لا يوجد بلد في أمريكا اللاتينية لم يُسقَ أرضه الدماء التي أراقتها الإمبريالية الأمريكية، وهذا هو الحال منذ أكثر من مئة عام. ولكن الآن، وبعد أن دخلت أمريكا عصر الانحدار فقد وجهت أنظارها مباشرة نحو فنائها الخلفي. إن خنق الثورة الكوبية، واستخدام التعريفات الجمركية سلاحا، والتهديدات الموجهة ضد الرؤساء، واختطاف مادورو، ليست سوى بداية لمحاولة الإمبريالية الأمريكية إعادة موضعة نفسها في النصف الغربي للكوكب وإخراج الصين من القارة.

إن استراتيجية الطبقة السائدة الأمريكية للأمن القومي واضحة، إذ يعتقدون أن القارة ملك لهم، وسوف يستولون عليها بأي وسيلة. يمثل هذا تهديدا خطيرا لعمال أمريكا اللاتينية، الذين تفضل طبقاتهم السائدة بيع بلادهم لـ”اليانكيين” على النضال من أجل استقلالها الوطني. إن السبيل الوحيد للدفاع عن أنفسنا ضد الإمبريالية هو من خلال نضال ثوري يوحد الطبقة العاملة في جميع أنحاء الأمريكتين. ولهذا السبب، عقد الفرع المكسيكي للأممية الشيوعية الثورية مؤتمرا لمناهضة الإمبريالية في مدينة مكسيكو في 24 يناير 2026.
شارك في هذه المؤتمر 250 مشاركا، حضوريا وعبر الإنترنت، من الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وتشيلي وكولومبيا وكوبا والسلفادور والمكسيك وبورتوريكو والولايات المتحدة وفنزويلا. وقدم الرفاق مساهمات حول النضال ضد الإمبريالية في بلدانهم وضرورة الأساليب الثورية لمواجهة التهديدات الأمريكية المتصاعدة. وقد ناقش المندوبون ووافقوا بالإجماع على بيان ضد العدوان الإمبريالي على أمريكا اللاتينية، وننشره أدناه كاملا. ونشجع أي شخص يتفق مع هذه الأفكار على النضال إلى جانبنا والانضمام إلى الأممية الشيوعية الثورية.
من أجل تنظيم الطبقة العاملة والشباب ضد رأس المال والإمبريالية!
إن القصف الوحشي الذي شنته الإمبريالية الأمريكية على فنزويلا في 3 يناير يسلط الضوء على الواقع الجديد الذي نواجهه في أمريكا اللاتينية، بما في ذلك المكسيك. إذ يعلن دوي الصواريخ الأمريكية عن سياسة جديدة للقارة والعالم.
إن قصف فنزويلا واختطاف رئيسها، والسياسة الأمريكية المناهضة للمهاجرين، وتخلي الإمبريالية الأمريكية عن حلف الناتو، وكسر القواعد الراسخة التي قام عليها النظام العالمي، ما هي إلا علامات على عصر عالمي جديد. وكما كتب آلان وودز مؤخرا: «إنه عصر الإمبريالية الجامحة، حيث القوة هي الحق، وحيث سيُقسم العالم بأسره إلى مناطق نفوذ بين القوى العظمى».
ولاية ترامب الثانية والتراجع النسبي للإمبريالية الأمريكية
لقد مر عام منذ بدأ ترامب ولايته الثانية رئيسا للحكومة الأمريكية، وهي فترة هزت العالم من أقصاه إلى أدناه. إن شخصيته الغريبة ليست هي السبب في الفوضى العالمية، بل هي النتيجة النهائية لهذه المرحلة من الإفلاس الرأسمالي والأزمة والحرب والثورة. وبالتحديد، هي نتيجة التراجع النسبي للإمبريالية الأمريكية وصعود قوى عالمية أخرى، مثل روسيا والصين.
وإدراكا منه لتراجع الإمبريالية الأمريكية ونفوذ الصين المتنامي في العالم، كانت استراتيجية ترامب هي إنهاء الصراعات التي لا تصب في مصلحة الأمن القومي المباشرة للإمبريالية الأمريكية والطبقة السائدة في بلاده. لقد أدار ظهره للبورجوازية الأوروبية في حرب أوكرانيا، وصب كل اهتمامه على تعزيز هيمنته فيما يعتبره فنائه الخلفي.
وقد تسبب هذا في زلزال عالمي، حيث تُرِكت الإمبريالية الأوروبية، والألمانية بشكل خاص، مكشوفة. فبينما جر بايدن أوروبا إلى الحرب في أوكرانيا، يجدون أنفسهم الآن عاجزين أمام القوة العسكرية الروسية، والهزيمة تلوح في الأفق.
لقد تلقى الحلفاء القدامى صفعة قوية، ومعها تتفكك الكتلة الغربية التي هيمنت على العالم في العقود الأخيرة. ولتأكيد هذا الواقع الجديد، نرى مقترحات ترامب تجاه جرينلاند، المستعمرة التابعة للتاج الدنماركي العضو في حلف الناتو.
فقد صرح ترامب منذ البداية بأن اهتمامه يتركز على أمريكا اللاتينية وغرينلاند وكندا. وقد أظهر بالفعل ما هو قادر عليه في فنزويلا، وأوضح أن أحد أهدافه التالية هو الاستحواذ على غرينلاند لأنه يعتبرها ضرورية لأمنه القومي. سيؤدي هذا إلى تدمير الناتو، بيد أنه لا يكترث كثيرا بذلك، فمصالحه تتجاوز ما قد يعتقده الأوروبيون.
وبالنسبة لترامب، يُعد كل هذا استراتيجيا لأنه السبيل لجعل الإمبريالية الأمريكية قوية من جديد، ولهذا السبب لا يبالي بتدمير القانون الدولي. إذ قالها بعبارات لا لبس فيها: «لست بحاجة للقانون الدولي». فبالنسبة له، أخلاقه الذاتية هي الوحيدة التي تملي عليه ما يجب وما لا يجب فعله.
وبصفتنا ماديين جدليين نعلم أن الأخلاق والأفكار هي انعكاس للظروف المادية للفرد، ومن ثم فإن أخلاقه هي أخلاق إمبريالي يحتاج لمزيد من الموارد والقوة.
سياسة ترامب تجاه أمريكا اللاتينية
في الخامس من ديسمبر، نشرت إدارة ترامب وثيقة استراتيجية الأمن القومي الخاصة بها، والتي تكشف عن وجهها الحقيقي، إذ توضح نوايا الحكومة تجاه العالم. وتؤكد هذه الوثيقة السياسة التي كانت قيد التنفيذ بالفعل، لكنه يكتبها حتى لا يساور أحد الشك بشأن أهدافها.
تحدد الوثيقة ثلاثة محاور عامة فيما يتعلق بالقارة الأمريكية: مكافحة تهريب المخدرات، مواجهة الهجرة، التصدي للتمدد الصيني. ويعد التصدي للتمدد الصيني هو جوهر المسألة، أما المحوران الآخران فليسا سوى ذرائع لإغلاق الباب أمام الإمبريالية الصينية في المنطقة.
فتحت ذريعة مكافحة تهريب المخدرات، أجبرت الولايات المتحدة المكسيك على “التفاوض” (أي: فرضت عليها) لتغيير مسار مكافحة المخدرات واتباع سياسة اقتصادية مناهضة للصين. كما وضعت الولايات المتحدة السكين على رقبة المكسيك -وهو سلاح يمكن استخدامه في أي وقت- من خلال تصنيف الكارتيلات منظمات إرهابية.
لقد بدأت السياسة الإجرامية ضد فنزويلا باختلاق ما يسمى كارتيل الشمس (Cartel de los Soles)، واتهام الرئيس نيكولاس مادورو بقيادة هذه المنظمة. ومن الأهمية بمكان ملاحظة أن وزارة العدل الأمريكية قد صرحت بالفعل بأن الكارتيل المذكور لا وجود له، مما يدحض كافة أكاذيب إدارة ترامب.

واتهم ترامب الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو بامتلاك مصنع للكوكايين ونصحه “بأن ينتبه”. ويعد هذا الاتهام تهديدا مباشرا ضد كولومبيا والطبقة العاملة في القارة. وفي تصريح آخر له، ذكر الرئيس الأمريكي أن خطط شن هجوم بري على الكارتيلات المكسيكية تمضي قدما. ومؤخرا، صرح بأن كوبا لن تتلقى النفط من فنزويلا بعد الآن، مما يشدد الحصار الاقتصادي على الجزيرة.
إن سياسة ترامب تجاه القارة واضحة للغاية. فهو يستخدم قوته الاقتصادية والسياسية والعسكرية لتوسيع وترسيخ مصالح الشركات الأمريكية في المنطقة، لتمكينها من السيطرة على أسواق العديد من البلدان والوصول إلى الموارد الاستراتيجية والمعادن والبنية التحتية.
وما ورد في استراتيجية الأمن القومي وُضع موضع التنفيذ منذ بداية إدارة ترامب. وقد بدأت هذه السياسة بتصريحات وضغوط دبلوماسية، لكنها اتخذت الآن شكل تهديدات وهجمات وحشية.
وكانت بنما أول بلد يعاني من هذه الضغوط بسبب علاقاتها وعقودها مع الصين فيما يخص قناة بنما. وقد نجح التهديد الإمبريالي في وقف عقود الشركات الصينية، بل وصل الأمر إلى الحديث عن بيع أعمالها لشركات أمريكية، رغم أن هذا الأمر لم يُحسم بعد. ومن إنجازات ترامب الأخرى كان الإقرار بإمكانية دخول الجيش الأمريكي إلى هذا البلد الواقع في أمريكا الوسطى، إذ تعتبر الولايات المتحدة قناة بنما طريقا تجاريا استراتيجيا لأمنها القومي، تماما كما هو الحال مع الطرق البحرية في القطب الشمالي.
وفي الوقت الذي بدأت فيه آلة الحرب الإمبريالية بالتحرك نحو منطقة الكاريبي تدخلت الولايات المتحدة لتحديد نتائج ثلاث انتخابات في القارة. ففي الأرجنتين، استخدمت الابتزاز للضغط على الناخبين للتصويت لميلي. وفي بوليفيا، استغلت الانقسامات بين الإصلاحيين لدعم رودريغو باز الحليف للإمبريالية. وفي تشيلي، تدخلت لضمان فوز اليميني كاست في الانتخابات. أما في هندوراس، فقد دعمت علنا مرشح الحزب الوطني اليميني نصري عصفورة، ولإزالة أي شك بشأن هذا الدعم، أطلقت سراح الرئيس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، المدان في الولايات المتحدة بجرائم تهريب المخدرات.
وتمثل آخر وأبشع عمل من أعمال التدخل في القارة في قصف فنزويلا واختطاف رئيسها في 3 يناير.
التدخل الإمبريالي في فنزويلا
يُشكل القصف الإمبريالي الأمريكي لفنزويلا نقطة تحول على الساحة العالمية، إذ يوضح أن ترامب لا يبالي بالقانون الدولي، فالقول الفصل للقوة وحدها. إن هذا يمثل عودة إلى عصر الإمبريالية الفجة والقاسية، وبما أنه لا يوجد جيش بقوة الجيش الأمريكي يردعه فإن هذا يعني أن الولايات المتحدة بوسعها فعل ما تشاء.
باغت هذا الواقع المرير الجميع في ليلة 3 يناير. وقد سبق الهجوم على فنزويلا ستة أشهر من الاستفزاز والعدوان العسكري، شملت هجمات على القوارب السريعة، مخلفة أكثر من 100 حالة إعدام خارج نطاق القانون، وسرقة ناقلات نفط. يُضاف إلى ذلك أسر واختطاف مادورو ليلة 3 يناير، وهو ما خلف قرابة 100 قتيل مدني وعسكري.
لقد أدانت الأممية الشيوعية الثورية، بما في ذلك فروعنا في الولايات المتحدة وفنزويلا، العدوان الإمبريالي ضد دولة ذات سيادة منذ اليوم الأول للتصعيد في أواخر أغسطس الماضي. ففي صراع الإمبريالية للهيمنة وغزو الأسواق ومناطق النفوذ ومجالات الاستثمار، نقف نحن الشيوعيون الثوريون دون قيد أو شرط بجانب البلد الذي يتعرض للهجوم.
كانت أهداف الهجوم تتمثل في: السيطرة على موارد النفط والمعادن في فنزويلا، وطرد منافسي الولايات المتحدة من مراكز نفوذهم في البلاد (الصين وروسيا)، وإرسال رسالة واضحة حول القوة العسكرية الأمريكية لتكون تحذيرا للآخرين.
ولكن يجب أن نحافظ على التوازن في تقدير الأمور. فقد اضطرت الولايات المتحدة لاستخدام كامل قوتها العسكرية، وأحدث أسلحتها، و20% من أسطولها الحربي، و150 طائرة من أجل عملية عسكرية تقتصر على هدف واحد محدد، ولا تتضمن حتى نشر قوات غازية بشكل دائم.
لم يأتِ رد فعل الجماهير الفنزويلية كما كان حدث عام 2002، حين شنت الأوليغارشية والإمبرياليون انقلابا ضد هوغو تشافيز. في ذلك الوقت، خرجت الجماهير إلى الشوارع من كل حدب وصوب لمحاصرة قصر ميرافلوريس، أما المظاهرات التي رأيناها مؤخرا فقد افتقرت إلى الجذوة التي لا يشعلها إلا الثورة.
لقد نفذت حكومة نيكولاس مادورو ثورة مضادة في فنزويلا بعد وفاة تشافيز، إذ دمرت بيروقراطية مادورو الجوانب الأكثر أهمية في الثورة البوليفارية.
لقد سُحقت الرقابة العمالية، وخُصخصت الشركات التي جرى تأميمها، وطُرد الفلاحون من الأراضي التي صُودرت في عهد تشافيز. وفي الوقت نفسه، دُمرت المفاوضات الجماعية وحقوق العمال، وسُجن المناضلين النقابيين، وشُطبت الأحزاب اليسارية (بما في ذلك الحزب الشيوعي) من السجل الانتخابي. ولم يتبقَ من الثورة البوليفارية شيء يُذكر.
إن حقيقة تنفيذ هذه الثورة المضادة الترميدورية على يد بيروقراطية مادورو بنفاق تحت رايات «الاشتراكية» و«البوليفارية» و«التشافيزية» أدت إلى فقدان الثقة بهذه الأفكار على نطاق واسع. وقد أفضى ذلك إلى عملية إحباط سياسي عميق بين جماهير العمال والفقراء في فنزويلا، وتسبب في حالة من الارتباك في القارة برمتها.
ولا يمكن الآن توصيف الوضع في فنزويلا إلا بكونه وضع هيمنة شبه استعمارية لمصلحة الولايات المتحدة. فحكومة ديلسي رودريغيز هي رسميا استمرار لحكومة مادورو، ولكن من الناحية العملية، تحدد الولايات المتحدة سياستها في كافة الجوانب الجوهرية، ولتحقيق ذلك بسطت سيطرتها على تدفق النفط ومبيعاته.
الإمبريالية الكلاسيكية
مثلت عقيدة مونرو عام 1823 طموح دولة رأسمالية شابة وحيوية للسيطرة على القارة وطرد أسيادها الاستعماريين الأوروبيين السابقين. ومع ملحق روزفلت في أوائل القرن العشرين، منحت الإمبريالية الأمريكية – التي كانت تقترب من مرحلة النضج – لنفسها الحق في ممارسة دور الشرطي في النصف الغربي للكرة الأرضية بأكمله. أما اليوم، فإن ملحق ترامب أو ما يُعرف بـ “عقيدة دونرو”، يمثل محاولة مستميتة لإمبريالية هرمة، تعصف بها الأزمات، لمواجهة تحديات عالم لم تعد فيه القوة المهيمنة الوحيدة.
إن الهدف من هذا الملحق هو إعادة ترسيخ سلطة الإمبريالية الأمريكية في نصف الكرة الغربي استنادا إلى الأمن القومي الأمريكي. ولتحقيق ذلك، تسعى إلى إقصاء المنافسين من خارج نصف الكرة الأرضية الغربي (أي الصين) إما بالقوة أو بالسيطرة على الأصول الاستراتيجية في تلك البلدان. كما تسعى لدعم القادة والرؤساء الإقليميين المتوافقين مع مصالحها، والتدخل بطرق مختلفة في شتى البلدان.
يتحدث هذا الملحق عن ضرورة نشر جهازها العسكري بذريعة إغلاق طرق الهجرة وكبح تهريب المخدرات في المنطقة. كما هددت الولايات المتحدة باستخدام القوة المميتة ضد جماعات الجريمة المنظمة، ولا سيما مهربي المخدرات الذين صُنفوا بالفعل إرهابيين. وقد رأينا كل هذا قيد التنفيذ في فنزويلا.
تحول عقيدة الأمن القومي الجديدة هذه القارة بأكملها إلى ساحة معركة تسعى فيها الولايات المتحدة لإعادة ترسيخ هيمنتها وطرد الصين، وتدفع الطبقة العاملة وجماهير الفلاحين ثمن هذا النزاع.
المكسيك في مرمى النيران
هدد دونالد ترامب بلدين في المنطقة في مؤتمر صحفي عُقد في اليوم التالي لقصف فنزويلا. فبخصوص كولومبيا، قال: «كولومبيا مريضة جدا أيضا، يديرها رجل مريض يحب تصنيع الكوكايين وبيعه للولايات المتحدة. ولن يستمر في فعل ذلك طويلا، دعوني أؤكد لكم». وعندما سُئل في المؤتمر عما إذا كان ذلك يعني ضمنا شن عملية عسكرية، أجاب ترامب: «يبدو هذا جيدا بالنسبة لي».

وعن كوبا، قال إنها «تبدو على وشك السقوط. لا أعرف ما إذا كانوا سيصمدون… ولدينا الكثير من الأمريكيين الكوبيين الرائعين الذين سيكونون سعداء جدا بهذا»، مشيرا إلى أن الجزيرة تعتمد على النفط الفنزويلي الذي لن يصل إليها بعد الآن.
كما هدد أيضا غرينلاند والمكسيك بعدها أيام. وفيما يخص الأخيرة، قال في مقابلة: «سنبدأ الآن بضرب الكارتيلات. إن الكارتيلات هي من تدير المكسيك».
لقد كانت المكسيك دائما أولوية استراتيجية للإمبريالية الأمريكية. إذ يشترك البلدان في حدود طولها 3,152 كيلومترا يمر عبرها ملايين المهاجرين القانونيين وغير القانونيين كل عام. وتعد المكسيك الشريك التجاري الرئيسي للولايات المتحدة، حيث بلغ حجم التجارة بين البلدين حوالي 632 مليار دولار في عام 2024. بالإضافة إلى ذلك، يعيش 40 مليون مكسيكي في الولايات المتحدة.
وتكتسي هذه الجوانب أهمية قصوى لأنه، على الرغم من كون المكسيك تعتمد كليا على الولايات المتحدة، فإن 15.9% من إجمالي التجارة الأمريكية تتم مع جارتها الجنوبية. وبطريقة ما، يعتمد جزء مهم من الاقتصاد الأمريكي أيضا على الشركات الموجودة في المكسيك، وخاصة شركات السيارات والتجميع.
وقد زادت الضغوط الإمبريالية بشكل حاد منذ وصول ترامب للسلطة. فباستخدام الهجرة وتهريب المخدرات ذريعة، فرضت الإمبريالية تغيرات في سياسة المكسيك تجاه تهريب المخدرات، وجعلت الحكومة المكسيكية تفرض تعريفات جمركية على السلع الآسيوية – وخاصة من الصين -، كما جعلتها تتكيف مع متطلبات الهجرة التي تطلبها الولايات المتحدة.
وقد لُبيت المطالب بحذافيرها، بل إن الحكومة المكسيكية غضت الطرف عن الضغوط الإمبريالية من أجل كسب ود ترامب. حيث سلمت المكسيك أكثر من 50 من قادة جماعات الجريمة المنظمة، بما في ذلك مهربي مخدرات كانوا يديرون منظمات كبرى مثل فرسان الهيكل (Los Caballeros Templarios).
وفي حين استسلمت حكومة كلوديا شينباوم، فقد قدمت أفعالها على أنها تفاوض ناجح تمكنت المكسيك من خلاله من كبح هجمات ترامب. وبعبارة أخرى، فإن خطاب الحكومة هو أنها تفاوض بصفتها ندا، لكنها في الواقع تنتهي بالاستسلام لكل ما تطلبه الولايات المتحدة.
اعتقدت كلوديا أن هذا الأداء يمكن أن يعرقل فرض تعريفات جمركية على الصادرات المكسيكية. وبالفعل تمكنت من ضمان إعفاء جميع السلع المشمولة باتفاقية “USMCA” التجارية من التعريفات في الوقت الحالي، لكن هذا قد ينتهي في أي لحظة. إذ لم تتمكن من تجنب تعريفة الـ10% على السلع الأخرى المصدرة خارج الاتفاقية التجارية أو تلك المفروضة على صناعات السيارات والفضة والألمنيوم.
وقد انتقلت الحكومة من حالة عدم التصديق إلى الاستسلام. ففي البداية، نفوا إمكانية فرض تعريفات جمركية، ولكن الآن، في أحد مؤتمراتها الصحفية الصباحية، قالت كلوديا إنه أصبح لدى الأمريكيين إطار قانوني للتدخل بعد إعلان كارتيلات المخدرات منظمات إرهابية.
وبالنظر إلى أفعال ترامب في فنزويلا، لم تعد التهديدات للمكسيك تبدو سخيفة. إن أي عدوان إمبريالي محتمل سيكون له تداعيات هامة جدا في المكسيك، وستجد الحكومة نفسها جالسة على برميل بارود قد ينفجر. فإذا قبلت كلوديا العدوان دون مقاومة واقتصرت على الخطابات فستفقد الحركة الإصلاحية «حركة التحول الرابع» مصداقية كبيرة، وسيسقط الدعم الذي تحظى به الرئيسة الآن بسرعة.
من ناحية أخرى، إذا دعت إلى المقاومة في الشوارع فستخاطر بأن تتجاوزها الحركة، وتفقد السيطرة على الجماهير من خلال دعوتهم لتولي زمام الأمور. إن المشكلة الكبرى للحكومات الإصلاحية التي تهددها الإمبريالية هي أنها لا تتصور مجتمعا خارج الرأسمالية. وإذا قبلت بالرأسمالية فعليك قبول قواعدها، وكما ذكرنا سابقا، فإن القواعد الجديدة تمليها القوة والإخضاع.
إن التدخل في بلد مثل كولومبيا أو المكسيك سيكون مختلفا تماما عما حدث في فنزويلا. ففي كلا البلدين، تبدو الإصلاحية قوية وتحظى بدعم جماهيري. وسيكون رد فعل الجماهير سريعا، ولن يكون من السهل العودة إلى الوضع الطبيعي إذا اعتُقل قادتهم.
وإذا كان ما تريده الإمبريالية هو أن تتنازل المكسيك عن أكثر مما تنازلت عنه بالفعل فإن أفضل مسار للعمل هو انتظار المفاوضات بشأن اتفاقية “USMCA” التجارية، والمقرر مراجعتها هذا العام. ومن المؤكد أن الإمبريالية ستجبر المكسيك على الخضوع لجميع مطالبها. أما إذا قررت الإمبريالية الهجوم فستثور البلاد، بالإضافة إلى جزء من المكسيكيين الأمريكيين الذين يعيشون في الولايات المتحدة، والذين سيكونون بالتأكيد على أهبة الاستعداد، وستندلع أعمال شغب في عدة مدن على الأقل.
بالنسبة لأي شخص حكيم فإن الجلوس للتفاوض مع المكسيك – مع كل العوامل المذكورة – سيكون أفضل وسيلة للحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة. المشكلة هي أن ترامب ليس حكيما، وأي شيء يمكن توقعه منه.
إذا كان ما يبحث عنه هو الحفاظ على الهيمنة الاقتصادية فقد فتحت الحكومة له الباب، ولكن إذا كانت أهدافه سياسية أكثر – كالإطاحة بالحكومة مثلا – فإن الأمور ستزداد تعقيدا.
يمكن أن يحدث الكثير طوال العام. فما زلنا في بداية يناير والوضع السياسي يزداد سخونة. ينتظرنا عام طويل، مع تطورات لم نشهدها منذ فترة. ويجب أن تكون لدينا رؤية واضحة من أجل إعداد أنفسنا للمعارك القادمة.
موقف الشيوعيين
سيكون من اللا مسؤولية عدم استخلاص نتائج مما نشهده الآن. فمن الصواب أن ترفض الحكومة المكسيكية التدخل العسكري، بيد أن ذلك ليس كافيا. إذ لم تفعل الحكومة خلال سنواتها السبع في السلطة شيئا لكسر تبعيتها للولايات المتحدة، بل على العكس، عمقتها، مما أغلق أي إمكانية أخرى لتنمية “مستقلة”.
وإذا كان هناك بلد واحد يعاني مباشرة من ضغوط الإمبريالية الأمريكية فهو: المكسيك. وتعتقد الرئيسة أنها من خلال المفاوضات “الجيدة” مع ترامب يمكنها إنقاذ نفسها من المعادلة الجديدة، ولكن هذا خطأ.
لقد استغلت الحكومة المكسيكية هذه الضغوط لترسيخ دعمها الشعبي بخطاب قومي، بينما تؤكد تحالفها مع البرجوازية الوطنية “لتعزيز” الاقتصاد. وهي تظن أن البرجوازية الوطنية ستدعمها، لكن هؤلاء ليس لهم حلفاء، بل يبحثون عن مصالحهم الخاصة، وإذا رأوا السفينة تغرق فسيقفزون منها مثل الجرذان بحثا عن موطئ قدم جديد.
إن موقفنا واضح تماما: نحن نعارض التدخل الإمبريالي في فنزويلا وفي جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، ونعارض التهديدات والضغوط الإمبريالية ضد المكسيك.

وإذا شنت الإمبريالية هجوما عسكريا ضد المكسيك فسنناضل في جبهة موحدة مع كل القوى التي تعارض التدخل، بما في ذلك حكومة كلوديا. بيد أن الوحدة يجب أن تعزز نضالنا لا أن تلمع وجه الإمبريالية أو تخدر وعي طبقتنا.
وردا على الدعوة إلى «الوحدة الوطنية» التي وجهتها قيادة حركة مورينا، فإننا ندعو إلى الوحدة الأممية للمضطهَدين في النضال. وإذا أراد قطاع من البورجوازية الانضمام إلى النضال فعليه أن يكون خلف برنامج الطبقة العاملة.
لقد بدأت النقابات والمنظمات الاجتماعية في الاحتشاد بالفعل. ويعد يوم النضال، السبت 10 يناير، في مدينة مكسيكو مثالا جيدا على كيفية تولي النقابات زمام مبادرة هذا النضال.
يمكن للطبقة العاملة إغلاق المصانع الأمريكية في حالة وقوع هجوم. كما تستطيع الطبقة العاملة، جنبا إلى جنب مع الطلاب والفلاحين، شل البلاد بيوم من الإضرابات، مما يوجه ضربة قوية لرأس المال العالمي ويدفع باتجاه إنهاء الأعمال العدائية.
إن الطبقة العاملة وحلفائها، بقيادة مستقلة، هم الوحيدون القادرون على دفع الحكومة إلى نضال مكشوف ضد الإمبريالية. فيجب عليهم المطالبة بتسليح الشعب وتشكيل لجان مسلحة مناهضة للإمبريالية تقاتل للدفاع عن السيادة الوطنية وضد هيمنة رأس المال الكبير.
سيكون الشيوعيون في طليعة النضال المناهض للإمبريالية ضد أي محاولة للتدخل العسكري ضد البلاد، مدافعين عن الحق الديمقراطي في السيادة الوطنية.
وفي الوقت نفسه، نطالب الحكومة باتخاذ إجراءات لإعدادنا لهجوم الإمبريالية. نحن نناضل من أجل تنفيذ الإجراءات التالية، التي نعتبرها ضرورية، وسندافع عنها من القاعدة في النقابات والمؤسسات التعليمية والأحياء:
- التحدث بوضوح عن مخاطر التدخل الإمبريالي، والدعوة إلى التعبئة الجماهيرية للعمال والشباب.
- وضع خطة لتعبئة وتسليح العمال للدفاع عن السيادة الوطنية ضد أي هجوم إمبريالي.
- تشكيل لجان عمالية في جميع الشركات لتكون مستعدة للتحرك في حالة وقوع عدوان إمبريالي.
- تشكيل مجلس إضراب وطني يمكنه الحشد وشل كافة شركات رأس المال الأمريكي والوطني لوقف الإنتاج في حال وقوع عدوان.
- تشكيل لجنة وطنية مناهضة للإمبريالية يمكنها اتخاذ إجراءات في حال وقوع أي عدوان، مع ممثلين عن العمال والطلاب والفلاحين والشعوب الأصلية.
- تأميم كافة شركات رأس المال الأمريكي في حال وقوع عدوان.
وحده الشعب المنظم والمستعد للقتال حتى النهاية يمكنه وقف أي هجوم. فليس للإمبريالية حاجة إلى “استفزازات” أو ذرائع للتدخل فالضعف يجلب العدوان، ونهجنا هو ما جادل به لينين: إذا كنت تريد السلام فاستعد للحرب.
24 فبراير/شباط 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية