يعلو صدى طبول الحرب في الشرق الأوسط، ويتعاظم تهديده يوما بعد يوم. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة ما يبدو أنه انزلاق لا مناص منه نحو تجدد الصراع المسلح بين الولايات المتحدة وإيران.

تدخل عناصر جديدة إلى هذه المعادلة المعقدة، في وقت يحرك فيه الطرفان المتقابلان بيادق جديدة على رقعة الشطرنج المدمجة بالدماء والدمار، ما ينتج دوامة مميتة من التصعيد.
غير أن المشهد برُمته يظهر كشبكة لا تُفهم من الارتباك، حيث يُناقض فيه كل تصريح مذهل لرئيس الولايات المتحدة فورا بحديث آخر مختلف تماما.
ووفقا للترنيمة المكررة لساكن البيت الأبيض التي أنشدت في اثنتي عشرة مناسبة على الأقل، فإن القوة العسكرية لإيران جرى استئصالها بالكامل وبصورة تامة بفعل القوة الجوية الفائقة للولايات المتحدة.
وكان دونالد ترامب قد هدد بأنه في حال عدم موافقة إيران على صفقة فإنه سيمحو الحضارة في هذا البلد. وقال هيغسيث: “لو رفضت إيران شروطنا لكانت أهدافنا التالية هي محطات الطاقة والجسور والبنية التحتية للنفط والطاقة”.
ومع ذلك، لا يوجد أدنى دليل على موافقة إيران على أي صفقة أمريكية. بل إن طهران أعلنت علنا عدم انخراطها في أي مفاوضات من أي نوع مع الأمريكيين.
ولسبب غريب لم يوضحه بعد ساكن البيت الأبيض، تواصل إيران إطلاق رشقات من الصواريخ الباليستية ضد أهداف في الشرق الأوسط، ولا سيما مؤخرا ضد قاعدة أمريكية في الأردن.
لم يجر توضيح المستوى الفعلي للدمار الناجم عن هذه الهجمات، غير أنه كان جسيما بلا شك، مما دفع الأمريكيين إلى سحب قواتهم من القواعد في المنطقة.
كان للرئيس ثيودور روزفلت شعار لافت: “تحدث بهدوء، واحمل عصا غليظة”. أما دونالد ترامب فيقول العكس تماما: اصرخ بأعلى صوتك، وأطلق أشد التهديدات إثارة للرعب، ولوح بسيف من الورق المقوى في الهواء.
والنتيجة الوحيدة لهذه السياسة العبثية، التي تُمارس هذه الأيام بوصفها دبلوماسية في الولايات المتحدة، هي إسقاط مصداقية الأمريكيين في أعين العالم.
فكم مرة هدد الرئيس الأمريكي بإطلاق هجوم صاروخي مروع من شأنه تحويل إيران إلى كومة من الركام المتصاعد منه الدخان؟ وكم مهلة حددها لحدث كارثي كهذا؟
لقد فقدنا القدرة على العد. غير أن مُهل السيد ترامب تجئ وتذهب، وفي كل مرة، وعند اللحظة الأخيرة، يحدث تحول جذري وينسى الأمر برمته.
وسوء حظه يكمن في أن أعداءه لا ينسون ولا يغفرون. إذ يفسرون هذه التراجعات المستمرة تفسيرا صحيحا باعتبارها علامة صريحة على الضعف، ويتصرفون وفقا لذلك.
ولقد تفاخر وزير الدفاع بيت هيغسيث في أبريل الماضي بأن الحرب الأمريكية ضد إيران قد دمرت “بالكامل” قدرتها على صنع الصواريخ والأسلحة المتطورة الأخرى.
قال هيغسيث للصحفيين: “أنهينا بالكامل تدمير القاعدة الصناعية الدفاعية لإيران، والتي تشكل ركيزة أساسية لمهمتنا”.
وأضاف: “لم يعد بمقدورهم صنع الصواريخ، أو صنع الكاتيوشا، أو منصات الإطلاق، أو المسيرات، فقد سُويت مصانعهم بالأرض، وتراجعت قدراتهم على نحو تاريخي”.
غير أن هذه المفاخرات والادعاءات العبثية من جانب ترامب وهيغسيث تناقضها الحقائق.
ففي ذلك الوقت بالذات، كانت مصادر عسكرية إسرائيلية تؤكد امتلاك الإيرانيين مخزونا ضخما جدا من الصواريخ، يتجاوز الألف غالبا، وأنهم يرفعون وتيرة الإنتاج باستمرار.
وقد ازداد الإيرانيون ثقة وهجومية بعدما استشعروا التردد والتذبذب في البيت الأبيض.
وبدلا من فتح مضيق هرمز، رد الحرس الثوري، الذي يشكل في واقع الأمر القوة الأكثر نفوذا في إيران اليوم، بإعلان عزمهم تشديد السيطرة على هرمز عبر توسيع نطاق منطقة السيطرة غرب المضيق.
فعلى عكس الرئيس الأمريكي، يتبع الحرس الثوري تهديداته بالفعل دائما، فأي ناقلة تحاول الاقتراب من مضيق هرمز يمكن أن تهاجمها إيران عن بُعد ما لم تحصل على إذن منها بالمرور.
وزيادة في الإهانة، أطلق الإيرانيون، كما ذكرنا، رشقة من الصواريخ والمسيرات ضد قواعد أمريكية في الأردن ومناطق أخرى من المنطقة.
إن القصد من هذه الهجمات الإيرانية جلي تماما. فلم يكن الهدف إلحاق ضرر مادي بقدر ما كان إستفزاز الأمريكيين للرد، وبالتالي استنزاف المخزونات الثمينة والمتناقصة باستمرار من صواريخ الدفاع الجوي الباهظة الثمن.
يبدو أن هذا الهدف قد تحقق بنجاح من خلال الهجمات الأخيرة، التي أطلقت الولايات المتحدة لصدها 60 صاروخا اعتراضيا من طراز باتريوت (PAC 3).
وبما أن التقديرات قبل نحو شهر كانت تشير إلى أن إجمالي المخزون من هذه الصواريخ يبلغ نحو 640 صاروخا، فإن هذا يمثل تخفيضا كبيرا في المخزون الأمريكي المحدود أصلا من صواريخ باتريوت.
تتميز هذه الصواريخ الباهظة الثمن للغاية بتعقيدها الشديد، ويبدو أن العديد من أجزائها الرئيسية يُصنع يدويا بدرجة كبيرة. فالولايات المتحدة تستغرق عامين لإنتاج صاروخ واحد من هذه الصواريخ، وهذا يعني أنه حتى لو كانت لدى الأمريكيين خطط لزيادة إنتاج الصواريخ الاعتراضية من طراز باتريوت (PAC 3) فلن يكون بمقدورهم إنتاجها بالسرعة الكافية لتعويض معدل الخسارة هذا.
أما التطور الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للأمريكيين فيتمثل في الارتفاع الهائل في دقة الصواريخ الايرانية ومداها.
فقد دأبت على إصابة أهدافها بدقة متناهية، بما في ذلك القواعد الأمريكية، وفهم دقيق جدا لأضعف النقاط في الدفاعات الأمريكية، وهو أمر لا يمكن أن يتأتى إلا عبر مساعدة مباشرة من روسيا، وربما من الصين أيضا.
أدى هذا التطور إلى إطلاق صفارات الإنذار في البنتاغون، الذي يخشى، وبحق، أن تجعل هذه التكنولوجيا الصواريخ الإيرانية أشد خطورة بكثير على السفن الحربية والقواعد الأمريكية في المنطقة.
ووفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، فقد عُقد اجتماع في البيت الأبيض جرى فيه إبلاغ ترامب بأن الحرب مع إيران قد تستمر لما تبقى من ولايته الرئاسية، بالرغم من الكلمات الشجاعة المختلفة التي يواصل إطلاقها بشأن كيفية الانتصار في الحرب مع إيران أو تحقيق النصر فيها وحسمها بعد الانتخابات النصفية.
هذه الحقيقة هي ما تفسر عدم تنفيذ ترامب، في الوقت الراهن على الأقل، تهديداته المروعة بشن هجوم كاسح ضد إيران، وليس أي رغبة في السلام.
الحوثيون ينتقلون إلى الهجوم
كان كل هذا سيئا بدرجة كافية. غير أنه زيادة على مصائبه، وصلت إلى مسامع السيد ترامب فجأة أنباء عن تطور في غاية الخطورة من جزء رئيسي آخر في المنطقة.
فقد اندلع صراع متجدد فجأة بين السعوديين والحوثيين في اليمن، مع استمرار الصراع بين إيران والولايات المتحدة، ومع بقاء مضيق هرمز مغلقا.
وتشكل هذه التطورات التي حققها الحوثيون المدعومين من إيران جزء من حربهم الأهلية المستمرة في اليمن مع مجلس القيادة الرئاسي المدعوم من السعودية.
لقد كانت السعودية القوة الرئيسية وراء حملة جوية وبرية وحشية ضد الحوثيين منذ عام 2015 وحتى التوقيع على هدنة غير مستقرة في عام 2022. وقد صمدت تلك الهدنة الهشة حتى هذا العام.
غير أنها كُسرت عبر هجوم غير مبرر شنته طائرات قاذفة سعودية ضد مطار صنعاء، عاصمة الحوثيين. ولقد تحطمت الهدنة الآن بالكامل بفعل الهجوم السريع والمحتوم للحوثيين.
من الصعب الحصول على صورة جلية لهذه الحرب، غير أنه يبدو جليا أن الحوثيين قد تقدموا بسرعة خاطفة، مستولين على رقعة شاسعة من الأراضي، وفوق ذلك كله، محتلين مساحة ممتدة، ومكتسحين المقاومة غير الفعالة من جانب القوات الحكومية، مندفعين نحو الجنوب. وقد وصلوا الآن إلى أقصى الطرف الجنوبي لليمن امتدادا على طول البحر الأحمر.
وقد تُركت الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية تحاول استعادة الأراضي التي استولت عليها الانطلاقة السريعة للمسلحين الحوثيين في الأيام الأخيرة.
وتشير بعض التقارير إلى أن بعض مناهضي الحوثيين يشنون هجمات مضادة في أماكن أخرى. غير أنه برغم ذلك، يبدو الحوثيون القوة العسكرية الأشد قوة بفارق كبير في اليمن اليوم.
في واقع الأمر، إذا كانت ثمة غوغاء غير منظمين في اليمن فليسوا هم الحوثيين، بل الفصائل المناهضة للحوثيين (والتي يدعم بعضها السعودية، ويدعم بعضها الآخر الإمارات)، والتي تنشغل في خضم الحرب بالتصفيات والاقتتال فيما بينها لانتزاع المزيد من الغنائم بدلا من التركيز على الحوثيين.
ويضع التقدم الحوثي كامل ساحل البحر الأحمر لليمن تحت سيطرتهم. فباتوا على بعد 32 كيلومترا فقط من قاعدة عسكرية أمريكية في جيبوتي، البلد الصغير الواقع في القرن الأفريقي على الجانب الآخر من مضيق باب المندب، وهو الجزء الجنوبي من البحر الأحمر.
عبرت صحيفة الغارديان، في 15 سبتمبر، عن المخاوف المتزايدة للحكومات الغربية بشأن تبعات هذه الأفعال:
“استولى المسلحون الحوثيون في اليمن على جزيرتين استراتيجيتين في البحر الأحمر، مما يعزز قدرة المجموعة المدعومة من إيران على السيطرة على طريق شحن رئيسي، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من مواجهة العالم لأزمة إمدادات نفطية جديدة.
إن الاستيلاء على جزيرتي حنيش الكبرى وحنيش الصغرى هو أحدث حلقة في التقدم السريع للمجموعة المسلحة عبر ساحل البحر الأحمر اليمني، بعد الاستيلاء على ميناء المخا وجزيرة ميون في مضيق باب المندب.
وتقع الجزر على بعد 160 كيلومترا شمال المضيق، وهي نقطة اختناق تربط البحر الأحمر بالمحيط المفتوح والأسواق الآسيوية الرئيسية للسعودية.”
هذا المضيق هو ممر ضيق حيوي، وهو امتداد للطريق البحري الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي. ومع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وفر باب المندب البديل الوحيد العملي لحركة النفط، والغاز الطبيعي المسال، والبضائع الأخرى التي تغادر المنطقة أو تعبرها.
وقد حولت السعودية، على وجه الخصوص، نحو 64% من صادراتها النفطية عبر خط أنابيب بري من الشرق إلى الغرب، لنقل النفط إلى ميناء ينبع وشحنه عبر مضيق باب المندب.

وخط الأنابيب المعني ذو أهمية بالغة. لأن السعوديين كانوا يستغلونه لنقل النفط بعيدا عن مضيق هرمز نحو موانئ البحر الأحمر. غير أنه تعرض لهجوم بالصواريخ، أطلقتها —فيما يبدو— مجموعة مسلحة موالية لإيران في العراق، كانت تستخدم الصواريخ الباليستية والمسيرات لضرب أهداف عسكرية واقتصادية رئيسية.
لقد ألحق الهجوم به أضرارا جسيمة شلت عمليا الصادرات النفطية السعودية إلى آسيا. وأكدت السلطات السعودية أن الأضرار كانت واسعة النطاق لأنها أغلقت الآن خط الأنابيب بأكمله. وسوف تستغرق هذه الأضرار أسابيع عدة لإصلاحها، هذا إذا لم تتعرض للتدمير في هذه الأثناء عبر هجمات أخرى.
كما أدى هذا التقدم إلى زيادة هائلة في سيطرة الحوثيين المحتملة على خروج الناقلات عبر مضيق باب المندب.
وقال الحوثيون إن أهدافهم هي السفن السعودية والنفط السعودي، وقد أطلقوا هجمات على شاحنات ومنشآت نفطية داخل السعودية.
غير أن أوروبا وآسيا وأفريقيا تعتمد على البضائع التي تمر عبر مضيق باب المندب. وتعد الإمدادات القادمة من السعودية —أكبر مُصدر للنفط في العالم— حيوية للغاية بالذات لاقتصادات أفريقيا وآسيا التي تعتمد على واردات النفط من الشرق الأوسط.
غير أن هذا يشكل تهديدا للاقتصاد والتجارة العالميين على نطاق أوسع. فالمتمردون الحوثيون باتوا الآن في موقع يسمح لهم بتعطيل الشحن العالمي، والسيطرة الفعلية عليه دخولا وخروجا من المضيق. ويمكن إيقاف حركة الملاحة البحرية بسرعة بنفس الوسائل غير المتكافئة والخفيفة مثل المسيرات والصواريخ المضادة للسفن وزوارق الهجوم السريعة.
بن سلمان في حالة ذعر
تعد هذه أكبر أزمة تواجهها المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها في ثلاثينيات القرن الماضي. إذ تثير الهلع في الأوساط الحاكمة في السعودية، ولا سيما لدى ولي عهدها وحاكمها الفعلي، محمد بن سلمان آل سعود.
لقد تبين أن هذا الرجل القوي في السعودية يمتلك أقداما من طين. فهو يُظهر في الواقع كل علامات الذعر، وليس من الصعب معرفة السبب.
فقد بات سرا مكشوفا الآن أنه قبل إطلاق الأمريكيين هجومهم على إيران في 28 فبراير، كان محمد بن سلمان وقادة آخرون في الخليج العربي يحثون ترامب على اتخاذ هذا الإجراء، وكان ذلك أحد العوامل التي دفعت دونالد ترامب للمضي قدما. وكان محمد بن سلمان يفترض أن هجوما أمريكيا سينتهي بنصر سريع وانهيار النظام الإيراني.
غير أن الأمور سارت على نحو مختلف تماما. فلم يُطح بالنظام الإيراني، بل وازداد قوة. وأُغلق مضيق هرمز، وتعرضت المنشآت النفطية السعودية للهجوم. والآن اتسعت رقعة الأزمة لتصل إلى اليمن، وأضحى الوصول إلى البحر الأحمر من الجنوب مهددا من جانب الحوثيين. كما خرج خط الأنابيب الحيوي الذي تعتمد عليه السعودية من الخدمة.
إن الحوثيين يضربون المنشآت النفطية السعودية بدرجة متزايدة، وهو ما سيجد السعوديون صعوبة أكبر في حمايتها بالنظر إلى النقص في صواريخ باتريوت الاعتراضية من طراز (PAC-3).
وفي حالة من اليأس، “ضغط محمد بن سلمان شخصيا على الرئيس ترامب لاتخاذ إجراء عسكري ضد الحوثيين المدعومين من إيران مع تقدم القوات الحوثية بسرعة امتدادا على طول ساحل البحر الأحمر في اليمن، […] وأن السيد ترامب وولي العهد تحادثا مرات عدة في الأيام الأخيرة بشأن الوضع المتصاعد”.
غير أن كل هذا التوسل اليائس قوبل بآذان صماء، كما يتابع المقال:
“وبرغم حث محمد بن سلمان، رفض السيد ترامب حتى الآن إشراك الجيش الأمريكي مباشرة، عارضا بدلا من ذلك تقديم المساعدة في مجال الاستخبارات ودعم تحديد الأهداف، وهذا وفقا للمصادر التي جرى التأكيد على عدم الكشف عن هويتها لحساسية المحادثات المناقشة.”
إن أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه المرء في الحرب هو الاستهانة بعدوه. ولقد ارتكب الأمريكيون هذا الخطأ في مناسبات عدة.
فقد استهانوا بالروس عندما استفزوا عمدا حربا عبثية، متخذين من الشعب الأوكراني لحما للمدافع. ونتيجة ذلك باتت جلية للعيان الآن.
ودأبوا باستمرار على محاولة التقليل من شأن قوة الصين وإنجازاتها الاقتصادية، وهي التي أضحت الآن الأمة الأقوى صناعيا على وجه الأرض، بمستوى تكنولوجي يعادل —بل وربما يفوق— مستوى الولايات المتحدة.
كما استهانوا بطالبان في أفغانستان حيث تكبدوا هزيمة منكرة، وحتى الآن يستهينون بالحوثيين. فوسائل الإعلام الغربية تصر على تصوير الحوثيين بوصفهم قوة غوغائية غير منظمة ومشتتة لا تمتلك مهارات عسكرية أو قدرة على الصمود أمام القوة الغاشمة والأسلحة المتطورة لبلد مثل الولايات المتحدة.
غير أن التجربة تثبت أن هذه الصورة زائفة تماما، فهي وليدة الصلف الإمبريالي والشعور الزائف بالتفوق الفطري على الشعوب “المتخلفة”. ويقف هذا التصور الكاريكاتيري العبثي والخبيث الذي يقدمه وسائل الإعلام في تناقض صارخ مع الحقائق المعلومة.

فالحوثيون في واقع الأمر قوة عسكرية شديدة الانضباط، تتألف من مقاتلين أصلاب لا يلينون. وإلى جانب التعصب والصمود، أظهروا استيعابا مثيرا للإعجاب للتكتيكات والاستراتيجيات العسكرية. ولقد واصلوا القتال دائما، بغض النظر عن أي قصف من الجو أو البحر أو البر. إن سنوات من الصراع الشاق حولتهم إلى قوة عسكرية مهيبة.
علاوة على ذلك، وبمساعدة إيران (ودون شك روسيا والصين)، باتوا يمتلكون الآن نظام دفاع جوي فعالا خاصا بهم، بحيث إن أي هجوم جوي سينطوي الآن على ثمن باهظ للغاية.
ولقد أدرك البنتاغون هذه الحقائق متأخرا، حيث بدأ أخيرا في فهم فضائل الحذر في الحرب. ونقل مخاوفه —بدون شك بطريقة حازمة— إلى الرئيس نفسه.
ألقى دونالد ترامب نظرة واحدة على الوضع وقال: “شكرا، ولكن أرفض العرض!”. فالأمريكيون غارقون بالفعل في حرب واحدة (في الواقع، حربين)، وليس لديهم أي رغبة في الانجرار إلى صراع مسلح آخر ليسوا متأكدين بأي حال من الأحوال من الفوز فيه. وهذا بالتأكيد موقف البنتاغون، إن لم يكن موقف دونالد ترامب نفسه.
لا بد أن هذا الرفض قد نزل على محمد بن سلمان كلكمة قوية. ولا بد أنه مرعوب جدا الآن، بعد أن تخلى عنه حليفه المزعوم في البيت الأبيض، وأُكره على مواجهة عدو قاسي ولا يرحم دون أي آفاق واقعية للحصول على المساعدة.
ما يحتاجه محمد بن سلمان هو تعزيز دفاعاته بأقصى درجات السرعة. ومثل زيلينسكي، يتوسل للحصول على المزيد من صواريخ باتريوت. غير أنه —كما رأينا— ثمة نقص حاد فيها. ومن غير المرجح إطلاقا تلبية مطالبه، وبالتأكيد ليس بالكميات التي يحتاجها.
عمل لم يُنجز
يشكل استيلاء الحوثيين على طريق شحن حيوي في البحر الأحمر نقطة تحول في الحرب غير المنتهية بين الولايات المتحدة وإيران.
وبرغم أن إيران لم تعترف قط بأي ضلوع لها، فإن من غير المتصور إطلاقا أن يكون الحوثيون قد تحركوا دون موافقة صريحة من طهران.
فقد بات لدى إيران والحوثيون الآن قبضة خانقة على ممرين مائيين حيويين للملاحة العالمية. وهو ما يمنحهم أداة ضغط قوية جدا على أعدائهم عبر إعمال الضغط على الاقتصاد العالمي، والولايات المتحدة على وجه الخصوص.
وتظهر هذه الحقيقة قدرا عاليا من الثقة من جانب الإيرانيين والحوثيين على حد سواء. فقد أثبت كل هذا أنهم لن يتراجعوا أمام حرب طويلة الأمد مع الولايات المتحدة.
وقد عبر ترامب عن عدم رغبته في إقحام الجيش الأمريكي بدرجة أكبر “ما لم يكن ذلك ضروريا”. ولكن ماذا يقصد بكلمة “ضروريا”؟
فبعد رفضه طلبات ولي العهد السعودي للانضمام إلى الضربات السعودية ضد أهداف الحوثيين في اليمن، أفاد ترامب بأن الحوثيين طلبوا من الولايات المتحدة عدم التدخل.
فهل يعني هذا أن صوت اللين والعقل قد ساد أخيرا في المكتب البيضاوي؟ وهل يحق لنا أن نستنتج أن الرجل القابع في البيت الأبيض قد استبعد احتمال نشوب حرب جديدة؟
في حين أنه سيكون من المريح جدا التفكير على هذا النحو، فإن التجارب السابقة علمتنا أن نكون على قدر عالٍ من الحذر تجاه أي استنتاجات تتعلق بالسلوك المستقبلي لساكن البيت الأبيض.
أليس من الممكن —وبرغم كل الأدلة، وخوفا من تبعات انهيار سعودي— أن يقرر ترامب أخيرا التدخل مباشرة، بغض النظر عن العواقب؟
إن التصريحات الصادرة من واشنطن مواربة وغامضة مثل النبوءات الغامضة لكاهنة دلفي. فقد قال وزير الخارجية ماركو روبيو إن الولايات المتحدة تراقب الوضع في اليمن “عن كثب شديد”. غير أن وزارة الخارجية ظلت صامتة بشأن معنى هذه التصريحات.
وكان الأدميرال برادلي كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، في السعودية لإجراء محادثات تنسيقية الأسبوع الماضي. وعمّ كانت تدور هذه المحادثات؟ لا أحد يبدو أنه يعلم. وعلى أي حال، لم تكن ثمة تصريحات علنية بشأنها.
وقال مسؤول كبير في الإدارة إن الولايات المتحدة “تركز على حماية مصالح أمننا القومي الأساسية —مثل ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر— مع تمكين شركائنا الإقليميين من أخذ زمام المبادرة في إدارة التحديات الأمنية الإقليمية وحلها”.
وقال المسؤول إن الولايات المتحدة في “حوار مستمر مع السعودية وحكومة الجمهورية اليمنية بشأن الاستقرار الإقليمي”. ولكن ماذا يعني هذا عمليا؟
من المعلوم أن السعوديين يسعون جاهدين وبحمق لبناء تحالف ضد الحوثيين وحماية المملكة من الانتقام الإيراني في حال تعرض الحوثيون للهجوم.
ومهما كان ترامب ميالا لتجنب التورط في صراع آخر، فلا بد أنه يدرك أن إجراء كهذا سيُنظر إليه باعتباره خيانة، ليس من جانب السعوديين فحسب، بل من جانب كل دول الخليج التي دعمت الولايات المتحدة تقليديا.
إن هزيمة السعودية على أيدي الحوثيين والإيرانيين لهو أمر لا يمكن لترامب والولايات المتحدة قبوله ببساطة.
ولهذا السبب، لن يكون أمام ترامب خيار على الأرجح سوى إلقاء ثقله العسكري إلى جانب السعودية. ففي كلمة ألقاها مؤخرا في المؤتمر النصفى للحزب الجمهوري، قال ترامب:
“لقد بنينا أقوى جيش في العالم. ونحن نستخدمه أكثر قليلا مما كنت أظن. لكننا لا يمكن أن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، ولن يمتلكوا سلاحا نوويا أبدا.”
تشير هذه الكلمات بقوة إلى أن دونالد ترامب يعتقد أن الولايات المتحدة ما يزال لديها عمل لم يُنجز بعد في الشرق الأوسط، ويتعين إنجازه.
إن الرجل القابع في البيت الأبيض لم يتخل بأي حال من الأحوال عن خططه لتجديد هجومه على إيران، لإرغام طهران على الخضوع لإرادته، رغم كل النصائح الصادرة من البنتاغون.
وما الذكر الروتيني للأسلحة النووية إلا مجرد تحويل للأنظار لإخفاء الهدف الحقيقي، والذي يتمثل، بطبيعة الحال، في إعادة فتح مضيق هرمز، وتغيير النظام في إيران إن أمكن.
إن أحد تعريفات الجنون هو الاستمرار في تكرار الخطأ نفسه الذي فشل مرارا وتكرارا مع توقع واثق بأنه سينجح في نهاية المطاف. ومن هذا المنطلق، فإن سلوك دونالد ترامب مجنون، بالمعنى الحرفي للكلمة.

غير أن ذلك لم يوقفه قط من قبل. ولا يوجد سبب يدعو إلى افتراض أنه سيمنعه الآن من الاستمرار على نفس نهج العمل الذي يراه “ضروريا”، بمجرد تجاوز الانتخابات النصفية بأمان.
ومهما كانت الخطط التي قد تدور في ذهن الرئيس المعقد والمفرط النشاط، فمن الجلي تماما أنه لن يحقق أهدافه أبدا بالوسائل العسكرية. فلو كان ذلك ممكنا لحققها منذ زمن بعيد.
لقد قصف السعوديون وحلفاؤهم الحوثيين بلا رحمة مرات عدة. واستخدم الأمريكيون الكثير من الذخائر الثمينة ضد الحوثيين في ربيع عام 2025 دون أن يحققوا شيئا يذكر.
لم يكسر ذلك شوكتهم على الإطلاق. ولذلك من الغباء تصور أن قصفا متجددا سيغير مسار الحرب في اليمن.
وبات من المعلوم للعامة الآن أن الولايات المتحدة تعاني نقصا في الأسلحة الرئيسية، مثل صواريخ باتريوت الاعتراضية، وصواريخ ثاد، وصواريخ كروز، والتي ستكون ذات أهمية حيوية في أي صراع طويل الأمد.
وعلى أي حال، يظهر التاريخ برُمته أن الحروب لا يمكن الانتصار فيها أبدا باستخدام القوة الجوية وحدها. فأي حملة عسكرية جادة ضد الحوثيين ستتضمن حتما استخدام قوات على الأرض، وهي استراتيجية تنطوي على مخاطرة كبيرة جدا بالفعل.
وقد نشر مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي مقالا في 22 سبتمبر يوضح أن:
“الحملات الجوية ضد الحوثيين وإيران أثبتت وجود حدود لهذا النوع من الحروب. وإذا كان ترامب والسعوديون يريدون حل المشكلة الحوثية فإن الأمر سيتطلب ما هو أكثر بكثير من الضربات الجوية.”
ويضيف:
“أي جهد عسكري أمريكي يجب أن يتضمن عملية برية كبيرة ومنسقة لإزاحة الحوثيين من المناطق التي يسيطرون فيها على مضيق باب المندب. وهذا مطلب عسير بالنظر إلى ضعف القوات الحكومية اليمنية وعدم رغبة السعودية في إلقاء جيشها في المعركة.”
قد تنقذ الضربات الجوية ضد الحوثيين في اليمن السعوديين من هزيمة وشيكة، على المدى القصير. غير أنها ستنطوي على عواقب أخرى أشد خطورة بكثير.
العواقب
بات ينكشف بشكل متزايد أن الإجراءات التي يقترحها دونالد ترامب تنطوي على عواقب إما أنه غير قادر على رؤيتها وإما أنه غير راغب في ذلك.
فأي هجوم سيدفع كلا من الإيرانيين والحوثيين وحلفائهم الإقليميين —الميليشيات الشيعية في العراق وحركة حزب الله في لبنان— نحو انتقام أشد قسوة.
وفي معرض طلبها من الأمريكيين البقاء بعيدا عن الصراع، بذلت القيادة الحوثية قصارى جهدها للتأكيد لواشنطن أنها لا تسعى إلى تعطيل الملاحة التجارية بأكملها في البحر الأحمر، بل السفن المرتبطة بالسعودية فحسب.
وإذا تعرض الحوثيون لهجوم من جانب الولايات المتحدة فمن المرجح أن يقرر الإيرانيون أنهم هم أيضا مضطرون للانتقام. لأن الامتناع عن ذلك سيُنظر إليه باعتباره خيانة للحوثيين، وهو أمر لا يمكنهم تحمله. ويكون هذا هو الحال على نحو أكبر، بطبيعة الحال، في حال شُن هجوم مباشر على إيران.
ستُخلع القفازات عند تلك النقطة. فلن يتردد الحوثيون في إغلاق البحر الأحمر أمام الملاحة الأمريكية والغربية الأخرى، مما سينقل أزمة الاقتصاد العالمي إلى مستوى جديد تماما.
وقد يرد الإيرانيون، ليس فقط عبر هجمات ضد المنشآت النفطية السعودية (خزانات التخزين والموانئ والناقلات وخطوط الأنابيب الهشة)، بل أيضا —وهو الأمر الأشد خطورة بكتير— ضد منشآت حيوية مثل محطات تحلية المياه. وسيكون لذلك تبعات كارثية على السعودية وكل حلفائها في الخليج.
هل ستكون هذه حربا قصيرة؟
ثمة شيء واحد مؤكد: لن تكون للحرب نهاية بمجرد أن تتسع رقعتها. وإن فكرة شن حملة عسكرية قصيرة وناجحة من أي نوع لهي وهم غبي يتناقض مع كافة الحقائق المعلومة.

لقد أثبت كل من الإيرانيين والحوثيين قدرتهم على المقاومة حتى في أعتى الحروب وحشية، فهم لا يفتقرون إلى الإرادة ولا إلى القدرة العسكرية لخوض حرب طويلة الأمد.
وفي المقابل، لا تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية أيا من هذين الأمرين. ومن منظور عسكري، ستكون مثل هذه الحرب كارثة على الولايات المتحدة. ولقد حذر قادة البنتاغون مرارا وتكرارا من مغبتها.
أفادت صحيفة واشنطن بوست بأن كبار القادة في الجيش الأمريكي حذروا وزير الدفاع بيت هيغسيث من أن العمليات واسعة النطاق ضد إيران لا يمكن استمرارها إلى ما لا نهاية، وأن مواصلة حشد القوات في الشرق الأوسط من شأنه أن يقوض قدرة الجيش الأمريكي على الرد على التهديدات في أماكن أخرى من العالم، بما في ذلك الدفاع عن الولايات المتحدة نفسها.
إن مخاوف البنتاغون مبررة تماما. غير أن التداعيات الأشد خطورة سيُشعر بها في النطاق السياسي وفي وعي ملايين البشر.
فالحرب على إيران لا تحظى بأي دعم لدى الرأي العام في الولايات المتحدة. إذ يعارض نحو 60% من الأمريكيين العمل العسكري، مما يجعله واحدا من أكثر الصراعات الرئيسية افتقارا للشعبية في التاريخ الحديث.
وهذه المعارضة واسعة النطاق أيضا داخل القاعدة الانتخابية لترامب، التي لم تنسَ وعده بوضع حد لـ”الحروب الأبدية”، ولا سيما في الشرق الأوسط.
إن كل شيء يشير إلى دورة تصعيد رئيسية في الشرق الأوسط، يتحول فيها السبب إلى نتيجة، والنتيجة إلى سبب في مسار حلزوني هبوطي ومدمر من العنف. فمن ذا الذي يمكنه أن يتنبأ إلى أين قد يؤدي هذا؟
تشنجات في الاقتصاد العالمي
وفي هذه الأثناء، يواجه الاقتصاد العالمي زيادة لا يمكن السيطرة عليها في أسعار الوقود وتضخما متصاعدا.
لقد تجاوز السعر الرئيسي للنفط الخام مجددا حاجز 100 دولار للبرميل، وهذه مجرد بداية. فقد ذكرت صحيفة الغارديان في 15 سبتمبر:
“قالت شركة الأبحاث (Rystad Energy) يوم الاثنين إنه منذ أواخر أغسطس، كان يمر عبر خط الأنابيب وميناء ينبع ما متوسطه 2.6 إلى 4 ملايين برميل نفط يوميا، وهي كمية باتت الآن عرضة لخطر ‘الاختفاء من السوق’، على حد تعبيرها.
وصباح يوم الثلاثاء، ارتفع خام برنت بنسبة 1.17% ليصل إلى 106.92 دولار للبرميل، فيما بلغ متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة 6 دولارات للجالون للمرة الأولى الأسبوع الماضي.”
وهكذا، وحتى قبل الانتخابات النصفية في نوفمبر، بلغت أسعار البنزين والديزل في محطات الوقود الأمريكية مستويات قياسية تاريخية.
ونقص النفط العالمي يتجه للأسوأ. إذ يتوقع بنك أمريكا الوصول إلى 150 دولارا لبرميل النفط. وبالنظر إلى الوراء، قد يتبين أن هذا التوقع كان مفرطا في التفاؤل. فإذا استمرت الأمور في التدهور فقد يتجاوز سعر النفط 200 دولار للبرميل بكثير.
إن الأزمة في الشرق الأوسط، والارتفاع في أسعار الطاقة، والمشاكل في أسواق السندات تعني أن كل الحكومات (باستثناء روسيا والصين) ستواجه أزمة حادة ومتعاظمة. وتجدد الحرب في المنطقة، وما ينجم عنه من انهيار في إنتاج النفط وإمداداته، سيفاقم كل هذه المشاكل تفاقما هائلا.
حيث ستُكره البنوك المركزية على اللجوء إلى رفع أسعار الفائدة، وهذا بدوره سيؤدي إلى انكماش حاد في الطلب، مما يثير انزلاقا لا يمكن وقفه في اتجاه الركود وهبوط الأرباح وانهيار ثقة المستثمرين وأزمة في سوق الأسهم.
إغلاق المصانع، والزيادة الحادة في البطالة، وتدهور مستويات المعيشة والإيرادات الضريبية ستقترن باقتطاعات كبيرة في الإنفاق العام على التعليم والصحة والمكاسب الاجتماعية الأخرى.
تحولات حادة في الوعي
ينطبق هذا على أوروبا بشكل خاص، حيث احتياطيات الغاز الطبيعي منخفضة بمستوى يدعو للقلق. وهناك بالفعل هلع متزايد بشأن نقص الغاز في أوروبا تجنبت الحكومات الأوروبية ذكره، خوفا من إثارة الذعر بين الجماهير.
على شعوب أوروبا أن تتوقع شتاء قاسيا للغاية، فالغيوم العاصفة تتجمع وتزداد سوادا وتجهما.
ومن الممكن، بطبيعة الحال، أن يحاول القادة الأوروبيون تحويل الأنظار عن الأزمة الاقتصادية في الداخل عبر إقحام أنفسهم في الحرب بالشرق الأوسط، تحت ذريعة “الدفاع عن حرية الملاحة البحرية”.
وهذا يعيد إلى الأذهان المثل الشهير القائل إن الحمقى يندفعون حيث يخشى الملائكة. فبعد ارتكابهم كل خطأ يمكن تخيله في السياسة الخارجية —وبعض الأخطاء التي لا يمكن تصورها بصراحة— فإن هؤلاء الأغبياء سيكونون قادرين تماما على إقحام أنفسهم في مغامرة عسكرية في وقت تمر فيه جيوُشهم بحالة يرثى لها، وخزائنهم خاوية، والناخبون ليسوا بأي حال في مزاج يسمح بدعم مثل هذه المغامرات.
ومرة أخرى، يبدو أن غباء هؤلاء القوم لا يعرف حدودا.
غير أن مثل هذه المغامرة العسكرية ستنطوي حتما على عواقب سياسية في غاية الخطورة على كل بلدان أوروبا.
إن المنعطفات الحادة والمفاجئة مثل هذه مضمنة في الوضع برمته. فهي أنصع التجليات لعدم الاستقرار المتأصل في نظام اجتماعي واقتصادي استنفد جدواه وبات يتعارض مع مستلزمات التقدم البشري.

غير أن هذا سيُحدث أيضا تغيرات مفاجئة وحادة بالقدر نفسه في الوعي. وفي غياب بديل يساري قابل للحياة، يضحى الطريق مفتوحا أمام الغوغائيين اليمينيين أمثال ترامب أو حزب البديل من أجل ألمانيا.
يمكن لهؤلاء الغوغائيين اليمينيين البروز فجأة وتحقيق بعض النجاح لفترة من الوقت. غير أنهم سيصطدمون حتما بتناقضات الرأسمالية التي لا يملكون حلها، وسينهارون بالسرعة نفسها التي برزوا بها.
لقد بات بمقدورنا الآن رؤية السرعة التي تبدأ بها الأوهام المتعلقة بترامب (والتي كانت كبيرة) في التبخر وافساح المجال لمشاعر الغضب، ولا سيما بشأن الحرب ضد إيران.
إن حربا بلا أهداف واضحة وبلا نهاية في الأفق، مقترنة بمعدلات عالية من الخسائر الأمريكية، ستثير مستويات من السخط الشعبي والمظاهرات الجماهيرية لم تُشهد منذ حرب فيتنام. وستُشكل نهاية المستقبل السياسي لترامب.
وكما هو الحال في الميكانيكا الأساسية، كذلك في السياسة: لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة ومعاكس له في الاتجاه. فبمجرد انكسار سحر الترامبية ستُفتح السدود مفسحة المجال لسيل من الراديكالية يزلزل أسس المجتمع الأمريكي، وممهدا الطريق لانعطاف حاد للبندول من اليمين إلى اليسار.
وستتوقف تنبؤات ترامب الكارثية بشأن صعود الشيوعية في الولايات المتحدة عن كونها ما كانت عليه حتى الآن: هذيان محموم لسياسي مفلس يتوسل يائسا إيجاد طريقة لتحويل أنظار الجماهير عن المشاكل الحقيقية التي تواجههم في الولايات المتحدة.
وبدلا من ذلك، سينظر إليها باعتبارها استباقا دقيقا للراديكالية المتزايدة نحو اليسار بين قطاعات واسعة من الشباب، والاهتمام المتصاعد بأفكار الشيوعية والثورة.
ستُلاحظ الظاهرة نفسها في بلد تلو آخر. فقد كانت الانتخابات الأخيرة في ألمانيا علامة تحذير جلية على أن مزاج الجماهير يضحى أكثر استياء بكثير، والاستياء من الأحزاب والقادة والحكومات القائمة يزداد، فيما يحل مزاج جديد مشتعل من التمرد محل الرضا السابق عن النفس.
بكلمة واحدة، أضحت الظروف الراهنة وصفة مكتملة لانفجار الصراع الطبقي لمستويات لم يسبق لها مثيل.
25 سبتمبر/أيلول 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية