بمناسبة اليوم العالمي للمرأة العاملة، في 8 مارس، نعيد نشر التحليل الماركسي الذي يقدمه الرفيق فريد ويستون لأصول اضطهاد النساء وجذوره في نشوء المجتمع الطبقي. هذه المقالة نُشرت في الأصل في العدد 41 من المجلة النظرية الفصلية للأممية الشيوعية الثورية: “دفاعا عن الماركسية”.
[احصل على نسختك من مجلة “دفاعا عن الماركسية” من هنا!]ما يزال اضطهاد النساء ونشوء الأسرة كما نعرفها اليوم من القضايا المحورية التي تواجه كل من يريد النضال من أجل عالم أفضل. فما زالت أعداد هائلة من النساء يعانين من الاعتداء الجنسي والتحرش، ويعشن في بعض أنحاء العالم في ظروف أشبه بالعبودية. وتجبر ملايين الفتيات والنساء اليوم على الخضوع لختان الإناث، الذي هو من أبشع الممارسات للسيطرة على جنسانية المرأة، كما يتم المتاجرة بملايين الشابات لأغراض الاستغلال الجنسي. وما يزال العنف ضد النساء واقعا يوميا، مع استمرار ظاهرة قتل النساء بدافع الكراهية.

هذه هي وحشية المجتمع الذي نعيش فيه اليوم، ورغم بعض الإنجازات المهمة، فإننا ما نزال بعيدين كل البعد عن تحقيق المساواة الحقيقية والكاملة بين الرجال والنساء. علينا أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي: هل هذه هي الطريقة الطبيعية للتعامل بين الرجال والنساء؟ كثيرا ما يقال لنا إنها كذلك؛ وأن الأسرة “النووية” أحادية الزواج، بشخصية الأب المهيمنة والقوية، كانت موجودة دائما، وأن الرجال هم بطبيعتهم عدوانيون تجاه النساء. لكن هل هذا صحيح؟
لقد أجاب ماركس وإنجلز على هذا السؤال بالنفي القاطع. وقد طور إنجلز، على وجه الخصوص، الموقف الماركسي تجاه اضطهاد النساء في كتابه الشهير “أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة”، الذي نُشر عام 1884. وقد استند في ذلك بشكل أساسي على نص لويس هنري مورغان، “المجتمع القديم” (1877)، الذي قال فيه بأن “فكرة الأسرة قد نمت عبر مراحل تطور متتالية”، وأن الأسرة الحديثة أحادية الزواج ليست سوى “آخر أشكالها”[1]. وأوضح أن ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بتطور التقنيات والأدوات والأسلحة الجديدة، أي القوى المنتجة.
كان لمورغان من حيث الأساس منهج مادي في هذا الشأن، وكان له في البداية تأثير كبير بين علماء الأنثروبولوجيا في عصره. لكن أفكاره صارت، في نهاية المطاف، تعتبر تهديدا لاستقرار المجتمع البرجوازي، وقد اتضح ذلك بجلاء بعد أن قام إنجلز باستخدام نتائج أبحاثه لتطوير الرؤية الماركسية حول تلك المسألة.
في القرن العشرين، تعرضت أفكار مورغان وإنجلز لهجوم شرس من قبل علماء الأنثروبولوجيا المحافظين، مثل برونيسواف مالينوفسكي، الذي قال بوضوح إنه:
“إذا وصلنا إلى مرحلة التخلي عن الأسرة النووية باعتبارها العنصر المحوري في مجتمعنا، فسنواجه كارثة اجتماعية أكبر بما لا يقاس من الاضطرابات السياسية التي تسببت فيها الثورة الفرنسية والتغيرات الاقتصادية التي أحدثتها البلشفية”[2].
وفي المقابل، رفض آخرون، مثل أتباع مدرسة بواس (Boas) في الأنثروبولوجيا، فكرة المراحل التاريخية، و”الحتمية”، و”نظرية التطور”، مفضلين نهجا مثاليا ما يزال يمارس تأثيرا قويا على هذا المجال حتى اليوم.
لا شك أن مورغان كان محدودا بمستوى المعرفة العلمية المتاحة في منتصف القرن التاسع عشر، وأن بعض أفكاره لم تصمد أمام اختبار الزمن. لكن السؤال الأهم هو: ما الذي كان محقا فيه؟ وماذا يُخبرنا ذلك عن تطور الأسرة ومستقبلها المحتمل؟
لهذه الأسئلة أهمية بالغة في النضال من أجل عالم أفضل. ولا يمكن الإجابة عنها، في نهاية المطاف، إلا من خلال منهج علمي حقيقي لدراسة تاريخ جنسنا.
المنهج المادي
لقد كرّس مورغان حياته لدراسة الأشكال المبكرة للمجتمع، وبذل جهدا حقيقيا لفهم بنيتها الاجتماعية الداخلية، والعوامل التي حفّزت التغيرات في تلك البنية، على غرار ما فعله داروين في دراسة التطور البيولوجي.
شعر مورغان أنه من خلال النظر إلى المجتمعات المعاصرة آنذاك، والتي كانت في مراحل تطور مختلفة، ومقارنتها ببعضها البعض، يمكنه إعادة بناء صورة لكيفية تطور المجتمع البشري ككل. ومن خلال ذلك، وضع نظرية للتطور الاجتماعي مفادها أن المجتمعات تمر بمراحل تطور متشابهة، وأن لتلك السيرورة اتجاها، من الأشكال الأقل تطورا إلى الأشكال الأكثر تطورا.

لقد أدرك أن المؤسسات الاجتماعية تنشأ وفقا لتطورات محددة في الظروف الاجتماعية. وبذلك، استخلص، دون وعي، استنتاجات مشابهة جدا لتلك التي توصلت إليها المادية التاريخية، أي المنهج الذي طوره ماركس وإنجلز. ونجد مثالا واضحا على ذلك المنهج في قوله:
“إن الحقيقة المهمة المتمثلة في أن البشرية بدأت من أدنى السلم وارتقت تدريجيا، تتجلى بوضوح في فنونها المتعاقبة في كسب العيش. وعلى براعتها في هذا المجال، توقفت مسألة سيادة الإنسان على الأرض. فالبشر هم الكائنات الوحيدة التي يمكن القول إنها اكتسبت سيطرة مطلقة على إنتاج الغذاء؛ وهي ميزة لم تكن لديهم في البداية مقارنة بالحيوانات الأخرى. فبدون توسيع نطاق مصادر رزقهم، ما كان بإمكان البشر الانتشار إلى مناطق أخرى لا تتوفر فيها نفس أنواع الغذاء، وفي نهاية المطاف على كامل سطح الأرض؛ وأخيرا، بدون الحصول على سيطرة مطلقة على كل من تنوعها وكميتها، لم يكن بإمكانهم التكاثر ليصبحوا أمما كثيرة السكان. وبناء على ذلك، يُرجّح أن تكون الحقب العظيمة للتقدم البشري قد ارتبطت، بشكل مباشر أو غير مباشر، بتوسع مصادر الغذاء”[3].
يبرز بوضوح نهج مورغان التطوري في دراسة تطور المجتمع، والذي تحدده تطورات القوى المنتجة. لقد قسّم المجتمع إلى مراحل مختلفة: “الوحشية، والبربرية، والحضارة”، وامتدت مرحلة الوحشية على ثلاث فترات: الدنيا، والوسطى، والعليا، وكانت الدنيا هي الأقل تطورا. وأوضح أنه مع ظهور أدوات وتقنيات جديدة، كالصيد أو القوس والسهم، تنتقل البشرية من مرحلة إلى أخرى. وبالمثل، قسّم “البربرية” إلى ثلاث مراحل: الأولى مع إتقان صناعة الفخار؛ والثانية مع تعلم الإنسان تدجين الحيوانات، وزراعة المحاصيل، وتطوير أنظمة الري البدائية، وصناعة الطوب، وما إلى ذلك؛ وأخيرا إتقان استخدام المعادن، كالبرونز والحديد.
المصطلحات التي استخدمها مورغان، “الوحشية، والبربرية، والحضارة”، اكتسبت اليوم دلالات سلبية إلى حد ما، لكنه لا ينبغي لنا أن ننظر إليها بتلك الطريقة. إن ما يهمنا هنا هو جوهر المعنى، لا ما صارت تلك الكلمات تعنيه اليوم. وبالمثل، فإن تسلسل التطور الزمني الذي قدمه لم يعد يتطابق تماما مع ما توصلت إليه الأبحاث اللاحقة على مدى أكثر من 150 عاما، لكن فكرة تطور البشرية عبر مراحل تبقى صحيحة في جوهرها.
صار علماء الآثار اليوم يُقرون عموما بأن المجتمع البشري قد مر بمراحل تطور متعددة، استنادا بشكل أساسي إلى المواد المستخدمة في صناعة الأدوات، وذلك عند إطلاقهم أسماء على فترات تاريخية مثل العصر الحجري، والعصر البرونزي، والعصر الحديدي. فمن خلال تطوير الأدوات، انتقل الإنسان من القنص والالتقاط إلى الزراعة في العصر النيوليتي (أو العصر الحجري الحديث). وفي وقت لاحق، تحققت إنجازات في صناعة المعادن، أولا بالبرونز ثم بالحديد، مما أتاح ظهور الحضارات العظيمة في العالم القديم. لم تكن تلك سيرورة خطية ومتطابقة في جميع قارات العالم، بل اعتمدت جزئيا كذلك على الموارد المحلية المتاحة. ومع ذلك، فهذه هي الصورة المقبولة عموما.
هذا المنهج المادي هو ما لفت انتباه ماركس وإنجلز. وكما أوضح إنجلز عام 1884:
“لقد أعاد مورغان، بطريقته الخاصة، اكتشاف المفهوم المادي للتاريخ في أمريكا، وهو المفهوم الذي اكتشفه ماركس قبل أربعين عاما، وفي مقارنته بين البربرية والحضارة، قاده هذا المفهوم، في النقاط الرئيسية، إلى نفس استنتاجات ماركس”[4].
في الواقع، لقد درس ماركس كتاب مورغان “المجتمع القديم”، إلى جانب أعمال علماء أنثروبولوجيا آخرين من تلك الفترة، وكتب ملاحظات مستفيضة، بهدف إنتاج نص يتضمن تفسيره الخاص لأحدث نتائجهم. لسوء الحظ، توفي ماركس قبل أن يتمكن من إكمال ذلك العمل، لكن إنجلز استخدم ملاحظاته[5] لإنتاج نصه الكلاسيكي عام 1884 بعد وفاة ماركس بفترة وجيزة. ولذلك، يمكن اعتبار عمل إنجلز حول أصول الأسرة عملا مشتركا بين مؤسسي الماركسية.
زواج الأقارب والاختلاط الجنسي لدى البشر الأوائل
أكد مورغان أن المجتمع البشري القديم بدأ بما أسماه “الأسرة القرابية” (Consanguine family)، أي التزاوج بين الأقارب المقربين. ثم أوضح أنه لاحقا فقط، وعبر مراحل مختلفة، تم القضاء على التكاثر الجنسي بين الأقارب ووضعت محظورات لمنع ذلك.
عندما طرح مورغان هذه الفكرة لأول مرة، قوبلت برفض شديد، وما تزال كذلك في أوساط كثيرة. ففي النهاية تلك الممارسات غريبة جدا عن الأعراف الاجتماعية لعصرنا. ولأنها بدت غير طبيعية في زمانهم، رأى بعض علماء الاجتماع، مثل ويسترمارك، أن هناك غريزة طبيعية لتجنب التزاوج الداخلي.
مع ذلك، فقد دعمت دراسات حديثة فكرة وجود التزاوج بين الأقارب بين البشر الأوائل، مما يدل على مدى تغير مفهومنا للأسرة عبر آلاف السنين. وقد خلصت دراسة نُشرت عام 2018 إلى أن النسبة المرتفعة نسبيا للتشوهات في هياكل العصر الجليدي كانت على الأرجح ناتجة عن زواج الأقارب، وهي نظرية يدعمها انخفاض مستوى التنوع الجيني في تلك الهياكل العظمية[6].
لكن من الواضح أن ذلك لم يستمر، إذ أفادت دراسة مثيرة للاهتمام أجريت في جامعة كامبريدج أن تحليل البقايا البشرية في موقع سونغير بسيبيريا أظهر ما يلي:
“يبدو أن الإنسان القديم أدرك مخاطر زواج الأقارب منذ 34.000 عام على الأقل، وطور شبكات اجتماعية وتزاوجية متطورة بشكل مدهش لتجنبه […]”[7].
وهذا أمر بالغ الأهمية لأنه يُظهر بوضوح أن العلاقات الجنسية بين البشر قد تغيرت. ففي مرحلة معينة، تطورت الأسرة البشرية، ونشأت علاقات جديدة من العلاقات القديمة. بل إن “الشبكات الاجتماعية والتزاوجية المعقدة” قد تُمثل حتى أقدم أشكال ما سيُعرف لاحقا باسم “العشيرة”.

رأى مورغان أربع مراحل لاحقة لتطور الأسرة بناء على تحريم زواج الأقارب، حيث تم منع الذكور والإناث من التزاوج مع أفراد عشيرتهم أو “جماعتهم القرابية”. وبعبارة أخرى، فقد نشأت أنظمة تحظر التزاوج داخل جماعة معينة
افترض مورغان أن “التزاوج المختلط” كان هو السائد في ظل ذلك النظام. هل يعني هذا أن جميع رجال جماعة ما يتزوجون جميع نساء جماعة أخرى في الوقت نفسه؟ ليس بالضرورة. فقد وُجدت مجتمعات كان فيها “التزاوج المختلط” بمثابة “تحالف” بين الجماعات، حيث لا يستطيع أفراد جماعة ما اختيار شركائهم إلا من داخل الجماعة الأخرى.
لكن ما ينبغي التأكيد عليه هو الطابع غير المقيد نسبيا للعلاقات الجنسية في الفترة المبكرة من المجتمع البشري. فعلى خلاف التصور التقليدي للأسرة، لم يكن الرجال والنساء مرتبطين بشريك واحد بشكل دائم، بل كان بإمكانهم إنهاء العلاقة بحرية والبحث عن شريك آخر.
آلاف السنين من الأخلاق التي تطورت تحت ضغط المجتمع الطبقي، حيث اعتُبرت المرأة ملكية للرجل، وحيث يجب أن تكون المرأة مخلصة لرجل واحد طوال حياتها، رسخت في الوعي الجمعي فكرة أن هذا وضع طبيعي وعالمي. مع ذلك فإن العديد من الدراسات تشير إلى أن “الاختلاط الجنسي” -بمعنى حرية الأفراد في اختيار من يمارسون الجنس معه، ومتى، ولأي مدة- كانت حاضرة بوضوح في المجتمعات البشرية القديمة.
يقول إنجلز: “ما الذي يعنيه إذن الاختلاط الجنسي المتعدد؟ إنه يعني أن القيود المفروضة حاليا أو في العصور السابقة لم تكن موجودة”. لكنه يضيف أيضا: “لا يترتب على ذلك بالضرورة أن يكون الاختلاط الجنسي العشوائي ممارسة يومية. فالعلاقات الثنائية المؤقتة ليست مستبعدة بأي حال من الأحوال؛ بل إنها تشكل غالبية الحالات حتى في حالة الزواج الجماعي”[8].
ومع ذلك فإن وجود “علاقات زوجية”، أو الأزواج، في سياق العشيرة الأكبر، لا ينبغي اعتباره بمثابة “زواج” بالمعنى المتعارف عليه اليوم. وقد أكد مورغان أن “الزواج كان قائما على اقتران رجل بامرأة في إطار الزواج، لكن دون تعايش حصري […] وكان الطلاق أو الانفصال خيارا متاحا لكل من الزوج والزوجة“[9]. (التشديد من عندنا). وهذا يعني أن كلا من الرجال والنساء لم يكونوا مرتبطين ببعضهم البعض بشكل دائم كما هو الحال في الزواج كما نعرفه اليوم.
ومع ذلك فقد مهد هذا الطريق للأسرة الأحادية اللاحقة، والتي، وفقا لمورغان: “تأسست على زواج رجل واحد بامرأة واحدة، مع تعايش حصري؛ ويشكل هذا الأخير جوهر المؤسسة. إنها في المقام الأول أسرة المجتمع المتحضر، وبالتالي كانت حديثة في جوهرها”[10]. لكن ظهور هذه الأسرة الحديثة تطلب إطاحة كاملة بالنظام القائم.
النسب الأمومي
لم تكن مكانة المرأة أدنى من مكانة الرجل قبل ظهور الأسرة البطريركية أحادية الزواج، ولعل هذا الجانب كان أعظم إسهامات مورغان في فهمنا للمجتمع البشري.
لم يكن مورغان أنثروبولوجيا نظريا، بل أجرى دراسات ميدانية حقيقية وملموسة بين قبائل الإيروكوا، حيث درسهم عن كثب، وعاش بينهم لفترة. كما درس شعوبا أصلية أخرى في الأمريكتين، وجمع معلومات من مصادر عديدة عن شعوب أخرى في المراحل الأولى من التطور البشري.

لقد لاحظ أن النساء كن يحظين بين الإيروكوا بمكانة أكثر مساواة مقارنة بالعالم “المتحضر”. وقد علّق إنجلز، مستندا إلى بحثه، قائلا: “الجميع متساوون وأحرار، بمن فيهم النساء”[11]. لكن ما السبب في ذلك؟
خلص مورغان إلى أن البشر، في فترة سابقة، كانوا منظمين في عشائر أمومية، حيث كان النسب يُتتبع عبر خط الأم، وليس عبر الأسرة البطريركية (تعني حرفيا: حكم الأب) التي ظهرت لاحقا مع ظهور الملكية الخاصة والمجتمع الطبقي.
هناك جدل واسع حول ما إذا كانت “المطريركية” قد وُجدت أصلا، لكن هذا جدل زائف ومضلل. فالمطريركية تعني حكم النساء، لكن ما أبرزه مورغان هو النسب الأمومي، أي تتبع النسب عبر خط الأم في المراحل الأولى للمجتمع البشري، إذ أن غياب التزاوج الثابت أو الدائم حال دون معرفة الأب بشكل قاطع. لم يكن النسب الأمومي يعني أن الرجال لم يكن لهم دور، أو أنهم كانوا تابعين للنساء.
هناك محاولات عديدة لإنكار النسب الأمومي، وذلك لأن التاريخ المكتوب، الذي يبدأ من الألفية الرابعة قبل الميلاد، يعود إلى حضارات كانت مجتمعات بطريركية طبقية. لذا يسهل فهم مصدر الفكرة القائلة بأن “الرجال قد هيمنوا دائما على النساء”. ومع ذلك فإن الأمثلة الباقية عن المجتمعات الأمومية اليوم تقدم الدعم لنظرية مورغان.
في مقاطعتي يونان وسيتشوان الصينيتين، نجد شعب الموسو، حيث ما يزال النسب يُتتبع عبر نساء الأسرة، وتُورّث الممتلكات عبر خط الأم. ينتمي الأطفال إلى منزل أمهاتهم ويعيشون فيه. وتقع على عاتق رجال الموسو مسؤولية تربية أبناء أخواتهم وبنات أقاربهم (وهي ظاهرة وصفها مورغان في المجتمعات الأمومية التي درسها)، وهم مسؤولون عن تربية الحيوانات وصيد الأسماك، وكل ذلك يتعلمونه من أخوالهم (إخوة أمهاتهم) وكبار السن من الذكور في الأسرة.
وما يزال شعب بريبري في كوستاريكا، وشعب مينانغكاباو في غرب سومطرة، وبعض شعوب أكان في غانا، وشعب خاسي في الهند، يتتبعون النسب عبر خط الأم. ولم يكن لأي من هذه المجتمعات أي اتصال ببعضها البعض.
لقد حاول عالم الأنثروبولوجيا المؤثر، فرانز بواس، إيجاد أمثلة على التحولات من النسب الأبوي إلى النسب الأمومي لتفنيد مخطط مورغان برمته. كان يعتقد أنه وجد ذلك لدى شعب كواكيوتل على الساحل الشمالي الغربي للمحيط الهادئ في أمريكا، لكن تبين لاحقا أن ذلك مثال غير صحيح. وجد بواس أن النسب يُتتبع عبر كل من الذكور والإناث، لكنه تجاهل حقيقة أن ذلك المجتمع قد تعرض لصدمة هائلة نتيجة احتكاكه بالأوروبيين، وأن نظامه بأكمله كان ينهار تحت وطأة ذلك الضغط.
من السهل تصور كيف أن تتبع النسب ووراثة أي ممتلكات موجودة عبر السلالة الأمومية من شأنه أن يعزز مكانة النساء في المجتمع. لكن ثمة عامل مهم آخر في مجتمع ما قبل التاريخ يجب أخذه في الاعتبار: الطبيعة المساواتية للغاية لمجتمعات القنص والالتقاط بشكل عام.
الشيوعية البدائية
يجب أن نلاحظ أنه على الرغم من أن مورغان نفسه لم يكن شيوعيا، بل كان جمهوريا أمريكيا ومن الطبقة البرجوازية الميسورة يعتقد أن النظام السياسي للولايات المتحدة هو أرقى أشكال المجتمع، فإنه أشار عدة مرات في كتابه “المجتمع القديم” إلى حقيقة أن البشر القدماء عاشوا حياة أشبه بالشيوعية، أي لم تكن هناك ملكية خاصة.
كان كولن رينفرو أستاذ سابقا لعلم الآثار في جامعة كامبريدج، وعضوا سابقا في مجلس اللوردات عن حزب المحافظين بين عامي 1991 و2021، وبالتالي لا يمكن اتهامه بالتعاطف مع الشيوعية! لكنه في كتابه “ما قبل التاريخ – نشوء العقل البشري”، يذكر ما يلي:
“يبدو أن مجتمعات القنص والالتقاط المبكرة، كتلك التي عاش فيها أسلافنا في العصر الحجري القديم، كانت دائما مجتمعات قائمة على المساواة، حيث كان الأفراد يشاركون على أساس المساواة […]”[12]. (التشديد من عندي).
على ماذا استندت تلك المساواة؟ في مجتمعات القنص والالتقاط، لم يكن هناك انقسام طبقي، ولا مالكون لوسائل الإنتاج، ولا ملكية للأراضي. أما “الممتلكات” القليلة الموجودة فكانت عبارة عن أدوات وأسلحة بدائية للصيد وذبح الحيوانات وجمع الثمار، بالإضافة إلى الملابس التي كان الناس يرتدونها.
وبما أنه لم تكن هناك ملكية خاصة، أو انقسام للمجتمع إلى طبقات، فإنه لم يكن هناك مستغِلون ومستغَلون، وبالتالي لم تكن هناك أجهزة مسلحة تعلو على المجتمع. يقول مورغان:
“لم تكن الدولة موجودة. كانت حكوماتهم ديمقراطية في جوهرها، لأن المبادئ التي قامت عليها العشائر والقبائل والأحلاف القبلية (Phratry) كانت ديمقراطية”.
وفي وصفه للإيروكوا، يذكر أن: “كل أسرة مارست الشيوعية في معيشتها”[13].
إن الفكرة القائلة بأن البشر عاشوا، معظم تاريخهم، في ظل ما أسماه ماركس وإنجلز “الشيوعية البدائية”، حيث لم يكن هناك مفهوم الملكية الخاصة، فكرة غير مقبولة لدى أولئك الذين يدافعون عن أن الغني والفقير، أو المستغِل والمستغَل، كانا موجودين دائما؛ وأن التنافس الفردي الشرس في الرأسمالية الحديثة هو ببساطة جزء من “الطبيعة البشرية” وعلينا قبوله.
وكما ذكر عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي ليزلي أ. وايت في كتابه “تطور الثقافة: نشوء الحضارة حتى سقوط روما”:
“[…] لقد أصبحت نظرية الشيوعية البدائية، على ما يبدو، خطيرة للغاية، لدرجة أن أعضاء ثلاث مدارس أنثروبولوجية شعروا بضرورة دحضها. فقد هاجمها لوي، من مدرسة بواس، مرارا وتكرارا. ووصفها مالينوفسكي، أحد قادة المدرسة الوظيفية، بأنها “ربما المغالطة الأكثر تضليلا في الأنثروبولوجيا الاجتماعية”. […] وقد أشاد رجال دين كاثوليك بلوي لنقده لنظرية الشيوعية البدائية، ومن خلال ذلك، لمعارضته للعقائد الاشتراكية. […] ويبدو أنه كان هناك جهد يُبذل لجعل العالم آمنا للملكية الخاصة”[14].
لكن وعلى الرغم من كل تلك الاعتراضات، فإن هناك العديد من الدراسات التي تؤكد الطبيعة المساواتية لمجتمعات القنص والالتقاط، حيث تمتعت النساء بمكانة أعلى بكثير في المجتمع، وعوملن على قدم المساواة، لا كملكية للرجال[15].
من السمات الأساسية للبشر ميلهم إلى التعاون والمشاركة. ما كان للبشر أن يبقوا على قيد الحياة لولا ذلك. فنحن لسنا سريعين أو أقوياء بشكل خاص مقارنة بالعديد من الحيوانات الأخرى. وبصفتنا أفرادا منعزلين، في ظل الظروف السائدة آنذاك، كنا سنكون في خطر دائم من هجمات الحيوانات المفترسة الكبيرة، بينما كنا في الوقت نفسه سنجد صعوبة بالغة في الحصول على الطعام. لذا فإن ذلك التعاون لم ينبع من روح مجردة من الإيثار، بل كان ضرورة مادية. كان التعاون ضروريا ليس فقط أثناء القنص، بل أيضا أثناء الالتقاط.
القنص والالتقاط والإقامة الأمومية
يبدو أنه كان هناك تقسيما للعمل بين الجنسين في مجتمعات القنص والالتقاط في عصور ما قبل التاريخ، رغم أنه كان يختلف من مجتمع إلى آخر، ولم يكن تقسيما صارما كما هو الحال في المجتمعات الطبقية اللاحقة كالمجتمع الإغريقي.
كان الرجال يشاركون أحيانا في الالتقاط، بينما كانت النساء تساهمن في القنص، كما يتضح من الاكتشافات الحديثة لنساء في مقابر مع أسلحتهن. لكن بشكل عام، كان الرجال يميلون إلى الذهاب في رحلات القنص، بينما تميل النساء إلى جمع الثمار. ولم يكن أي منهما أقل أهمية من الآخر. بل في الواقع كانت رحلات القنص تنتهي أحيانا بعودة الرجال خاليي الوفاض، بينما كان نشاط الالتقاط يجلب دائما شيئا ما. وهكذا فإن تقسيم العمل في تلك المرحلة من تطور المجتمع البشري لا يعني تبعية المرأة للرجل.
في الواقع، كان تقسيم العمل الموجود داخل الأسرة يميل في كثير من الحالات إلى تعزيز مكانة النساء. تجادل كيت أوبي وكاميلا باور، مؤلفتي كتاب “الجدة والتحالفات النسائية – أساس للأولوية الأمومية؟”[16]، بأنه في المجتمعات التي درساها، كان عدد السعرات الحرارية اللازمة لإطعام جميع البالغين والأطفال في مجموعة ما، يتطلب تعاون النساء وقريباتهن، وخاصة الجدات، إلى جانب الرجال. وعلى سبيل المثال، تُظهر الدراسات بين شعب كونغ في صحراء كالاهاري أن “الالتقاط يساهم بنسبة 60 إلى 80 بالمائة من النظام الغذائي الكلي”[17].
والنساء اللواتي لا يستطعن الخروج للبحث عن الطعام، إما لأنهن في المراحل الأخيرة من الحمل أو لأنهن يرضعن أطفالهن حديثي الولادة، يكون حصولهن على سعراتهن الحرارية اليومية مضمونا لأن النساء الأخريات سيوفرن لهن ما تحتجنه. ومرة أخرى هذا ليس نابعا من روح إيثار مجردة، بل هو ممارسة شائعة حيث يساعد الجميع بعضهم بعضا، لأنهم يعلمون أنهم سيجدون من يلبي احتياجاتهم عندما يمرون بنفس الظروف.

وبالتالي، فإن الفكرة القائلة بأن النساء كن معتمدات بالكامل على الرجال، وبالتالي اضطرار المرأة حتى في المجتمعات البشرية القديمة للبحث عن رجل للبقاء على قيد الحياة، لا أساس لها من الصحة.
كل ذلك وفر أساسا ماديا قامت عليه المساواة بين الجنسين. كما أوضحت أوبي وباور دور النساء الأكبر سنا، اللواتي لم يعدن قادرات على الإنجاب، لكنهن يستطعن لعب دور محوري لاحقا في حياتهن في المساعدة على تربية أبناء بناتهن. وهذا ما يفسر الطبيعة الأمومية للبيت -حيث تبقى النساء بالقرب من أمهاتهن- وبالتالي الطبيعة الأمومية للمجتمع كذلك.
وتؤكدان أن:
“الأدلة المستقاة من علم الوراثة الجزيئية تشير إلى أن ميل الإناث من الأقارب إلى البقاء معا، وهو ميل فطري، استمر مع ظهور الإنسان الحديث. وتكشف الدراسات عن اختلاف في ظاهرة الحنين إلى مسقط الرأس [ميل الفرد إلى العودة إلى موطنه الأصلي أو البقاء فيه] بين المجتمعات التي تعتمد على القنص والمجتمعات التي تعتمد على الزراعة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى”[18].
وتضيفان: “كلما زاد اعتماد تلك المجتمعات على القنص، كلما قل احتمال أن تكون الإقامة عند أسرة الزوج”. وهذا يعني أن النساء في مجتمعات القنص والالتقاط يملن للبقاء ضمن مجموعة تربطهن بها صلة قرابة، كالأمهات والأخوات وبنات العمومة، بينما يأتي الرجال الذين يتزاوجن معهم من خارجها. كل هذا يؤكد بشكل قاطع ما وصفه مورغان عام 1877!
هناك، بالطبع، استثناءات لهذه القاعدة، مثل السكان الأصليين في شمال ألاسكا، حيث نجد أن “الرجال يوفرون معظم الغذاء”. فهم قناصون، وليسوا مزارعين. لكن ذلك لا يعود إلى أن الناس هناك “يعتقدون” ببساطة أن القنص أفضل، و”يختارون” عدم زراعة المحاصيل.
كما توضح مقالة أخرى أنه في “بعض المناطق القطبية وشبه القطبية، يوجد عدد قليل نسبيا من الحيوانات الصغيرة، ولا توجد أطعمة نباتية ذات أهمية غذائية تذكر، لذا تشكل الطرائد الكبيرة نسبة كبيرة جدا من إجمالي الغذاء المستهلك”[19]. وثمة سبب مادي ملموس يجعل الرجال يضطلعون بدور مهم في الحصول على الغذاء في مثل تلك الحالة وهو أن: “إمكانية جمع كميات كبيرة من الثمار أو التحول إلى الزراعة غير واردة في تلك المناطق القطبية أو شبه القطبية”[20].
إن وجود تلك “الاستثناءات” لا ينفي الصورة العامة للتطور الاجتماعي، في الأماكن التي كانت فيها الظروف مواتية لتطور الزراعة. وكما يوضح المؤلفان فإنه:
“لفهم الانتقال إلى المجتمعات الزراعية، قد تكون هذه الجماعات ذات أهمية محدودة كنموذج لمجتمعات القنص والالتقاط التي نشأت في أفريقيا وأوروبا وغيرها من المناطق التي شهدت الانتقال إلى الزراعة”[21].
من الواضح أن لهذا الأمر أهمية بالغة بالنسبة لوضع النساء في تلك المجتمعات. فلم تكن المرأة تنتقل من منزل والدها إلى منزل زوجها وتبقى هناك محاطة بأسرته الممتدة، كما هو شائع اليوم في جميع أنحاء العالم. وهذا يعني أنها كانت بشكل ملحوظ أقل اعتمادا على شريكها، بل كان شريكها يجد نفسه محاطا بأقاربها من جميع الجهات، وكان، إلى حد ما، يعتمد عليهم.
وفي بعض الحالات، كان على القناصين الذكور أن يعطوا كل قنصهم لأم شريكتهم قبل أن توزعه على أفراد الأسرة. فلا عجب إذن أن تشهد الأمثلة الباقية من تلك المجتمعات معدلا أقل للعنف ضد النساء مقارنة بمجتمعاتنا.
الملكية الخاصة واللامساواة والزواج الأحادي
بدأ هذا النمط المعيشي القائم على المساواة بالتغير مع ظهور الزراعة، فيما يُعرف بالثورة النيوليتية، قبل حوالي 12.000 عام.
أكدت الدراسات أن اللامساواة بين الجنسين عرفت تغيرا تدريجيا على مدى فترة طويلة، مع انتقال البشر من القنص والالتقاط إلى الزراعة، وخاصة زراعة المحاصيل. تشير الأدلة الأثرية من جميع أنحاء العالم إلى حدوث تغير في تقسيم العمل بين الرجال والنساء بعد تبني الزراعة. تختلف الأسباب المباشرة من مكان لآخر، لكن من الواضح أن عددا من العوامل المهمة لعبت دورا: ارتفاع معدلات المواليد، وبالتالي زيادة مسؤوليات رعاية الأطفال، وتزايد متطلبات معالجة الأغذية، وفي النهاية استخدام أدوات أثقل مثل المحراث.
توضح دراسة نشرتها شبكة أبحاث العلوم الاجتماعية عام 2012، أن:
“[…] الانتقال إلى الزراعة أدى إلى تقسيم العمل داخل الأسرة، حيث استخدم الرجل قوته البدنية في إنتاج الغذاء، وتولت المرأة مهمة رعاية الأطفال، ومعالجة وإنتاج الغذاء، وغيرها من الواجبات المتعلقة بالأسرة”.
وتضيف:
“كانت النتيجة أن دور النساء في المجتمع لم يعد يسمح لهن بالاستقلال الاقتصادي. في جوهر الأمر، أدى التحول العام في تقسيم العمل المصاحب للثورة النيوليتية إلى تقليص خيارات النساء خارج إطار الزواج، مما زاد من قوة الرجل التفاوضية داخل الأسرة، وهو ما تُرجم عبر الأجيال إلى معايير وسلوكيات شكلت المعتقدات الثقافية حول أدوار الجنسين في المجتمعات. […] وباختصار نقدم أدلة جديدة تتفق مع فرضية أن ثورة العصر النيوليتي المبكر، من خلال تأثيراتها على المعتقدات الثقافية، تُعد مصدرا للأدوار الجندرية الحديثة”[22].
وإلى جانب التحول في تقسيم العمل، يبدو أنه قد حدث أيضا تحول من السكن في الإقامة الأمومية إلى السكن في الإقامة الأبوية، مما كان له تأثير إضافي على مكانة النساء في المنزل. وقد كشفت دراسة نشرت عام 2004 في جامعة لا سابينزا في روما أن دراسة الحمض النووي للميتوكوندريا في 40 مجموعة سكانية من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أظهرت “اختلافا ملحوظا في التركيب الجيني بين السكان المنتجين للغذاء (البانتو والمتحدثين باللغات السودانية) وبين السكان الذين يعيشون على القنص والالتقاط (الأقزام، والكونغ، والهادزا)”[23]. كانت النساء في مجتمعات القنص والالتقاط ، مثل قبيلتي كونغ وهادزا، أكثر ميلا للبقاء مع أمهاتهن بعد الزواج مقارنة بالنساء في المجتمعات المنتجة للغذاء التي تعتمد على الزراعة، مما يشير إلى وجود صلة وثيقة بين الزراعة وبين الإقامة الأبوية.
من شبه المستحيل تحديد متى بالضبط تحول النسب الأمومي إلى النسب الأبوي. فقد حدث ذلك التغيير في حقبة سحيقة من الماضي غير المدون، وتطور كل مجتمع على حدة بطريقته الخاصة وسرعته الخاصة. لكن من المؤكد أن ذلك الانتقال حدث في مرحلة ما بين ظهور الزراعة ونشوء أولى المجتمعات الطبقية، قبل حوالي 5000 إلى 6000 عام، لأن جميع تلك المجتمعات كانت قائمة على الإقامة الأبوية والنسب الأبوي، وقبل كل شيء، على النظام البطريركي.
حدد مورغان مفتاح ذلك التحول الدراماتيكي في نشوء الملكية الخاصة، وشرح أنه:
“[…] كان من المحتم أن تبرز مسألة الميراث، وأن تزداد أهميتها مع ازدياد تنوع الملكية وكميتها، وأن تُفضي إلى قواعد إرث مستقرة”[24].
لم تظهر المِلكية كمِلكية خاصة على الفور، إذ كانت قواعد الإرث في البداية قائمة على الملكية المشتركة للأراضي والماشية داخل العشيرة، وهي في جوهرها الوحدات العائلية الأوسع التي شكلت أساس المجتمع حتى نشوء الدول الأولى. وهذا يعني أنه لم يكن من الممكن نقل الملكية خارج العشيرة.
في ظل نظام العشيرة الأمومي، كان الأبناء يبقون ضمن عشيرة الأم. وبالتالي فقد كانت المِلكية تُورث عبر خط نسب الأم. وهذا يعني أن أبناء الرجال لم يكونوا ضمن عشيرة آبائهم، بل ضمن عشيرة زوجاتهم. لكن وعند نقطة معينة، في مناطق مختلفة من العالم وفي أزمنة مختلفة، ومع تراكم المزيد من الممتلكات لدى الرجال، حدث تحول انتقلت بموجبه حقوق المِلكية عبر خط النسب الأبوي.

لم تنشأ اللامساواة والطبقات الاجتماعية واضطهاد النساء مباشرة مع ظهور الأشكال الأولى للزراعة والتدجين. لكن بمجرد الانتقال إلى الزراعة، تهيأت الظروف لتحقيق إنتاجية متزايدة للأرض. وكما يتضح من العديد من مواقع العصر الحجري الحديث، فقد استمرت “المشاعية” حتى مع انتقال الإنسان من حياة الترحال إلى الاستقرار. إلا أن إنتاج الفائض في نهاية المطاف جعل ظهور الطبقات الاجتماعية، وما يصاحبها من اللامساواة الاجتماعية، التي كانت النساء أول ضحاياها، مسألة وقت لا أكثر. وقد اكتملت تلك السيرورة في الفترة الممتدة من المجتمعات الزراعية المستقرة الأولى إلى ظهور الحضارات الأولى المعروفة في التاريخ.
وقد تكرر ذلك بشكل مستقل في أجزاء كثيرة من العالم، بما في ذلك بلاد ما بين النهرين (العراق حاليا)، ومصر، وأمريكا الوسطى والجنوبية، والصين، وجنوب آسيا، وأجزاء من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. لم تكن أي من تلك الحضارات نسخا طبق الأصل من الأخرى، لكنها تشابهت في العديد من السمات.
لا يمكننا أن نحدد بدقة كيفية حدوث الانتقال من النسب الأمومي إلى النسب الأبوي. مع ذلك فقد تمكن مورغان من إجراء مقابلات مع أفراد من عدة قبائل في أمريكا الشمالية، ولاحظ أن بعضهم قد انتقل مؤخرا من نظام الإرث عبر النسب الأمومي إلى الإرث عبر النسب الأبوي، وكان ذلك قد حدث مؤخرا في بعض الحالات.
وكما يقول:
“تمتلك العديد من القبائل الهندية الآن ممتلكات كبيرة من الحيوانات الأليفة والمنازل والأراضي المملوكة لأفراد، وقد شاع بينهم توريثها لأبنائهم في حياتهم لتجنب الإرث العشائري“[25]. (التشديد من عندنا).
وأوضح أنه مع ازدياد حجم الملكيات بدأت النزعة إلى توريث أبناء الرجال “تثير معارضة لنظام الإرث العشائري”، أي الإرث عبر خط النسب الأمومي. ويُعدّ هذا في الواقع مثالا حيا على الكيفية التي ربما حدث بها الانتقال من النسب الأمومي إلى النسب الأبويفي مجتمعات أخرى.
وهكذا فقد كان ظهور الملكية الخاصة العنصر الأساسي في تحديد التغير الجذري في وضع النساء، من مساويات للرجال إلى تابعات لهم. كتب مورغان: “إن الأسرة أحادية الزواج تدين بأصلها للمِلكية الخاصة”[26].
ظهر شكل جديد من أشكال المجتمع، حيث بدأ الرجال المالكون بفرض شروط غير مسبوقة على النساء. وكانت الطريقة الوحيدة لضمان إنجاب المرأة لأبناء من صلب زوجها هي فرض قواعد سلوك صارمة، مثل عزل النساء داخل المنزل، ومنعهن من مغادرة المنزل دون مرافق، والالتزام التام بالوفاء الزوجي. ويوضح مورغان هذه السيرورة على النحو التالي:
“بعد أن أصبحت المنازل والأراضي والقطعان والمواشي والسلع القابلة للتبادل كثيرة جدا، وأصبحت مملوكة ملكية فردية، أصبحت مسألة ميراثها تشغل بال الناس […]”.
ويشرح أن الأسرة صارت في نهاية المطاف “مؤسسة لإنتاج الملكية”، ويضيف:
“آنذاك حان الوقت الذي يضمن فيه الزواج الأحادي أبوة الأطفال، ويؤكد ويحافظ على حقهم الحصري في وراثة ممتلكات والدهم المتوفى”[27].
لم يقتصر مورغان، كما رأينا، على مراقبة الإيروكوا، أو على المعلومات التي تلقاها من باحثين ورحالة آخرين. بل نظر أيضا إلى مصادر أخرى، كالإغريق والرومان القدماء، وما يمكن استخلاصه من كتاباتهم المبكرة وأساطيرهم وحكاياتهم، حول بنياتهم العائلية المبكرة.
لقد وجد آثارا لنظام “العشائر” (gens) في النصوص والأساطير القديمة للرومان والإغريق، وكذلك في نظام “العشيرة” الأيرلندي والاسكتلندي والسنسكريتي، وغيرها. وهذا أمر بالغ الأهمية، إذ لم يكن لتلك الثقافات أي اتصال بقبائل السكان الأصليين في الأمريكتين التي رصدها مورغان.
كان الإغريق والرومان القدماء قد تبنوا نظام “العشائر” الذكوري، بعد انتقالهم من النظام الأنثوي السابق، ويصف مورغان كيف استمر ذلك النظام خلال الفترة المبكرة من التمدن.
نرى في المجتمع الإغريقي القديم انحدار وضع النساء في أحد أسوأ صوره. فبسبب الخوف من أن يؤدي أي اتصال مع رجال آخرين إلى ممارسة الجنس، لم يكن رجال أثينا يسمحون لزوجاتهم بالظهور في الأماكن العامة، ولم يكن يسمح للرجال من خارج الأسرة بالاختلاط بنساء المنزل. وفي روما القديمة، كان رب الأسرة (Paterfamilias) صاحب السلطة العليا، وكانت له سلطة الحياة والموت على جميع أفراد الأسرة: الزوجة والأبناء، وكذلك العبيد.
تجدر الإشارة إلى أن ذلك “الزواج الأحادي” كان في الواقع مقتصرا على النساء فقط. وإلى جانب تلك الأخلاق الجديدة المقيدة، ظهرت أشكال مختلفة من البغاء النسائي (وفي بعض الحالات البغاء الذكوري) في المجتمعات الطبقية القديمة. بل إن الدولة الأثينية نظمت البغاء، فأنشأت بيوت الدعارة.
قبل ظهور تلك المجتمعات الطبقية، كانت النساء تُبجّل وتُكرّم باعتبارهن مانحات الحياة. وتشير الملاحم اليونانية إلى آلهة ومحاربات رُفعن إلى مرتبة العبادة والاحترام. وقد عبّر روبرت غريفز في كتابه “الأساطير اليونانية” (1955) عن رأيه بأن اليونان في العصر البرونزي قد انتقلت من مجتمع “مطريركي” -أو ما نسميه اليوم مجتمعا أمومي النسب- إلى مجتمع بطريركي. ويشير إلى قصة ابتلاع زيوس لميتيس، إلهة الحكمة، والتي بعدها “ألغى الإغريق عبادتها ونسبوا كل الحكمة إلى زيوس باعتباره إلههم البطريركي”[28].
كان ذلك التراجع في مكانة المرأة في السماء انعكاسا واضحا لتراجع مكانتها على الأرض. وقد جادل ويليام ج. ديفر في كتابه “هل كانت لله زوجة؟” بأن سيرورة مماثلة حدثت في أساطير العبرانيين القدماء، الذين اعتقدوا في بداياتهم أن يهوه (إلههم) لديه زوجة، اعتبروها ملكة السماء[29].
مورغان وإنجلز حول مستقبل الأسرة
شكل ما قاله مورغان عن التطور السابق للأسرة تحديا للآراء التقليدية، لكن ما قاله عن مستقبلها كان أكثر إثارة للقلق بالنسبة للطبقة البرجوازية:
“عندما نسلم بحقيقة أن الأسرة قد مرت بأربعة أشكال متتالية، وهي الآن في شكلها خامس، يبرز السؤال مباشرة: هل يمكن لهذا الشكل أن يكون دائما في المستقبل؟ الإجابة الوحيدة التي يمكن تقديمها هي أنه يجب أن تتقدم [الأسرة] مع تقدم المجتمع، وتتغير مع تغير المجتمع، مثلما فعلت في الماضي”[30].
بينما ذهب إنجلز أبعد من ذلك حيث قال:
“[…] ما يمكننا التكهن به حاليا بشأن تنظيم العلاقات الجنسية بعد الزوال الوشيك لنمط الإنتاج الرأسمالي هو، في جوهره، ذو طابع سالب، يقتصر في الغالب على ما سيختفي. ولكن ما الذي سيظهر؟ سيتم حسم ذلك بعد أن ينشأ جيل جديد: جيل من الرجال لم يقوموا أبدا بشراء خضوع امرأة لا بالمال ولا بأي وسيلة أخرى من وسائل السلطة الاجتماعية، وجيل من النساء اللواتي لم يضطررن قط للخضوع لأي رجل لأي سبب كان سوى الحب الحقيقي، ولم يمتنعن عن وهب أنفسهن لمن يحببن خوفا من العواقب الاقتصادية. وحالما سيظهر هؤلاء الناس، فإنهم لن يكترثوا البتة لما نعتقد اليوم أنه ينبغي عليهم فعله. سوف يؤسسون ممارساتهم الخاصة بهم ورأيهم العام الخاص بهم، بناء على ممارسة كل فرد، وسيكون ذلك هو نهاية المطاف”[31].
كثيرا ما يُنتقد إنجلز باعتباره رجلا من العصر الفيكتوري، لكننا نرى في هذه الجمل القليلة أنه كان في الواقع سابقا لعصره بكثير فيما يتعلق بمسألة الأسرة وكيفية تفاعل البشر جنسيا في المستقبل.

بعد أن أصدر إنجلز كتابه ذاك، تعرفت صفوف الأممية الثانية، ولاحقا الأممية الشيوعية، على الأفكار التي طرحها حول تلك المسألة. وعندما وصل البلاشفة إلى السلطة عام 1917، شرعوا في تطبيق تلك الأفكار، وهو ما يتجلى في مختلف القوانين والإصلاحات التي تم إقرارها فيما يتعلق بالزواج وحقوق النساء ورعاية الأطفال، وغيرها.
وإلى جانب الإصلاحات السياسية، أكد كل من لينين وتروتسكي على ضرورة تحقيق مساواة اجتماعية وسياسية حقيقية، وذلك بتحرير النساء من أعباء الأشغال المنزلية ورعاية الأطفال، وغيرها من الأعباء التي ما تزال تُثقل كاهلهن بشكل غير متناسب حتى يومنا هذا.
عزلة الثورة في بلد واحد متخلف حالت دون تحقيق العديد من تلك الإصلاحات التقدمية إلا جزئيا، إذ لم تكن لدى الاتحاد السوفياتي موارد مادية كافية لدعمها. ومع ذلك فقد قدمت لنا إصلاحاتهم الجريئة لمحة عما يمكن أن يحققه مجتمع اشتراكي حقيقي. ولهذا السبب تحديدا، لا يمكن للطبقة السائدة أن تغفر للبلاشفة، ولا حتى لمورغان نفسه.
رد فعل البرجوازية تجاه مورغان وإنجلز
تجدر الإشارة هنا إلى الاختلاف الكبير في المعاملة التي تلقاها كل من داروين ومورغان. داروين بدوره لم يكن يفهم بشكل كامل كيفية حدوث التطور، وذلك لأن بعض الاكتشافات العلمية، مثل علم الوراثة، لم تكن قد تحققت بعد. لكن هذا لا ينتقص من دوره التاريخي في تطوير فهمنا بشكل كبير لكيفية تطور الحياة.
إلا أن مورغان تم التعامل معه بشكل مختلف. يمكن للبرجوازية التعايش مع فكرة التطور البيولوجي، بل إنها تحاول تحريفها لتبرير المجتمع الرأسمالي نفسه. لكنها لا تستطيع التعايش مع فكرة تقود حتما إلى استنتاج مفاده أن الرأسمالية نفسها مجرد مرحلة عابرة، محكوم عليها بالزوال.
ورغم أن مورغان لم يكن عدوا للرأسمالية، فإن اكتشافاته صارت على يد إنجلز تشير إلى اتجاه واحد: فكما تغير المجتمع في الماضي تبعا لتطور قوى الإنتاج، فإن المزيد من تطور هذه القوى سوف يمهد الطريق لزوال الرأسمالية نفسها، ومعها زوال الأسرة كما عُرفت لآلاف السنين في ظل مختلف أشكال المجتمع الطبقي. لذلك كان لا بد من تقويض أفكار مورغان وتشويه سمعتها، لأن تقويض رؤيته كان يعني أيضا تقويض آراء إنجلز والماركسيين، الذين يُنظر إليهم على أنهم يروجون لأفكار خطيرة تهدد استقرار المجتمع البرجوازي.
من الضروري بالطبع التحلي بالموضوعية عند التعامل مع مورغان وعلم الأنثروبولوجيا في عصره. فهو، على سبيل المثال، لم يُدرك مستوى التطور الذي بلغته حضارات السكان الأصليين الأكثر تقدما في الأمريكتين، كحضارة الأزتيك. كان يعتقد أنهم على نفس مستوى الإيروكوا. وحتى عندما نبهه أحد طلابه إلى خطئه، فإنه ظل متمسكا بذلك الرأي.
ومع ذلك، يبقى واضحا أن مورغان قد انفصل تماما عن النظرة الضيقة لأسلافه -بل وحتى معاصريه- وطبق، دون وعي، منهج المادية التاريخية لفهم التطور البشري المبكر. لقد قدم إسهاما كبيرا في فهمنا لكيفية تطور المجتمع البشري، وهذا ما يجب الاعتراف له به.
لكن ما يجب أن نفهمه هو أن من يهاجمون مورغان أو إنجلز لا يفعلون ذلك من منطلق الرغبة في تدقيق فهمنا استنادا إلى دراسات أحدث، وهو الأمر الذي كان إنجلز نفسه منفتحا عليه. كلا، إنهم يهاجمون منهجه العلمي، منهج المادية الديالكتيكية، ويحاولون تشويهه، كجزء من هجوم أوسع وأشمل على الماركسية.
إلى حدود منتصف القرن التاسع عشر -فترة صعود الرأسمالية- كان الاقتصاديون والمؤرخون وعلماء الحفريات وعلماء الأنثروبولوجيا البرجوازيون الأوائل ما يزالون يسعون جاهدين لاكتشاف الآليات التي تحدد تطور المجتمع. كان آدم سميث، على سبيل المثال، يصارع فكريا لكي يفهم الآليات التي تحدد كيفية عمل الرأسمالية. لكن الأمر استلزم ماركس لأجل استخلاص جميع النتائج المنطقية.
لكن وبحلول مطلع القرن العشرين، ومع بلوغ الرأسمالية حدودها وبدء عصر ركودها ودخولها في أزمة، توقفت الطبقة الرأسمالية عن لعب أي دور تقدمي حقيقي، وقد أثر ذلك أيضا على منهجها في تلك الدراسات.
أصبحت الطبقة البرجوازية الآن رجعية تماما، وتبحث عن أفكار تبرر استمرار وجودها. والسبب واضح تماما: فثروتها وامتيازاتها تعتمد على استمرار النظام الحالي، ولذلك تسعى لإثبات أنه أبدي.
كان عالم الأنثروبولوجيا الشهير، برونيسواف مالينوفسكي، شخصية بارزة في هذا الهجوم البرجوازي. وكما صرح عام 1931: “لطالما وُجدت الأسرة النووية، وقد قامت دائما على الزواج بين فردين فقط”[32].
كان مالينوفسكي يرد على الفكرة القائلة بأن الأسرة تطورت عبر الزمن، ومرت بأشكال مختلفة. وكان موقفه هو أن التحليل التاريخي للأشكال السابقة للأسرة يفتقر إلى الأدلة، وأن الأسرة كانت دائما نووية وستظل. وكما أشرنا سابقا، فقد اعتقد أن “الأسرة النووية” (والرجل على رأسها) هي “العنصر المحوري في مجتمعنا، وأن القضاء عليها سيكون “كارثة اجتماعية”.
نرى هنا كيف أن العديد من علماء الأنثروبولوجيا الذين حاولوا فهم المجتمعات السابقة، نظروا إليها من خلال عدسة المجتمع الذي وُلدوا فيه. يمكن أن يوجد في العلم ما يُسمى بالأحكام الاجتماعية المسبقة. فالعلم ليس “منبرا” محايدا للأفكار؛ بل هو ساحة معركة تعكس جميع ضغوط المجتمع الطبقي.
وعلم الأنثروبولوجيا، لكونه علما لدراسة المجتمع البشري، هو من أكثر العلوم عرضة للأحكام الاجتماعية المسبقة. فالمعتقدات الدينية والتقاليد والأخلاق والأحكام الطبقية المسبقة قد تُعمي الأنثروبولوجيين عن رؤية الحقيقة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالمعايير الجنسية، وكذلك مسألة حيازة الممتلكات.
شهد علم الأنثروبولوجيا، منذ مطلع القرن العشرين، ردة فعل متزايدة ضد أفكار مورغان. ويوضح مارفن هاريس، في كتابه “نشوء النظرية الأنثروبولوجية” (1968)، أن الأنثروبولوجيا الحديثة دخلت القرن العشرين وهي تحمل على كاهلها مهمة “نقد مخطط مورغان وتدمير المنهج الذي بُني عليه“[33]. (التشديد من عندنا).
ما هو المنهج الذي سعوا إلى تدميره؟ يوضح هاريس أن: “علماء الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر كانوا يعتقدون أن الظواهر الاجتماعية والثقافية تخضع لمبادئ قانونية قابلة للاكتشاف”. أما في القرن العشرين فقد ساد اعتقاد واسع الانتشار بأن الأنثروبولوجيا لا يمكنها أبدا اكتشاف أصول المؤسسات أو تفسير أسبابها”[34].
كان هذا بمثابة رفض للمنهج العلمي والمادي في الدراسات الأنثروبولوجية، واتجاها نحو مناهج غير علمية ومثالية. وهو ما أدى إلى ظهور:
“رؤية للثقافة تُبالغ في جميع العناصر الخيالية وغير العقلانية والغامضة في الحياة البشرية، استنادا إلى أدلة إثنوغرافية جزئية أو غير صحيحة أو مُفسَّرة بشكل خاطئ. وبسبب انبهارهم بتنوع الأنماط، سعى علماء الأنثروبولوجيا إلى البحث عن أحداث متباينة وغير قابلة للمقارنة. شددوا على المعنى الباطني والذاتي للتجربة، متجاهلين الآثار والعلاقات الموضوعية. وأنكروا الحتمية التاريخية بشكل عام، وقبل كل شيء، أنكروا حتمية الظروف المادية للحياة”[35].
رفض هذا المنهج المثالي المنهج المادي التطوري، ورفض معه فكرة إمكانية وضع رؤية تاريخية شاملة وطويلة الأمد لتطور المجتمع. كما رفض الفكرة القائلة بإمكانية وجود قوانين لتطور المجتمع، وأكد في المقابل على ضرورة النظر إلى كل ثقافة على حدة باعتبارها فريدة من نوعها، دون أي ترتيب محدد لتطورها. وكان فرانز بواس (1858-1942) رائدا في هذا التوجه، بنظريته عن “الخصوصية التاريخية”.

كان هذا، في الواقع، بمثابة استباق لفكر ما بعد الحداثة، الذي شهد تحول عدد من اليساريين المحبطين، وحتى “الماركسيين”، عن النظرة العلمية المادية، نحو إنكار ليس فقط قوانين التطور، بل إنكار التطور نفسه.
كان هناك علماء أنثروبولوجيا عارضوا هذا التوجه، مثل ليزلي أ. وايت ومارفن هاريس، الذين قاوموا، كل على طريقته، الانجراف نحو المثالية، وحافظوا على منهج مادي. لكن وكما علق هاريس، عام 1999، في كتابه “نظريات الثقافة في أزمنة ما بعد الحداثة”، فإنه: “لا بد لي من الاعتراف بأن التحول الذي شهدته النظرية -بعيدا عن المناهج الإجرائية ذات التوجه العلمي نحو أفكار “اللاقواعد” الما بعد حداثية- كان له تأثير أكبر بكثير مما كنت أتصوره وأنا أستشرف المستقبل منذ نهاية الستينيات”[36]. لم يكن ذلك التحول محض صدفة.
مع المناهج البواسية، وما تلاها من مناهج ما بعد الحداثة، لم يتبق لنا سوى كم هائل من دراسات الحالة الفردية، وحقائق معزولة، غير مترابطة، دون أي محاولة لإثبات علاقة سببية، وصولا إلى استنتاج نهائي مفاده أن الواقع غير قابل للمعرفة.
كان من بين الانتقادات التي وجهتها المدرسة البواسية إلى مورغان، وإلى جميع علماء التطور الاجتماعي في تلك الفترة، هو أنه كانت لديهم نظرة جامدة إلى كيفية تطور الثقافات الإنسانية، وفرضهم لنموذج كان لا بد من إخضاع جميع الثقافات المحلية له.
صحيح أن المجتمعات البشرية لم تتطور جميعها بنفس الطريقة تماما، ولم تتبع كل مرحلة وفقا لخطة مسبقة. هل يمكننا إنكار اختلاف وتيرة واتجاهات التطور باختلاف الظروف الجغرافية والمناخية؟ سيكون هذا منافيا للمنطق وغير علمي. فعلى سبيل المثال ثبت وجود حالات لعودة حضارات كانت قد بدأت بأشكال أولية من الزراعة إلى القنص. لماذا حدث ذلك؟ لأن الزراعة، في ظل الظروف السائدة، أثبتت أنها أقل إنتاجية، أو لأن التغيرات المناخية أجبرت تلك الجماعات البشرية على النزوح. كان هناك سبب مادي ملموس لذلك التحول إلى ما يمكن اعتباره شكلا أقل تطورا من أشكال المعيشة.
وإذا ما نحن طبقنا هذا على الأسرة، فسوف نرى أنه على الرغم من تبني بعض المجتمعات للزراعة وتدجين الحيوانات، فإن بعض المواقع الأثرية من العصر الحجري الحديث تُشير إلى استمرار المساواة بين الجنسين، وذلك لفترات طويلة جدا. ويمكننا أيضا أن نصادف مجتمعات للقنص والالتقاط حيث برز اضطهاد النساء تحت تأثير أشكال لاحقة من المجتمع، حيث كان هناك تواصل مع مجتمعات المزارعين، وهو مثال واضح على قانون التطور المركب وغير المتكافئ.
ومع ذلك فإن هذا لا ينفي وجود قوانين ومراحل واضحة للتطور الاجتماعي. الفكرة الأساسية هي أن السيرورة العامة اتجهت في اتجاه واحد، وذلك لأسباب مادية مفهومة. لم يشهد أي مجتمع طبقي مستوى المساواة الذي لوحظ في مجتمعات القنص والالتقاط، قديمها وحديثها.
إن النظرة الموضوعية لتطور المجتمع، وملاحظة الحقائق المتاحة، تُظهر أن التطور الاجتماعي قد اتخذ مسارات مختلفة قليلا، تبعا للظروف المحلية. لكن الاعتراف بذلك شيء، واستنتاج عدم وجود قوانين واضحة للتطور الاجتماعي شيء آخر مختلف تماما.
لم يكن بواس بأي حال من الأحوال عالم الأنثروبولوجيا الوحيد الذي تبنى تلك النظرة، فقد تبنى آخرون بعده نهجا مثاليا مماثلا. وما يمكننا قوله هو أن منهجهم، بغض النظر عن نواياهم، يُناسب بشكل كامل مصالح الطبقة الرأسمالية اليوم. فبدلا من استخدام لغة مالينوفسكي الرجعية الصريحة، يمكنهم الاختباء وراء فلسفة تقدم نفسها على أنها تقدمية، بينما هي في الواقع رجعية للغاية.
الحاجة إلى فهم نظري
في الختام يمكننا أن نطرح السؤال التالي: لماذا يعتبر كل هذا مهما؟ لماذا ندافع عن جوهر الأفكار التي وضعها مورغان وإنجلز حول التطور الاجتماعي وما يرتبط به من فكرة أن الأسرة تطورت؟ الجواب هو أن الفهم النظري ضروري في النضال من أجل القضاء على الاضطهاد.
هذا النقاش ليس مجرد نقاش أكاديمي. فالصراع بين المادية والمثالية في شتى مناحي الحياة هو صراع بين التقدم والرجعية، إنه في الواقع جزء من الصراع الطبقي.
إذا قبلنا بالنظرة المثالية والمناهضة للمادية التي هيمنت على علم الأنثروبولوجيا خلال القرن العشرين -وما تزال سائدة حتى اليوم- فإننا سنفتقر إلى فهم حقيقي لكيف تغير المجتمع ولماذا تغير، وكيف ولماذا تغيرت الأسرة، وبالتالي كيف ولماذا يمكن أن تتغير مرة أخرى في المستقبل. ولن يبقى لدينا سوى الاعتقاد بأن عقول الأفراد هي التي حددت تلك التغيرات، وليس الظروف المتغيرة هي التي حددت التغيرات التي عرفها الفكر.
شكل الابتعاد عن النظرة المادية والتطورية في علم الأنثروبولوجيا خطوة إلى الوراء، إذ لم يترك مجالا لفهم علمي حقيقي لكيفية تطور المجتمع البشري من مراحله الأولى، مرورا بأشكاله المختلفة وصولا إلى المجتمع الصناعي المعاصر.
ويُفضي بنا هذا إلى فكرة أنه لا جدوى من النضال من أجل إحداث تغيير جذري في بنية المجتمع، بل يجب علينا العمل على الأفراد الذين يشكلون هذا المجتمع. وهذا بدوره لا يترك لنا سبيلا ملموسا لتغيير الظروف المادية. هذا يعني، في حالة النضال من أجل حقوق النساء -وغيرهن من الفئات المضطهَدة في المجتمع- أن الصراع الطبقي لا دور له. يصبح كل شيء صراعا حول الكلمات والمعاني. وإذا سارت الحركة في هذا الطريق، سينتهي بها المطاف إلى طريق مسدود.
المطلوب هو العودة إلى فكرة أن هناك اتجاها لتطور المجتمع، وأن مراحل التطور المختلفة أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم، وأن المرحلة الحالية، مرحلة المجتمع الرأسمالي، ليست سوى تمهيد لمرحلة أعلى، مرحلة الاشتراكية، التي يجب النضال من أجلها.
مستقبل الأسرة
بالنسبة لأولئك الذين ينكرون تطور الأسرة عبر أشكال متعددة، يمكننا الإشارة إلى حقيقة أنه على الرغم من حرص شخصيات مثل مالينوفسكي، فمن الواضح تماما أن الأسرة قد شهدت تغيرات كبيرة حتى خلال الفترة القصيرة نسبيا التي تفصلنا عن أيام مورغان وإنجلز.

لقد شهدنا ذلك بأم أعيننا. فما يقرب من 50% من الزيجات في الولايات المتحدة اليوم تنتهي بالطلاق أو الانفصال، بينما تبلغ النسبة في المملكة المتحدة حوالي %42. وتشير التقديرات الحديثة أيضا إلى أن حوالي 40% من الولادات في الولايات المتحدة تحدث خارج إطار الزواج[37].
أصبح الزواج، في العديد من بلدان العالم، أقل شيوعا، ولا يتزوج الناس إلا في سن متأخرة، وهناك “انفصال” بين الأبوة والأمومة وبين الزواج. أو كما ورد في إحدى المقالات فقد: “شهدت مؤسسة الزواج خلال العقود الأخيرة تغيرات تفوق ما شهدته في آلاف السنين السابقة”[38].
وقد نتجت تلك التغيرات عن عدة عوامل، أهمها التدفق الهائل للنساء إلى سوق العمل، مما منحهن قدرا أكبر من الاستقلالية.
مع ذلك فإنه ما تزال هناك فجوة كبيرة في الأجور بين الجنسين. وعلى الرغم من التقدم المحرز، لا سيما منذ سبعينيات القرن الماضي، فإن غالبية النساء لا يتمتعن بالاستقلال الاقتصادي الكامل بسبب استمرار اللامساواة والفقر وسياسات التقشف. إلا أن النساء لم يعدن يعتمدن على الرجال كما كنّ في الماضي -على الأقل في البلدان الصناعية المتقدمة- ومع هذا الاستقلال المالي المتزايد، ازدادت مطالبة النساء بالمساواة في القوانين وفي الظروف الاجتماعية.
لذا يمكننا طرح سؤال آخر: إذا كان التغيير المذكور أعلاه قد حدث في الأسرة خلال السبعين عاما الماضية، فلماذا لم تحدث تغييرات أكبر على مدى عشرات آلاف السنين، ولماذا لا يمكن أن يحدث تغيير نحو التقدم في المستقبل؟
ومع ذلك فإنه من الواضح أن اضطهاد النساء لن يزول بطريقة سلمية في ظل الرأسمالية. فبالإضافة إلى العوائق المادية التي تواجهها النساء، ما تزال تراكمات آلاف السنين من المجتمع الطبقي والثقافة وأيديولوجية كراهية النساء تُحدد، بدرجة أو بأخرى، نظرة ملايير البشر اليوم. لقد تراكمت الأحكام المسبقة والأخلاق الطبقية فوق بعضها البعض، وتعززت في ظل الرأسمالية.
كثيرا ما يُقال إن الرأسمالية هي أصل اضطهاد النساء. لكن هذا خطأ. هذا تبسيط مفرط للمسألة. فكما رأينا، بدأت هيمنة الذكور على النساء منذ آلاف السنين مع ظهور أولى أشكال المجتمع الطبقي. لكن الحقيقة هي أن ثقافة كراهية النساء ما تزال تزدهر في ظل الرأسمالية، وتستغلها الطبقة السائدة بنشاط عندما يتعرض موقعها للتهديد، كما نرى اليوم.
كل ما يمكن استخدامه لتقسيم الطبقة العاملة يُعد مفيدا بالنسبة للرأسماليين. فالعنصرية، وكراهية المثليين، وكراهية المتحولين جنسيا، والانقسامات الدينية والاثنية، كلها أدوات فعالة في تأليب فئة من العمال ضد أخرى. وهذا سبب قوي لماذا يتم اعتبار الأسرة النووية كإحدى “أركان الحضارة”، وستبقى كذلك في ظل الرأسمالية.
لن يتحقق التحرر الحقيقي والنهائي للنساء إلا بإزالة المجتمع الطبقي نهائيا. وكما قال ماركس وإنجلز فإن: “الثورة هي القوة الدافعة للتاريخ”[39]. ومهمتنا اليوم هي النضال من أجل إسقاط النظام الرأسمالي القمعي الحالي، الذي استنفذ دوره التاريخي.
بمجرد زوال كل التناقضات الناجمة عن هذا المجتمع، وتحرر قوى الإنتاج من قيود دافع الربح ووضعها تحت سيطرة من ينتجون الثروة، أي الطبقة العاملة، ستشهد الظروف المادية تغيرا جذريا، ومع هذا التغيير الجذري، سيصير من شأن الأجيال القادمة أن تقرر كيفية تدبير العلاقات مع بعضهم البعض. وسوف تتحرر العلاقات بين البشر أخيرا من الحاجة المادية ومن الأخلاق المشوهة التي يفرضها المجتمع الطبقي.
6 مارس/آذار 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
The fall of woman: property, oppression and the family
الهوامش:
[1] L H Morgan, Ancient Society, Bharati, 1947, pg 498
[2] M F A Montagu (ed.), Marriage, Past and Present – A Debate Between Robert Briffault and Bronislaw Malinowski, Extending Horizons, 1956, pg 76
[3] L H Morgan, Ancient Society, Bharati, 1947, pg 19
[4] F Engels, The Origin of the Family, Private Property and the State, Wellred Books, 2020, pg xxvii
[5] L Krader (ed.), The Ethnological Notebooks of Karl Marx, Van Gorcum & Comp. B.V., 1974
[6] E Trinkaus, “An abundance of developmental anomalies and abnormalities in Pleistocene people” in PNAS, Vol. 115, No. 47, 2018
[7] “Prehistoric humans are likely to have formed mating networks to avoid inbreeding”, University of Cambridge, 5 October 2017
[8] F Engels, The Origin of the Family, Private Property and the State, Wellred Books, 2020, pg 16
[9] L H Morgan, Ancient Society, Bharati, 1947, pg 28
[10] ibid.
[11] F Engels, The Origin of the Family, Private Property and the State, Wellred Books, 2020, pg 78
[12] C Renfrew, Prehistory – The making of the Human Mind, Modern Library, 2007, pg 135
[13] L H Morgan, Ancient Society, Bharati, 1947, pg 66, 69
[14] L A White, The Evolution of Culture, The Development of Civilization to the Fall of Rome, McGraw-Hill, 1959, pg 256
[15] H Devlin, “Early men and women were equal, say scientists”, The Guardian, 14 May 2015
[16] K Opie, C Power, “Grandmothering and Female Coalitions: A Basis for Matrilineal Priority?” in Early Human Kinship, From Sex to Social Reproduction, Wiley, 2008, pg 168-186
[17] C W Hansen et al., “Modern Gender Roles and Agricultural History: The Neolithic Inheritance” in Journal of Economic Growth, Vol. 20, 2015, pg 7-8
[18] K Opie, C Power, “Grandmothering and Female Coalitions: A Basis for Matrilineal Priority?” in Early Human Kinship, From Sex to Social Reproduction, Wiley, 2008, pg 185
[19] S L Kuhn, M C Stiner, “What’s a Mother To Do? The Division of Labor among Neandertals and Modern Humans in Eurasia” in Current Anthropology, Vol. 46, No. 6, 2006, pg 995
[20] C W Hansen et al., “Modern Gender Roles and Agricultural History: The Neolithic Inheritance” in Journal of Economic Growth, Vol. 20, 2015, pg 9
[21] ibid.
[22] ibid. pg 3-5
[23] G Destro-Bisol et al., “Variation of Female and Male Lineages in Sub-Saharan Populations: the Importance of Sociocultural Factors” in Molecular Biology and Evolution, Vol. 21, No. 9, 2004, pg 1673
[24] L H Morgan, Ancient Society, Bharati, 1947, pg 74
[25] ibid., pg 168
[26] ibid., pg 398
[27] ibid., pg 554
[28] R Graves, The Greek Myths, Penguin Books, 1972, pg 20
[29] William G. Dever’s Did God have a Wife?, 2005
[30] L H Morgan, Ancient Society, Bharati, 1947, pg 449
[31] F Engels, The Origin of the Family, Private Property and the State, Wellred Books, 2020, pg 63
[32] M F A Montagu (ed.), Marriage, Past and Present – A Debate Between Robert Briffault and Bronislaw Malinowski, Extending Horizons, 1956, pg 41.
[33] M Harris, The Rise of Anthropological Theory, Thomas Y Cromwell, 1968, pg 249
[34] ibid., pg 1
[35] ibid., pg 2
[36] M Harris, Theories of Culture in Postmodern Times, Altamira, 1999, pg 13
[37] E Wildsmith et al., “Dramatic increase in the proportion of births outside of marriage in the United States from 1990 to 2016”, Child Trends, 8 August 2018
[38] E Ortiz-Ospina, M Roser, “Marriages and Divorces”, Our World in Data, 2020
[39] K Marx, F Engels, The German Ideology, Prometheus Books, 1998, pg 61
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية