يوافق يوم الأحد، 8 مارس/آذار، اليوم العالمي للمرأة العاملة. ولإحياء هذه المناسبة، تتناول الرفيقة لوتا أنجانتير كتابات سيلفيا فيديريتشي، التي توصف بأنها “نسوية ماركسية”، مع إبراز التباين بين أفكارها والمنهج الشيوعي في النضال ضد اضطهاد النساء.
تمتلك الحركة الشيوعية إرثا تفخر به في مضمار النضال ضد الاضطهاد، حيث ربطته بالنضال ضد المجتمع الطبقي ذاته. وهذا هو التقليد الذي قام عليه اليوم العالمي للمرأة العاملة عندما اقتُرح لأول مرة عام 1910.

بيد أن الموقف الماركسي من الاضطهاد يتعرض للهجوم أحيان كثيرة، ومن بين أولئك الذين يهاجمون الماركسية سيلفيا فيديريتشي. يتناول هذا المقال النقاط الرئيسية التي طرحتها فيديريتشي حول النساء والدور الذي يلعبنه داخل الأسرة في ظل الرأسمالية، كما يدافع عن الإرث الثوري الحقيقي للماركسية وموقفها من قضية النساء.
الشيوعية والاضطهاد
“الحياة جميلة. فلتطهرها الأجيال القادمة من كل شر واضطهاد وعنف، وليستمتعوا بها على أكمل وجه.”
– ليون تروتسكي
تجسد كلمات تروتسكي هذه جوهر ما يناضل الشيوعيون من أجله. فبالنسبة لنا، لم يكن النضال ضد الاضطهاد يوما مسألة ثانوية.
لقد قدم ماركس وإنجلز تفسيرا علميا لاضطهاد النساء، حيث تتبعا جذوره التي تعود إلى ظهور الملكية الخاصة والانقسامات الطبقية. وبينا أن السبيل لتحرير النساء من التبعية للرجال يمر عبر النضال ضد المجتمع الطبقي ذاته.
وكانت الاشتراكية كلارا زيتكين هي من اقترح اليوم العالمي للمرأة العاملة عام 1910. وكان الهدف من ذلك هو ربط النضال من أجل حق الاقتراع والحقوق الديمقراطية بالنضال ضد الرأسمالية نفسها.
إننا ننحدر من تقاليد البلشفية والثورة الروسية، التي بدأت عندما خرجت النساء في مصانع النسيج في بتروغراد في إضراب بمناسبة اليوم العالمي للمرأة العاملة.
لقد أرست الدولة السوفيتية أسس المساواة القانونية الكاملة والأجر المتساوي والحق في الإجهاض والطلاق. كما هدفت إلى توفير بديل للعمل المنزلي الخاص عبر إضفاء الطابع الاجتماعي على رعاية الأطفال وإنشاء المطابخ الجماعية والخدمات العامة.
وعلى الرغم من أن الحرب الأهلية والتخلف الاقتصادي والعزلة حالوا دون تحقيق هذه الخطط بشكل كامل، إلا أن الثورة أظهرت ما هو ممكن بمجرد الإطاحة بالرأسمالية.
كليبان والساحرة
رغم هذا السجل الحافل الذي نفخر به، فمن الشائع سماع هجمات على الشيوعيين والموقف الماركسي من الاضطهاد، بما في ذلك ادعاءات بأن الماركسيين “اختزاليون طبقيون” يعتبرون النضال من أجل تحرر النساء مسألة ثانوية.
تعد سيلفيا فيديريتشي من بين أبرز هؤلاء النقاد، حيث تجادل بأن الماركسية تفشل في تفسير اضطهاد النساء بشكل كافٍ، وتتجاهل العمل الإنجابي للمرأة.
وفي عملها الأكثر شهرة، “كليبان والساحرة”، تقول فيديريتشي أن الماركسيين لا يقدمون تفسيرا مرضيا لجذور الاستغلال الاجتماعي والاقتصادي للنساء في ظل الرأسمالية. ووفقا لرأيها، فإن الرأسمالية أبرزت الأدوار الجندرية وعمقت تقسيم العمل بين الجنسين.
يركز كتاب “كليبان والساحرة” على مرحلة الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، حيث تتناول نظرية ماركس حول التراكم الأولي: وهي السيرورة التاريخية التي تضمنت الخلق القسري للعمال الأحرار (أي البروليتاريين، على عكس الأقنان المرتبطين بالأرض)، وهو شرط ضروري للإنتاج الرأسمالي.
وبحسب فيديريتشي، فإن ماركس فحص هذه السيرورة فقط من وجهة نظر رجال البروليتاريا المأجورة وتطور إنتاج السلع. أما هي، فتنظر في المقابل إلى التأثير الذي أحدثته تلك السيرورة على النساء، وموقعهن في المجتمع، وإنتاج قوة العمل.
تزعم فيديريتشي أن إدخال الرأسمالية خلق نظاما بطريركا جديدا، يقوم على استبعاد النساء من العمل المأجور وإخضاعهن للرجال، محولا إياهن إلى آلات لإعادة إنتاج قوة العمل.
ولإرساء هذا النظام الجديد، استخدمت الطبقة السائدة “مطاردة الساحرات” لتطويع أجساد النساء، وهو ما جادلت فيديريتشي بأنه كان بذات أهمية الاستعمار ومصادرة أراضي الفلاحين الأوروبيين لتطور الرأسمالية.
هل تجاهل ماركس النساء؟
إن ادعاء فيديريتشي بأن ماركس وإنجلز قد تجاهلا العمل الإنجابي للمرأة هو ببساطة ادعاء باطل. ففي العديد من كتاباتهما أوضحا أن انخراط النساء في القوى العاملة كان له تأثير مباشر على الأسرة.
في كتاب “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة“، شرح إنجلز أنه خلال المجتمع العبودي في اليونان القديمة أصبحت الأسرة الأحادية هي الوحدة الاقتصادية للمجتمع، وصارت الزوجة “كبيرة الخدم”، مستبعدة من أي مشاركة في الإنتاج الاجتماعي.
ولم يُفتح باب الانخراط في الإنتاج الاجتماعي أمام النساء البروليتاريات إلا مع ظهور الصناعة الحديثة واسعة النطاق.
ومع ذلك، إذا ظلت المرأة مقيدة بالمنزل فإنها تبقى مستبعدة من الإنتاج العام وغير قادرة على كسب المال. أما إذا انضمت إلى القوى العاملة فإن الواجبات العائلية لا بد أن تتضرر.
أوضح إنجلز أن “الأسرة الفردية الحديثة قائمة على العبودية المنزلية للزوجة، سواء كانت ظاهرة أو مستترة”، وأن “المجتمع الحديث هو كتلة تتألف من هذه الأسر الفردية باعتبارها جزيئاته”.
وقد جادل إنجلز بأن تحرر النساء يتطلب إلغاء الأسرة بصفتها وحدة اقتصادية عبر إضفاء الطابع الاجتماعي على العمل المنزلي: من خلال توفير رعاية الأطفال والمغاسل والمطاعم العامة بصفتها خدمات عامة.
في المقابل، تطالب فيديريتشي بـ”أجور مقابل العمل المنزلي”، جازمة بأن هذا من شأنه أن يجعل العمل المنزلي يُعامل بصفته “عملا حقيقيا”.
إن فيديريتشي تسيء فهم كيفية عمل الرأسمالية ودور الأسرة بداخلها. فجزء مما يحدد أجر العامل، مثله مثل أي سلعة أخرى، هو وقت العمل اللازم لإنتاج وإعادة إنتاج قوة العمل.
أوضح ماركس أن “قيمة قوة العمل لا تتحدد فقط بوقت العمل اللازم لإعالة العامل البالغ، بل أيضا بالوقت اللازم لإعالة أسرته”.
من مصلحة الرأسماليين استغلال العمال إلى أقصى حد ممكن. فلو تمكنوا من دفع قرشا واحدا للعمال مقابل قوة عملهم لفعلوا ذلك، لكن المشكلة تكمن في أن العمال لن يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة – فضلا عن إعادة إنتاج أنفسهم – بمثل هذا الأجر.
لا تتحدد الأجور بشكل ميكانيكي بل تتأثر بالصراع الطبقي. فإذا تصاعد الاستياء بسبب تدهور الظروف والأجور سيواجه الرأسماليون خطر التصادم مع عمالهم.
لذلك، يدفع الرأسماليون أقل قدر ممكن، وهو ما يعادل ما هو ضروري لإعادة إنتاج الطبقة العاملة، أي لكي يتمكن العمال من إعالة أسرهم. ومن ثم، فمن الخطأ الادعاء بأن العمل المنزلي هو ببساطة “غير مدفوع الأجر”.
إن المطالبة بأجور مقابل العمل المنزلي من شأنها أن تكرس عزلة النساء داخل المنزل بشكل أكبر. وإذا قامت الدولة بتقديم إعانات لتعويض النساء عن العمل المنزلي فإن ذلك سيعزز فكرة أن العمل المنزلي هو مسؤولية المرأة بطبيعتها.
علاوة على ذلك، فإن تكلفة إعادة إنتاج العمل ستغطيها الدولة التي تُمول بشكل أساسي من ضرائب العمال. ومع مرور الوقت، سيقوم الرأسماليون بخفض الأجور نتيجة لذلك، لأن الدولة ستكون فعليا بصدد تكملة أجور عائلات الطبقة العاملة.
إن الشيوعيين يؤيدون بقوة الاستقلال الاقتصادي للنساء. ولكن بدلا من رفع شعارات تعزل النساء في المنزل يطالب الشيوعيون بأجور أعلى ومتساوية وظروف عمل أفضل.
نحن نناضل من أجل التعليم المجاني ورعاية الأطفال والرعاية الاجتماعية والخدمات الصحية، كما من أجل سكن أفضل وبأسعار معقولة: وهي مطالب من شأنها أن تحسن وضع النساء ماديا وتجعلهن أقل اعتمادا على الرجال اقتصاديا.
عصر التنوير ومطاردة الساحرات
تشكك فيديريتشي، باعتبارها ما بعد حداثية حقيقية، في الطابع التقدمي لعصر النهضة وعصر التنوير.
ترى فيديريتشي أن هذه العصور مثلت تحولا من نموذج “عضوي”، متجذر في الروحانية والمعتقدات الأرواحية، إلى رؤية ميكانيكية للعالم شرعنت استغلال النساء والطبيعة.
وتزعم أن بزوغ الدولة البرجوازية كان بحاجة إلى محاربة المعتقدات والممارسات السابقة للرأسمالية، وتجادل بأن عصر العقل كان بمثابة تبرير لتطويع أجساد النساء والقوى العاملة.
تجادل فيديريتشي قائلة:
“كان لا بد للجسد أن يموت لكي تحيا قوة العمل. إن ما مات هو مفهوم الجسد بوصفه وعاء للقوة السحرية، وهو المفهوم الذي ساد في عالم العصور الوسطى. في الواقع، لقد تم تدميره. ففي خلفية الفلسفة الجديدة نجد مبادرة واسعة من جانب الدولة، حيث وُصم ما صنفه الفلاسفة على أنه «غير عقلاني» بأنه جريمة. كان تدخل الدولة هذا «نصا فرعيا» ضروريا للفلسفة الميكانيكية. فلا يمكن لـ«المعرفة» أن تصبح «سلطة» إلا إذا كانت قادرة على فرض وصفاتها. وهذا يعني أن الجسد الميكانيكي، الجسد الآلة، لم يكن ليصبح نموذجا للسلوك الاجتماعي دون تدمير الدولة لمجموعة واسعة من المعتقدات والممارسات والذوات الاجتماعية السابقة للرأسمالية، والتي تناقض وجودها مع قواعد السلوك البدني التي وعدت بها الفلسفة الميكانيكية. وهذا هو السبب في أننا نجد، في ذروة «عصر العقل» – عصر الشك والريبية المنهجية –، هجوما شرسا على الجسد، مدعوما بقوة من طرف كثيرين ممن اعتنقوا العقيدة الجديدة.”
وتتابع قائلة:
“هكذا يجب أن نقرأ الهجوم على السحر وعلى الرؤية السحرية للعالم التي استمرت في السيادة على المستوى الشعبي طوال العصور الوسطى، رغم جهود الكنيسة.”
تصف فيديريتشي مطاردة الساحرات بأنها إبادة جماعية ضد النساء، وبمثابة أداة لكسر قوتهن الاجتماعية، وتدمير المعرفة المشاعية، وفرض معايير جندرية جديدة عبر الإرهاب.
وهي تعتقد أنه لا يوجد شيء تقدمي في تطور الرأسمالية.
تكمن المشكلة في حجتها في أن مطاردة الساحرات بدأت قبل عصر التنوير بفترة طويلة. فقد حدثت مطاردة الساحرات خلال فترة انحلال الإقطاع، حيث وقعت المرحلة الأكثر نشاطا للمحاكمات في أوروبا بين عامي 1560 و1630.
لقد كانت الدولة، التي كانت متشابكة بعمق مع الكنيسة – وهي ركيزة أساسية للطبقة السائدة في ظل الإقطاع –، بحاجة إلى ترسيخ حكمها خلال فترة من الاضطرابات والأزمات. ولا تشير فيديريتشي إلى أن العديد من الفلاسفة البرجوازيين الثوريين خلال عصر النهضة وعصر التنوير كانوا هم أنفسهم مستهدفين من الكنيسة والدولة، لأنهم انتقدوا سلطة الكنيسة وكانت أفكارهم تتناقض مع ما ورد في الكتاب المقدس.
وفي واقع الأمر، فإن عمليات مطاردة الساحرات بدأت في الانحسار خلال فترة عصر التنوير، بدء من حوالي عام 1680، حيث بدأ ترسيخ حكم البرجوازية.
التقدم في التاريخ
تنتقد فيديريتشي ماركس لإقراره أن التطور الرأسمالي كان ضروريا تاريخيا لتهيئة الظروف للتحرر الإنساني، وقالت أن ماركس ما كان ليطرح مثل هذا الادعاء لو أنه فحص التاريخ من وجهة نظر النساء.
ونقتبس هنا عن فيديريتشي مباشرة:
“لذلك لا يمكننا أن نقرن التراكم الرأسمالي بتحرر العمال، نساء ورجالا، مثلما فعل كثير من الماركسيين (وغيرهم)، أو نرى في بزوغ الرأسمالية لحظة تقدم تاريخي. بل على العكس من ذلك، فقد خلقت الرأسمالية أشكالا من العبودية أكثر وحشية وخبثا، إذ زرعت في جسد البروليتاريا انقسامات عميقة عملت على تكثيف الاستغلال وإخفائه. وبسبب هذه الانقسامات المفروضة إلى حد كبير – لا سيما تلك القائمة بين النساء والرجال – يستمر التراكم الرأسمالي في تدمير الحياة في كل ركن من أركان الكوكب”.
بالطبع، يقوم المجتمع الرأسمالي، مثله مثل كل المجتمعات الطبقية السابقة، على قمع النساء.
لكن ما قاله ماركس فعليا هو أن الرأسمالية، بدمجها النساء في العمل خارج المنزل، قد خلقت الأساس المادي لتحررهن، ولم يقل أن هذا التحرر سيتحقق فعليا في ظل الرأسمالية.
وعلى الرغم من أن الرأسمالية لا يمكنها أبدا تحرير النساء إلا أنها لعبت في وقت من الأوقات دورا تقدميا من الناحية التاريخية. فقد طورت الرأسمالية القوى المنتجة بشكل هائل، مما أوجد الموارد والتكنولوجيا التي يمكن استخدامها لتحرير النساء تماما من العمل المنزلي.

إننا نصنف شيئا ما بأنه تقدمي إذا دفع المجتمع إلى الأمام وطور القوى المنتجة.
وفي هذا الصدد، أرست الرأسمالية – عبر خلق اقتصاد عالمي مترابط تديره احتكارات متعددة الجنسيات ويقوم على عمل الطبقة العاملة – الظروف المادية للاشتراكية.
فالموارد موجودة الآن للقضاء تماما على الجوع والفقر وعدم المساواة والندرة. ولدينا القدرة على إنتاج ما يكفي من الغذاء والسكن والتعليم المجاني والرعاية الصحية للجميع. كما أن الموارد والتكنولوجيا والعلم متاحون للتخلص من مشقة الأعمال المنزلية الرتيبة.
إن ما يمنعنا من تحقيق ذلك في ظل الرأسمالية هو أن العمال لا يسيطرون على أي من هذه الموارد الهائلة. إنها مسألة الملكية الخاصة، أي مسألة مَن يملك وسائل الإنتاج.
يكمن الحل في وضع الطبقة العاملة في السلطة لكي نتمكن من تخطيط المجتمع وفقا لاحتياجاتنا.
ولا يعني ذلك أننا ننكر المعاناة الإنسانية طوال تاريخ الرأسمالية. فقد قال ماركس إن الرأسمالية ولدت “وهي تنزف دما وقذارة من كل مسامها، من الرأس إلى أخمص القدمين”.
إن النقطة الجوهرية هي السعي وراء فهم صحيح لسبب عمل الرأسمالية بهذه الطريقة، وتسليح أنفسنا بنظرية قادرة على تغيير العالم.
هل كان بإمكان البشرية تجاوز الرأسمالية؟
للأسف، ليس هذا ما تخلص إليه عند قراءة “كليبان والساحرة”. فخلاصة الكتاب هي أن الرأسمالية لم تكن ضرورية، وأن النساء كن يتمتعن بوضع أفضل نسبيا في المجتمع الإقطاعي.
تجادل فيديريتشي بأن علاقة الأقنان بالطبقة السائدة كانت أكثر ملاءمة من علاقة العمال في ظل الرأسمالية.
وحجتها في ذلك أن الأقنان كانوا يمتلكون قطعة أرض خاصة بهم، مما منحهم استقلالا أكبر عن ملاك الأراضي ووضعا أفضل للنضال ضدهم. وتقول إن الفلاحات كن أقل اعتمادا على الأقارب الذكور مما هي عليه النساء في ظل الرأسمالية.
بيد أن الاضطهاد كان سمة ثابتة للمجتمع الطبقي. وقد أوضح إنجلز أن ظهور الأسرة البطريركية، جنبا إلى جنب مع تطور الطبقات والملكية الخاصة، يمثل الهزيمة التاريخية العالمية لجنس النساء:
“تولى الرجل زمام القيادة في المنزل، وأُهينت المرأة واختُزلت إلى حالة العبودية، وصارت أمَة لشهوته ومجرد أداة لإنتاج الأطفال.”
وخلال أوائل العصور الوسطى في أوروبا، كان الزوج يُعتبر قانونيا رب الأسرة، وكانت الهوية القانونية للمرأة مرتبطة إما بوالدها أو بزوجها.
تولي فيديريتشي أيضا اهتماما كبيرا لثورات الفلاحين، وترى أن الحركات المشاعية والمساواتية واسعة النطاق كانت يمكن أن تمثل بدائل ناجحة للإقطاع:
“لم يكن تطور الرأسمالية الرد الوحيد الممكن على أزمات السلطة الإقطاعية. فقد قدمت حركات اجتماعية وتمردات مشاعية واسعة ضد الإقطاع، في جميع أنحاء أوروبا، وعدا بمجتمع مساواتي جديد يُبنى على المساواة الاجتماعية والتعاون.”
وبالنسبة لها، كانت الرأسمالية هي الثورة المضادة التي سحقت هذه البدائل.
وتلمح إلى أنه لو قدر لثورات الفلاحين النجاح لربما تجنبت البشرية الدمار الهائل المرتبط بالتطور الرأسمالي.

طوال العصور الوسطى، كانت هذه الانتفاضات تعبيرا عن المأزق الذي وصل إليه الإقطاع وسخط الجماهير. وقد تلمس الكثيرون طريقهم نحو الأفكار الشيوعية، غالبا تحت غطاء الألفية الدينية. ولكن انتهت الثورات بهزائم ساحقة.
ويعود السبب في عدم قدرة ثورات الفلاحين بمفردها على القضاء على الإقطاعيين إلى موقعهم الطبقي، الذي منعهم من لعب دور مستقل في التحول الاجتماعي.
ولم يطاح بالنظام الإقطاعي إلا مع ظهور الطبقة الرأسمالية والثورات البرجوازية.
والأهم من ذلك، أن الظروف المادية لتأسيس مجتمع خالٍ من الاضطهاد والاستغلال الطبقي والدولة لم تكن موجودة في ظل الإقطاع.
فلكي تحرر البشرية من آلام المجتمع الطبقي يتعين عليك محو الظروف التي أدت إلى نشوئه في المقام الأول.
إن إنهاء حالة الندرة عبر تطوير الاقتصاد بسرعة أمر حيوي، وهو ما لم تسمح به إنتاجية العمل في ذلك الوقت، إذ لم يمتلك الفلاحون الوسائل لتحقيق ذلك خلال العصر الإقطاعي لارتباطهم الكامل بالأرض من أجل بقائهم.
نقد ماركس
تواصل فيديريتشي، في مؤلفها “نقد نسوي لماركس”، انتقاد ضرورة الرأسمالية. إذ تجادل بأن ماركس أخطأ حين اعتقد أن الرأسمالية سترسي أساس التحرر عبر تطوير القوى المنتجة، وذلك لأننا نمتلك الآن صناعة وآلات متطورة ومع ذلك ما يزال الناس مضطهَدين.
ونقتبس عن فيديريتشي قولها:
“أرى أن ماركس تجاهل العمل الإنجابي للمرأة لأنه ظل متمسكا بمفهوم تقني للثورة، حيث يأتي التحرر عبر الآلة، وحيث يُفترض أن زيادة إنتاجية العمل هي الأساس المادي للشيوعية، وحيث يُنظر إلى التنظيم الرأسمالي للعمل باعتباره النموذج الأعلى للعقلانية التاريخية، الذي يُحتذى به في كل أشكال الإنتاج الأخرى، بما في ذلك إعادة إنتاج القوى العاملة. وبعبارة أخرى، فشل ماركس في إدراك أهمية العمل الإنجابي لأنه قبِل المعايير الرأسمالية لماهية العمل، وأعتقد أن العمل الصناعي المأجور هو الساحة التي ستدور عليها معركة تحرر البشرية.”
لا ترى فيديريتشي في الطبقة العاملة (التي تقصد بها حصرا العمال الذكور البيض) قوة ثورية، وتعتقد أن النضال ضد الاضطهاد على أساس طبقي أمر مستحيل.
ولكن، لماذا يشدد الماركسيون على دور الطبقة العاملة؟ يرجع ذلك إلى أن العمال هم الطبقة الوحيدة التي تمتلك القدرة على تهديد أرباح الرأسماليين عبر الامتناع عن تقديم قوة عملهم.

لقد رأينا طوال التاريخ – بدء من كومونة باريس عام 1871، ومرورا بالثورة الروسية عام 1917، وصولا إلى الإضراب العام في إيطاليا العام الماضي – أن الطبقة العاملة حين تقرر الاحتشاد تصبح قوة لا يستهان بها.
فالعمال يطورون وعيا جمعيا نتيجة لموقعهم في المجتمع. إذ إن الطريقة الوحيدة التي يمكنهم من خلالها النضال من أجل ظروف عمل وأجور أفضل هي التنظيم المشترك. وبما أنهم هم من يديرون عجلة المجتمع فهم أيضا الطبقة التي تستطيع، عبر الثورة، الاستيلاء على السلطة وإدارة الاقتصاد وفقا لاحتياجاتهم الخاصة.
لقد خلقت الرأسمالية، عبر تطوير الطبقة العاملة والصناعة واسعة النطاق، هذه القوة، أي حفاري القبور الذين يمكنهم وضع حد للمجتمع الطبقي مرة واحدة وإلى الأبد.
نساء الطبقة العاملة
تعجز فيديريتشي عن فهم الدور الذي تؤديه نساء الطبقة العاملة في ظل الرأسمالية. إذ تجادل بأن انخراط النساء في العمل المأجور لم ينتج عنه سوى “اضطهاد مضاعف”، وتخلص إلى أن النضال من أجل العمل المأجور لا يمكن أن يكون سبيلا للتحرر.
تقول فيديريتشي إن استقطاب النساء إلى القوى العاملة لم يحل مشكلة الاضطهاد، لأن النساء ما يزلن يتقاضين أجورا أقل من الرجال، الذين تلمح إلى أن لديهم مصلحة في استمرار اضطهاد النساء، كونه يفيدهم في مكان العمل والمنزل على حد سواء:
“أولا، إن النضال من أجل العمل المأجور أو النضال من أجل «الانضمام إلى الطبقة العاملة في مكان العمل»، كما يحلو لبعض النسويات الماركسيات تسميته، لا يمكن أن يكون سبيلا للتحرر. قد يكون العمل المأجور ضرورة، لكنه لا يمكن أن يشكل استراتيجية سياسية متماسكة. فطالما أن العمل الإنجابي يُبخس قدره، وطالما أنه يُعتبر شأنا خاصا ومسؤولية تقع على عاتق النساء، فستظل النساء دائما تواجه رأس المال والدولة بقوة أقل من الرجال، وفي ظروف من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية الشديدة.”
ويكمن حلها في “استعادة السيطرة على الظروف المادية للإنجاب” وخلق أشكال جديدة من التعاون حول هذا العمل “خارج منطق رأس المال والسوق”. وتجادل بأن هذه السيرورة قد بدأت بالفعل باحتلال الأراضي، والزراعة الحضرية، والزراعة المدعومة من المجتمع، واحتلال العقارات المهجورة (squats)، وأنظمة المقايضة، وشبكات العون المتبادل، ومبادرات الرعاية الصحية البديلة:
“لقد بدأ اقتصاد جديد في الظهور، من شأنه أن يحول العمل الإنجابي من نشاط خانق وتمييزي إلى الأرضية الأكثر تحررا وإبداعا للتجريب في العلاقات الإنسانية.”
إن هذا النوع من النشاط الذي تقترحه ليس جديدا، ولم يتجاوز قط كونه نشاطا هامشيا يقوم به فاعلو خير من الطبقة المتوسطة. ومن الطوباوي الاعتقاد بإمكانية بناء بديل للأسرة وإنهاء الاضطهاد دون ثورة اجتماعية، أو دون تنظيم الطبقة العاملة ككل.
ثانيا، إن رجال الطبقة العاملة لا يستفيدون من اضطهاد النساء. فالاضطهاد أداة تستخدمها الطبقة السائدة لخفض الأجور وتدهور الظروف المعيشية للطبقة العاملة برمتها. ومن مصلحة الرأسماليين إبقاء أجور النساء منخفضة، لأن ذلك يزيد من الاستغلال الإجمالي. فوجود قطاعات من القوى العاملة تتقاضى أجورا أقل يسمح للرأسماليين بالضغط على جميع العمال لقبول ظروف أسوأ تحت تهديد الاستبدال.
إن الاضطهاد هو الأداة الرئيسية لتقسيم الطبقة العاملة، عبر دفع العمال لرؤية بعضهم البعض كأعداء، بدلا من رؤية أن النظام الرأسمالي هو العدو. ومن ثم، فإن رجال الطبقة العاملة لديهم ما يكسبونه من النضال من أجل المساواة أكثر بكثير مما يكسبونه من استمرار الاضطهاد.
الصراع الطبقي
إن دمج النساء في الطبقة العاملة يمثل تطورا تقدميا عميقا، كونه يعزز موقعهن في المجتمع. فمن خلال النضال الموحد للطبقة العاملة برمتها – حيث تؤدي النساء غالبا أدوارا قيادية – انتُزعت الإصلاحات تاريخيا.
واليوم، باتت معظم النساء في الغرب متساويات رسميا مع الرجال بموجب القانون. فلديهن الحق في التصويت والطلاق والإجهاض وتربية الأطفال بشكل مستقل. ومن خلال كسب الأجور نالت النساء درجة من الاستقلال الاقتصادي، كما أدى توسع الخدمات العامة إلى إضفاء طابع اجتماعي جزئي على جوانب من العمل المنزلي.
كل هذا ساهم، إلى حد ما، في تخفيف وطأة اضطهاد النساء في ظل الرأسمالية.

وهذا التقدم لا علاقة له بالأيديولوجيا الرأسمالية أو ما يسمى بـ”القيم الغربية”، بل تعود جذوره إلى التطورات المادية والصراع الطبقي.
فبين عامي 1914 و1918، دخلت قرابة مليوني امرأة إلى القوى العاملة في بريطانيا، مما عزز بشكل كبير الموقع الاجتماعي للنساء.
ولم يكن من قبيل المصادفة أن موجة الاضطرابات الثورية التي أعقبت الثورة الروسية قد ضغطت على الحكومات الرأسمالية لتقديم تنازلات، بما في ذلك حق النساء في التصويت.
إن الخدمات العامة ودولة الرفاه لم تكن منحا من الرأسماليين، بل كانت تنازلات انتُزعت بضغط هائل من طبقة عاملة جذرتها الحرب والمشقات. ففي السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية شهدت بريطانيا موجات إضراب كبيرة هزت أركان الأمة.
فقد قدمت الطبقة السائدة إصلاحات لتحويل هذا الاضطراب الاجتماعي إلى مسارات آمنة. وقد تمكنت من فعل ذلك بفضل الطفرة الاقتصادية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وفي واقع الأمر، خدم توسيع دولة الرفاه المصالح الرأسمالية جزئيا، لأنه حرر المزيد من النساء ليصبحن عاملات يمكن استغلالهن.
إن التغير في المواقف الاجتماعية تجاه النساء يعكس هذه التحولات في الظروف المادية.
وهذا يفند مباشرة استخفاف فيديريتشي بتطور القوى المنتجة. إذ إنه في تلك البلدان تحديدا التي تطورت فيها القوى المنتجة بشكل أكبر، وحيث توسعت أنظمة الرفاه الاجتماعي بشكل ملحوظ، شهدت النساء أكبر قدر من التحسن في أوضاعهن.
ولكن في ظل الرأسمالية لا تكون المكاسب آمنة أبدا، خاصة في فترات الأزمات. وقد رأينا كيف تستخدم الطبقة السائدة الحروب الثقافية السامة لصرف استياء العمال عن النظام.
وفي السنوات الأخيرة، تعرضت الحقوق الديمقراطية، مثل الحق في الإجهاض، لهجمات متجددة. وخلافا للفترات السابقة التي كان لدى رأس المال فيها مجال لتقديم تنازلات، فإن الإصلاحات الجوهرية التي من شأنها تحسين حياة العمال بشكل ملموس باتت اليوم خارج الحسابات.
ومع تآكل دولة الرفاه، تتأثر النساء أكثر من غيرهن. فهن يشكلن أغلبية العاملين في وظائف القطاع العام التي تواجه تقليصات، ويتحملن أعباء متزايدة في المنزل مع سحب الخدمات العامة.
يثبت التاريخ، على عكس حجة فيديريتشي، أن نضال الطبقة العاملة الموحد هو الوسيلة الأقوى لانتزاع الإصلاحات، وفي نهاية المطاف، لإلغاء الاضطهاد والاستغلال والبؤس تماما.
ولهذا السبب، من الأهمية بمكان استعادة التاريخ الثوري لليوم العالمي للمرأة العاملة، والاقتداء بنساء الطبقة العاملة الروسية اللواتي أطلقن شرارة الثورة الروسية.
وعلى خلاف فيديريتشي التي تميل إلى تصوير النساء العاملات كضحايا، فإننا ننظر إليهن بوصفهن مناضلات طبقيات سيلعبن دورا أساسيا في النضال من أجل الشيوعية.
6 مارس/آذار 2026
ترجم عن موقع الفرع البريطاني:
Women, capitalism, and the struggle against oppression – A Marxist critique of Silvia Federici
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية