يستند المقال التالي إلى كلمة ألقاها خورخي مارتن في اجتماع حديث للقيادة الأممية للأممية الشيوعية الثورية. ويحلل فيها الأزمة الوجودية للرأسمالية الأوروبية، والأثر الذي ستخلفه هذه الأزمة على الصراع الطبقي.

تواجه الرأسمالية الأوروبية أزمة وجودية. لقد أمضينا وقتا طويلا في الفترة الأخيرة في مناقشة العلاقات الدولية المتركزة أساسا على مسألة الولايات المتحدة وروسيا والصين. غير أنه من الجلي أن التراجع النسبي للإمبريالية الأمريكية وصعود الصين وروسيا يتركان أوروبا في موقف خاص للغاية.
وهذه الأزمة ليست في الحقيقة ظاهرة جديدة، بل ظلت تتطور عبر مدة زمنية طويلة. إذ يمكن تقفي أثرها بالعودة إلى أعقاب الحرب العالمية الثانية مع بروز الولايات المتحدة بوصفها القوة الإمبريالية المهيمنة على العالم، والاتحاد السوفياتي بوصفه الند الوحيد لها.
أما الآن، فقد طفا التراجع النسبي للإمبريالية الأمريكية بأزمة الرأسمالية الأوروبية على السطح، وكشفها لمرأى الجميع.
وفي الوقت ذاته، يؤدي صعود الإمبريالية الصينية، وهو مسار امتد لثلاثين عاما، دورا بالغ الأهمية في هذه الأزمة.
وكانت أزمة عام 2008 واحدة من نقاط التحول المتعددة في أزمة الرأسمالية الأوروبية.
فقبل أزمة 2008، كانت الاقتصاديات المجتمعة للاتحاد الأوروبي —بما فيها بريطانيا التي كانت حينئذ جزء من الاتحاد الأوروبي— أكبر بنسبة 23% من اقتصاد الولايات المتحدة. أما الآن، فإن اقتصاد الولايات المتحدة بات أكبر بنسبة 18$ من الاقتصاديات المجتمعة للاتحاد الأوروبي وبريطانيا.
وقد تأثرت كل من الولايات المتحدة وأوروبا بالقدر ذاته بأزمة 2008، بيد أنهما خرجتا منها على نحو مختلف قليلا، إذ حدث تباعد بينهما منذ ذلك الحين.
فمنذ عام 2008، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة 123%، وبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين 453%. أما النمو المجمع للاتحاد الأوروبي وبريطانيا فلم يتجاوز 53%، وهو ما يقل عن نصف نمو الولايات المتحدة وأقل من ثُمن النمو الاقتصادي في الصين. وهذا ما يضع الرأسمالية الأوروبية في موقف يتسم بضعف شديد للغاية.
ويأتي هذا في وقت شهدت فيه طبيعة الاقتصاد العالمي تحولا هائلا. من العولمة والتجارة الحرة إلى وضع يتفكك فيه الاقتصاد العالمي إلى تكتلات تجارية متنافسة ومتصارعة.
التكامل الأوروبي
إن ما نتحدث عنه هو سيرورة التراجع الممتدة للرأسمالية الأوروبية.
اندلعت أزمة عالمية للرأسمالية في سبعينيات القرن الماضي، كانت الأولى عقب فترة الصعود الطويل لمرحلة ما بعد الحرب. وردت الطبقة السائدة بما يُعرف عادة بالنيوليبرالية، والتي تؤول في جوهرها إلى شن هجوم على دولة الرفاه، وفتح قطاعات عريضة من الاقتصاد كانت في السابق بيد الدولة أمام الربح الخاص.
وقد حدث اندفاع قوي للغاية نحو التكامل الأوروبي عقب تلك الفترة تقريبا، والذي انتهى بصك اليورو بوصفه عملة موحدة للاتحاد الأوروبي.
وكان سبب إنشاء الاتحاد الأوروبي قائما منذ عقود عدة، بدرجة أو بأخرى. إذ كان مسارا طويلا، ولكنه تمثل في جوهره في محاولة من القوى الرأسمالية الأوروبية الضعيفة للتكتل معا بغية انتزاع ميزة تنافسية في السوق العالمية.
احتشدت عوامل مختلفة على مدى عقود عدة سبقت ذلك. إذ كانت الولايات المتحدة داعما مبكرا للتكامل الأوروبي تحت هيمنتها. ولكن هذا التكامل مَثَل أيضا محاولة لعقد صفقة بين البرجوازية الفرنسية والألمانية لإبرام اتفاق اقتصادي يمنع نشوب الحرب على الأراضي الأوروبية.

غير أن الحقيقة هي أنه عندما قُدم اليورو في نهاية المطاف، فإنه قُدم تحت الهيمنة الصارمة لرأس المال الألماني، الذي كان الأقوى ضمن هذا التجمع للقوى الرأسمالية المتباينة.
كما قُدم أيضا على أساس سياسات تقشفية دائمة ومفروضة. وإذا تذكرتم، فإن معايير معاهدة ماستريخت —التي لم يفِ بها أحد حقا— نصت على ألا تتجاوز نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في البلدان 60%، وألا يتجاوز العجز المالي في الميزانية 3%.
وفي ذلك الوقت، لم تكن هذه المعايير تبدو مسألة ذات شأن كبير بالنسبة لغالبية البلدان. ولإعطائكم مؤشرا فقط، فقد كانت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في إسبانيا قبل أزمة 2008 تناهز 30%. ولكن حتى في ذلك الوقت، ظلت تلك المعايير تعني تطبيق سياسات تقشفية.
وكما قلت، فإن كل هذا جرى تحت هيمنة ألمانيا. إذ استفاد رأس المال الألماني فائدة هائلة من صك اليورو. واقترن ذلك داخل ألمانيا بسلسلة من الهجوم على الإصلاحات في مجال العمل، وهو هجوم زاد من التنافسية للمنتجات الألمانية.
شهدت تلك الفترة ضخا هائلا لأموال الاتحاد الأوروبي نحو بلدان جنوب أوروبا في مشاريع البنية التحتية وغيرها، مما خلق بدوره سوقا للمنتجات التصديرية الألمانية.
وفي ذلك الوقت، توفرت سيولة مالية رخيصة للغاية وسعر فائدة منخفض للغاية، وهو ما أدى إلى قدر معين للاقتصاد.
وحينئذ، أوضحنا أنه من المستحيل توحيد اقتصاديات ذات احتياجات متباينة وتسير في اتجاهات مختلفة. وأوصي الرفاق بإعادة قراءة الوثيقة التي كتبها آلان وودز عام 1997 بعنوان: “بديل اشتراكي للاتحاد الأوروبي“، والتي تحلل تلك السيرورة.
علينا الإقرار بأن الطبقة الرأسمالية الأوروبية قد ذهبت إلى أبعد مما كنا نعتقد في مسار التكامل الأوروبي هذا.
ومع ذلك، فإن التناقض الأساسي الذي أشرنا إليه ظل قابضا على قلب الاتحاد الأوروبي، والمتمثل في استحالة توحيد الاقتصاديات المتباينة لبلدان تتحرك في اتجاهات مختلفة.
كما تصارعت الطبقة السائدة الأوروبية مع هذه المشكلة منذ ذلك الحين، عبر محاولات تحقيق وحدة سياسية لتدعيم هذه الوحدة الاقتصادية. والمقصود هنا وحدة سياسية تحت الهيمنة الألمانية.
فلنفترض، على سبيل المثال، أن الاقتصاد اليوناني دخل في أزمة. إنهم لا يستطيعون تخفيض قيمة عملتهم لأنهم لا يملكون عملة خاصة بهم. ومن ثُم، فإنهم يُكرهون على “تخفيض القيمة الداخلية” عبر التدمير الهائل لمستويات معيشة العمال. إذ باتت هذه هي الطريقة الوحيدة لاستعادة التنافسية في تلك المرحلة من الدورة الاقتصادية.
بيد أن الحقيقة هي أنه بعد كل هذه السنوات لم تتحقق هذه الوحدة قط. فلا يوجد شيء مشترك في السياسة الأوروبية المشتركة. والآن، وتحت ضربات مطرقة الأزمة الاقتصادية والتغيرات في العلاقات الدولية، التفكك يتزايد بدرجة أكبر.
وبدلا من السعي نحو مزيد من الوحدة، ينصب نقاشهم الآن على إلغاء حق النقض (الفيتو) ونظام التوافق في اتخاذ القرارات، لأنه لا يعمل. إذ إن نظام الفيتو يعني أن أوربان في المجر كان بمقدوره ابتزاز الاتحاد الأوروبي في قضايا مختلفة تهمه.
ثم جاءت، كما قلت، أزمة 2008، والتي أعقبها عمليات إنقاذ هائلة للبنوك، مما أدى بدوره إلى أزمة الديون في الأعوام 2011–2015.
وأدى هذا بالفعل إلى إجهاد الاتحاد الأوروبي إلى أقصى الحدود، وأثار حركات جماهيرية ضد التقشف في كافة البلدان، وكانت اليونان الضحية الرئيسية فيها.
وعقب ذلك، تعرضنا لصدمة كوفيد-19، وجدد ذلك التراكم الهائل للديون. إذ ارتفع إجمالي الدين العام للاتحاد الأوروبي من 58% قبل عام 2008 إلى 88% إجمالا، وهو رقم يتجاوز بكثير سقف ماستريخت.
وهذا الرقم الإجمالي البالغ 88% لا يعكس الوضع الحقيقي. فألمانيا، وهي الاقتصاد الأكبر في الاتحاد الأوروبي، ما زالت عند مستوى 60% تقريبا.
غير أن اقتصاديات بريطانيا —التي لم تعد عضوا في الاتحاد الأوروبي— وبلجيكا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا قد تجاوزت جميعها نسبة 100% من الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. وفي بعض الحالات، بلغت 130% أو 120%، وهو وضع غير قابل للاستمرار على الإطلاق، ويشكل سببا رئيسيا لأزماتها السياسية.
على حافة الشُح
وكأن كل هذا لم يكن كافيا، حتى اندلعت حرب أوكرانيا عام 2022. وسوف تسجل العقوبات المفروضة على روسيا في التاريخ بوصفها واحدا من أبرز الأمثلة على إطلاق المرء النار على قدمه من طرف الرأسماليين الأوروبيين. وهو ما ينطبق بوجه خاص على ألمانيا.
لقد قطعت أوروبا عن نفسها سبل الحصول على النفط والغاز الروسيين الرخيصين. إذ كان النفط الروسي يمثل 27% من واردات النفط الأوروبية في السابق، لينخفض الآن إلى 2% فقط (في الواردات المباشرة، وإن كان بعض النفط الروسي ما يزال يتدفق عبر الهند). كما انخفضت حصة الغاز الروسي ضمن إجمالي واردات أوروبا من 45% إلى 13%.
ويتفاوت هذا التأثير بين البلدان المختلفة. حيث تضررت بعض البلدان بدرجة أشد بكثير، بينما تمتلك بلدان أخرى مصادر إمداد بديلة أو محلية. وكانت ألمانيا هي البلد الأكثر تضررا على الإطلاق.
أدى هذا الوضع إلى اندفاعة من جانب الولايات المتحدة للاستحواذ على سوق الطاقة في أوروبا.

ويشكل الصراع على الهيمنة على أسواق الطاقة العالمية جزء بالغ الأهمية من الصراع الإمبريالي على مستوى العالم. ومن الجلي أن الصين تتفوق في مجال الطاقات المتجددة، مثل: الألواح الشمسية والبطاريات الكهربائية وأيضا إنشاء محطات الطاقة النووية. ولا تمتلك الولايات المتحدة أفضلية في هذا المجال.
غير أن الولايات المتحدة قد تحولت، خلال العقود القليلة الماضية، من مستورد صافٍ للطاقة إلى مصدر صافٍ لها. حيث يؤدي تطوير تقنية التكسير الهيدروليكي دورا كبيرا في هذا التحول.
وارتفعت واردات أوروبا من الغاز الأمريكي من 2% إلى 28%. أما بالنسبة للغاز الطبيعي المسال المنقول بحرا، فقد ارتفعت حصة الولايات المتحدة من تزويد أوروبا من 25% إلى 66% من إجمالي الواردات. كما ارتفعت حصة النفط الأمريكي من 8% إلى 15% من الواردات الأوروبية.
يعد هذا مؤشرا تقريبيا، إن جاز التعبير، على هيمنة الولايات المتحدة المتزايدة على الرأسمالية الأوروبية جراء حرب أوكرانيا.
حيث لم تكن حرب أوكرانيا تخدم المصلحة الوطنية للطبقة السائدة الألمانية بأي حال، وهو ما يفسر ترددها المبكر في الانخراط فيها.
أما الآن، فتحاول الولايات المتحدة استغلال هذا الوضع إلى أقصى حد لمصلحتها الخاصة. وهي عملية بدأت قبل عامين أو ثلاثة أعوام، لكنها تسارعت خلال العام الماضي، بل وحتى خلال الأشهر الستة الماضية.
حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تطوير سلسلة من خطوط أنابيب الغاز ومحطات استقبال الغاز في أوروبا تحت الهيمنة الأمريكية، بغية إحكام ربط مجموعة كاملة من البلدان بالإمدادات القادمة من الولايات المتحدة، لا سيما في منطقة البلقان وأوروبا الشرقية.
ثمة ثلاث منشآت تشكل ركيزة هذه البنية التحتية بأكملها: أولاها محطة استقبال في كرواتيا على جزيرة كرك، والتي تربط كرواتيا الآن بإمدادات الغاز من الولايات المتحدة. لم تُبنَ بعد، ولكن الاتفاق يقضي بإنشاء خط أنابيب غاز من كرواتيا إلى البوسنة والهرسك، وهي صفقة مريبة للغاية ويبدو أنها تنتهك قواعد المناقصات الأوروبية، وتندرج ضمن الصراع بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وهناك محطة عائمة للتخزين وإعادة التبخير (FSRU) في اليونان، وهي أيضا محطة تخضع للهيمنة الأمريكية. وهناك محطة في بولندا تُدعى محطة شفينواويشتشه (Świnoujście).
الفكرة هي بناء سلسلة من خطوط الأنابيب التي تربط كل هذه المنشآت بخط أنابيب رأسي يمتد من بولندا وصولا إلى هذه المحطات في جنوب أوروبا.
بعض هذه الخطوط قائم بالفعل، بينما بُني بعضها الآخر جزئيا. غير أن الهدف واضح: التأسيس لبديل دائم لسبل الحصول على إمدادات الغاز والطاقة الروسية.
وقد جرت سلسلة كاملة من الاجتماعات والقمم. حيث واصل وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت تنقلاته الجوية من البوسنة إلى كرواتيا واليونان وكل هذه البلدان. وهناك مبادرة البحار الثلاثة لربط البحر الأدرياتيكي وبالبلطيق والأسود، والتي تشكل ساحة صراع حاد بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
ثم هناك قمة أمن الغاز عبر الأطلسي، التي تضم 12 بلدا تحت رعاية الولايات المتحدة: اليونان، وبلغاريا، والمجر، وبولندا، ورومانيا، وسلوفاكيا، ومولدوفا، وأوكرانيا، وكرواتيا، وليتوانيا، وصربيا، والبوسنة والهرسك.
إن ما نشهده هو صراع حاد للغاية بين الإمبريالية الأمريكية والرأسمالية الأوروبية للسيطرة على أسواق الطاقة.
غير أن الأثر الأكثر أهمية لفقدان إمدادات الطاقة الروسية الرخيصة قد ظهر في ألمانيا.
لا أريد إيراد الكثير من الأرقام، لكنني أعتقد أن على الرفاق إدراك الأبعاد الكاملة لهذه المسألة.
فقد انخفض الإنتاج الصناعي في ألمانيا بنسبة 9.5% من حيث الحجم مقارنة بمستواه قبل حرب أوكرانيا. وتوجد صناعات معينة أكثر كثافة في استهلاك الطاقة، مثل الصناعة الكيميائية، التي تشكل عنصرا محوريا في رأس المال الصناعي الألماني. وقد انخفض الإنتاج في هذا القطاع بنسبة 20%. وفي صناعات المعادن والورق، فٌقدت ما بين 8% و9% من إجمالي الوظائف خلال هذه الفترة.
إننا نتحدث عن صدمة حادة للغاية في ظرف زمني قصير جدا.
وفي العام الماضي، دمرت الصناعة الألمانية 15 ألف وظيفة شهريا، أو 180 ألف وظيفة في العام. وهناك المزيد قادم بطبيعة الحال.
ليس فقدان الطاقة الرخيصة هو العامل الوحيد، ولكنه كان بلا شك صدمة هائلة تسارعت معها هذه السيرورة على نحو درامي.
والحقيقة هي أن الصناعة الألمانية، التي تشكل قلب القوة الصناعية الأوروبية، كانت قد باتت بالفعل متهالكة إلى حد ما. حيث كانت تتخلف عن القوى الصناعية الأخرى الأكثر ديناميكية، وفي مقدمتها الصين.
وقد طرح حميد نقطة مثيرة للاهتمام للغاية في إحدى حلقات بودكاست «ضد التيار» (Against the Stream). إذ إن ألمانيا بنيت أفضليتها، على مدى عقود عدة، في الاقتصاد العالمي أساسا في صناعة واحدة: صناعة السيارات، التي انتُظمت حولها سلسلة كاملة من الصناعات المساعدة، وأصبحوا بارعين للغاية فيها.
غير أنهم ركنوا إلى التراخي. فقد كانوا أقل قدرة على التجديد والتطوير عندما أطل التحول من محركات الاحتراق الداخلي إلى مركبات البطاريات الكهربائية، بسبب الثقل الهائل لصناعة مركبات المحركات ذات الاحتراق الداخلي في الاقتصاد العام.
وكانت الصين تملك ميزة التخلف، إن جاز التعبير. فلم تكن ثمة صناعة سيارات هائلة في الصين سابقا، وكان المتاح منها يخضع للملكية الأجنبية في الغالب، مثل شركات ألمانية تستغل العمالة الصينية الرخيصة لإنتاج سيارات تعمل بالوقود.
وبسبب ذلك، كان من السهل نسبيا على الصين القفز نحو المركبات الكهربائية. وفي الواقع، إذا نظرت إلى الأمر، تجد أن عددا من كبريات شركات المركبات الكهربائية الصينية التي تهيمن على السوق العالمية اليوم قد بدأت بوصفها مصنعة لبطاريات الهواتف المحمولة، وهي التكنولوجيا ذاتها في جوهرها.
بين مطرقة أمريكا…
ثم، وفوق كل هذه الصدمات، عاد ترامب إلى السلطة، وحسم أمره بأنه لم يعد معنيا بالحفاظ على التحالف عبر الأطلسي بصيغته السابقة. وكانت هذه صدمة كبيرة أخرى للرأسماليين الأوروبيين.
وتجلت هذه الصدمة في اجتماعين رئيسيين:
أولهما عندما توجه جيه دي فانس إلى مؤتمر ميونخ للأمن في بداية العام الماضي، حيث شن هجوما على أوروبا على النحو التالي: “إن الولايات المتحدة ظلت تكفل أمن أوروبا لعقود، بينما كنتم تقتاتون علينا. وقد حان الوقت لتسديد الفاتورة”.
لم تكن هذه الفكرة وليدة ذهن ترامب وحده. إذ كانت ثمة نزاعات تجارية قائمة بالفعل بين أوروبا والولايات المتحدة إبان إدارة بايدن، وقبلها إدارة ترامب الأولى، حول جملة من القضايا: الصلب، والتعريفات الجمركية، وشركات التكنولوجيا، والنبيذ الفرنسي، والويكسي الاسكتلندي. غير أن هذا كان بالتأكيد قفزة نوعية في مسار هذا الصراع.
ثم جاء الاجتماع الثاني في يوليو من العام الماضي، بينما كان دونالد ترامب يمارس لعبة الغولف في إسكتلندا، حيث توجه القادة الأوروبيون، تقودهم فون دير لاين، إلى هناك لتقديم فروض الطاعة. وتوصلوا إلى اتفاق مهين لأوروبا، التزموا بموجبه بشراء كميات هائلة من الطاقة من الولايات المتحدة.
بلغ الإجمالي زهاء 750 مليار يورو من الطاقة الأمريكية. وليس واضحا ما إذا كان هذا الاتفاق يُطبق فعليا، لكنه يمثل الاتجاه العام للأمور، إذ كان التزاما عاما لإرضاء ترامب.
وبات الرأسماليون الأوروبيون يدركون شيئا فشيئا أنه لم يعد بمقدورهم اعتبار الولايات المتحدة حليفا.
ومع ذلك، ما تزال العلاقة التجارية بين أوروبا والولايات المتحدة هي العلاقة التجارية الأكبر في العالم، غير أنها لم تعد تُدار بحسن نية، إلى حد ما. لقد أضحت الآن منافسة شرسة ضارية بين الطرفين، أو بالأحرى هجوما كاسحا واعتداء من الولايات المتحدة على أوروبا وأسواقها.
وقد شهدنا هذا في أمور شتى: تنظيمات شركات التكنولوجيا، وقضية الطاقة، وقضية غرينلاند.
لم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن الولايات المتحدة أعلنت صراحة أنها في حرب شاملة ضد المؤسسة السياسية الحاكمة في أوروبا. وتتلخص نيتها في تنصيب حكومات موالية لها في مختلف البلدان، كما أنها تدعم علنا الأحزاب الشعبوية اليمينية في أماكن متعددة.
إنها علاقة مصلحية نفعية بحتة، وهي الكلمة الأكثر تداولا اليوم، ومؤداها أساسا أن الولايات المتحدة ستستخدم أي وسيلة تحت تصرفها لتحقيق مآربها. وإذا لم تحقق غايتها الكاملة في البداية، فستحقق جزء منها، ثم تواصل الضغط في الاتجاه الذي تريده.
وكل هذا مدون في وثيقة استراتيجية الأمن القومي الشهيرة.
كما يهدف هذا التوجه إلى استفراد البلدان واحدا تلو الآخر، لمعرفة أي البلدان يمكن ممارسة نفوذ أكبر عليه.
ومن الجلي أن هذا لم ينجح دائما كما أردوا. فقد دعمت الولايات المتحدة علنا وبقوة إعادة انتخاب أوربان في المجر، لكنها خسرت الرهان.
غير أن النية العامة والاتجاه العام لهذه العلاقة يظلان في غاية الوضوح.

ولا يعني هذا بالضرورة أن نية الولايات المتحدة تتجه إلى تدمير حلف شمال الأطلسي (الناتو) على سبيل المثال. بل إن ما تريده أساسا هو قيام علاقة تعود عليها بنفع أكبر، سواء انطلى ذلك على تدمير الناتو أم لا.
إنهم يريدون من البلدان الأوروبية إنفاق المزيد على الدفاع، وهو ما يعني بطبيعة الحال الإنفاق على أسلحة مصنعة في الولايات المتحدة. كما يرون أن على البلدان الأوروبية تقديم العون للولايات المتحدة كلما اقتضت حاجتها ذلك، دون أن يكون لأوروبا أي رأي أو أن تُستشار في القرارات التي تتخذها الولايات المتحدة، كما في حالة إيران مثلا.
وفي هذه المسألة، تبدو الولايات المتحدة في غاية الجدية والحسم.
ففي الجمعة الماضية، بدأت مراجعة شاملة لتموضع حلف الناتو في أوروبا، وهو ما يعني سحب القوات من ألمانيا، وهو أمر بدأ بالفعل. وقد انتقلت بعض هذه القوات الآن إلى بولندا أو أماكن أخرى، غير أن الاتجاه العام للحركة بات معلوما.
وبالمناسبة، فإن الولايات المتحدة لا تنسحب عسكريا من ألمانيا. إذ إنها ما تزال تطمح إلى السيطرة على القواعد العسكرية الأمريكية البالغة الأهمية في ألمانيا، والتي أدت دورا حاسما في الحربين في أوكرانيا وإيران.
غير أننا بتنا نشهد أمورا كانت غير متصورة حتى قبل 24 شهرا، مثل رفض الحكومة الإسبانية السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية في إسبانيا لعمليتها في إيران. كما وقعت نزاعات مماثلة، أقل حدة، في فرنسا وإيطاليا حول استخدام القواعد الجوية الأمريكية، وعما إذا كانت أُخذت أذونات بذلك أم لا، وحول نقل الأسلحة إلى إسرائيل.
وقد حظرت حكومات بعض هذه البلدان جزئيا وصول الولايات المتحدة لأغراض الاستهلاك الجماهيري والدعاية، بيد أن الأمر لا يقتصر على ذلك، إذ ثمة صراع جدي بين القوى الرأسمالية الأوروبية والولايات المتحدة. وهو ما ينعكس في هذه القضايا أيضا.
…وسندان الصين
إن هجوم الولايات المتحدة هو وجها واحدا فقط للمشكلة التي تواجه الرأسمالية الأوروبية، إذ يتمثل الوجه الآخر في صعود الصين.
لقد جرى حظر الصين جزئيا من السوق الأمريكية بفعل العقوبات والحرب التجارية، فغدت تمتلك فائضا إنتاجيا هائلا في كل شيء تقريبا، وباتت بحاجة إلى سوق لترويج هذه المنتجات.
وهذا هو منطق الإمبريالية في جوهره الخالص، وهو ما يخلف أثرا سلبيا على الاقتصاد الأوروبي العاجز عن منافسة الاقتصاد الصيني.
ولم يعد هذا عائدا إلى رخص تكاليف الإنتاج في الصين فحسب، بل وأيضا لأن الصين باتت أكثر تطورا من الناحية التكنولوجية مقارنة بأوروبا.
فقد شهدنا دخول شركات تصنيع السيارات الصينية على خط إنتاج سنتين أو ثلاث من شركات السيارات الأوروبية —في فرنسا بوجه خاص— لاستئجار الطاقة الإنتاجية الفائضة في المصانع الأوروبية القائمة لبناء سياراتها الخاصة، ودون أي نقل للتكنولوجيا.

ورأينا ماكرون يقف في المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير ليقول: “نعم، نود أن يستثمر الصينيون في أوروبا، ولكن يجب أن يتم ذلك بعدالة، إذ ينبغي لهم نقل جزء من تكنولوجيتهم إلينا”.
كان هذا أمرا غير متصور قبل 15 عاما، حين كانت العلاقة على العكس من ذلك تماما.
تتسبب هذه المسألة —لا سيما مسألة مُصنّعي البطاريات الكهربائية والسيارات الكهربائية— في إحداث انقسامات هائلة داخل الاتحاد الأوروبي. فبينما تقول بعض البلدان: “لا، يتوجب علينا فرض تعريفات جمركية حمائية للدفاع عن صناعاتنا!”، تسرع بلدان أخرى بالترحيب بالاستثمارات الصينية في أراضيها قبل أن تختطفها بلدان أخرى. وثمة صراع كبير بين إسبانيا وتركيا والمجر لتقديم أفضل الشروط للشركات الصينية للاستثمار.
فشركة (CATL) الصينية تُنشئ مصنعا للبطاريات الكهربائية في سرقسطة بإسبانيا، إلى جوار مصنع سيارات مملوك لشركة ستيلانتيس (Stellantis). ويُبنى مصنع البطاريات هذا في بلدة صغيرة لا يقطنها سوى 1,300 نسمة، وقد جلبوا أكثر من 2,200 عامل صيني لإنشاء المصنع، وذلك لسببين: الأول أنهم لا يريدون نقل أي تكنولوجيا أو معرفة فنية حول كيفية إنشاء المصنع، والثاني لعدم توفر 2,200 مهندس ماهر في إسبانيا يمكنهم إنشاء مثل هذا المصنع.
سيكون هناك 4,000 عامل إسباني مقابل 1,000 عامل صيني فور دخول المصنع مرحلة التشغيل الكامل، غير أن العمال الإسبان سينحصر دورهم في المهام الأساسية ذات المهارات المنخفضة.
كنت في عطلة بإسبانيا في أعياد الميلاد، ورأيت سيارات إيبرو (Ebro) هذه في الشارع. فسألت أختي: من يصنع هذه السيارات؟ ما هذا؟ كانت إيبرو علامة تجارية إسبانية قديمة تصنع مركبات وشاحنات من طراز لاند روفر.
وعندما سألت الذكاء الاصطناعي، تبين أن هذه شركة صينية لتصنيع السيارات أقامت مصنعا لها في الموقع الذي كان يشغله مصنع نيسان في برشلونة قبل إغلاقه منذ بضع سنوات. وهم يصنعون السيارات الآن في إسبانيا تحت العلامة التجارية الإسبانية التي اشتروها من هذه الشركة التي كانت منقرضة في واقع الأمر.
ثمة في الواقع العديد من العلامات التجارية للسيارات الأوروبية التي لم تعد مملوكة لشركات أوروبية، بل اشترتها شركات صينية.
وهذا أمر بالغ الأهمية، فهو يطال قطاعات عريضة من الاقتصاد.
وفي هذه الأثناء، تهاجم الصين الخاصرة الرخوة لأوروبا: أوروبا الشرقية، حيث تخوض منافسة مباشرة مع رأس المال الألماني. ففي المجر، أنشأوا بالفعل مصنعا للبطاريات الكهربائية.
غير أن الجانب الأكثر أهمية في هذه المسألة —أي الهجوم الصيني على رأس المال الأوروبي— يكمن في ألمانيا، إذ انقلبت العلاقة بين الصين وألمانيا رأسا على عقب.
ففي عام 2022، ولأول مرة، سجلت ألمانيا عجزا تجاريا مع الصين بدلا من الفائض التجاري. وفي عام 2025، ولأول مرة أيضا، باتت الصين تصدر سلعا رأسمالية إلى ألمانيا أكثر مما تصدره ألمانيا إلى الصين.
فبعد أن كانت ألمانيا تمتلك فائضا تجاريا قدره 1.5 مليار يورو مع الصين، باتت تسجل عجزا بقيمة نصف مليار يورو. وفي غضون ثلاث أو أربع سنوات، حدث تحول عكسي بقيمة ملياري يورو في هذه العلاقة التجارية.
بات رأس المال الألماني يشعر بقلق بالغ. فهو أشبه بالغزال المذعور أمام أضواء السيارات، مذهول تماما ولا يدري حقا ما يتوجب عليه فعله.
فبعض الرأسماليين الألمان يقولون: “لا، بل يجب علينا فرض تعريفات جمركية”. بينما يقول آخرون: “لا، هذه التعريفات لن تجدي نفعا، بل نحن بحاجة إلى الحصول على التكنولوجيا!”. إنهم منقسمون على أنفسهم تماما.
وحول مسألة أوروبا الشرقية هذه، ورد مقال مثير للاهتمام في صحيفة وول ستريت جورنال جاء فيه ما يلي بشأن تصدير الصين —لا للسلع، بل للمصانع—:
“عندما ينشئ مُصنّع في أوروبا الشرقية أو أمريكا الجنوبية مصنعا جديدا بات بمقدوره الآن شراء المنظومة بأكملها: آلات الحقن، والأذرع الروبوتية، والمجففات، وبرمجيات الإدارة السحابية مباشرة من مورد صيني واحد.
وقال مركز الإصلاح الأوروبي —وهو مجمع تفكير مقره لندن— في تقرير حديث: ‘لقد أكلت الصين بالفعل حصة كبيرة من الغداء الصناعي لألمانيا، وتستعد الآن للبدء في تناول العشاء’.”.
وهذه هي الدينامية التي تتسم بها السيرورة الجارية.
ولأعطكم مثالا آخر: ثمة شركة كبرى لتصنيع الأجهزة المنزلية في الصين تُدعى ميديا (Midea)، وهي تصدر منتجاتها إلى جميع أنحاء العالم، ولها ثقل كبير في البرازيل وماليزيا واليابان وبلدان أخرى.
كان مصنعها بحاجة إلى روبوتات صناعية. فماذا فعلوا؟ اشتروا شركة ألمانية تُدعى كوكا (Kuka)، وهي ثالث أهم شركة لتصنيع الروبوتات الصناعية في العالم.
وما تزال هذه الشركة تحتفظ بمقرها الرئيسي في آوغسبورغ، غير أنها باتت —لكل القواعد والغايات— شركة صينية. وهذا هو تصدير رأس المال الذي يمنح الصينيين ميزة هائلة، ويجهز بالتأكيد على الغداء الصناعي لألمانيا.
وكأن كل هذا لم يكن كافيا، وكما ذكرت سابقا، فإن الاقتصاد العالمي بات الآن أكثر تفككا. حيث أضحت العلاقات التجارية بين البلدان أكثر صدامية، ولا يستطيع الرأسماليون الأوروبيون المنافسة بحق في هذا الوضع.
وقد جرى التأكيد على السبب الرئيسي في تقرير دراغي الشهير قبل بضع سنوات. حيث قال أساسا إن المشكلة التي تواجهها أوروبا في المنافسة داخل الاقتصاد العالمي في هذا الظرف الخاص تكمن في أن أوروبا ليست دولة واحدة ذات منظومة تشريعية واحدة ومستويات رأس مال ضخمة بما يكفي للاستثمار المطلوب في هذه التكنولوجيات الجديدة، مثل بناء مراكز البيانات، ومصانع الشرائح الإلكترونية، وما إلى ذلك.
وكل ما تملكه أوروبا يخضع للهيمنة السياسية الصريحة للولايات المتحدة، مثل شركة (ASML) الهولندية التي تنتج أنظمة الطباعة الضوئية لصناعة أشباه الموصلات.
كما وقعت حادثة أخرى كاشفة في وقت سابق من هذا العام. حيث يوجد مصنع صيني في هولندا يُدعى نكسبيريا (Nexperia) يصنع أشباه الموصلات، لا سيما لصناعة السيارات: أنظمة الكبح الإلكترونية، ومجموعات نقل الحركة، وأجهزة الاستشعار في المركبات.
وفي إطار محاولة من الاتحاد الأوروبي للتصدي للصين، استولت الحكومة الهولندية على هذه الشركة. كما خضعوا لضغوط من الولايات المتحدة ضمن سياسة حرمان الصين من التكنولوجيا.
وهذا أمر غير مسبوق، إذ استولوا أساسا على إدارة هذه الشركة الصينية التي لا تعود ملكيتها لهم.
حينئذ، قرر الصينيون وقف إنتاج هذه الشرائح الإلكترونية. وفي غضون أسبوع أو عشرة أيام، أُكرهت معظم مصانع ومُصنّعي السيارات الأوروبية على إيقاف إنتاجهم لعدم توفر الشرائح اللازمة. وفي نهاية المطاف، أُجبر الهولنديون على التراجع عن تدخلهم وإعادة هذا المصنع إلى أصحابه الشرعيين الصينيين.
وهذا كشف بحق عن الطبيعة الحقيقية للعلاقة بين الطرفين.
إن الحد الذي تقف عنده الرأسمالية الأوروبية يتمثل في حقيقة أنه لا تزال ثمة منافسة قومية قائمة بين جميع هذه البلدان المتباينة.
سباق التسلح
يتجلى هذا بوضوح شديد في الاندفاع نحو العسكرة.
فالرأسماليون الأوروبيون يدركون الآن أنه يتوجب عليهم الاعتماد على أنفسهم. إذ إن الولايات المتحدة، أولا، لم تعد مستعدة لتوفير مظلة أمنية دفاعية لهم، وهي، ثانيا، لم تعد حليفا موثوقا للقيام بذلك.
ولقد كان ترامب يتحدث عن تزويد أوروبا بطائرات مقاتلة من طراز F-35، ولكن مع تقييد خصائصها حتى لا تتمكن أوروبا من القتال ضد الولايات المتحدة في يوم من الأيام.
هذا الوضع برمته لا يمت بصلة إلى العلاقات الودية.
وقد وقعت حادثة إبان الحرب الإيرانية حين طلبت سويسرا بطاريات دفاع جوي من طراز باتريوت ومقاتلات F-35 من الولايات المتحدة. ولم تُسلم بطاريات الباتريوت —أو كان تسليمها متأخرا للغاية— نظرا لحاجة الولايات المتحدة إليها في الشرق الأوسط. وعندئذ قالت سويسرا: “حسنا، لم نستلم بضاعتنا ولن ندفع ثمنها بعد الآن”.
فردت الولايات المتحدة قائلة: “حسنا، سنأخذ هذه الأموال —126 مليون دولار— التي دفعتموها بالفعل لقاء طائرات F-35، وسنحولها إلى حساب صواريخ باتريوت التي ما زلنا لم نسلمها لكم”.
إذن، فهي ليست علاقة ودية بأي حال.

والمسألة المحورية تكمن في إدراك الأوروبيين أنهم لم يعودوا يحظون بهذه المظلة الأمنية من الولايات المتحدة، في وقت تبرز فيه روسيا بوصفها آلة حرب صناعية قوية للغاية على حدود أوروبا.
وإذا ما أرادوا الدفاع عن مصالحهم —أي المصالح الإمبريالية الرأسمالية لكل قوة من القوى الرأسمالية الأوروبية— فإنهم بحاجة إلى التسلح بأسرع ما يمكن.
غير أنهم يواجهون عقبات جسيمة للقيام بذلك.
العقبة الأولى هي المال. إذ إن معظم هذه البلدان —باستثناء ألمانيا حتى الآن— مثقلة بالديون. فمن أين سيأتون بالمال لتمويل إعادة التسلح؟
كما أنهم متخلفون عن الركب بدرجة كبيرة للغاية. فالجيوش الأوروبية متهالكة —ولا سيما الجيش البريطاني، وإن لم يكن وحده. وهذه هي العقبة الأولى.
أما العقبة الثانية فتتمثل في كونهم طبقات رأسمالية قومية فردية متنافسة، تحاول جميعها القيام بالشيء ذاته.
كانوا يجتمعون معا لإنجاز بعض المشاريع في الماضي: مشروع طائرة مقاتلة أوروبية، أو نظام أقمار صناعية أوروبي، أو دبابات أوروبية. حيث كانت الصناعات العسكرية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا تتشارك في مشاريع مشتركة.
غير أن هذا لم يعد قائما الآن، إذ تتفكك جميع هذه الاتفاقيات.
فالألمان يريدون أن يكون الإنتاج داخل ألمانيا وفي مصانع ألمانية، والفرنسيون يريدون أن يكون الإنتاج في فرنسا وعبر شركات فرنسية، والإيطاليون يريدون الشيء ذاته لأنفسهم. وقد شهدنا انهيار سلسلة كاملة من هذه الاتفاقيات.
تقليم دولة الرفاه لبناء دولة الحرب
يقودنا هذا بطبيعة الحال إلى الخطوة التالية. إذ إن هذا الاندفاع نحو الإنفاق العسكري يعني حتما شنا لهجوم كاسح على نظام الرفاه الاجتماعي الأوروبي.
ولقد اقتبسنا سابقا من مقال لأحد محرري صحيفة فاينانشال تايمز، جانان غانيش، تحت عنوان: “على أوروبا تقليم دولة الرفاه لبناء دولة الحرب“.
حيث ورد فيه: “لا توجد طريقة للدفاع عن القارة دون اقتطاع الإنفاق الاجتماعي.”، وأضاف: “وأي شخص، أي شخص تحت سن الثمانين”، وهو ما ينطبق على كل شخص هنا، “ممن قضى حياته في أوروبا، يُعذر إذا ما نظر إلى دولة الرفاه الضخمة بوصفها المآل الطبيعي للأمور”.
في واقع الأمر، ليست دولة الرفاه الأوروبية بضخمة، فقد جرى تقليمها بالفعل بدرجة كبيرة على مدى الأعوام الـ30 أو الـ40 الماضية. غير أنها ما تزال أضخم مما ينبغي بالنسبة للطبقة السائدة في ظروف الأزمة الراهنة. ويضيف قائلا:
“في الحقيقة، لقد كانت دولة الرفاه نتاج ظروف تاريخية غريبة سادت في النصف الثاني من القرن العشرين ولم تعد قائمة الآن. كان أحدها الدعم الأمريكي الضمني عبر حلف الناتو، وهو ما أتاح للحكومات الأوروبية إنفاق قدر معين على الزبدة كان ليتجه لولا ذلك نحو البنادق. أما الظرف الآخر فكان يتمثل في حقيقة أن أوروبا لم تكن تواجه منافسة تذكر من الصين أو حتى الهند خلال العصر الذهبي لدولة الرفاه.”
وهو يطرح فكرة مفادها أن هذا العصر قد ولى، وأن هذا لم يعد ممكنا، ويجب بالتالي تدميره. ثم نصل إلى مربط الفرس في هذا المقال، إذ يقول:
“إن هذا وضع غير قابل للاستمرار، والسؤال هو ما إذا كان الجمهور سيوافق على ذلك. لقد بت أشك في قدرة المجتمعات الغنية والديمقراطية على إجراء إصلاحات صعبة….”
ومؤدى هذا الكلام أساسا هو أنه من الأفضل بكثير قيام دكتاتورية، حتى لا نضطر إلى تحمل عناء خوض الانتخابات للوصول إلى حكومة بمقدورها تنفيذ هذه الاقتطاعات!
هذا في الواقع هو أساس الأزمة في فرنسا على مدى العامين الماضيين أو حتى قبل ذلك. إذ يعجزون عن الحصول على أغلبية برلمانية تمكنهم من تطبيق الاقتطاعات الضرورية التي تحتاجها الطبقة السائدة.

ففي حالة فرنسا، يتطلب الأمر اقتطاعات بقيمة 40 مليار يورو أو أكثر، ولا يستطيعون تحصيل أغلبية برلمانية لإقرارها. ولهذا السبب تتشكل الحكومات وتسقط.
فجميع هؤلاء النواب البرلمانيين معنيون أيضا بحماية وظائفهم الخاصة. إذ يعلمون أنهم إذا صوتوا لصالح أمور معينة مثل تقليص المعاشات التقاعدية أو تقليم دولة الرفاه، فلن يُعاد انتخابهم في الانتخابات القادمة.
أما في حالة ألمانيا، فقد لجأوا إلى حيلة أخرى لتفادي هذه المشكلة. فبما أنهم لم يمتلكوا أغلبية في البرلمان الجديد لتمرير التدابير التي أرادوا اتخاذها، فقد دعوا إلى عقد اجتماع أخير للبرلمان القديم لإقرار تلك التدابير. وبالمناسبة، جرى ذلك بدعم من حزب اليسار، ولولا ذلك لما مُررت.
وفي ألمانيا أيضا، يطلقون الآن عملية مراجعة لنظام الرفاه بقيمة 30 مليار يورو. غير أن هذا ينطبق على كل بلد بمفرده.
ثم يضيف غانيش:
“يتوجب إدخال عنصر من الخوف الحقيقي، كما هو الحاصل الآن ربما. وثمة سبب آخر يدعو للإيمان بأن تسويق الاقتطاعات في الإنفاق يغدو أسهل عندما يجري باسم الدفاع.”
وهكذا، فهو يقر ضمنيا تقريبا بأن الطبقات السائدة الأوروبية تضخم خطورة إقدام روسيا على غزو أوروبا صباح الغد، وذلك بغية تبرير الاقتطاعات.
لن يكون بمقدورهم تنفيذ ما يحتاجونه، والمتمثل في بناء جيش حديث قوي بما يكفي للدفاع عن مصالحهم الإمبريالية بفاعلية.
ولقد أوضحت الأسباب المختلفة التي تحد من برنامج إعادة التسلح في أوروبا، غير أن السبب الرئيسي يكمن في أن هذا المخطط سيثير رد فعل سياسي واجتماعي عنيفا وهائلا. لأن هذا يحدث في وقت وصلت فيه شرعية جميع المؤسسات البرجوازية والأحزاب السياسية والإعلام البرجوازي إلى أدنى مستوياتها التاريخية، نتاجا لكل تلك السنوات الممتدة منذ أزمة 2008 الرأسمالية، وفضائح الفساد، وتدابير التقشف، وعمليات إنقاذ البنوك، والتفاوت في الدخل والثروة.
يقول البعض إن شعبية ترامب قد تراجعت تراجعا حادا، وهذا صحيح. غير أنه بالمقارنة مع القادة الأوروبيين، يظل ترامب يحظى بشعبية هائلة! فقد بلغت صافي شعبية ستارمر —والذي رحل الآن— نحو -51، وماكرون عند -60، وميرتس عند -64! علما بأن ميرتس لم يمضِ في السلطة سوى عام واحد أو نحو ذلك.
هذه هي الحكومات الأكثر افتقارا للشعبية في أوروبا منذ فترة طويلة جدا، وهي تحاول الآن اتخاذ التدابير الأقل شعبية منذ زمن طويل. ثم يتساءل الناس عن سبب صعود الشعبوية اليمينية في كل مكان: في بريطانيا، والنمسا، وفرنسا، وألمانيا.
ففي ألمانيا، وهي البلد الرأسمالي الأهم في أوروبا، وبعد عام واحد فقط من الانتخابات، بلغت نسبة تأييد حزب البديل من أجل ألمانيا نحو 29%، وهوى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى 22%، بينما يقبع الحزب الاشتراكي الديمقراطي عند 12%، أدنى من حزب الخضر. وفي بعض استطلاعات الرأي، يحصل الخضر على 13% وحزب اليسار على 11%، على بعد نقطة واحدة فقط من الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
وثمة وضع مماثل في النمسا. فكم من الأشهر أمضوها وهم يحاولون التوصل إلى تحالف لمنع حزب الحرية من الوصول إلى السلطة؟ حسنا، لقد جمعوا في النهاية تحالف فرانكنشتاين المكون من الاشتراكيين الديمقراطيين والمحافظين والليبراليين. وأدى هذا الآن إلى حصول حزب الحرية على 38% في استطلاعات الرأي، بفارق 12% عن الحزب الذي يليه.
لا ينبغي لهذا أن يفاجئ أحدا. فكلما فرض الليبراليون البرجوازيون حظرا سياسيا وجدار حماية كلما تمكنت هذه الأحزاب من تقديم نفسها بوصفها أحزابا مناهضة للمؤسسة الحاكمة واستقطبت المزيد من الدعم.
الانقسام الأوروبي
ختاما للقول، يترك هذا الوضع الرأسمالية الأوروبية في موقف يتسم بضعف شديد للغاية وتحت ضغوط متأتية من كافة الاتجاهات: صعود الصين بوصفها قوة متطورة تكنولوجيا، والهجوم الذي تشنه الولايات المتحدة، وبروز روسيا بوصفها قوة عسكرية ضاربة في الجوار.
ونتيجة لذلك، تتفاقم كافة النزعات الطاردة عن المركز داخل الاتحاد الأوروبي بدرجة هائلة. حيث تُنجذب البلدان الأوروبية في شتى الاتجاهات المتباينة في محاولة منها لإيجاد حل للأزمة، وعقد تسوية تناسب كل بلد بمفرده.
وهنا نشهد أمورا من قبيل دخول إسبانيا في نزاع مع الولايات المتحدة وتحولها نحو الصين. وللتوضيح، فإن علاقات التجارة والتمويل بين إسبانيا والولايات المتحدة لا تزال أشد أهمية بكثير من علاقاتها مع الصين، غير أن إسبانيا تحاول انتزاع بعض المزايا عبر بناء علاقة مع الصين وجذب استثماراتها.
وفي الوقت ذاته، تُنجذب بلدان عدة في شرق أوروبا ووسطها في اتجاه إما الولايات المتحدة وإما روسيا.
ثم هناك بريطانيا، إذ كان دورها في الماضي يكمن في العمل —إلى حد ما— بوصفها جسرا للمصالح الأمريكية داخل أوروبا. غير أن بريطانيا باتت الآن خارج الاتحاد الأوروبي، ولم يعد بمقدورها أداء ذلك الدور بالطريقة ذاتها.
وسوف يطمح جناح من الطبقة السائدة البريطانية إلى إعادة الدخول في الاتحاد الأوروبي. إذ يدركون أن الخروج من الاتحاد الأوروبي كان خطأ كبيرا من الناحية الاقتصادية. وفي الوقت ذاته، يخضعون لضغوط شديدة من جانب الولايات المتحدة.
أما المراهنة على خروجهم من منطقة اليورو ثم إبرام اتفاقيات تجارية مستقلة مع الجميع —الصين، والهند، والولايات المتحدة— فقد فشلت فشلا ذريعا. وبدلا من ذلك، ومع اتساع التباعد بين أوروبا والولايات المتحدة، تتساقط بريطانيا عبر الشقوق الفاصلة بينهما.
أما في حالة ألمانيا —التي تعد مجددا البلد الأهم في أوروبا من منظور رأس المال والصراع الطبقي— فإن هذه الأزمة تعني بداية انقسام عميق بين أجنحة الطبقة السائدة. وكان بمقدور المرء رؤية تباشير ذلك في حضور بعض رجال الأعمال الألمان منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي، وحضور سياسيين بارزين من حزب البديل من أجل ألمانيا في الاجتماع ذاته.
هذا أمر في غاية الخطورة. إذ يُفترض أن هذين البلدين في حالة حرب ضد بعضهما البعض، غير أنه لا تزال ثمة بعض الشركات الألمانية التي تمتلك مصالح في روسيا. وهناك آخرون يطمحون —لأسباب مختلفة، مثل الحصول على الطاقة وما إلى ذلك— إلى استعادة تلك العلاقة.
وهكذا، فإن صعود الشعبويين اليمينيين في العديد من البلدان يعكس أيضا، إلى حد ما، انقسامات وتصدعات داخل الطبقة السائدة ذاتها. حيث تتطلع أجنحة متباينة، وربما صناعات ومصالح مختلفة، إلى اتجاهات متعددة، مقدمة مصالحها الفئوية الخاصة على ما قد يُعد المصلحة العامة للطبقة السائدة.
الثورة الأوروبية
هذا كله أمر في غاية الأهمية والتشويق، ويتعين علينا مناقشته بالتفصيل. غير أنه لا ينبغي لنا في الوقت ذاته إغفال زاوية أخرى لهذه المناقشة. إذ إنك إذا نظرت إلى جميع هذه العوامل المتباينة فسوف تستشف أن ثمة انفجارا هائلا للصراع الطبقي يتهيأ للاندلاع.
وقد شهدنا بالفعل إرهاصات وتباشير لذلك في القارة الأوروبية: الإضرابات الجماهيرية تحت شعار “اغلقوا كل شيء” في فرنسا في سبتمبر من العام الماضي، والإضرابات السياسية العامة في إيطاليا في أكتوبر من العام الماضي بسبب غزة، والإضرابات الجماهيرية المتواصلة في بلجيكا ضد تدابير التقشف.
كما وقع إضرابان عامان في البرتغال نجحا في دحر الهجوم المضاد للإصلاح في قانون العمل والذي كان مطروحا. لا لكون الإضراب العام الثاني كان قويا للغاية —إذ لم يكن كذلك في الواقع، بل كان نصف إضراب— بل لأن حزب شيغا (كفى)، الحزب الشعبوي اليميني، لم يكن مستعدا للتصويت لصالح القرار في البرلمان عندما حانت لحظة الحسم.
وتعد هذه الأحزاب الشعبوية اليمينية تشكيلات غير مستقرة للغاية لأنها تستجيب لمصالح متباينة، إذ تحتاج إلى الحفاظ على قاعدتها الاجتماعية عبر التظاهر بمناهضة المؤسسة الحاكمة. غير أنه في كل بلد، كلما اقتربت هذه الأحزاب من السلطة كلما لجمت سياساتها وتخلت عن حدتها، وبالتالي تخسر قاعدتها الاجتماعية. إنهم يقعون في هذا التناقض الصارخ.
في كاتالونيا، اندلع إضراب للمعلمين قبل شهرين تقريبا، دعت إليه النقابات الرئيسية باستثناء نقابة اللجان العمالية (CCOO)، وهي أكبر نقابة في إسبانيا وتاريخيا مرتبطة بالحزب الشيوعي. ولم تنضم نقابة اللجان العمالية إلى الإضراب إلا في اللحظات الأخيرة بعد أن كان جاريا لبعض الوقت، حيث انضموا للإضراب ليوقعوا في اليوم التالي مباشرة على اتفاق سيئ. لقد انضموا بهدف خيانة الإضراب عمدا.

وقد صوت المعلمون بأغلبية ساحقة ضد هذا الاتفاق، واستمر الإضراب. وعندئذ باتت النقابة الرئيسية التي تقود الإضراب هي اتحاد عاملي التعليم في كتالونيا (USTEC)، والتي كانت في السابق نقابة قواعد عمالية يسارية وأضحت الآن النقابة ذات الأغلبية بين المعلمين في كاتالونيا.
وبعد استمرار هذا الإضراب لأسابيع عدة، قال اتحاد عاملي التعليم في كتالونيا : “الجميع منهكون، ولا يوجد شيء آخر يمكننا الحصول عليه، كما أن العام الدراسي يوشك على الانتهاء، ولذا نقترح هذا الاتفاق”، وهو اتفاق يشبه إلى حد كبير التسوية السيئة التي جرى رفضها سابقا.
هذه هي النقابة ذات الأغلبية في هذا القطاع. وقدموا هذا الاتفاق للتصويت، وصوت المعلمون ضده! وهكذا تُركوا مع نقابة صغيرة واحدة تمثل زهاء 10% فقط من المعلمين لتُدير الحركة بأكملها!
وقد وقع إضراب شامل للمعلمين في فالنسيا في الوقت ذاته تقريبا. وكانت الظروف هناك مختلفة قليلا من الناحية السياسية، غير أنه كان حركة جماهيرية هائلة للمعلمين. كما جرى الدعوة لإضراب شامل للمعلمين في منطقة مدريد مع استئناف العام الدراسي في سبتمبر، مجددا على أساس الجمعيات الجماهيرية واللجان القاعدية.
حسنا، قد يقول قائل إن هؤلاء موظفون مدنيون ومعلمون يخضعون لظروف خاصة. غير أنه قبل بضعة أسابيع، اندلع إضراب مثير للاهتمام للغاية في شركة إيرباص (Airbus)، وهي شركة تصنيع طيران وفضاء ذات استثمارات ضخمة في قطاع الدفاع، وتضم 14,000 عامل في إسبانيا.
واندلع الإضراب بسبب شن الشركة هجوما على حقوق العمال بشتى الطرق: فقد كان للموظفين الإداريين —وبعضهم مهندسون يعملون في التصميم— يومان للعمل من المنزل أسبوعيا، جرى تخفيضهما إلى يوم واحد. كما كان بمقدورهم أخذ إجازاتهم متى شاءوا، غير أنهم أُكرهوا بعد ذلك على أخذها في فترات زمنية محددة. أمور صغيرة من هذا القبيل ظلت تتراكم.
فاندلع الإضراب، ودعت إليه أساسا نقابة غريبة بعض الشيء، وهي نوع من النقابات المهنية التي تنظم الموظفين الإداريين بالدرجة الأولى. غير أن الإضراب حظي بدعم واسع النطاق بين عمال المصانع الصناعيين، والموظفين الإداريين، والجميع. حيث عُقدت جمعيات جماهيرية تضم آلاف العمال، ونُظمت دوريات إضراب جماهيرية.
ثم انضمت اللجان العمالية إلى الإضراب، وفي اليوم التالي وقعوا على اتفاق سيئ… رفضه 80% من القوى العاملة! وجاء عمال إيرباص من فرنسا للمناقشة مع نظرائهم الإسبان للوقوف على ما يجري. واستمر الإضراب لمدة أسبوع أو عشرة أيام أخرى.
وفي النهاية، قالت هذه النقابة، التي كانت هي النقابة الأصلية التي دعت للإضراب: “لا يوجد الكثير مما يمكننا الحصول عليه، وعلينا التوقيع على هذا الاتفاق”. وطرحوا الاتفاق للتصويت، وصوت العمال ضد هذا الاتفاق الثاني: 49% ضده، مقابل 44% لصالحه!
لقد جرى عرض زيادة في الأجور بنسبة 12% عليهم، غير أنهم قالوا إن هذا ليس كافيا لأنه يغطي أساسا التضخم لهذا العام والعام القادم فقط، بينما ما يريدونه هو استعادة القدرة الشرائية المفقودة على مدى الأعوام القليلة الماضية، والبالغة 18%.
وليس واضحا ما الذي سيحدث بعد ذلك. فالآن فترة العطلة، والعمال يعودون في أغسطس. غير أن هذه الأمور مؤشر دال للغاية على طراز الصراع الطبقي الذي سنشهده في الفترة القادمة.
فإذا وضعت النقابات القائمة نفسها على رأس الحركة فسوف يتبعهم العمال. غير أنه ستسود أيضا ظروف سوف يستغل العمال أي أدوات تحت تصرفهم للدفع إلى الأمام، إذا لم تكن فيها النقابات مستعدة لقيادة النضال.
وفي هذا الوقت بالذات، وقت أعمق أزمة للرأسمالية الأوروبية، يبلغ اليسار الرسمي أقصى درجات ضعفه وهوانه في كل مكان.
ثمة فراغ هائل يُملأ أحيانا بشتى الظواهر العشوائية.
حزبكم (Your Party) لمدة أسبوعين تقريبا في بريطانيا إلى جانب صعود حزب الخضر، والصعود الجزئي لحزب اليسار في الانتخابات في بعض المناطق في ألمانيا، وما إلى ذلك.
وأخيرا، فإن ما قد يكون الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لنا هو مسار الراديكالية السياسية لدى الشباب في قضايا مثل فلسطين والعسكرة، حيث يتطلع الكثير منهم نحو الأفكار الشيوعية.
ولقد شهدنا، على سبيل المثال، صعود الحركة الاشتراكية في إسبانيا. إذ دعوا إلى تظاهرة في عيد العمال تحت شعار “نحن بحاجة إلى بناء بديل ثوري”. وحشدوا آلاف الشباب في إقليم الباسك وكاتالونيا ومدريد وفالنسيا تحت هذا الشعار.
وفي فرنسا، وقعت سلسلة كاملة من الانقسامات عن الشبيبة الشيوعية، اتجه بعضها اتجاها ماويا. كما تنمو مجموعات شيوعية محلية في ألمانيا ينظمها شباب صغار جدا.
علينا التحلي بحس النسبية. فقواتنا في كل مكان في أوروبا ما تزال صغيرة جدا، غير أن الظروف مُفصلة خصيصا لنا.
فثمة شريحة من الشباب الراديكالي للغاية نستطيع الوصول إليهم مباشرة بأفكارنا، وضمهم وتدريبهم وتثقيفهم في صفوفنا.
وهذا هو العمل التحضيري الضروري إذا ما أردنا امتلاك القدرة على التدخل في الأحداث الجسام التي ستحدث بلا ريب في الفترة القادمة.
21 أغسطس/آب 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية