الرئيسية / دول العالم / أوروبا / الاتحاد الاوروبي / 10 سنوات على استفتاء البريكست: إلى أين تتجه بريطانيا وأوروبا؟

10 سنوات على استفتاء البريكست: إلى أين تتجه بريطانيا وأوروبا؟

لطالما كانت العلاقة بين بريطانيا وأوروبا معقدة، وهذا أقل ما يمكن وصفها به: من حرب المائة عام بين إنجلترا وفرنسا في العصور الوسطى، إلى المعارك النابليونية في أوائل القرن التاسع عشر، وصولا إلى الصراعات الإمبريالية في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

كان التصويت البريكست في يونيو عام 2016 حدثا أقل دموية من تلك الحروب، لكنه لا يقل عنها تاريخية. إذ مثل قطيعة نهائية في العلاقات الأنجلو-أوروبية.

وما تزال الارتدادات الناجمة عن هذا الزلزال السياسي ملموسة حتى اليوم.

إذ يحمل الاقتصاد الرأسمالي البريطاني ندوب خسارة حرية الوصول إلى سوق شريكه التجاري الأكبر. ويتحدث وزراء في الحكومة الآن عن “إعادة ضبط” العلاقات بين المملكة المتحدة وأوروبا. وفي المقابل، ذهب السياسيون الانتهازيون من أمثال ويس ستريتنغ إلى أبعد من ذلك، داعين بريطانيا إلى إعادة الانضمام للاتحاد الأوروبي.

وعلى الجانب الآخر، يحقق حزب إصلاح المملكة المتحدة – المعروف سابقا بحزب البريكست – أرقاما مرتفعة في استطلاعات الرأي حاليا. ويتطلع قائده، نايجل فاراج، أحد أبرز قادة حملة المغادرة، إلى 10 شارع داونينغ.

بناء عليه، يبدو واضحا بعد مرور عقد من الزمن على الاستفتاء أن ملف أوروبا لا يزال يطارد السياسة البريطانية.

يثير هذا الوضع جملة من الأسئلة: كيف حدث البريكست في المقام الأول؟ وما الموقف الذي يجب أن يتخذه الشيوعيون تجاه “المشروع الأوروبي”؟ وما هي آفاق العلاقة بين بريطانيا والقارة في الفترة المقبلة من الأزمات الرأسمالية المتفاقمة؟

التكاتف معا أو الشنق فرادى

تشكلت الخريطة الحالية لأوروبا، بشكل كبير، بناء على نتائج الحرب العالمية الثانية، وتحديدا وفقا لمصالح المنتصر الإمبريالي الرئيسي في هذا الصراع: الولايات المتحدة الأمريكية.

تركت الحرب أوروبا الغربية حطاما، بينما وقف الاتحاد السوفيتي والدول الستالينية التابعة له في الجانب الشرقي.

وخوفا من خطر الثورة وانتشار “الشيوعية”، شجعت واشنطن القوى الأوروبية المدمرة على التكاتف معا، خوفا من الشنق فرادى.

وقد سهلت الولايات المتحدة هذا التوجه بتقديم جرعة سخية من مساعدات إعادة الإعمار والاستثمارات بموجب خطة مارشال، بالتوازي مع تشكيل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو التحالف العسكري والأمني للإمبريالية الغربية.

وكان للاعبين الكبار في أوروبا مصلحة أيضا في التجمع. إذ دمرت الحرب الرأسماليتين الفرنسية والألمانية، إلى جانب قوى أخرى. ولم يكن أمام هذه القوى، التي باتت تصنف في المرتبة الثانية بسبب ضعفها وانقسامها، أي فرصة للاحتفاظ بأسواقها ونفوذها ما لم توحد جهودها.

تلاقت حاجة الأمريكيين إلى بناء حصن منيع ضد الاتحاد السوفيتي مع رغبة الطبقات السائدة في أوروبا للاحتفاظ بمكانتها على الساحة العالمية. ونتج عن هذا التلاقي تشكيل “الجماعة الأوروبية للفحم والصلب” بموجب معاهدة باريس عام 1951، ثم “المجموعة الاقتصادية الأوروبية” عام 1957، وهي الكيانات التي مهدت لاحقا لظهور الاتحاد الأوروبي.

أوهام العظمة

نأت بريطانيا بنفسها في البداية عن مسار التكامل الأوروبي هذا، وهو ما أثار استياء الأمريكيين الذين تمنوا رؤية شركائهم في “العلاقة الخاصة” بقلب هذا المشروع، ليكونوا أداة موثوقة لخدمة مصالح الإمبريالية الأمريكية.

مع خروجها من الحرب، مدفوعة بأوهام العظمة التي كانت ما تزال تعيشها، اعتقدت المؤسسة الحاكمة البريطانية أن بمقدورها الاعتماد على إمبراطوريتها – ثم رابطة الكومنولث لاحقا – لنهب الكوكب وضمان استمرار تدفق الأرباح إلى حي المال والأعمال في لندن.

حتى بعد الهزيمة المذلة في أزمة السويس عام 1956، عندما أُجبرت القوات البريطانية والفرنسية على الانسحاب من مصر تحت حكم جمال عبد الناصر، ظلت الطبقة السائدة البريطانية توجه أنظارها نحو المحيط الأطلسي أكثر مما توجهها نحو المانش.

وكان الشك متبادلا بين الطرفين. فقد عارض الفرنسيون تحديدا مشاركة بريطانيا في المشروع الأوروبي، خوفا – في محله – من أن تلعب دور حصان طروادة للإمبريالية الأمريكية داخل القارة.

علاوة على ذلك، لم ترغب فرنسا وألمانيا في وجود منافس لتحالفهما المهيمن على قيادة “المجموعة” الأوروبية.

وبعبارة أخرى، كان كلا المعسكرين راضيا بأن تسير بريطانيا وأوروبا في مسارين منفصلين.

تغيرات ما بعد الحرب

أدى تغير ميزان القوى في حقبة ما بعد الحرب، في نهاية المطاف، إلى تعديل هذه الترتيبات.

إذ شهدت تلك العقود طفرة رأسمالية غير مسبوقة على مستوى العالم. لقد رفعت هذه الموجة الصاعدة جميع القوارب، حيث نمت التجارة العالمية بوتيرة متسارعة للغاية.

وقد ساعد هذا على التغطية على الخصومات القومية بين مختلف القوى الأوروبية مؤقتا، مما أتاح إقامة روابط اقتصادية وثيقة داخل المجموعة الاقتصادية الأوروبية الخالية من التعريفات الجمركية.

ومع ذلك، لم تتوزع فوائد طفرة ما بعد الحرب بالتساوي. فالرأسمالية البريطانية، رغم نموها من حيث القيمة المطلقة، كانت تخسر مكانتها لصالح منافسيها الرئيسيين.

ففي الوقت الذي كانت فيه الإمبراطورية البريطانية تتداعى، ازدهرت الصناعة الألمانية والفرنسية. فبين عامي 1950 و1970، نما الاقتصاد الألماني بمعدل سنوي متوسط قدره 6.2%، بينما توسعت قاعدته التصنيعية بنسبة 8% سنويا. وفي فرنسا، بلغت الأرقام المقابلة 5% و5.8% على التوالي. أما بالنسبة لبريطانيا، فلم تتجاوز هذه النسب 2.7% و3.3%.

في غضون ذلك، نما الناتج الاقتصادي للفرد في المجموعة الاقتصادية الأوروبية ككل بنسبة 215% إجمالا بين عامي 1961 و1974، مقارنة بنحو 88% فقط في بريطانيا.

كما أن الصناعة والتصنيع في بريطانيا كانا يتراجعان تدريجيا، لتصبح قدرتها التنافسية أقل فأقل على الصعيد العالمي. وانعكس ذلك على حصة المملكة المتحدة من الصادرات العالمية، والتي انخفضت من أكثر من 25% عام 1950 إلى 10% فقط عام 1971.

نتيجة لذلك، بدأت الرأسمالية البريطانية بمرور الوقت تشكل روابط اقتصادية أكبر مع أوروبا بشكل عضوي وطبيعي. ففي عام 1948، كانت دول الكومنولث تستوعب ما يقرب من ثلث الصادرات البريطانية، ولكن بحلول عام 1962، باتت بريطانيا تتاجر مع أوروبا الغربية أكثر مما تفعله مع مستعمراتها السابقة.

وبناء عليه، تعاظمت الرغبة المشتركة بين الشركات الكبرى في بريطانيا وفي القارة الأوروبية لرؤية المملكة المتحدة تنضم إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية، والمعروفة أيضا باسم السوق الأوروبية المشتركة.

وبحلول ذلك الوقت، كان واضحا أيضا أن “العلاقة الخاصة” لبريطانيا مع أمريكا أبعد ما تكون عن شراكة الند للند. فللحفاظ على أهميتها لدى واشنطن، كان على المؤسسة الحاكمة البريطانية أن تقدم للإمبرياليين الأمريكيين ما رغبوا فيه دائما: جسر لتدفق رأس المال الأمريكي نحو أوروبا.

لذلك، تقدمت بريطانيا بطلب للانضمام إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية: المرة الأولى عام 1961، ومرة أخرى عام 1967. ولكن رُفضت هذه الطلبات في المرتين من جانب الرئيس الفرنسي شارل ديغول، بسبب الشكوك المذكورة سابقا تجاه دور بريطانيا وهدفها داخل أوروبا.

وعقب وفاة ديغول عام 1969، خاضت بريطانيا محاولة ثالثة – كُتب لها النجاح هذه المرة – لنيل عضوية المجموعة الاقتصادية الأوروبية. وبعد بضع سنوات من المفاوضات والتشريعات، انضمت المملكة المتحدة رسميا إلى السوق المشتركة في 1 يناير عام 1973.

تعلم حب أوروبا

في ذلك الوقت، كانت الطبقة السائدة البريطانية وممثلوها مصطفين بالكامل وراء خطوة الانضمام إلى السوق المشتركة الرأسمالية، وشمل هذا الاصطفاف قيادات حزبي المحافظين والعمال على حد سواء.

وفي المقابل، كان هناك تيار قوي في أوساط اليسار وداخل النقابات العمالية يعارض السوق المشتركة. وضمت هذه الجبهة شخصيات بارزة مثل توني بين، الذي رفض المجموعة الاقتصادية الأوروبية على أساس أنها ستعطل أي محاولات من جانب أي حكومة عمالية لتنفيذ سياسات التأميم والخطط الاقتصادية الاشتراكية.

لذلك، وتحت وطأة ضغط معارضة يسارية داخل الحركة العمالية، دعا رئيس الوزراء العمالي المنتخب حديثا هارولد ويلسون عام 1974 إلى إجراء استفتاء بشأن عضوية بريطانيا في المجموعة الاقتصادية الأوروبية، تلبية للتعهد الوارد في البيان الانتخابي للحزب.

أُجري هذا التصويت غير الملزم في 5 يونيو عام 1975، وأسفر عن موافقة ثلثي المصوتين لصالح البقاء في المجموعة الاقتصادية الأوروبية، بنسبة مشاركة بلغت 64%.

لقد بدا أن هذا التصويت قد حسم ملف أوروبا لجيل أو جيلين مقبلين، في حدود ما يخص السياسة البريطانية.

تقاربت النقابات العمالية هي الأخرى مع أوروبا، وباتت تنظر إلى بروكسل باعتبارها ملاذا يحمي حقوق العمال.

في ثمانينيات القرن الماضي، دفعت مارغريت تاتشر بأجندتها القائمة على الخصخصة والأسواق الحرة داخل المجموعة الاقتصادية الأوروبية، نيابة عن المصرفيين وأصحاب العمل في بريطانيا. وقد غدت تاتشر رائدة في مجال تنشيط التنافس الاقتصادي داخل أوروبا، متبنية فكرة السوق الموحدة المتماسكة.

وفي غضون ذلك، تقاربت النقابات العمالية هي الأخرى مع أوروبا. فتخلت عن مطالب التأميم والسيادة الاقتصادية، وباتت تنظر إلى بروكسل باعتبارها ملاذا يحمي حقوق العمال، وذلك في أعقاب الهجوم الضاري الذي شنته تاتشر ضد الحركة العمالية.

وجاءت نقطة التحول الرئيسية في سبتمبر عام 1988، عندما دُعي رئيس المفوضية الأوروبية جاك ديلور لإلقاء كلمة في المؤتمر السنوي لاتحاد نقابات العمال (TUC) في بورنموث.

وفي محاولة لاستمالة المندوبين وكسب دعم النقابات العمالية للسوق الرأسمالية الموحدة، شدد ديلور على الحاجة إلى إضفاء “بُعد اجتماعي” على المشروع الأوروبي، وتضمن ذلك وعودا بتمويل المناطق التي تضررت من تراجع الصناعة وضمانات للمفاوضات الجماعية.

كان هذا التعهد كافيا لإقناع الجمهور المستهدف من بيروقراطيي ومسؤولي النقابات.

وردا على خطاب ديلور الذي بدا مؤيدا للعمال في ظاهره، صرح رون تود، قائد نقابة عمال النقل والعمال العموميين، الذي كان مشككا في أوروبا سابقا، قائلا: «في المدى القصير، ليست لدينا أدنى فرصة للنجاح في وستمنستر، والملجأ الوحيد المتاح لنا في الوقت الحالي هو بروكسل».

جوهر الأمر أن هؤلاء القادة الإصلاحيين المدجنين، الذين أصابهم الإحباط بسبب هزيمة إضراب عمال المناجم، كانوا يتخلون عن أي أفق لخوض الصراع الطبقي في الداخل. وبدلا من ذلك، عقدوا كل آمالهم على بروكسل، متطلعين إلى فكرة “أوروبا الاجتماعية” لتكون طوق النجاة لهم.

الهجوم على بروكسل

بدأت الأحداث المحلية والعالمية تقوض التوافق السياسي الظاهري حول ملف أوروبا.

فمن ناحية، تسبب تدهور الرأسمالية البريطانية وانحطاطها في فساد ممثليها السياسيين.

لقد أوضح تروتسكي سابقا أن الرأسمالية البريطانية كانت تنتج قادة قادرين على “التفكير بمنطق القارات والقرون”. لكن بحلول ثمانينيات القرن العشرين، غرق حزب المحافظين، الذي يمثل الفريق الأساسي للشركات الكبرى، في مستنقع البرجوازيين الصغار القوميين الإنجليز ضيقي الأفق.

وجاء انتخاب مارغريت تاتشر – ابنة صاحب المتجر المحب للمضاربة من بلدة غرانتهام التجارية في لينكولنشاير – قائدة لحزب المحافظين عام 1979 ليمثل ذروة هذا التوجه.

ومن ناحية أخرى، شهدت هذه الفترة تناميا في ثقل ونفوذ فرنسا وألمانيا داخل أوروبا. وترافق ذلك مع تركيز أكبر للسلطات في يد بروكسل، شمل إجراءات لتوحيد اللوائح الاجتماعية عبر القارة وتأسيس اتحاد نقدي.

في نهاية المطاف، تصادم هذان المساران: انحطاط الرأسمالية البريطانية وقادتها من جهة، والتكامل الأوروبي الأكثر تلاحما من جهة ثانية.

ونتيجة لعجز تاتشر عن دفع الرأسمالية البريطانية إلى الأمام، راحت تعتمد بشكل متزايد على القومية الإنجليزية لاسترضاء قاعدتها. وتجلى ذلك في قرع رئيسة الوزراء طبول الشوفينية بالحديث عن “السيادة” البريطانية و”الاستقلال”، وتوجيه انتقادات لاذعة لقادة أوروبا المتجاوزين لصلاحياتهم.

ففي الشهر نفسه الذي خاطب فيه ديلور مندوبي اتحاد نقابات العمال عام 1988، شنت تاتشر هجوما عنيفا على المفوضية الأوروبية.

حيث صرحت رئيسة الوزراء المحافظة، بأسلوبها الحماسي الاستعراضي، قائلة: «لم ننجح في تقليص صلاحيات الدولة في بريطانيا لنراها تُفرض مجددا على المستوى الأوروبي، من خلال دولة أوروبية عملاقة تمارس هيمنة جديدة من بروكسل».

لم تكن هذه الكلمات مجرد غوغائية شوفينية، بل عكست تباعدا متزايدا في المصالح بين مختلف القوى الإمبريالية تجاه المشروع الأوروبي.

فبينما رأت تاتشر وداعموها من البرجوازية في المجموعة الاقتصادية الأوروبية مجرد سوق يستغله رأس المال البريطاني (والأمريكي)، نظر القادة الأوروبيون – خاصة في فرنسا وألمانيا – إليها باعتبارها محاولة ضرورية لصياغة كتلة إمبريالية يمكنها الصمود على الساحة العالمية، وبهذا حماية أرباح الاحتكارات الأوروبية الكبرى.

فقدان السيادة

أثار موقف تاتشر المهاجم لبروكسل حفيظة وزراء في حكومتها. وإلى جانب الهزيمة التي منُيت بها حكومتها على يد الحركة الجماهيرية المناهضة لضريبة الرأس، ساهمت هذه الانقسامات في قمة حزب المحافظين بشأن أوروبا في التعجيل بسقوط مَن أُطلق عليها “المرأة الحديدية” في بريطانيا.

لكن سقوطها لم يكن كافيا للقضاء على نزعة التشكيك في أوروبا داخل حزب المحافظين. بل على العكس، نمت هذه النزعة في السنوات اللاحقة.

شهدت تسعينيات القرن الماضي تجديدا لدماء الرأسمالية، شمل حقبة جديدة من العولمة مع عودة روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي والصين في عهد دينغ شياو بينغ إلى السوق العالمية.

وعلى هذا الأساس، تعمق مسار التكامل الأوروبي. وتأسس الاتحاد الأوروبي رسميا في عام 1993 مع دخول معاهدة ماستريخت حيز التنفيذ، وأعقب ذلك إنشاء “منطقة شنغن” الخالية من الحدود في عام 1995، ثم إطلاق اليورو – العملة الأوروبية الموحدة – في عام 1999.

ثم توسع الاتحاد الأوروبي، بحلول عام 2013، من 12 بلد مؤسس ليضم 28 بلدا.

لم تؤدِ هذه التطورات جميعها إلا إلى إثارة غضب القوميين الإنجليز داخل حزب المحافظين، الذين نددوا بالفقدان المتزايد للسيادة الاقتصادية والسياسية لصالح “تكنوقراط أوروبا المجهولين” في بروكسل.

وتضمن ذلك شكاوى صاخبة بشأن اللوائح الأوروبية الخانقة، مثل “الحظر المزعوم على الموز المنحني“، ولاحقا، المخاوف بشأن احتمالية تدفق هجرة غير منضبطة مع توسع الاتحاد الأوروبي ليشمل جزء كبيرا من أوروبا الشرقية.

وقد استغل قسم من الطبقة السائدة عن طيب خاطر كل مشاعر كراهية الأجانب والغضب تجاه أوروبا، واتخذوها كبش فداء مناسبا للمشاكل التي تواجه الرأسمالية البريطانية والطبقة العاملة.

لكنهم في خضم ذلك خلقوا وحش فرانكنشتاين متشككا في أوروبا – داخل حزب المحافظين وخارجه – يمتلك مصالحه الضيقة وأوهامه القومية الخاصة، وباتوا عاجزين عن السيطرة عليه بشكل متزايد.

الأربعاء الأسود

أصابت أحداث مثل “الأربعاء الأسود” حزب المحافظين بصدمة بالغة.

أصابت أحداث مثل “الأربعاء الأسود” حزب المحافظين بصدمة بالغة.

ففي ذلك اليوم، الموافق 16 سبتمبر 1992، هز الذعر الاقتصاد البريطاني والحكومة المحافظة، في أعقاب طرد بريطانيا القسري من آلية أسعار الصرف الأوروبية (ERM).

وكانت آلية أسعار الصرف تلزم أعضاء المجموعة الاقتصادية الأوروبية بتنسيق السياسة النقدية، لضمان الاستقرار المتبادل لعملاتهم، وتمهيد الطريق لليورو.

وقد تأسس هذا الإطار حول القوة الاقتصادية المهيمنة في أوروبا، وهي ألمانيا، حيث ربطت جميع البلدان الأخرى عملاتها بالمارك الألماني.

في جوهرها، كانت هذه الآلية اتفاقية نقدية، تقيد الحكومات وتمنعها من تنفيذ سياسات اقتصادية تضخمية أو توسعية. وفرض هذا، في واقع الأمر، أجندة تقشفية على الطبقة العاملة الأوروبية، تماما كما فعلت معاهدة ماستريخت لاحقا بوضعها حدودا لعجز الموازنات والديون السيادية.

وكانت حكومة تاتشر قد وقعت على انضمام بريطانيا إلى آلية أسعار الصرف عام 1990، على أمل أن يجلب ذلك للاقتصاد البريطاني مزايا مثل خفض التضخم وخفض أسعار الفائدة.

ولكن انطلاقا من كبرياء قومي، انضم قادة المحافظين إلى الآلية بمعدل ربط للجنيه الإسترليني أمام المارك لا يمكن الاستمرار فيه، بالنظر إلى ضعف القدرة التنافسية للرأسمالية البريطانية.

لقد كانت العملة البريطانية مقومة بأعلى من قيمتها الحقيقية، بمعدل 2.95 مارك ألماني مقابل الجنيه الإسترليني. وقد صعب هذا حياة قطاع التصنيع البريطاني على وجه الخصوص، بجعل صادراته أكثر تكلفة في السوق العالمية.

علاوة على ذلك، كان الاقتصاد البريطاني يمر في ذلك الوقت بمرحلة ركود، بينما كانت ألمانيا تحاول معالجة التضخم المرتفع الناجم عن إعادة توحيد البلاد واستيعاب الشرق الأكثر فقرا في الغرب الأقوى اقتصاديا.

وعنى هذا أن الرأسماليتين البريطانية والألمانية بحاجة إلى معالجات نقدية مختلفة. فالاقتصاد البريطاني كان يحتاج أسعار فائدة منخفضة لتحفيز الطلب وتجنب الكساد، بينما كان البنك المركزي الألماني يرفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم.

مع ذلك، أجبرت آلية أسعار الصرف بريطانيا، والدول الأعضاء الأخرى، على اتباع خطى فرانكفورت في السياسة النقدية. وبناء عليه، اضطر بنك إنجلترا إلى تقييد المعروض النقدي في وقت كان يتطلب فيه الأمر نهجا أكثر مرونة وتيسيرا.

لم يمض وقت طويل حتى بدأت بوادر الضغط والإنهاك تظهر، حيث كافح وزراء الخزانة المحافظون المغرورون – الذين رفضوا خفض قيمة العملة البريطانية بدافع من الخيلاء والوهم – للحفاظ على ارتباط الجنيه بالمارك.

وقد شم المضاربون رائحة الدماء وبدأوا يراهنون ضد الإسترليني. على سبيل المثال، جنى جورج سوروس ما يقدر بمليار جنيه إسترليني عندما “كسر بنك إنجلترا“، وساهم في دفع بريطانيا للخروج من آلية أسعار الصرف.

لقد مثل هذا ضربة مهينة للحكومة المحافظة في ذلك الوقت، ضربة تركت بصمة لا تُمحى على الحزب وقادته.

وبالنسبة للمشككين في أوروبا من المحافظين، رسخت كارثة آلية أسعار الصرف فكرة أن بريطانيا “مختلفة”، وأن مصالح المملكة المتحدة تتحقق بشكل أفضل من خلال الحفاظ على استقلال البلاد والابتعاد عن أوروبا، وأنه لا يمكن الوثوق بالسياسيين في برلين وبروكسل للاعتناء بـ”مصالحنا”.

وفي الوقت نفسه، كانت تجربة آلية أسعار الصرف عَرَضا مبكرا للتناقضات الكامنة في محاولة تحقيق أي شكل من أشكال الاتحاد النقدي أو الاقتصادي في كتلة من الدول الرأسمالية، والتي يمتلك كل منها احتياجاته ومصالحه القومية المختلفة، والمتباينة أحيانا.

كما تركت تجربة بريطانيا الكارثية في آلية أسعار الصرف أثرا حتى على حكومة توني بلير المؤيدة لأوروبا، وأثرت بشدة على قرار قادة حزب العمال الجديد بعدم إدخال بريطانيا في منطقة اليورو.

ومع حلول الألفية الجديدة، كانت الفجوات والصدوع بين المملكة المتحدة والقارة الأوروبية تتسع بوضوح.

صعود حزب استقلال بريطانيا

استمرت الصراعات حول ملف أوروبا في ملاحقة المحافظين وتأزيم صفوفهم خلال سنوات التيه التي قضوها في صفوف المعارضة. وتأجج هذا جزئيا بصعود حزب استقلال بريطانيا (UKIP).

تأسس الحزب في عام 1993 بوصفه حزبا ذي قضية واحدة، ردا على توقيع معاهدة ماستريخت، وتأسيس الاتحاد الأوروبي، والتركيز المتزايد للسلطة في يد بروكسل.

لقد ظل الحزب قرابة عقد من الزمن على هامش السياسة البريطانية. فلم يحصد سوى بعض الأصوات الاحتجاجية من المحافظين الساخطين دون تحقيق قفزة تذكر. على سبيل المثال، لم ينل في الانتخابات العامة لعام 2001 سوى 1.5% فقط من الأصوات على مستوى البلاد، ولم يتمكن سوى مرشح واحد فقط من بين 428 مرشحا للحزب من استرداد مبلغ التأمين المالي لترشحه.

ومن مفارقات القدر أن انتخابات البرلمان الأوروبي – وهي المؤسسة التي كان الحزب يسعى لإلغائها – هي التي منحت حزب استقلال بريطانيا وقادته منصة الإطلاق التي احتاجوها لتعزيز حضورهم وجذب الأنظار إليهم.

فقد حصد الحزب نحو 2.5 مليون صوت (بنسبة 16%) في الانتخابات الأوروبية لعامي 2004 و2009، ليحل في المركزين الثالث والثاني على التوالي.

كما شكل انتخاب نايجل فاراج قائدا للحزب في عام 2006 – وإعادة انتخابه في عام 2010 – نقطة تحول رئيسية.

فمن جهة، حرص فاراج على جذب شريحة أوسع من ناخبي حزب المحافظين، إلى جانب أصحاب الأعمال والمتبرعين الذين رأوا في الاتحاد الأوروبي ولوائحه عائقا أمام جني الأرباح.

ومن جهة أخرى، كان القائد الجديد يمثل جناحا داخل حزب استقلال بريطانيا يرغب في توسيع نطاق جاذبيته، ليتجاوز قاعدته الاجتماعية التقليدية الضيقة المتمثلة في المحافظين المشككين في أوروبا وسكان الريف.

كان فاراج حريصا على استقطاب شريحة أوسع من ناخبي حزب المحافظين، إلى جانب أصحاب الأعمال والمانحين الذين رأوا في الاتحاد الأوروبي ولوائحه عائقا / الصورة: استخدام عادل

اقتضى هذا التوجه تبني طابع أكثر “شعبوية”. فلم يقتصر الهجوم على بيروقراطيي بروكسل فحسب، بل امتد ليتحدى النخب بشكل عام، مع تبني قضايا “المواطن العادي”، والتركيز على المشاكل المحلية، لا سيما في المجتمعات العمالية “المهمشة”، فضلا عن إذكاء كراهية الأجانب حول قضية الهجرة.

وقد لاقى هذا النهج صدى كبيرا لدى الناخبين في أعقاب ركود عام 2008، ومع وصول حكومة الائتلاف بين المحافظين والديمقراطيين الليبراليين إلى السلطة في عام 2010.

إذ أججت أجندة التقشف التي انتهجتها حكومة ديفيد كاميرون الائتلافية، بعد سنوات من الإهمال تحت إدارة حكومات حزب العمال الجديد المتعاقبة، غضبا عارما ضد المؤسسة السياسية برمتها. ونجح حزب استقلال بريطانيا بقيادة فاراج في استغلال هذا المناخ بذكاء شديد.

أسفر ذلك عن مكاسب ونجاحات انتخابية كبرى للحزب: في الانتخابات المحلية لعامي 2012 و2013، وسلسلة من الانتخابات الفرعية. ولعل الأبرز كان في الانتخابات الأوروبية لعام 2014، حيث تصدر النتائج على مستوى البلاد بنسبة 27% من الأصوات، لتكون هذه المرة الأولى التي يعجز فيها حزبا المحافظين والعمال عن الفوز بسباق انتخابي وطني منذ أكثر من 100 عام.

وتلا ذلك حصول الحزب على أول مقعدين له في البرلمان: بدأ الأمر أولا بانشقاق النائب عن حزب المحافظين دوغلاس كارسويل وانضمامه إليهم، ثم بفوز مرشح الحزب مارك ريكليس في الانتخابات الفرعية لمنطقة روتشستر وسترود عام 2014.

حسابات سياسية

دقت هذه التطورات ناقوس الخطر في أروقة وستمنستر، لا سيما داخل المقر الرئيسي لحزب المحافظين.

وتحت وطأة الضغط الممارس من النواب المحافظين المشككين في أوروبا ومن القواعد الحزبية، فضلا عن التهديد الانتخابي المتنامي من جانب حزب استقلال بريطانيا، أشعل كاميرون فتيل الاستفتاء على العضوية الأوروبية.

ففي 23 يناير 2013، وخلال خطاب ألقاه في مكاتب شبكة بلومبرغ في لندن، ألزم رئيس الوزراء المحافظ نفسه بالسعي لإعادة التفاوض بشأن علاقة بريطانيا مع بروكسل. وعلاوة على ذلك، تعهد بإجراء تصويت وطني حول عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، وإجراء استفتاء شعبي يضع الناخبين أمام خيار بسيط: “البقاء” أو “الخروج”.

لم يكن هدف كاميرون استرضاء المتطرفين مفرطي الحماسة في حزبه بقدر ما كان اسكاتهم، مدفوعا بثقة تامة بأن الاستفتاء سيفرز أغلبية تؤيد البقاء في الاتحاد الأوروبي.

وكان كاميرون قد أكد، بُعيد انتخابه قائدا لحزب المحافظين وضمن مساعيه لتحديث الحزب وتحسين صورته، أن المحافظين يستمرون في خسارة الانتخابات لأنهم لا يكفون عن “الثرثرة المستمرة بشأن أوروبا”.

لكنه سرعان ما اكتشف أن كل تنازل يقدمه لتلك القواعد الشرهة والمتعطشة للمواجهة لا يزيدها إلا صخبا ومطالبة بمزيد من التشدد.

على سبيل المثال، تمرد أكثر من 100 نائب محافظ بعد أشهر قليلة من خطابه في بلومبرغ، مطالبين بإدراج تعهده بالاستفتاء في القانون عبر خطاب الملكة. وفي الوقت نفسه، غدا الإخفاق في التفاوض على تسوية أفضل مع بروكسل بمثابة وقود يغذي آلة المشككين في أوروبا.

وبناء عليه، خاض المحافظون بقيادة كاميرون الانتخابات العامة لعام 2015 بتعهد صريح في بيانهم الانتخابي بطلب إجراء استفتاء على وضع بريطانيا الأوروبي. وجاء ذلك جزئيا لتهدئة النواب الخلفيين، وبهدف استعادة الناخبين الذين فكروا في هجر المحافظين لصالح حزب استقلال بريطانيا.

دخل حزب المحافظين بزعامة كاميرون الانتخابات العامة لعام 2015 بوعدٍ في برنامجه الانتخابي بإجراء استفتاء على وضع بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.

وقد حقق حزب استقلال بريطانيا نتائج قوية في تلك الانتخابات بحلوله في المركز الثالث من حيث حصة الأصوات، بنسبة 12.6% (رغم فوزه بمقعد نيابي واحد فقط)، مستغلا حالة الغضب المناهضة للمؤسسة الحاكمة في المجتمع. وقد زاد هذا النجاح من الضغوط المفروضة على رئيس الوزراء للوفاء بالتزامه بإجراء الاستفتاء.

وهكذا جُرت بريطانيا إلى استفتاء الاتحاد الأوروبي عام 2016، لا تلبية لمطلب شعبي عارم أو رغبة داخل الطبقة السائدة، بل نتاجا للحسابات السياسية قصيرة النظر لديفيد كاميرون.

خلاصة القول، إن الاستفتاء كان وسيلة أراد بها كاميرون الهروب المؤقت من ضغط مزدوج: ضغط الأعضاء المهووسين بأوروبا في حزبه، والتهديد الانتخابي لحزب استقلال بريطانيا. أما تطلعات عموم الناخبين واحتياجات الرأسمالية البريطانية فقد كانت مجرد مسألة ثانوية طواها الإهمال.

وسلط هذا المشهد الضوء على مدى الانحطاط الذي أصاب حزب المحافظين، بعد أن كان يوما ما الحزب البرجوازي الأكثر استقرارا ونجاحا على وجه الأرض، وكشف عن مدى قصر نظر قادته وتهورهم، بإظهار استعدادهم للمقامرة بمستقبل الرأسمالية البريطانية برمتها في سبيل مصالحهم الضيقة.

الغرور وقصر النظر

انقلب غرور قائد المحافظين، الخريج من مدرسة إيتون، وقصر نظره عليه بشكل كارثي.

لقد ظن كاميرون، المدافع البارز عن خيار “البقاء”، أنه سيفوز بالاستفتاء بسهولة، ليُحيد بذلك المشككين في أوروبا داخل حزبه، ويطوي ملف أوروبا إلى الأبد.

وكان رئيس الوزراء المحافظ قد فاز بالفعل في استفتاءين سابقين، الأول بشأن الإصلاح الانتخابي عام 2011، والثاني حول استقلال اسكتلندا عام 2014، مما جعله منتشيا بزهو هذه النجاحات.

لكن المرة الثالثة لم تكن من نصيبه. ونظرا لعزلته وانفصاله عن الواقع، لم يضع في حسبانه المزاج العام للجماهير.

وفي 23 يونيو 2016، وعلى الرغم من الدعاية المكثف للمؤسسة الحاكمة بأكملها تقريبا بقوة لدعم خيار “البقاء” – أو ربما بسبب هذا الدعم بالذات – اختار ملايين الناخبين خيار “الخروج”، بنسبة 52%، وبمشاركة بلغت 72%.

وهكذا قُضي الأمر. في اليوم التالي، حزم رئيس الوزراء المهان أمتعته وغادر مقر الحكومة في داونينغ ستريت، لتسلك بريطانيا طريقا باتجاه واحد نحو “الخروج”.

خاسرو المؤسسة الحاكمة

لا يقدم هذا السرد، حتى الآن، إلا جانبا واحدا من قصة البريكسيت في بريطانيا، وهو سبب الدعوة لإجراء استفتاء الاتحاد الأوروبي. أما الجانب الآخر من المسألة، فيتمثل في سبب فوز معسكر “الخروج”.

وللإجابة عن هذا السؤال، يتعين أولا استكشاف برنامج الفريق الخاسر، أي مؤيدي البقاء. الذين لم يقدهم كاميرون بمفرده، بل شاركه القيادة أيضا توني بلير وغالبية الشركات الكبرى، أي بعبارة أخرى، الكتلة الكبرى للمؤسسة الحاكمة البريطانية.

لقد أُصيب هؤلاء السيدات والسادة الميسورون بصدمة عارمة جراء التصويت لصالح البريكست. فقد ضغطوا بقوة من أجل بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، وظلت استطلاعات الرأي تشير حتى الأشهر القليلة الأخيرة قبل الاستفتاء إلى أن كفتهم هي الراجحة. وحتى في الليلة السابقة لظهور النتائج، كان فاراج نفسه يقر بالهزيمة.

لم يكن دعم المؤسسة الليبرالية لخيار البقاء مفاجئا. إذ كان الحفاظ على علاقات وثيقة مع أوروبا أمرا حيويا للرأسمالية البريطانية، بالنظر إلى روابط البلاد الاقتصادية والسياسية والعسكرية بالقارة.

فالاتحاد الأوروبي كان (وما يزال) الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا، حيث استحوذ على 42.3% من الصادرات البريطانية في عام 2015، و52.5% من الواردات (مقارنة بنحو 41.4% و49.0% اليوم على التوالي). وفي الوقت نفسه، شكل مواطنو الاتحاد الأوروبي 43% من المهاجرين إلى بريطانيا في العام ذاته، مما وفر مصدرا قيما للعمالة الماهرة وغير الماهرة لأصحاب العمل.

أما في حال انعزال بريطانيا عن أوروبا فستفقد أهميتها بالنسبة لواشنطن وول ستريت، مما يلحق الضرر بـ”العلاقة الخاصة” للمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وبدون الاحتماء بالأشقاء الأكبر – أمريكا والاتحاد الأوروبي – والتقرب منهم طلبا للحماية، سيتضح سريعا الحجم الضئيل للإمبريالية البريطانية ومكانتها الحقيقية بوصفها قوة من الدرجة الثانية أو الثالثة.

لماذا البقاء؟

تلخصت الحجج الرئيسية التي ساقها قادة حملة البقاء في فكرة جوهرية، وهي: على الجمهور البريطاني (بل يجب عليه) التصويت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي من أجل حماية ما يُسمى “المصالح الوطنية” للبلاد، والتي تعني في حقيقتها مصالح أصحاب العمل والمصرفيين في بريطانيا.

وتلقى هؤلاء دعما في مساعيهم من غالبية قادة “اليسار” والحركة العمالية.

لم يكتفِ هؤلاء الإصلاحيون بترديد أطروحات المؤسسة الليبرالية وحسب، بل عززوها بدفاعهم الساذج عن الاتحاد الأوروبي، إذ صوروه ضامنا مزعوما لحقوق العمال والمهاجرين في مواجهة المحافظين والعنصريين من أمثال فاراج.

كان هذا، في واقع الأمر، الموقف نفسه الذي نجح ديلور في كسب قادة النقابات العمالية إليه في ثمانينيات القرن الماضي. بيد أن قادة “اليسار” باتوا الآن – في مجملهم – أكثر فتورا وضعفا من الناحية السياسية، وأكثر ارتباطا بالليبراليين وما يُسمى الجناح “التقدمي” للطبقة الرأسمالية.

ومع ذلك، لم تلقَ هذه الحجج أي صدى لدى الملايين، بل بدت للعديد من العمال بمثابة دعابة سخيفة.

فبينما تغنى الليبراليون وأبواقهم بمزايا السوق الأوروبية المشتركة وحرية التنقل، تساءل العمال عما جلبه كل هذا للطبقة العاملة في بريطانيا؟ فلم يسفر ذلك إلا عن سباق نحو القاع في الأجور وظروف العمل، إلى جانب عقود من التدهور الاجتماعي.

وعلى المنوال نفسه، تحدث “اليسار” عن فضائل الاتحاد الأوروبي وضماناته لحقوق العمال وحمايته للمهاجرين. لكن بحلول عام 2016، كان القادة الأوروبيون يفرضون سياسات تقشفية قاسية على شعوب اليونان وإسبانيا والبرتغال وإيرلندا، ويتركون اللاجئين والمهاجرين يغرقون في البحر الأبيض المتوسط، في مسعى لبناء “أوروبا الحصينة”.

بعبارة أخرى، وعلى الرغم من احتجاجات المؤسسة الحاكمة، بدا للعديد من العمال العاديين أنهم لن يجنوا مكاسب تُذكر من التصويت لصالح “البقاء”، وأن ما قد يخسرونه جراء ذلك أقل بكثير.

صفعة قوية

مع ذلك، حتى هذا الطرح لا يفسر بشكل كامل سبب تصويت أغلبية ضئيلة لصالح الخروج.

فمن نواحٍ عديدة، لم يكن للتصويت لصالح البريكست علاقة تُذكر بأوروبا نفسها. نعم، كانت هناك بالطبع الشرائح التقليدية المشككة في أوروبا التي لوحت بالأعلام البريطانية وقرعت الطبول حول “استعادة السيطرة” من بروكسل، ولكن بالنسبة لأعداد كبيرة من مؤيدي الخروج من الطبقة العاملة كانت الآراء بشأن الاتحاد الأوروبي مسألة ثانوية تقريبا.

فقبل كل شيء، مَثَل استفتاء عام 2016 بالنسبة للفئات الأكثر سحقا من الناخبين فرصة لتوجيه صفعة قوية للمؤسسة الحاكمة والنخب، ومواصلة ما بدأه غاي فوكس عبر إلقاء إصبع ديناميت عملاق في قلب وستمنستر.

يظهر توزيع أصوات معسكر الخروج هذا بوضوح. إذ تركز دعم البريكست في المدن والمناطق الصناعية السابقة في شمال إنجلترا والوسط وويلز: وهي الأماكن التي عانت الأمرين من تدهور الرأسمالية البريطانية وانحطاطها، ومن سياسات التقشف والهجمات المتتالية، ولذا كانت تبغض المؤسسة السياسية التي تركت العمال ومجتمعاتهم المحلية عرضة للخراب.

بيد أن الليبراليين الذين دافعوا عن خيار البقاء كانوا في عمى تام عن هذا كله. إذ كانت الأوضاع الحقيقية المأساوية في هذه المناطق من البلاد بمثابة كتاب مغلق أمام هذه الفئات المترفة وأبواقهم في الصحافة الرأسمالية.

وبناء عليه – وبدلا من تحمل المسؤولية عن التصويت لصالح البريكست، وهو النتيجة الناجمة عنهم ونظامهم بالأساس – ألقوا باللوم على الطبقة العاملة “الجاهلة” و”العنصرية” لتسببها في هذه الضربة القاصمة للبلاد (والمقصود هنا: للرأسمالية البريطانية).

الجبهة الشعبية

 لسوء الحظ، لم يكن حال كثير من قادة “اليسار” أفضل من ذلك.

فقد ساهم القادة الإصلاحيون أيضا في دفع العمال نحو معسكر الخروج – ونحو أحضان دجالين رجعيين من أمثال نايجل فاراج وبوريس جونسون – بعجزهم عن تقديم بديل اشتراكي حقيقي، ليس فقط في الفترة التي سبقت الاستفتاء، بل طوال السنوات والعقود الماضية.

وفي الوقت نفسه، حاكى قادة “اليسار” البرجوازيين الصغار تلك النبرة الفوقية الاستعلائية التي تنتهجها المؤسسة الليبرالية، بينما أخذوا يندبون حظهم بهستيرية حول “انزلاق بريطانيا نحو الفاشية” وتحولها إلى “جزيرة عنصرية”.

لم يكن من قبيل المصادفة، بناء على ذلك، أن يتكتل هؤلاء المتشائمون المحبطون سريعا التماسا للدفء داخل ما سُمي حملة “تصويت الشعب”: وهي جبهة شعبية ضمت مؤيدي البقاء الغاضبين، وتوحدت متجاوزة الخطوط الطبقية للمطالبة باستفتاء ثانٍ وإلغاء نتيجة البريكست. يا لها من ديمقراطية!

تُعد هذه الخطوة، بدورها، بمثابة قبلة الموت لحركة كوربين. إذ قَبِل قادة “اليسار” بالخضوع لضغوط المؤسسة الليبرالية لتنفيذ مآربها ودعم مسعاها لإجراء استفتاء ثانٍ.

وفي أعين العمال الذين صوتوا لصالح الخروج في معاقل حزب العمال، شكل هذا الموقف نقطة سوداء هائلة في سجل هؤلاء “اليساريين”.

انتهى المطاف بكوربين وحلفائه إلى خسارة كل شيء. إذ ألقت المؤسسة الحاكمة وأبواقها باللوم عليهم لعدم دعمهم الاتحاد الأوروبي بحماس كافٍ، وفي الوقت ذاته، رآهم مؤيدو البريكست من الطبقة العاملة ضعفاء ومستكينين، وفي الوقت نفسه متعالين، بإظهار استعدادهم لتجاوز قرارهم الديمقراطي.

نادي رأسمالي

يفرض هذا كله سؤالا جوهريا: ما الموقف الذي كان ينبغي لليسار البريطاني والحركة العمالية اتخاذه حيال استفتاء الاتحاد الأوروبي عام 2016؟ وبشكل أوسع، ما موقف الشيوعيين من المشروع الأوروبي؟

لقد تميز موقفنا، نحن الماركسيين، دائما بالوضوح التام. فمنذ أسلافنا الأيديولوجيين وصولا إلى حزبنا اليوم، عارض الشيوعيون الحقيقيون باستمرار فكرة التكامل الأوروبي القائم على أساس رأسمالي.

فعلى سبيل المثال، يكتب لينين:

«إن إقامة ولايات متحدة أوروبية في ظل الرأسمالية، ومن زاوية الشروط الاقتصادية للإمبريالية، هي أمر إما مستحيل وإما رجعي.»

ويتابع قائلا:

«لقد أصبح رأس المال عالميا واحتكاريا، وإقامة ولايات متحدة أوروبية في ظل الرأسمالية يماثل اتفاقا على اقتسام المستعمرات. بيد أنه لا يمكن في ظل الرأسمالية وجود أي أساس أو مبدأ آخر للتقاسم سوى القوة.»

وعلى المنوال نفسه، أوضح ليون تروتسكي:

«إن شبه الوحدة الإمبريالية لأوروبا قد يتحقق نتاجا لانتصار حاسم تحرزه إحدى مجموعات القوى الكبرى، أو حصيلة لحرب تنتهي دون حسم.»

وأضاف:

«وفي كلتا الحالتين، فإن توحيد أوروبا سيعني السحق الكامل لمبدأ تقرير المصير لجميع الأمم الضعيفة، والإبقاء على جميع قوى وأسلحة الرجعية الأوروبية وتركيزها، من ملكيات وجيوش نظامية ودبلوماسية سرية.»

وبعبارة أخرى، فإن أوروبا الموحدة في ظل الرأسمالية – بقدر ما يمكن تحقيقه من ذلك – لن تكون أبدا سوى كتلة إمبريالية، أي نادٍ رأسمالي صمم لحماية أرباح الاحتكارات الكبرى وأسواقها، ومناطق نفوذ القوى الأوروبية العظمى.

ينطبق هذا التحليل على المطلب الداعي إلى إقامة “ولايات متحدة أوروبية”، الذي ناقشه لينين وتروتسكي قبل أكثر من 100 عام، بالقدر ذاته الذي ينطبق فيه على فهم الطبيعة الطبقية للاتحاد الأوروبي اليوم.

كان هذا المنظور الطبقي بالذات هو ما دفع الماركسيين في بريطانيا إلى معارضة عضوية المملكة المتحدة في المجموعة الاقتصادية الأوروبية في استفتاء عام 1975. وشكل هذا المنظور الأساس لرفضنا دعم حملة البقاء في عام 2016، والاتجاه بدلا من ذلك نحو كشف الطبيعة الرجعية والإمبريالية للاتحاد الأوروبي والتشديد عليها.

البديل الاشتراكي

لهذه الأسباب، دعونا قادة اليسار والحركة العمالية إلى تبني موقف اشتراكي واضح حيال استفتاء الاتحاد الأوروبي.

فمن الناحية السلبية، أولا وقبل كل شيء، عنى ذلك معارضة التصويت لصالح البقاء، ورفض التعاون الطبقي مع المؤسسة الليبرالية، وتبيان المصالح الرأسمالية والجوهر الإمبريالي القابع في قلب الاتحاد الأوروبي.

أما من الناحية الإيجابية، وفي الوقت ذاته، فقد عنى ذلك الدعوة للتصويت لصالح الخروج بناء على برنامج اشتراكي جريء، أي على أساس طبقي مستقل.

وقد أوضحنا أن الخروج من الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن يتم بناء على الأسباب القومية والشوفينية التي يروج لها جونسون وفاراج وحلفاؤهما، ولا بمنظور حمائي ضيق الأفق كما جرى عليه العرف في أوساط يسار النقابات العمالية في سبعينيات القرن الماضي، بل من أجل تحقيق أهداف أممية وثورية.

كما أكدنا ضرورة ربط خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بمطالب طبقية كفاحية وسياسات اشتراكية، مثل: إنهاء سياسات التقشف والخصخصة، نزع ملكية أصحاب العمل والمليارديرات، تأميم البنوك والاحتكارات تحت رقابة العمال وإدارتهم، وكل هذا ضمن خطة إنتاج اشتراكية.

وبعبارة أخرى، لا ينبغي أن يكون الهدف من “البريكست” خلق مملكة متحدة رأسمالية معزولة ومستقلة، بل أن يشكل خطوة نحو بريطانيا اشتراكية وولايات متحدة أوروبية اشتراكية.

لا بروكسل ولا حي المال والأعمال

لكن، وكما أوضحنا سلفا، لم يتخذ قادة اليسار والنقابات العمالية مثل هذا الموقف.

لقد أوضحنا أيضا أن معسكر البريكست بقيادة جونسون وفاراج لم يكن يقدم أي حل هو الآخر، حتى في ظل غياب حملة اشتراكية حقيقية للخروج تقودها الحركة العمالية.

بعبارة أخرى، ونتيجة لإخفاقات قادة “اليسار”، وُضعت الطبقة العاملة أمام خيارين رجعيين على حد سواء: حملة الشركات الكبرى للبقاء تقودها المؤسسة الليبرالية، وحملة عنصرية للخروج يقودها غوغائيون وفاسدون.

وفي الجوهر، تحول الاستفتاء إلى شجار بين جناحين من الطبقة السائدة، ونزاع بين فصيلين داخل حزب المحافظين، حيث حاول كلاهما بشكل نفعي استغلال الناخبين لخدمة مصالحه الخاصة.

لم يكن “الخيار” المعروض على الطبقة العاملة خيارا على الإطلاق. إذ قدم كلا المعسكرين للعمال استمرار سلطة المصرفيين وأصحاب العمل. بالنسبة لنخب معسكر البقاء، جاء هذا الخيار متلفعا بالعلم الأزرق والأصفر ذي النجوم للاتحاد الأوروبي، بينما جاء معسكر الخروج ملتفا بالعلم البريطاني.

لم يملك أي من “الجانبين” إجابة عن المشكلات الحقيقية التي يواجهها العمال، مثل: الحالة المتردية لهيئة الخدمات الصحية الوطنية والخدمات المحلية، وركود الأجور وظروف المعيشة، ونقص الوظائف والسكن، وغيرها.

لقد شددنا على أن البقاء في الاتحاد الأوروبي أو الخروج منه لن يحدث فرقا جوهريا. فالرأسمالية البريطانية ستواصل مسار تدهورها وانحدارها في كلتا الحالتين، وسيستمر العمال في مواجهة تقشف وفوضى وأزمات لا تنتهي.

وبناء عليه، رفضنا الانحياز إلى أي طرف في هذه الحرب الأهلية التي دارت رحاها داخل الطبقة الرأسمالية. تماما كما أوضح ماركس وإنجلز كيف أن العمال في بريطانيا لم يكونوا ملزمين بدعم أي من المعسكرين البرجوازيين في نقاشات التجارة الحرة والحمائية في القرن التاسع عشر، إذ لم يمثل أي منهما حلا للطبقة العاملة.

لم يكن موقفنا مجرد دعوة للمقاطعة السلبية، بل كان موقفا طبقيا مبدئيا ومستقلا: دعوة للعمال للتنظيم والتحرك والنضال بشروطهم الخاصة، وبأساليبهم الذاتية، دفاعا عن مصالحهم الطبقية.

لم تكن منظمتنا بحجم يسمح لها بأن يكون لها نفوذا حاسما داخل اليسار والحركة العمالية. وعوضا عن ذلك، وجهنا دعايتنا نحو الفئات الأكثر وعيا وطليعية من الناحية السياسية، شارحين بصبر ومهارة برنامجنا ومنظورنا الماركسي للعمال والشباب الأكثر راديكالية.

وطوال تلك الفترة، رفعنا شعارنا الشيوعي عاليا وبكل فخر: لا للاتحاد الأوروبي الرأسمالي! لا لبريطانيا التقشفية! من أجل الولايات المتحدة الأوروبية الاشتراكية!

جرح متقيح

ما تزال المسألة الأوروبية جرحا متقيحا في جسد السياسة البريطانية، حتى بعد مرور عقد من الزمن على التصويت لصالح البريكست.

بيد أن الوضع اليوم غدا مغايرا لما كان عليه في الماضي. فلم يعد المشككون في أوروبا من أجنحة اليمين هم من ينكأ هذا الجرح، بل باتت المؤسسة الليبرالية وممثلوها هم من يفعلون ذلك.

فكما أُشير في البداية، يتزايد لغط جناح من المؤسسة الرأسمالية حول إمكانية إجراء “إعادة ضبط” للعلاقات مع أوروبا، بل إن البعض يلوح باحتمالية عودة بريطانيا إلى أحضان الاتحاد الأوروبي مجددا.

والأسباب وراء ذلك واضحة. فمن ناحية، شكل البريكست كارثة محققة للرأسمالية البريطانية، إذ سرع وتيرة الانحدار الذي كانت تعانيه الصناعة البريطانية بالفعل، وعزل البلاد عن أحد أسواقها الرئيسية.

وفي هذا الصدد، يؤكد عمدة لندن صادق خان، وهو من حزب العمال ومن المنادين بالعودة للاتحاد الأوروبي، قائلا: «لقد كان البريكست أكبر عملية إيذاء ذاتي اقتصادي أقدم عليها أي بلد على الإطلاق».

وفقا لدراسات متنوعة، على سبيل المثال، يُقدر أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي قد أدى إلى خفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا بنسبة تتراوح بين 4% و8%، وذلك جراء تداعياته على حركة التجارة والاستثمار والإنتاجية.

وبدوره، يعنى انكماش الكعكة الاقتصادية أن اقتناص الأرباح بات أمرا أشد صعوبة. ومن ثم، فإن لغالبية أصحاب العمل والمصرفيين في بريطانيا مصلحة مادية ملموسة في الضغط لتحسين العلاقات مع أوروبا، وإن كانوا يتوجسون في الوقت نفسه من المطالبة باستفتاء جديد، نظرا للاضطرابات وحالة عدم الاستقرار التي قد يثيرها ذلك.

في الوقت ذاته، تلعب التحولات الجيوسياسية دورا في هذا المشهد. وقبل كل شيء، أثار نهج ترامب القائم على مبدأ “أمريكا أولا” حالة من الاضطراب والذعر في أروقة لندن وباريس وبرلين.

إذ يتملك القادة البريطانيين والأوروبيين الفزع من احتمالية أن تتخلى واشنطن عنهم، مما يضطرهم في نهاية المطاف إلى تحمل فاتورة الشؤون العسكرية والأمنية بمفردهم.

يجبر هذا الوضع المؤسسة الحاكمة البريطانية على إعادة نظر جادة في خياراتها، وهي التي ربطت نفسها يدا وساق بالإمبريالية الأمريكية – اقتصاديا وسياسيا وعسكريا – على مدار الأعوام الثمانين الماضية أو نحو ذلك. ويوجه البعض للاستنتاج بأن التقارب الوثيق مع أوروبا قد يغدو ضرورة ملحة للتحوط ضد مخاطر خذلان أمريكا لهم.

يفسر هذا الأمر، إلى جانب قدر من الانتهازية المهنية، التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ويس ستريتنغ، والتي وصف فيها البريكست بأنه «خطأ كارثي».

إذ قال النائب المنتمي إلى التيار البليري، في وقت كان يفكر في الترشح لقيادة حزب العمال: «إننا بحاجة إلى علاقة خاصة جديدة مع الاتحاد الأوروبي، لأن مستقبل بريطانيا يكمن في أوروبا، وسيعود يوما ما إلى داخل الاتحاد الأوروبي».

ومع ذلك، فإن إعلان مثل هذه الطموحات شيء، وتحقيقها على أرض الواقع شيء آخر تماما.

ندم البريكست

يروق للمدافعين المحبين لأوروبا والمنادين بالعودة إلى الاتحاد الأوروبي الإشارة إلى عدد من استطلاعات الرأي الأخيرة التي تشير إلى تراجع الدعم للبريكست، وأن عددا ممن صوتوا لصالح الخروج يعانون الآن من “ندم البريكست”.

فعلى سبيل المثال، تُقدر مؤسسة (YouGov) أن 56% من البريطانيين يؤيدون عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي، في حين تفيد دراسات أخرى بأن نسبة مماثلة – 58% – ترى أن البريكست كان خطأ.

ومع ذلك، تقف جملة من العقبات في طريق أي محاولة لعودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، أو حتى مجرد “إعادة ضبط” العلاقات معه.

تتمثل أولى هذه العقبات في حالة عدم الاستقرار السياسي داخل بريطانيا نفسها.

وكما أشرنا سابقا، كان البريكست نتاجا لانحدار الرأسمالية البريطانية وللتفسخ داخل حزب المحافظين. غير أن السبب ينقلب إلى نتيجة، والنتيجة تصبح سببا.

إذ أدى التصويت لصالح البريكست دور العامل المساعد في تسريع هذه السيرورات المترابطة، وفي صعود الشعبوية اليمينية. ونتيجة لذلك، وبعد مرور 10 سنوات على الاستفتاء، قد تؤول قيادة الحكومة البريطانية المقبلة – بعد الانتخابات العامة القادمة – إلى فاراج، وهو ما يعني على الأرجح تكريس انقسام البلاد مع أوروبا وتعميقه، لا التراجع عنه.

وفي المقابل، ثمة معارضة محتملة لأي لمّ شمل بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي قد تأتي من داخل أوروبا ذاتها.

إذ سيتوجس القادة الأوروبيون خيفة بشدة من السماح بعودة مثل هذا العنصر المتقلب والمزعزع للاستقرار إلى “عائلتهم” مجددا. وبالتأكيد لن يقبلوا بذلك إذا ما اقترن بمحاولات بريطانية جديدة لانتقاء شروط العضوية و”مزاياها على هواها”، مثلما حدث في الفترة التي سبقت استفتاء عام 2016.

انقسامات وتصدعات

وأخيرا، ولعل هذا هو الأهم، ثمة تساؤل أيضا حول طبيعة أوروبا التي تسعى بريطانيا إلى إعادة الارتباط بها.

إن الاتحاد الأوروبي الذي يتطلع ستريتنغ وحلفاؤه إلى العودة لأحضانه اليوم ليس هو ذاته الذي تشكل عام 1993، ولا حتى ذاك الذي صوتت بريطانيا لصالح الخروج منه في عام 2016.

وكما سلف بيانه، تأسست السوق المشتركة واستمرت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بفضل الانتعاش غير المسبوق للرأسمالية وتوسع السوق العالمية. وبالمثل، تأسس الاتحاد الأوروبي وتطور في حقبة شهدت عولمة وازدهارا رأسماليا.

بيد أن المشروع الأوروبي يواجه اليوم ظروفا مغايرة تماما. فالعصر الحالي – بالنسبة للرأسمالية في أوروبا وفي كل مكان آخر – ليس عصر سلام ونمو وتجارة حرة، بل هو عصر صراعات وركود وسياسات حمائية.

وقد كان البريكست في حد ذاته عَرَضا مبكرا لهذه السيرورة من وجوه عدة، وإشارة إلى أن النظام الرأسمالي قد بلغ منتهاه وتجاوز حدوده، وشكل بالتالي نذيرا بانهيار النظام العالمي القديم، الذي يحل محله تدريجيا اضطراب عالمي جديد.

تعاني أوروبا بشكل خاص في خضم هذا التحلل العالمي.

إن النموذج الكامل للرأسمالية الأوروبية – القائم على الطاقة الرخيصة، والتجارة المفتوحة عبر المحيط الأطلسي، والحماية العسكرية الأمريكية – آخذ في التداعي.

ترزح أوروبا تحت وطأة الضغوط من كل حدب وصوب: من رسوم ترامب الجمركية، والمنافسة الصينية، وروسيا الأكثر قوة وجسارة على جبهتها الشرقية.

أما من الداخل، فتتمزق الوحدة الأوروبية نتيجة صعود شعبويين يمينيين مشككين في جدوى الاتحاد الأوروبي، إلى جانب جملة من قوى الطرد المركزي الكفيلة بتفكيكه.

يفضي هذا كله إلى طفو تناقضات الدولة القومية على السطح: التوترات والعداوات بين الدول السبع والعشرين المتبقية في الاتحاد الأوروبي، وتضارب مصالح الطبقات السائدة في هذه البلدان الرأسمالية المتنوعة عبر محاور متعددة، ومن ثم، استحالة تحقيق وحدة أوروبية حقيقية.

فعلى سبيل المثال، أبرزت أزمة اليورو في مطلع العقد الثاني من القرن الحالي انقسام أوروبا بين معسكر الدائنين في الشمال الأكثر صرامة في التقشف (وفي مقدمتهم ألمانيا)، والأمم المَدينة في الجنوب الأكثر هدرا للموارد المالية (وعلى رأسها اليونان).

وفي الوقت ذاته، شقت حرب أوكرانيا ومسألة إعادة التسلح خط تصدع آخر: بين الطبقات السائدة الأكثر رغبة في التصعيد في الشرق (مثل بولندا)، وبعض السياسيين في الغرب، من أمثال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذين قاوموا النزعة العسكرية المتزايدة (لأسبابهم الانتهازية الخاصة).

وعلى المنوال نفسه، ثمة انقسام داخل أوروبا حول طبيعة العلاقة مع أمريكا ترامب وروسيا بوتين على حد سواء.

أما الوزن المتنامي للصين في الاقتصاد العالمي فلم يؤدِ فقط إلى صدامات بين مختلف الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بل أحدث كذلك انقساما داخل الطبقات السائدة في بعض البلدان الأوروبية. إذ يرى البعض في الصين مصدرا مفيدا للاستثمار والتجارة، بينما يرى آخرون في الرأسمالية الصينية منافسا قاتلا وتهديدا وجوديا للصناعات المحلية.

باختصار، كلما ستتعمق أزمة الرأسمالية على مستوى العالم ستتداعى رؤية “المجتمع” الأوروبي الموحد والمتكامل، لتتحول أكثر فأكثر إلى مجرد أضغاث أحلام.

نهاية حقبة

لقد توقعنا هذا كله منذ زمن بعيد.

على سبيل المثال، في عام 1997، وفي وقت كان فيه القادة الأوروبيون يسعون إلى تعميق التكامل الأوروبي عبر إطلاق العملة الموحدة، كتب المنظر الماركسي آلان وودز تحليلا مستفيضا للاتحاد الأوروبي يحمل عنوان “البديل الاشتراكي للاتحاد الأوروبي“، وأوضح فيه أن:

«المشكلة تكمن في أن الرأسماليين الأوروبيين يحاولون المضي قدما نحو الوحدة في وقت تشير فيه الشروط الاقتصادية العامة إلى الاتجاه المعاكس تماما…

يعني هذا كله أن إقامة دولة فدرالية أوروبية على أساس رأسمالي أمر مستبعد، لا سيما في ظل ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية… حيث ستطفو جميع التناقضات على السطح. من غير المرجح أن ينفجر الاتحاد الأوروبي تماما بحكم الحاجة إلى الدفاع عن أسواقهم… إذ يتعين عليهم ‘أن يتكاتفوا معا وإلا شُنقوا فرادى’.

لكن الحركة نحو الوحدة الأوروبية سوف تتحطم في بحر من النزاعات والمشاحنات القومية، وسيتعين على البرجوازية الأوروبية أن تقنع بسلسلة من الاتفاقيات الثنائية والتحالفات المتقلبة…

إن وضعا كهذا سيكون متزعزعا للغاية ومليء بشتى أنواع الانفجارات.»

وقد أثبتت الأيام أن هذه الكلمات كانت نبوءة فائقة الدقة. ليس هذا بمحض الصدفة بل بفضل قوة المنهج الماركسي.

وبالمثل، وفي كتابات تزامنت مع استفتاء عام 1975 بشأن المجموعة الاقتصادية الأوروبية في بريطانيا، أوضح الماركسي تيد غرانت، المؤسس النظري لمنظمتنا، الطبيعة الرأسمالية للسوق المشتركة، مبينا بذلك المصالح الطبقية التي تقف وراء معسكر “نعم” (للبقاء في المجموعة)، كما ناقشنا سلفا.

في الوقت ذاته، ومحاكاة لأطروحات لينين وتروتسكي، أوضح تيد غرانت حدود التكامل الأوروبي داخل إطار الرأسمالية، وفي ظل عائق الدولة القومية.

حيث كتب تيد غرانت قائلا:

«إن الحلم الرجعي بإقامة قوة رأسمالية أوروبية خارقة وموحدة، تتألف من بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية وبلدان السوق الأخرى، سيبقى مجرد أوهام خيالية.

إذ أن المصالح الراسخة للشركات الكبرى في هذه البلدان كافة تعبر عن نفسها عبر جيوش وأجهزة خدمة مدنية وحكومات منفصلة، ولن يفلحوا أبدا في التغلب على هذه التناقضات. ستظل السوق المشتركة مجرد اتحاد جمركي، بل هو اتحاد جمركي جزئي للغاية فوق ذلك.

في اللحظة التي تجد فيها أي من قوى السوق المشتركة نفسها في صعوبات جمة فإنها تضرب بالقواعد عرض الحائط وتتحداها. ومن ثم، لا يمكن للسوق المشتركة أن تنجح أبدا في تحقيق أهدافها.»

وخلص تيد غرانت إلى أن:

«الطبقة السائدة البريطانية وأحزابها – إذا ما استعرنا هذا التعبير – قد علقت آمالها على سراب.

إن بريطانيا الرأسمالية عليلة، ولا يوجد علاج لها سواء كانت داخل المجموعة الاقتصادية الأوروبية أو خارجها.»

يلخص هذا كله بدقة الوضع الذي تواجهه المؤسسة البريطانية الحاكمة اليوم.

فأولئك الذين يطالبون بالـ”عودة” يتحسرون على اتحاد أوروبي لم يعد له وجود. حيث يتوقون بنبرة حنين – من خلال نظارات حالمة وردية – إلى حقبة ولت وانقضت ولن تعود أبدا.

طريق ثوري

ما تزال الرأسمالية – في بريطانيا وأوروبا وعلى مستوى العالم – عليلة بعد مرور نصف قرن على الكلمات التي سطرها تيد غرانت، بل أشد علة من أي وقت مضى.

وما لم يُعالج الداء الحقيقي – المتمثل في الربح والسوق والدولة القومية – فلن تقدم اليوتوبيا الرجعية للتكامل الأوروبي أي ترياق.

وبالمثل، فإن بريطانيا البريكست المعزولة والتائهة والمنكسرة لا تقدم للعمال والشباب أي مستقبل سوى مزيد من التقشف والبؤس.

إن السبيل الوحيد للمضي قدما أمام الطبقة العاملة في كل البلدان هو طريق الثورة.

ونترك الكلمة الأخيرة لليون تروتسكي:

«إن توحيد أوروبا على أساس جمهوري ديمقراطي، أي اتحاد قادر حقا على ضمان حرية التطور القومي، لا يمكن تحقيقه إلا عبر طريق النضال الثوري ضد النزعة العسكرية والإمبريالية ومركزية السلالات الحاكمة. وذلك عن طريق الانتفاضات في البلدان المختلفة، مع دمج هذه الهبات في ثورة أوروبية شاملة.»

23 يونيو/ حزيران 2026

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

10 years after the Brexit vote: where next for Britain and Europe?