في يناير/كانون الثاني الماضي، وبعد يومين من قصف ترامب لفنزويلا وخطف رئيسها نيكولاس مادورو، قصفت السعودية جنوب اليمن وخطفت قيادة “المجلس الانتقالي الجنوبي”. أشعل هذا الحدث شرارة سلسلة من التطورات، والآن ظهر صدع عميق على طول البحر الأحمر، يمتد غربا إلى المغرب وشرقا إلى شبه القارة الهندية، حيث يتواجه معسكران معاديان، كلاهما يضم حلفاء للولايات المتحدة!

لم توصف عمليات الاختطاف السعودية في اليمن بأنها “اختطاف” في حد ذاتها. بل أطلقت عليها الرياض اسم “محادثات السلام”. كان رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، قد تلقى دعوة لحضور تلك المحادثات، لكنه في النهاية فضّل عدم تسليم جسده لقتلة جمال خاشقجي. إنه قرار في غاية الحكمة، إن صح التعبير! وبدلا من ذلك، تخلف عن رحلته المقررة إلى الرياض ولجأ إلى الإمارات.
أما قادة المجلس الانتقالي الجنوبي الخمسون الآخرون، فقد ذهبوا بالفعل إلى السعودية، حيث تم استقبالهم بمرافقة مسلحة. بعد ذلك، كل ما نعرفه هو أن هواتفهم أغلقت واحتُجزوا بمعزل عن العالم الخارجي لعدة أيام، قبل أن يظهروا مجددا ويعلنوا أنهم سيعملون على حل المجلس الانتقالي الجنوبي. لم يكن أمامهم أي خيار يُذكر إذا أرادوا الخروج من “المفاوضات” أحياء!
الاختطاف الجوي والسرقة والقرصنة والخطف والمفاوضات تحت تهديد السلاح، هذه هي أدوات الدبلوماسية الدولية في عام 2026، والولايات المتحدة هي من يضبط الإيقاع!
ما حدث في اليمن بالكاد سجل حضورا في عناوين الصحف، مقارنة بأحداث فنزويلا… لكنه مع ذلك أشعل شرارة سلسلة أوسع من الأحداث التي تضخمت وتستمر في التضخم.
خطوط المعركة على طول البحر الأحمر
كان المجلس الانتقالي الجنوبي بمثابة عميل للإمارات العربية المتحدة في اليمن. وفي اليمن، كان متحالفا رسميا مع عملاء السعودية في قتال الحوثيين المدعومين من إيران، وذلك على الرغم من وقوع اشتباكات بينهما على مر السنين. ومع ذلك فإنه في نهاية عام 2025، وسّع المجلس الانتقالي الجنوبي الأراضي التي يسيطر عليها لتصل حتى الحدود السعودية مستخدما أسلحة إماراتية.
لم يكن السعوديون مستعدين للتسامح مع ذلك. وقاموا بقصف العتاد الإماراتي بشكل مباشر، مما أجبر الأخيرة على الاستسلام والانسحاب، ثم دعوا قادة المجلس الانتقالي الجنوبي العُزَّل إلى “المفاوضات” المذكورة آنفا.
منذ ذلك الحين، والعلاقات السعودية الإماراتية في انهيار حاد.
كان قائدا كل من السعودية والإمارات أصدقاء مقربين لسنوات. ويعرفان في وسائل الإعلام باسم محمد بن سلمان (MBS) ومحمد بن زايد (MBZ)، وكانا بمثابة توأمي الخليج العربي. أما الآن، فهما على خلاف حاد.
السعوديون يرفضون الاعتراف بتأشيرات الدخول الإماراتية. لقد أرسل الجانبان مبعوثين إلى واشنطن لحشد الدعم. وأثناء وجودهم هناك، اغتنم الإماراتيون الفرصة لدفع مجموعات ضغط يهودية أمريكية إلى التنديد بالسعوديين ووصفهم بمعاداة السامية.
لكن منذ ذلك الحين، بدأت سيرورة أعمق في الظهور.

المنطقة بأكملها تسود فيها شبكة من الصراعات كالحروب بالوكالة، والحروب الأهلية، والنزاعات عبر الحدود، جروح غائرة ألحقها الإمبرياليون بالمنطقة وتركوها تنزف لسنوات.
الآن، بدأت تلك الصراعات تتجمع وتندمج. حيث يتشكل معسكران متعاديان على مساحة شاسعة تمتد من شمال وشرق أفريقيا، عبر الشرق الأوسط وصولا إلى آسيا.
على جانب: إسرائيل، الإمارات، إثيوبيا، الهند وحلفاؤهم. وعلى الجانب الآخر: السعودية، تركيا، باكستان وحلفاؤهم.
الصومال ضد أرض الصومال
يقع البحر الأحمر في قلب الاستقطاب الدائر حاليا. وبصفته شريانا حيويا يربط أوروبا بالمحيط الهندي ومن ثم بآسيا، فإن له أهمية استراتيجية هائلة للتجارة العالمية، ولا سيما لسوق الطاقة العالمي.
تقع منطقة أرض الصومال الانفصالية، على الجانب الآخر من خليج عدن عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، في مواجهة اليمن.
في ديسمبر/كانون الأول، بادرت إسرائيل لتصبح أول دولة تعترف بإقليم أرض الصومال الانفصالي، وأبدت اهتمامها ببناء قاعدة عسكرية هناك. وتماشيا مع الخطوة الإسرائيلية، توقفت الإمارات عن الاعتراف بجوازات السفر الصومالية وأعلنت أنها لن تعترف بعد الآن سوى بجوازات سفر أرض الصومال.
لاسيما وأن للإمارات استثمارات مهمة في المنطقة. تمتلك شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية حصة 51% في ميناء بربرة بأرض الصومال. أما النسبة المتبقية وقدرها 49% فتسيطر عليها إثيوبيا غير الساحلية، الدولة التي فقدت منفذها على البحر الأحمر منذ أن انفصلت عنها إريتريا في التسعينيات
وتستند استثماراتها في ذلك الميناء إلى اتفاق مسبق ينص على أنها ستعترف هي الأخرى بالإقليم الانفصالي.
بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال بوقت قصير، استنكرت تركيا والسعودية تلك الخطوة.
بعدها وقّعت قطر حليفة تركيا اتفاقية عسكرية مع الصومال في يناير/كانون الثاني، ووقعت السعودية اتفاقية مماثلة في فبراير/شباط. وفي الوقت نفسه، دعا المصريون الرئيس الصومالي لحضور عرض رفيع المستوى لقواتهم التي يعتزمون نشرها هناك، فيما وصفته إحدى وسائل الإعلام بأنه “رسالة ردع” موجهة لإسرائيل والإمارات.
في أحدث التطورات، وخلال الأيام القليلة الماضية، أعلنت الصومال -إحدى أفقر دول العالم- أنها ستشتري 24 طائرة مقاتلة من طراز “جيه إف-17” من باكستان بمبلغ مليار دولار.
نطلب من القارئ أن يتحملنا. هذه مجرد بداية الصدع الذي انفتح.
خطوط المعركة عبر شرق أفريقيا
بالتزامن مع ذلك، هناك تطورات تجري على الجانب الآخر في إثيوبيا.
أولا، شهدنا نشاطا دبلوماسيا مكثفا. فقبل أسبوع، كان الرئيس التركي أردوغان في أديس أبابا للضغط على إثيوبيا لكي لا تعترف بأرض الصومال. وفي الأسبوع المقبل، سيتوجه الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى هناك تحديدا لممارسة الضغط في الاتجاه المعاكس. وبهذا يتم جر إثيوبيا إلى ذلك الصراع.
وكما ذكرنا سابقا، يُشكل الوصول إلى البحر الأحمر جزءا رئيسيا من نزاع طويل الأمد بين إثيوبيا وإريتريا. والآن، إثيوبيا تتهم إريتريا بغزو أراضيها في الأسابيع القليلة الماضية بالتحالف مع مقاتلين من تيغراي. بينما ينفي الإريتريون ذلك الاتهام. لقد بدأت الأمور تشتعل فعليا.
تتشكل في هذا الصراع أيضا خطوط المعركة، وتقف الأطراف نفسها على جانبي النزاع. ففي الشهر الماضي، بدأت إسرائيل والإمارات في تعزيز علاقاتهما مع إثيوبيا. ولدى مصر نزاعها الخاص مع إثيوبيا بشأن إمدادات المياه، حيث تبني إثيوبيا حاليا أكبر سد في أفريقيا عند منبع النيل الأزرق. وتتخذ مصر إجراءات للتوسط في إقامة علاقات عسكرية بين السعودية وإريتريا.
ثم هناك السودان، البلد الآخر المطل على البحر الأحمر والغني بالذهب وموارد أخرى.
منذ هزيمة ثورة 2019، غرق السودان في أفظع حرب أهلية بين فصائل متناحرة داخل الدولة. والآن، تصب عصابات الافتراس الإقليمية التي سبق ذكرها الوقود على نيران ذلك الصراع المروع، والذي هو صراع لا مصلحة للجماهير فيه.
لطالما كانت الإمارات داعما صريحا لمرتزقة قوات الدعم السريع السفاحين. ولكن خلال هذا الشهر بالتحديد، كشفت رويترز عن أدلة من الأقمار الصناعية تثبت لأول مرة أن إثيوبيا تنضم بشكل حاسم إلى هذه الحرب إلى جانب قوات الدعم السريع، من خلال بناء معسكرات تدريب على أراضيها.
على الجانب الآخر، تدعم السعودية منذ فترة الجيش السوداني الرسمي. والآن، تقوم باكستان، التي وقعت اتفاقية دفاع مشترك مع السعوديين في سبتمبر/أيلول، باقتحام أجواء الصراع من خلال توقيع صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار مع الجيش السوداني لتزويده بطائرات نفاثة ومسيرات.
ومرة أخرى، نزاع آخر، نفس الخطوط: على جانب، إسرائيل، الإمارات، إثيوبيا – وعلى الجانب الآخر، تركيا، السعودية، باكستان.
ليبيا
إن خطوط الصراعات بالوكالة القائمة والتي تشكل سلسلة متواصلة عبر المنطقة، لا تتماشى تماما مع هذا المحور ثنائي القطب. نرى ذلك في ليبيا. فبينما تدعم تركيا القوات المتمركزة في طرابلس، نجد أن السعوديين والمصريين والإماراتيين يدعمون القوات الشرقية المتمركزة في طبرق.
غير أن هذا الوضع لم يعد قابلا للاستمرار. الاتجاه العام نحو تشكيل معسكرين متعاديين يتسارع ويُحدث إعادة ترتيب للتحالفات. قد تكون إعادة الترتيب هذه محققة في ليبيا، حيث تحاول الحكومة الشرقية خدمة سيدين في وقت واحد.
في يناير/كانون الثاني، تلقى صدّام حفتر (نجل دكتاتور شرق ليبيا) “أمرا بالمجيء إلى مصر وليس دعوة لزيارة حبية” -على حد تعبير مصدر عسكري مصري-.
وخلال وجوده هناك، قيل له بأوضح العبارات أنه يجب عليه نقل رسالة إلى والده الدكتاتور. فالسعوديون والمصريون يدركون أن الحكومة المتمركزة في طبرق ساعدت الإماراتيين في نقل الوقود والأسلحة جنوبا عبر ليبيا إلى مقاتلي الدعم السريع في السودان.
“كانت الرسالة واضحة”، أوضح المصدر العسكري المصري: “الاستمرار في دعم قوات الدعم السريع سيجبر مصر على إعادة النظر في كامل علاقتها مع شرق ليبيا”.
الجميع مجبرون على الانحياز إلى أحد الجانبين.
المزيد من التصدعات
بينما تتطور الأحداث بسرعة في منطقة البحر الأحمر، فإن تلك الصدوع تلتقي مع صدوع تمتد إلى أبعد بكثير.

لقد حللنا في مكان آخر كيف تواجه تركيا وإسرائيل الآن بعضهما كقوتين معاديتين عبر الأراضي السورية. فكل من تركيا والسعودية تدعمان نظام الجولاني الجديد في دمشق. وفي المقابل، تحاول كل من إسرائيل والإمارات التلاعب بجماعات الأقليات المضطهدة لتقويض سلطة الحكومة المركزية.
وأبعد من ذلك، على الطرف الغربي للبحر الأبيض المتوسط، تتزايد حدة التوترات بين المغرب والجزائر. فالبلدان على خلاف منذ سنوات بشأن وضع الصحراء الغربية. تدعم إسرائيل والإمارات المطالب المغربية بتلك المنطقة. بينما تدعم السعودية موقف الجزائر الداعم لاستقلال الصحراويين.
في أعقاب القطيعة السعودية الإماراتية، ألغت الجزائر اتفاقياتها الجوية مع الإمارات.
وفي جميع أنحاء المنطقة، أصبح مصير الأمم الصغيرة والشعوب المضطهدة يدخل في المعادلة كأوراق مساومة تُستخدم بلا خجل في لعبة دموية ورجعية. اليمن هي ثاني أفقر بلد في العالم؛ وإريتريا تاسع أفقر بلد؛ والصومال العاشرة وإثيوبيا الثامنة عشرة.
لماذا السعودية وتركيا -وهما عصابتان إقليميتان مفترستان ورجعيتان تتنافسان فيما بينهما لاستغلال ونهب شعوب المنطقة- تتحدان فجأة في محور واحد؟ لا مواثيق شرف بين اللصوص، وبالتأكيد لا ولاء متبادل. ومع ذلك، فهو واقع قائم في كل مكان.
ببساطة، يتلخص الأمر في هذا: كل القوى الإقليمية تستشعر ضعف الإمبريالية الأمريكية. لقد رأى السعوديون والأتراك كيف دعمت الولايات المتحدة إسرائيل بكل قوة في حملاتها في غزة ولبنان وسوريا واليمن وأماكن أخرى. وإسرائيل لديها طموحات واضحة للهيمنة على المنطقة بأكملها.
والآن، يقوم ترامب ببناء أسطول حربي يهدد بتدمير أي توازن كان قائما في المنطقة. إنه يقرع طبول الحرب، مهددا بالقضاء على إيران. وقد دفع هذا الأمر العصابات الحاكمة في السعودية وتركيا وباكستان إلى حالة من الذعر.
من المستفيد من انهيار إيران، وزعزعة استقرار النظام الإقليمي، والاحتمال الكبير لانتشار عدم الاستقرار من إيران إلى جيرانها، العراق، السعودية، تركيا، باكستان؟ إسرائيل!
لكن هناك قوة أخرى تقود هذا الاستقطاب، تيار أكثر قوة في الشؤون العالمية.
مع ضعف الولايات المتحدة، قامت السعودية وتركيا بتنويع خياراتهما بالانحياز نحو الصين وروسيا. وكذلك فعلت باكستان. البحر الأحمر هو شريان رئيسي لطريق الحرير الجديد الصيني. والخطر المتمثل في احتمال سيطرة الصين على حركة المرور في البحر الأحمر هو، بدوره، مصدر قلق للهند، التي تتوق إلى إنشاء طريق تجاري خاص بها يمنحها الاستقلال عن طريق الحرير الجديد الصيني. كما أن الهند تقترب أكثر من إسرائيل والإمارات بينما يقترب منافسها الإقليمي، باكستان، من تركيا والسعودية.
وهكذا، وبينما يضم جانبا هذا الصدع رسميا حلفاء للولايات المتحدة، فإن هناك ما يلوح في الأفق خلف هذا الاستقطاب الناشئ، ألا وهو مسألة الصراع العالمي الذي يحدد عصرنا: الصراع بين الولايات المتحدة والصين.
“مكان للشراكة والصداقة والاستثمار”
نكرر: إن الإمبريالية، وقبل كل شيء الإمبريالية الأمريكية، هي المسؤولة عن كل هذا. لقد تركت سلسلة من الجروح الدامية المتقيحة في جميع أنحاء هذه المنطقة المعذبة نتيجة تدخلاتها المتكررة. والآن، تهدد هذه الصراعات الدامية، في سوريا واليمن وليبيا وإثيوبيا وإريتريا والصومال والصحراء الغربية، بالاندماج.
لماذا؟ لأن الولايات المتحدة لم تعد القوة المهيمنة على العالم كما كانت في السابق، وهي غير قادرة على السيطرة على الوضع. لا يمكنها الهيمنة على العالم بأسره في وقت واحد، وهي حقيقة تم الاعتراف بها صراحة في وثيقة استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب، التي نُشرت في نوفمبر/تشرين الثاني.
تشير الوثيقة، وبشكل صحيح تماما، إلى أن الشرق الأوسط لم يعد له الأهمية الاستراتيجية التي كان يتمتع بها سابقا بالنسبة للولايات المتحدة. فالولايات المتحدة اليوم مستقلة في مجال الطاقة ولا تحتاج إلى استيراد النفط. لقد أدت “الحروب الأبدية”، وبتكلفة باهظة، إلى تقييد الولايات المتحدة في المنطقة، ومنعتها من التركيز على أماكن أخرى.
هناك انقسامات داخل إدارة ترامب. هناك جناح -يمثل الموقف التقليدي للطبقة الحاكمة الأمريكية- يرغب في تجاهل الواقع ومواصلة الهيمنة على الشرق الأوسط.
لكن جناحا آخر يجادل، بمنطق معين، بأن الولايات المتحدة مرهقة ويجب عليها بدلا من ذلك التركيز على أماكن أخرى، على مناطق ذات أهمية استراتيجية قصوى. وهي نصف الكرة الغربي ومنطقة المحيط الهادئ. ومع ذلك، إذا انزلق الشرق الأوسط إلى الفوضى، فسيكون ذلك كارثيا على الاقتصاد العالمي، وعلى أسعار الطاقة، وفي النهاية على مصالح الإمبريالية الأمريكية نفسها. هذا هو الرأي الذي عبرت عنه وثيقة استراتيجية الأمن القومي لترامب.
وتخلص تلك الوثيقة إلى التقييم الأكثر إشراقا وتفاؤلا للوضع في الشرق الأوسط! إنها تصف المنطقة بالعبارات التالية:
“[لم يعد] الشرق الأوسط مصدر الإزعاج المستمر، ومصدر الكارثة الوشيكة المحتمل، الذي كان عليه في السابق. إنه بالأحرى يبرز كمكان للشراكة والصداقة والاستثمار، وهو اتجاه يجب الترحيب به وتشجيعه.”
قد يتبادر إلى الذهن أن هذا المقطع نابع من حس فكاهة منحط لدى الكاتب! مع ذلك، فإني أرى أنه لم يكن المقصود منه أن يكون مزحة سمجة، أو أي مزحة على الإطلاق. بل ما لدينا هنا هو حالة من التفكير الخيالي، بل وحتى السحري.
لزمن طويل، وقبل أن تُسن قوانين حماية الحيوان، كان بإمكانك أن تذهب إلى السيرك لترى الدببة والأسود والنمور وهي تجلس، تقف، وتقفز عبر الحلقات، وتؤدي معا مختلف الألعاب البهلوانية، كما لو كانوا أصدقاء حميمين.
بالطبع، لم يكن هناك شيء طبيعي في “الصداقات” التي رعاها السيرك بين هؤلاء القتلة بالفطرة. لم يكن ذلك المشهد ممكنا إلا لأن هؤلاء المفترسين كانوا جميعا يراقبون مدربهم بحذر، والذي كان يكافئهم باللحوم الحمراء مقابل الأداء البهلواني الجيد، ويحمل سوطا في حالة خروجهم عن المسار.
الآن تخيل أن مدير السيرك أقنع نفسه بأنه حقا عزز صداقة حقيقية بين الدببة والأسود والنمور التي تسير بطاعة تحت تأثير سوطه، وأن السيرك لم يعد “مصدرا محتملا لكارثة وشيكة”. ثم تخطر بباله فكرة عبقرية تتمثل في ترك الإدارة المشتركة للسيرك لقتلته المدربين. ثم يحاول الانسحاب من السيرك للتركيز على أعمال أكثر أهمية.
ماذا سيحدث؟ على الأقل، بعض الجروح أو الإصابات الخطيرة.
ما وصفناه للتو، بعبارة أخرى، هو استراتيجية أحد أجنحة إدارة ترامب.

تشير الوثيقة إلى أن إيران أصبحت ضعيفة. وفي الوقت نفسه، فإن جميع القوى المهيمنة الأخرى في الشرق الأوسط هي حلفاء للولايات المتحدة: إسرائيل، وتركيا، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. رسميا، كل هذا صحيح. لو أمكن فقط جمع تلك القوى معا في إطار من الصداقة، فعندئذ يمكنها معا أن تحكم قبضتها على المنطقة وتفرض بشكل مشترك نظاما جديدا يسوده السلام.
وهذا يعني بشكل أساسي تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهذا بالتحديد ما شكل جوهر سياسة ترامب في الشرق الأوسط منذ ولايته الأولى كرئيس، عندما أعلن عن اتفاقيات إبراهام.
أدت تلك الاتفاقيات إلى تطبيع العلاقات مع الإمارات والمغرب والسودان في عام 2020. وكان ترامب يأمل بوضوح في أن ينضم السعوديون، وفي النهاية الأتراك إلى الركب، وأن تتحقق رؤيته: أسود ونمور ودببة تقوم بدوريات في السيرك بطريقة حضارية: ‘مكان للشراكة والصداقة والاستثمار’.
حينها يمكن للولايات المتحدة أن تنسحب بأمان دون المخاطرة بانفجار.
العائق الرئيسي
بغض النظر عن مسألة ما إذا كان بإمكان الدببة والأسود والنمور أن يصبحوا أصدقاء، فقد كان هناك عائقان رئيسيان فقط فيما يتعلق بخطط إدارة ترامب.
العقبة الأولى هي أن إدارة ترامب بالغت بشكل فادح في تقدير درجة ضعف إيران. إذا كان ترامب يعتقد أن عملية تنظيف بسيطة هي المطلوبة، وأن أسطولا بحريا كبيرا بما فيه الكفاية في الخليج العربي سيتسبب في سقوط النظام الإيراني، فهو قد أخطأ التقدير بشكل فادح. حيث تواجه الإدارة الآن إحدى الخيارات التالية: عمل عسكري قد ينتهي بكارثة وهزيمة محتملة، أو الانسحاب والتراجع وخسارة غير مسبوقة لمكانة الإمبريالية الأمريكية.
أما العقبة الثانية في هذه الخطة فكانت هذه: اتفاقيات إبراهام تعني خيانة الدول العربية العلنية للقضية الفلسطينية. مما لا شك فيه أن الطبقات السائدة الفاسدة في الدول العربية الرجعية كانت جميعها على استعداد تام لاتخاذ تلك الخطوة لولا تدخل الأحداث.
لكن الأحداث تدخلت بالفعل. ولم يكن إيقاف اتفاقيات إبراهام في مسارها جزءا صغيرا من حسابات حماس في شن عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023. فيما بعد، نظرت الأنظمة العربية الرجعية بقلق إلى كيف تتسبب ممارسات إسرائيل المتهورة في إشعال الغضب الثوري ضد الصهيونية والإمبريالية والأنظمة العربية المتواطئة.
جعل ذلك أي تقارب إضافي مستحيلا سياسيا، وقسم البلدان العربية إلى كتلتين. فمن ناحية، هناك بلدان مثل الإمارات مضت قدما في التطبيع. واليوم، تطورت تجارة ثنائية ضخمة بين إسرائيل والإمارات. ومن ناحية أخرى، ما تزال المملكة العربية السعودية (وتركيا) وحلفاؤها خارج اتفاقيات إبراهام.
لا نريد المبالغة في أهمية اتفاقيات إبراهام، فهي ليست السبب الجذري للأعمال العدائية الراهنة. هناك سيرورات أكثر عمقا تقود هذا المشهد: تراجع الهيمنة الأمريكية، وصعود الصين، وتدافع القوى الإقليمية الصغرى لملء الفراغ.
لكن المفارقة التاريخية تكمن في أن التحالف الذي كان يهدف إلى حسم المنطقة وترسيخ السلام لصالح الإمبريالية الأمريكية، تحوّل هو نفسه إلى خط الصدع الذي يشطر حلفاء واشنطن إلى معسكرين متعاديين، يستعدان لاحتمال إعادة تقسيم عنيف على نطاق إقليمي.
إنها سخرية لاذعة من النزعة الطوباوية التي تتسم بها جميع أجنحة الإمبريالية الأمريكية. فالجناح الذي يحلم ببسط الهيمنة على العالم أجمع، يكتشف عجزه عن الحفاظ على الحد الأدنى من النظام بين حلفائه الحاليين، بينما يتقاتلون بضراوة.
أما بخصوص فكرة الانسحاب من الشرق الأوسط وإعادة الانتشار، فإن الولايات المتحدة تقع في شرك التناقضات التي نسجتها بيديها على امتداد عقود. فمجرد محاولة الانسحاب، أو حتى ظهور بوادر ضعف، كاف لأن تبدأ القوى الإقليمية المفترسة في شحذ أنيابها والتدافع بوحشية لملء الفراغ الذي خلفته. وعندها، ستجد الولايات المتحدة نفسها مجرورة حتما إلى قلب المعركة من جديد، بما يستتبعه ذلك من استنزاف متواصل للرصيد السياسي والموارد الاقتصادية للطبقة السائدة وأحزابها في أميركا.
ما نشهده هنا هو همجية على نطاق مروع، تقف الإمبريالية الغربية، وعلى رأسها الإمبريالية الأمريكية، هي المسؤولة! يجب علينا، نحن شباب وعمال العالم، أن نقضي على الإمبريالية، وأن نعمل على دفن الرأسمالية العالمية قبل أن تدفننا.
ترجمة مجموعة البديل الماركسي (سوريا)
25 فبراير/شباط 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية