الحالة أكثر من الكنيسة الكاثوليكية، التي وصفها إنجلز بأنها “المركز العالمي الأعظم للإقطاعية”:

«لقد أحاطت [الكنيسة] المؤسسات الإقطاعية بهالة من التقديس الإلهي. ونظمت هيكلها الهرمي وفق النموذج الإقطاعي، وأخيراً، كانت هي نفسها أكبر مالك أراضٍ إقطاعي على الإطلاق، إذ كانت تملك ثلث أراضي العالم الكاثوليكي. وقبل امكانية خوض معركة ضد الإقطاع الدنيوي بنجاح في كل بلد على حدة، من الضروريّ أولاً تحطيم هذه المنظّمة المركزية المقدّسة.»[5]

أثار تباهي الأساقفة ورؤساء الأديرة وحاشيتهم من الرهبان حفيظة النبلاء والبرجوازيين والمستغَلين – في المدن والأرياف على حَدٍّ سواء – ضد رجال الدين. فالمناصب الكنسية المربحة كان يمنحها البابا، لا النبلاء الألمان. وغالبا ما كانت تعهد إلى أجانب. وكان رجال الدين يستنزفون أموال الناس من خلال الضرائب الكنسية، وما يعرف بـ “بيع صكوك الغفران” (أي إعفاء المذنب من عقاب الخطيئة مقابل المال)، أو بيع صور ورُفَات قديسين مزورة. كما أن كبار رجال الدين كانوا ملاك أراض بدورهم. وبهذه الطرق، كان جزء كبير من الثروة يتجه إلى روما أو أعوانها.

لقد أعاقت الكنيسة الكاثوليكية تطور القوى المنتجة في الإمبراطورية. وفي الوقت نفسه، أخذت تفقد شيئا فشيئا الوظائف الاجتماعية التي أدتها في الماضي. فظهور البيروقراطية الأميرية، وازدهار التجارة، واختراع الطباعة قوّض احتكارها ليس فقط للقراءة والكتابة، بل أيضا للتعليم والإدارة.

ومع ذلك، ظل الدين هو الركيزة الأيديولوجية للمجتمع. وقد أوضح إنجلز:

«لقد كانت عقائد الكنيسة في الوقت ذاته مسلّمات سياسية، وكانت اقتباسات الكتاب المقدس تُعتمد كقانون في كل محكمة».[6]

فالحكام استخدموا الدين لتبرير سلطتهم. على سبيل المثال، كان البابا هو من يتوّج الإمبراطور. كما أن اللاهوت كان يُتخذ أساسا لدراسة الفلسفة والسياسة والقانون وتفسيرها.

مارتن لوثر

في تلك الظروف التاريخية، كان من الحتمي أن تأخذ كل حركة اجتماعية وسياسية ضد الإقطاع طابعا لاهوتيا أولا. وكما كتب إنجلز:

«من القرن الثالث عشر إلى القرن السابع عشر، كانت جميع الإصلاحات والصراعات التي اندلعت باسم الدين، نظريا، ليست سوى محاولات متكررة من البرجوازية والبروليتاريا المدينية والفلاحين الذين ثاروا معهم، لتكييف النظرة الدينية القديمة مع الظروف الاقتصادية المتغيرة ومكانة الطبقة الجديدة».[7]

إن المحتوى الطبقي للإصلاح الديني كان يكمن في الصراع حول تفسير الدين المسيحي بما يخدم البرجوازية الصاعدة. غير أن رد الفعل العنيف من البابا والإمبراطور على انتقاد لوثر لصكوك الغفران جعله شخصية رمزية ضد النظام القديم، ومركز جذب ليس للبرجوازية وحدها، بل لكل القوى المعارضة. ففي يناير 1521، طُرد لوثر من الكنيسة الكاثوليكية بمرسوم بابوي بالحرمان الكنسي، وفي أبريل من نفس السنة استدعاه الإمبراطور شارل الخامس إلى مجلس فُورْمْس ليُحاكم بتهمة الهرطقة.

لم يطالب لوثر في “أطروحاته الـخمس والتسعين” في 31 أكتوبر 1517 سوى بإصلاح نظام بيع صكوك الغفران، وليس إلغائه كليا. غير أنه أصبح أكثر تجذرا نتيجة صراعه مع روما والتعاطف الشعبي معه. فابتداء من عام 1520، شرع يدعو إلى تمرد مسلح ضد الكنيسة الكاثوليكية قائلا:

«يبدو لي أنه إذا بلغ الرومانيون هذا القدر من الجنون، فإن العلاج الوحيد الباقي هو أن يتقلد الإمبراطور والملوك والأمراء السلاح ليهاجموا هؤلاء الآفات التي تهدد العالم كله، وأن يقاتلوهم لا بالكلمات، بل بالحديد».[8]

لم يكتفِ لوثر بمهاجمة رجال الدين، بل وجّه سهامه لاحقا ضد الإمبراطور والأمراء الذين لم ينضموا إليه. وقد التحق جزء من النبلاء بصفه، طمعا في الاستيلاء على ممتلكات الكنيسة والتحرر من نفوذ كل من البابا والإمبراطور. ونتيجة لذلك، تحولت إلى البروتستانتية ليس فقط مدن عديدة بل إمارات بأكملها.

صدر حكم الحظْر الإمبراطوري على لوثر خلال مجلس فُورْمْس، ما يعني أن قراءة أو توزيع كتاباته أصبحا ممنوعين، وأنه أصبح خارجا عن القانون. غير أن الناخب فريدريك الساكسوني آواه في قلعة فارتبورغ، حيث انكب على ترجمة الكتاب المقدس إلى الألمانية، إلى جانب أعمال أخرى. وهذا الارتباط الوثيق ببعض النبلاء هو ما يفسر سبب عدم ترجمة لوثر كلامه المتجذر إلى أفعال ثورية.

الجماهير

مع حركة الإصلاح الديني، انقسم المجتمع إلى ثلاثة معسكرات كبرى، وصفها إنجلز بأنها: «المعسكر الرجعي أو الكاثوليكي، والمعسكر الإصلاحي البرجوازي-الوسيط أو اللوثري، والمعسكر الثوري»[9]. غير أنّ هذا الانقسام داخل المعارضة ضد الكاثوليكية لم يظهر بوضوح إلا خلال مجرى حرب الفلاحين.

فالعناصر الثورية، في البداية، قد تجمعت حول لوثر. وقد لاحظ إنجلز أنّه من خلال ترجمته للإنجيل، «وقف في مواجهة المجتمع الإقطاعي الآخذ في الانحطاط، مقدِّما صورة مجتمع آخر لا يعرف شيئا عن الهرمية الإقطاعية المتشعبة والمصطنعة»[10]

ومع أن لوثر كان منشغلاً حصراً بحرية الدين، فإن الجماهير المستغَلة فسّرت كتاباته ـ مثل مؤلَّفه في حرية المسيحي (On the Freedom of a Christian) ـ تفسيرا دنيويا. فالمصلح لم يهاجم الإكليروس وحسب، بل هاجم أيضا النبلاء. لذلك تبنّى المقهورون قضية الحرية من الاستبداد الإقطاعي، واستندوا في ذلك إلى لوثر والإنجيل.

حتى قبل اندلاع حرب الفلاحين، كانت انتفاضات الفلاحين مثل حركة “حذاء الرباط” (Bundschuh) أو “كونراد الفقير” (Poor Conrad) قد أصبحت أكثر تواترا، لكنها ظلت محصورة في نطاق محلي. وقد تباينت الظروف تباينًا كبيرا بين منطقة وأُخرى، مما حال دون انصهارها في انتفاضة عامة. وغالبا ما كانت تفشى مؤامراتهم المنعزلة للسلطات، التي كانت تلحق أبشع ألوان التعذيب بمن يقع في أسرها.

كتيب المواد الاثنتي عشرة من عام 1525 / الصورة: ملكية عامة

لكن بفضل أفكار لوثر وترجمته للإنجيل، توفّر للمضطهَدين منطلق إطار أيديولوجي موحَّد لمطالبهم وأهدافهم المتنوعة. وعلى هذا الأساس، تمكنت الانتفاضة من الانتشار عام 1525.

بدأت حرب الفلاحين كحدث محلي. ففي صيف 1524، انتفض الفلاحون في شتولنغن بمنطقة الغابة السوداء. ووفقاً للأسطورة، أمر اللاندغريف سيغيسموند الثاني رعاياه بجمع أصداف القواقع من الغابة كي تستخدمها زوجته في غزل الخيوط. وكان ذلك القشة ـ أو الصدفة ـ التي قصمت ظهر البعير. سار الفلاحون مسلحين، إلى قلعة سيدهم للاحتجاج ضد هذا العمل القسري الاعتباطي والضرائب المفرطة.

وبحلول أبريل 1525، كان التمرد قد انتشر. ففي جنوب ألمانيا وتورينغن، وكذلك في أجزاء من ساكسونيا والألزاس وسويسرا والنمسا، رفع الفلاحون السلاح ورفضوا العمل أو دفع الضرائب. وفي أماكن عديدة، انضم إليهم عمال المدن والفقراء. وفي بعض المناطق، قدمت البرجوازية وصغار النبلاء أيضاً الدعم لمطالب الفلاحين ـ أحياناً بدافع الإكراه أو حسابات القوة، وأحياناً بدافع التعاطف الصادق.

استند المتمردون إلى أعلى “قانون إلهي في الإنجيل”، والذي عارضوا به التجاوزات الاعتباطية لسلطاتهم الزمنية والكنسية. وأفكار حركة الإصلاح الديني كانت بمثابة الرابط داخل الحركة. ومن أجل السيطرة على تفسير الكتاب المقدس، شاع مطلب انتخاب القساوسة من طرف الجماعة. وكان كثيراً ما يُطلب من علماء البروتستانت مثل لوثر وأتباعه الفصل في شرعية هذه القضايا.

رغم راديكاليته السابقة، بدأ لوثر يلعب دور الوسيط بمجرد أن اندلعت حرب الفلاحين. كتب إنجلز:

«لقد هاجم الحكومات بعزم. وقال إن القمع الذي تمارسه هو السبب في اندلاع الثورات، وإن الله ضدها أيضا وليس الفلاحين فقط. ومن ناحية أخرى، قال أيضاً إن التمرد غير إلهي وضد الإنجيل. ونصح كلا الطرفين أن يتنازلا ويتوصلا إلى تفاهم سلمي».[11]

لكن لوثر ازداد انزياحا نحو الرجعية عندما امتد التمرد إلى مناطق بروتستانتية وأخذ يتجذر باضطراد. وكانت “مذبحة فاينسبرغ” (Weinsberg Massacre) نقطة تحول حاسمة. ففي أحد عيد الفصح، 17 أبريل 1525، اقتحم الفلاحون قلعة الكونت لودفيغ فون هيلفنشتاين وانتقموا لعقود من القمع والاستغلال والاذلال. فأعدِم الكونت ورفاقه.

وأمام الطاقة الثورية للمقهورين، والتي وجهت أيضا ضد رعاته، نسي لوثر كل عداواته السابقة. فدعا الآن السلطات -سواء كاثوليكية أو بروتستانتيةـ إلى عدم إظهار أي رحمة تجاه المتمردين. ففي كراسه الشهير التحريضي ضد جحافل الفلاحين القتلة اللصوص، كتب:

«ينبغي تحطيمهم إربا، وخنقهم وطعنهم، سرا وعلانية، على يد كل من يستطيع فعل ذلك، تماما كما يجب قتل الكلب المسعور […] لذلك، أيها السادة الكرام، اضربوا هنا، أنقذوا هناك، اطعنوا، اخنقوا، حطِّموا كما تشاؤون، وإن متَّم فأنتم مباركون، إذ لا موت أفضل يمكن أن تنالوه.»[12]

كان قد دعا اليه سابقاً. بل ذهب المصلح الى حد توظيف الانجيل ضد الحركة. وقد فسر انجلز ذلك بان لوثر استخدم الانجيل لتبرير «حكم الامراء بموجب نعمة الله، والمقاومة السلبية، بل وحتى نظام القنانة»[13]. ووصف إنجلز ذلك بأنه نشيد مديح «للسلطات المؤيدة من الله – في خطوة بالكاد تفوَّق عليها اي خادم من خدم الملكية المطلقة»[14]. إن المعسكر البرجوازي المحيط بلوثر عارض الانتفاضة علناً وبصورة قاطعة.

الهـوفن The Haufen

استحضرت حركة الإصلاح الديني قوى أرعبت الطبقات المالكة – الكاثوليكية والبروتستانتية على حد سواء. ففي حرب الفلاحين، بدأ المقهورون بتنظيم صفوفهم، مستهدفين في البداية أسيادهم الإقطاعيين المحليين. وكانت الوحدات العسكرية للمتمردين، التي كانت تُسمّى الهـوفن (بمعنى جماعات أو فرق)، وهي منظمات ديمقراطية على المستوى المحلي أو الإقليمي. إذ كانوا ينتخبون قادة برتبة قباطنة يكونون مسؤولين أمام القوات.

أتاح هذا النوع من الرقابة الديمقراطية الاستفادة من الخبرة العسكرية للنبلاء الذين انضموا للانتفاضة لصالح الحركة. على سبيل المثال، قاد غوتز فون برليخنغن “ذو اليد الحديدية” -الفارس الإمبراطوري الذي خلّده غوته في مسرحيته- هوفن نيكرتال-أودنفالد. بينما قاد فلوريان غاير الـهوفن السوداء (Schwarzer Haufen).

وعموماً، نظّمت الهوفن نفسها أيضا على المستوى الوطني، كما حدث في شوابيا العليا حيث شكّلوا “الرابطة المسيحية”. وعند تأسيسها في ميمنغن، بداية مارس 1525، تم التنصيص في “اللائحة الفيدرالية” على التنظيم الديمقراطي للمقاومة عبر قيادة منتخبة:

«ولهذا، يُعيّن من كل تجمع من هذه الرابطة قائد وأربعة مستشارين ويُرسلون. وتكون لهم السلطة في التصرف بالاتفاق مع قادة ومستشارين آخرين كما يليق، كي لا يضطر جميع أعضاء التجمع إلى الاجتماع دائما».[15]

وفي أبريل 1525، اعتَمد نحو ألف ممثل عن هوفن فرانكونيا “قوانين الحرب” في أوكسنفورت، والتي نصت على:

«يُنتخَب القائد الأعلى للميدان من طرف الهوفن الموحدة المشرقة (Common Bright Haufen) ليكون له السلطة على جميع الأفراد، ويجب على الجميع الخضوع له وطاعته، بشرط ألا يقرر القائد الأعلى منفردا أي شيء، ولا أن يتصرف دون علم وإرادة القادة والمستشارين المفوَّضين الذين عيَّنتهم أو ستعيّنهم الهوفن بأكملها».[16]

كانت هذه التحالفات الديمقراطية بمثابة ثورة في حد ذاتها. فقد كان المتمردون، في مناطق بأكملها، يملكون مصيرهم بأيديهم مؤقتاً. وأصبح بوسع الفلاحين والعمال والفقراء أنفسهم مناقشة خطواتهم التالية. وحيثما هزمت القوى الإقطاعية، حل هذا التنظيم الذاتي للجماهير محل جهاز الإدارة القديم.

إصلاح أم ثورة؟

وكما حدث كثيرًا في التاريخ، برز السؤال الحاسم: إصلاح أم ثورة؟ وقد اعتمدت رابطة ميمنغن المسيحية وثيقة “البنود الاثني عشر” في مارس 1525. والتي كانت المنشور الأوسع انتشارًا خلال حرب الفلاحين.

من كتيب مجهول المؤلف صدر في مايو 1515 – الفلاحون على اليسار، والنبلاء والأساقفة على اليمين، وفي المنتصف “عجلة الحظ” التي ترتبط بها البابوية / الصورة: ملكية عامة

استنادًا إلى تفسير الجماهير المقهورة للكتاب المقدس، هاجمت “البنود الاثنا عشر” أسس النظام الإقطاعي. وكانت المطالب تشمل إلغاء العشور، وتقليل أعمال السخرة التي كان التي كان الأقنان مجبرين على أدائها في ضِياع الإقطاعيين، واستعادة الحقوق العرفية القديمة مثل حق الصيد واستخدام الأراضي والغابات المشتركة. كما تضمنت مطلب انتخاب القساوسة من قبل الرعية.

يمكن رصد الإشارة إلى حركة الإصلاح الديني ووظيفتها كعنصر موحد بشكل واضح في هذا النص الأكثر شيوعا خلال حرب الفلاحين. فقد جرى تبرير المطالب استنادا إلى “القانون الإلهي”، مما منح هذه البنود صفة الشمولية.

ومع ذلك، في البند الثالث، الموجه ضد العبودية كأشد أشكال الاستغلال الإقطاعي، يتضح الطابع التوافقي للبرنامج. على الرغم من أن الكتاب المقدس ينص على أن يسوع فدى جميع الناس على قدم المساواة بموته على الصليب، وبالتالي “نحن أحرار وراغبون”، ينص البند على:

«لسنا راغبين في أن نكون أحرارًا بشكل مطلق والتحرر من كل سلطة. فالله لا يعلمنا أن نعيش حياةً منفلتة تسودها شهوات الجسد، بل أن نحب ربنا إلهنا وقريبنا. […] فهو لم يأمرنا بعدم طاعة السلطات، بل أن نكون متواضعين، ليس تجاه أصحاب السلطة فحسب، بل تجاه الجميع».[17]

عبرت “البنود الاثني عشر” عن أمل الجماهير في الحصول على صوت من خلال التوصل إلى حل وسط مع السلطات، على الرغم من أن مطالبهم كانت موجهة ضد أسس حكمها. لم يكن الفلاحون كتلة موحدة؛ بعضهم ما زال لديه ما يخسره. علاوة على ذلك، كانت البرجوازية المالكة للأراضي أيضًا مشاركة في صياغة المطالب، لأن مدينة ميمنغن قد انضمت إلى الرابطة المسيحية.

على الرغم من أن “البنود الاثني عشر” كانت نقطة الانطلاق البرنامجية للعديد من وحدات الهوفن، إلا أن الانتفاضة تجاوزتها غالبًا على أرض الواقع. وليست مذبحة فاينسبيرغ سوى مثال واحد على كيفية تحول حرب الفلاحين إلى حرب استئصال ثورية ضد السلطات، فقد أُحرقت القلاع والقصور والأديرة بمنشآتها في أماكن عديدة.

كان هناك بالفعل فصائل متجذرة بين المتمردين منذ بداية الانتفاضة. فقد دعت “رسالة البنود”، التي كتبت قبل “البنود الاثني عشر”، إلى القضاء على الحكام إذا رفضوا الانضمام. وخلص آخرون إلى استنتاجات ثورية من خلال التجربة العملية مع عناد الاسياد وخداعهم.

بشكل عام، كان الوضع ديناميكيًا: فقد تأرجح المعتدلون والراديكاليون بين المعسكرات، بينما كانت التحالفات بين الكتل تتشكل ثم تنهار مجددًا. كما جعل الخصوصية المحلية وقلة الخبرة السياسية من الصعب توحيد الحركة على المدى الطويل.

غالبًا ما كانت آفاق المتمردين تنتهي بقراهم أو مدنهم الريفية فقط. وكان السفر خطيرا ويكلف مالا ووقتا، ولم يكن مسموحا حتى للخدم. ولم تكن الجماهير عادة تمتلك إمكانية الوصول إلى التعليم أو الأخبار. بالإضافة إلى ذلك، كان السيد المحلي هو المسؤول الأساسي عن جعل الحياة جحيمًا. وإذا قدم تنازلات، غالبًا ما يخفض المستغَلون أسلحتهم ويعودوا إلى منازلهم – ليذبحوا بعد ذلك.

بدل إدراك أنه مسألة حياة أو موت، كان المتمردون غالبًا ما يرفضون مساعدة من كان ينبغي أن يكونوا رفاقهم في السلاح في القرى والمدن المجاورة. وفي مقابل وعود بامتيازات مزعومة، شاركوا أحياناً في قمع الانتفاضة ذاتها. بالإضافة إلى ذلك، أدى تقسيم المجتمع إلى طبقات وشرائح متعددة، التي تتباين مصالحها وكثيرا ما تتعارض، إلى إعاقة التحالفات الدائمة حتى بين المضطهَدين أنفسهم.

برنامج هايلبرون

غير أنه في مايو 1525، بذلت محاولة لتوحيد الانتفاضة في حركة شاملة ذات برنامج مشترك. فقد تشكل مجلس فلاحي في مدينة هايلبرون، حيث أُرسل ممثلون عن مختلف التجمعات لمناقشة مطالبهم المشتركة.

مثلت نتيجة هذه المفاوضات، ما عرف باسم “برنامج هايلبرون”، منعطفاً جذرياً شاملاً للمجتمع الإقطاعي في أعقاب حركة الإصلاح الديني. لكنها تميزت أيضا بالاعتراف بأن أيا من الطبقات الاجتماعية لم تكن ناضجة بما يكفي لتنفيذ هذه الثورة بمفردها. لذلك كان هدف هذا البرنامج كسب النبلاء والبرجوازية إلى صف الحركة من خلال تقديم تنازلات.

وفي هذا الاتجاه، طالب البرنامج بتجاوز التجزئة الاقتصادية للإمبراطورية الرومانية المقدسة عن طريق توحيد العملات والأوزان والمقاييس، وإلغاء الرسوم الجمركية. وكان ذلك يعني إنشاء سوق وطنية، والتي كانت ستعود بالنفع أساسًا على البرجوازية.

كما قُدمت تنازلات للنبلاء؛ فلم يكن من المفترض تحرير الفلاحين والأجراء ببساطة، بل كان عليهم دفع مبالغ استرداد لأصحاب الأراضي كتعويض. وأشار إنجلز إلى أن هذا «كان يهدف في النهاية إلى تحويل الملكية الأرضية الإقطاعية إلى ملكية برجوازية».[18]

وبذلك، كان برنامج هايلبرون يسبق تحرير الفلاحين في فرنسا في تسعينيات القرن الثامن عشر، والذي تحقق لاحقًا بشكل مماثل في بقية القارة الأوروبية في القرن التاسع عشر. وكان هذا سيشكل الحل الأمثل لتطوير الرأسمالية، إذ أن معظم الفلاحين، غير القادرين على دفع مبالغ “الاسترداد”، كان سيتعين عليهم إما رهن أراضيهم بأسعار فائدة باهظة، أو فقدانها تمامًا، مما يخلق طبقة أكبر من العمال “الأحرار” عديمي الملكية، صالحة للاستغلال الرأسمالي.

جورج، تروخسيس فون فالدبورغ، قائد في جيش الرابطة السوابية، لعب دورا رئيسيا في قمع الفلاحين / الصورة: ملكية عامة

مع ذلك، لم يُنفذ برنامج هايلبرون. فقد تحركت المعارضة البرجوازية والأرستقراطية الحضرية، المهددة بتحالف الفلاحين مع الفصائل الثورية-الشعبوية، إلى التضامن مجددًا. ومعظم المدن التي انضمت إلى الانتفاضة أو ظلت محايدة أصبحت الآن معارضة لها.

وفي الوقت نفسه، بدأت الثورة المضادة الإقطاعية تكتسب اليد العليا تدريجيًا. فقد أدرك الأمراء البروتستانت والكاثوليك مصلحتهم الطبقية المشتركة واتخذوا إجراءات موحدة ضد الانتفاضة.

في جنوب ألمانيا، تكبد المتمردون هزائم حاسمة. واضطر مندوبو هايلبرون إلى الفرار لتجنب الانتقام. وفي الوقت نفسه، جمعت رابطة شوابيا (تحالف عسكري للسلطات الجنوبية الألمانية) جيشا مرتزقًا قويًا لقمع الانتفاضة. وقدمت عائلتا فوجر وفيلزر التمويل اللازم، وكانتا تقفان بثبات إلى جانب النبلاء.

تحت قيادة غيورغ تروخسيس فون فالدبورغ، شقت الثورة المضادة طريقًا من الدمار عبر المنطقة. ففي 4 أبريل 1525، قُتل آلاف المتمردين في معركة ليبهايم. وبموجب معاهدة فاينغارتن في 17 أبريل 1525، أنهت غالبية تجمعات الهوفن شوابيا العليا القتال مقابل وعد بأن يسمح لهم منذ ذلك الحين بعقد محكمة تحكيم في نزاعاتها مع الحكام، ولم يحصلوا على أي تنازلات بخصوص الضرائب وأعمال السخرة.

وفي معركة بوبلينجن في 12 مايو 1525، هزمت رابطة شوابيا اتحادًا يضم 12 ألف من الهوفن.  وفي الوقت نفسه، فشلت محاولات اقتحام قلعة مارينبيرغ في فيرتسبورغ. ومع الهزيمة في كونيغشوفن في 2 يونيو 1525، انتهت حرب الفلاحين في جنوب ألمانيا.

توماس مونتسر

هُزم المتمردون أيضاً فيما يُعرف اليوم بولاية تورينغن. فقد تمكن تحالف بين اللاندغريف البروتستانتي فيليب من هيسن، والدوق الكاثوليكي جورج من ساكسونيا، من القضاء عليهم في معركة فرانكنهاوزن يوم 15 مايو 1525. هناك تواجه المرتزقة والفرسان مع فلاحين تسلحوا في غالبيتهم بأدوات عملهم. ورغم ذلك، لجأت الثورة المضادة إلى الخداع: إذ وافقت على هدنة سرعان ما نقضتها. وكانت النتيجة ما لا يقل عن ستة آلاف ضحية من المتمردين بين قتيل وجريح، بينما لم يُقتل سوى ستة مرتزقة من جيش الأمراء.

كانت تورينغن معقلاً للراديكاليين. ففي مدينة مولهاوزن، أطاحت المعارضة الشعبية (plebeian opposition) بالمجلس البلدي الأرستقراطي القديم في مارس 1525، ونقلت السلطة إلى “المجلس الأبدي” (EternalCouncil) المنتخب حديثاً، والذي لعب فيه الواعظ الشيوعي توماس مونتسر دوراً مهماً.

بصفته قسّا مصلحا، كان مونتسر في البداية مؤيدًا للوثر. بل إن لوثر عينه أول واعظ بروتستانتي في تسفيكاو عام 1520. كما يوضح إنجلز:

«ومع ذلك، لم يكن يعظ بالحوار الهادئ والتقدم السلمي كما بدأ لوثر يفعل آنذاك، بل واصل الوعظ العنيف المبكر للوثر، داعيًا أمراء ساكسونيا والشعب إلى انتفاضات مسلحة»[19]

وكان خطابه في قلعة ألشتِت خيرَ مثالٍ على ذلك، حيث وجَّه “الموعظة الثورية للأمراء” إلى يوهان الساكسوني وابنِهِ يوهان فريدريش في 13 يوليو 1524. وهناك انطلق مونتسر يهدر غاضبا:

«يجب علينا أن ندمر بلا رحمة كل من يقف في طريق وحي الله، وعلينا أن نفعل ذلك بلا رحمة، كما دمر حزقيا وكورش ويوشيا ودانيال وإيليا حين دمّروا كهنة بعل، وإلا فلن تعود الكنيسة المسيحية إلى أصولها أبداً. يجب أن نقتلع الأعشاب الضارة من كرم الرب في وقت نضوج المحصول. قال الله في سفر التثنية الإصحاح السابع: لا تُشفق على عَبَدة الأوثان، بل اهدم مذابحهم، وحطّم تماثيلهم المنحوتة، وأحرقها بالنار لكيلا اغضب عليكم.»[20]

في المقابل، وجّه لوثر علناً سهام نقده إلى تلميذه السابق في رسالة بعنوان “إلى أمراء ساكسونيا بخصوص الروح المتمردة”، داعياً السلطات إلى التحرك ضده. وهنا وقع الانفصال النهائي بين الرجلين.

ردّ مونتسر في ديسمبر 1524 بكتاب “خطاب الحماية العظيم”، فشتم لوثر ونعته بأنه “جسد مترف من فيتنبرغ”[21]، واتهمه بالنفاق لأنه يتستر بالإنجيل لحماية مصالح الأمراء المستغلين.

لقد أراد مونتسر استئصال جذور الاستغلال والاضطهاد من خلال رؤيته للإصلاح، وهي رؤية قادته إلى استنتاجات شيوعية. وقد لخص إنجلز هذه الفكرة قائلا:

«لم يكن مونتسر يفهم “ملكوت السماوات” سوى مجتمع بلا فوارق طبقية، وبلا ملكية خاصة، وبلا سلطة دولة مفروضة فوق أعضاء المجتمع. فقد علّم أنه يجب الإطاحة بكلل السلطات القائمة ما لم تخضع وتلتحق بالثورة، وأن يتم تشريك كل عمل وملكية، وأن يطبق مبدأ المساواة الكاملة. وفي تصوره، كان ينبغي تنظيم اتحاد شعبي لتحقيق هذا البرنامج، ليس في ألمانيا وحدها، بل في عموم العالم المسيحي. ويُدعى الأمراء والنبلاء للانضمام، فإن رفضوا وجب على الاتحاد أن يطيح بهم أو يقتلهم بالسلاح».[22]

مع اندلاع حرب الفلاحين في جنوب ألمانيا، شعر مونتسر أن ساعة الثورة قد دقّت. فتنقّل في المنطقة ناشراً أفكاره بين العناصر الراديكالية. وكتب إنجلز عن دوره:

رسم توضيحي لتوماس مونتسر بواسطة رومين دي هوغي، عام ١٧٠١ / الصورة: ملكية عامة

«لا شك أن رحلة مونتسر الدعائية هذه أسهمت كثيرا في تنظيم حزب الشعب (قوى الجماهير المضطهدة)، وفي صياغة مطالبه بوضوح، وفي الانفجار العام النهائي للانتفاضة في أبريل 1525».[23]

عاد مونتسر إلى تورينغن أثناء الصراع على السلطة في مجلس مدينة مولهاوزن. وقد أُطيح بالباتريسيين فعلاً، لكن تطبيق برنامج شيوعي لم يكن وارداً. فإجراءات “المجلس الأبدي” لم تتجاوز إطار جمهورية ديمقراطية برجوازية. وهنا يعلّق إنجلز:

«إن أسوأ ما قد يواجه زعيم حزب متجذر هو أن يُجبر على تولي الحكم في فترة لم تنضج فيها الحركة بعد لسيطرة الطبقة التي يمثلها ولتحقيق الإجراءات التي تقتضيها تلك السيطرة. فإمكاناته لا تحددها إرادته، بل حدة الصراع بين الطبقات، وعلى مستوى تطور الوسائل المادية للمعيشة وعلاقات الإنتاج ووسائل الاتصال التي يُستند إليها في كل مرّة في هذا الصراع […] وهكذا يجد نفسه بالضرورة في مأزق. فما يستطيع فعله يناقض مبادئه وممارساته السابقة ومصالح حزبه المباشرة. أما ما ينبغي له فعله لا يمكن إنجازه. بكلمة واحدة: هو مجبر أن يمثل لا حزبه ولا طبقته، بل الطبقة التي نضجت الظروف لِهيمنتها».[24]

لم يكن من قبيل الصدفة أن يحظى مونتسر بنفوذ أكبر في تورينغن. فقد كان قطاع التعدين وصناعة النسيج في مولهاوزن يزخران بالعمال المأجورين الذين لا يملكون سوى قابليتهم للعمل. غير أن غالبية المعارضة كانت لا تزال تتألف من الحرفيين المستقلين والفلاحين. وبحسب إنجلز، كان برنامج مونتسر الشيوعي كان «أقرب إلى استباق عبقري لظروف تحرير العنصر البروليتاري الذي بدأ للتو بالتشكل بين الطبقات الشعبية، منه إلى تجميع مباشر للمطالب الموجودة آنذاك لهذه الطبقات».[25] مما جَعَل قاعدته الاجتماعية ضيّقة فقط.

ومع ذلك، شرع مونتسر في تحويل مولهاوزن إلى مركز الانتفاضة على مستوى الإمبراطورية كلها. وكان على اتصال نشط مع المتمردين في جنوب ألمانيا. وحين اقتربت الثورة المضادة من تورينغن، حاول تعبئة سكان مولهاوزن ومدن أخرى لخوض المعركة إلى جانب الفلاحين قرب فرانكنهاوزن، لكن لم يتبعه سوى 300 رجل من مولهاوزن.

بعد الهزيمة الكارثية، أُسر مونتسر في 27 مايو 1525 وتعرّض لتعذيب شديد، ثم أُعدم بقطع الرأس خارج أسوار مولهاوزن. جرى تعليق جسده على الخازوق ووُضع رأسه على رمح. أما المدينة نفسها فقد سقطت بيد قوات الأمراء، ففقدت امتيازاتها السابقة واضطرت لدفع غرامات باهظة. كما أُعدم أنصار آخرون لـ“المجلس الأبدي” على يد الثورة المضادة.

اقتحام السماء

في ربيع عام 1526 سقطت آخر معاقل حرب الفلاحين في سالزبورغ (النمسا). وكما فعلت كل الطبقات السائدة عبر التاريخ، أطلق الأمراء موجة وحشية من الانتقام ضد رعاياهم المهزومين. ففي المجمل، ارتكبت الثورة المضادة الإقطاعية مذابح ذهب ضحيتها ما بين 75.000 و100.000 متمرّد.

لكن مستوى معيشة الجماهير لم ينخفض بعد الهزيمة، لا بسبب رحمة السادة، بل لأنهم كانوا أصلًا يعيشون عند مستوى الكفاف حتى قبل اندلاع الانتفاضة؛ فلم يكن هناك مجال للهبوط أكثر.

غير أن عواقب الهزيمة تجاوزت حصيلة الدم وحدها. فبحسب إنجلز:

«منذ تلك اللحظة انحطّ الصراع إلى مجرد نزاع بين الأمراء المحليين والسلطة المركزية، وانتهى بأن محا ألمانيا، لمدة مئتي عام، من قائمة الأمم النشطة سياسيًا في أوروبا»[26]

لقد حرّكت حركة الإصلاح الديني كل القوى التي عارضت النظام الإقطاعي. وكانت المهمة الموضوعية تتمثل في تحطيم القيود التي كبحت صعود الرأسمالية. وكان تدمير الكنيسة الكاثوليكية خطوة جوهرية في هذا الاتجاه. غير أن البرجوازية لم تكن قوية بما يكفي لفرض برنامجها على الحركة. وأمام الحماس الثوري للجماهير المستغَلة، اصطفّ معسكر المعارضة البرجوازية بقيادة لوثر إلى جانب الأمراء الذين سحقوا الانتفاضات بلا رحمة.

غير أن ذلك كرّس تجزئة الإمبراطورية. وتحوّلت حركة الإصلاح الديني إلى صراع بين الأمراء البروتستانت من جهة، والإمبراطور والأمراء الكاثوليك من جهة أخرى. وقد أوقعت الحروب الدينية اللاحقة – التي بلغت ذروتها في حرب الثلاثين عامًا – دمارًا هائلًا وغرقت الإمبراطورية في مزيد من التخلّف.

نسخة من تاريخ حرب الفلاحين لجاكوب مورير (عام 1525)، تصور هروب رئيس الدير والرهبان من دير فايسيناو / الصورة: ملكية عامة

لهذا السبب اعتبر إنجلز حرب الفلاحين نقطة تحوّل في تاريخ ألمانيا: فمن أمة كانت الأكثر تقدّمًا في أوروبا، انحدرت إلى الصفوف الدنيا. وحتى في عام 1848، بقيت البرجوازية الألمانية عاجزة عن فرض نفسها على الأمراء دون أن ترتعد خوفًا من البروليتاريا الفتية. وفي النهاية، كانت الطبقة العاملة هي التي أزالت بقايا الإقطاع في ألمانيا عبر ثورة 1918–1919.

ومع ذلك، فقد منح إصلاح لوثر دفعة هامة لنضال البرجوازية الصاعدة على المستوى الأممي. ففي سويسرا وهولندا وإنجلترا، نجح البروتستانت في الإطاحة بالإقطاع. لقد عبّأوا الجماهير باسم “مملكة الله”، لكنهم أسّسوا في الواقع مملكة البرجوازية.

اليوم، ينكر كثير من المؤرخين أن حركة الإصلاح الديني وحرب الفلاحين كانا ثورة حقيقية. فهم يقولون إن الفلاحين انشغلوا بمطالب محلية لا بتغيير النظام، وأنهم أرادوا فقط استعادة حقوقهم القديمة التي كان الحكام يسلبونها منهم. غير أن هؤلاء “السادة الأفاضل” يتجاهلون حقيقة أن فقدان تلك الحقوق، ومعاناة الفلاحين المحلية، كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأزمة النظام الإقطاعي نفسه.

لقد أراد مونتسر ورفاقه ثورة ضد هذا النظام الميت، بل دعوا إلى إلغاء المجتمع الطبقي. لكن ذلك كان مستحيلًا في ظروف القرن السادس عشر. أما اليوم فقد أوجدت الرأسمالية الشروط المادية للشيوعية. فالغالبية الساحقة من البشر هم عمّال مأجورون لا يملكون ما يخسرونه سوى قيودهم.

ومثلما كان الإقطاع في زمن حرب الفلاحين عائقا أمام التقدم، فإن النظام الرأسمالي اليوم يقف بدوره في مأزق تاريخي. ومرة أخرى تلقى أعباء الأزمة على كاهل المستغَلّين. لكن الطبقة العاملة بصفتها الخالقة لكل ثروة المجتمع، تمتلك القوة لإنهاء ما بدأه مونتسر ورفاقه وإقامة “الجنة” على الأرض أخيرا.

لوكاس كوتشيرا


المصادر:

[1] F Engels, ‘Notes and fragments from the history of science’, Dialectics of Nature, Wellred Books, 2012, pg196

[2] F Engels, The Peasant War in Germany, George Allen & Unwin, 1927, pg 33

[3] F Engels, ‘Engels to K Kautsky’, Marx Engels Collected Works, Vol. 48, Lawrence and Wishart, 2010, pg 376

[4]   F Engels, The Peasant War in Germany, George Allen & Unwin, 1927, pg 49

[5]   F Engels, ‘Socialism: Utopian and Scientific – Special Introduction to the English Edition of 1892’, Marx Engels Selected Works, Vol. 3, Progress Publishers, 1973, pg 103

[6] F Engels, The Peasant War in Germany, George Allen & Unwin, 1927, pg 52

[7] F Engels, ‘Lawyers’ Socialism’, Marx Engels Collected Works, Vol. 26, Lawrence & Wishart, 1990, pg 598

[8] Quoted in R H Bainton, Here I Stand: A Life of Martin Luther, Abingdon Press, 1995, pg 149

[9] : F Engels, The Peasant War in Germany, George Allen & Unwin, 1927, pg 50

[10] ibid., pg 62

[11] ibid., pg 60-61

[12] Quoted in ibid., pg 61

[13] ibid., pg 62

[14] ibid.

[15] Die Bundesordnung der oberschwäbischen Bauernhaufen’, Dokumente aus dem Bauernkrieg, Reclam, 1983, pg 88, our translation

[16] Die Kriegsordnung der fränkischen Bauern zu Ochsenfurt’, Dokumente aus dem Bauernkrieg, Reclam, 1983, pg 115, our translationا

[17] F Engels, The Peasant War in Germany, George Allen & Unwin, 1927, pg 160

[18] ibid., pg 123

[19] ibid., pg 64

[20] Quoted in ibid., pg 65

[21] Quoted in ibid., pg 68

[22] ibid., pg 67

[23] ibid., pg 72

[24] ibid., pg 135

[25] ibid., pg 66

[26] F. Engels, ‘Introduction to the English edition of Socialism: Utopian and Scientific’, Marx & Engels Collected Works, Volume 27, Lawrence & Wishart, London, 1990, pg 290