بلغت الحركة ذروتها في نهاية هذا الأسبوع، حين خاضت الجماهير الفرنسية مواجهات مع الشرطة، وتمكنت من التقدم إلى مسافة لا تتجاوز 300 متر من قصر الإليزيه. لا يسعنا إلا أن نتخيل حجم التوتر في مكتب الرئيس. وفي مختلف أنحاء البلاد، نزل إلى الشوارع مليون شخص، وربما مليونا شخص. لقد اهتزت الطبقة السائدة من أعماقها.

تُبث صور مبنى البلدية المحترق في ليموج على نحو متواصل، وقد ارتفع عويل عظيم تعبيرا عن التعاطف مع جدرانه الآجرية المتفحمة وزجاجه المحطم. في حين لم نسمع ولو كلمة واحدة عن استخدام الشرطة الغاز المسيل للدموع ضد احتجاجات كانت تتجمع سلميا في ذلك الصباح نفسه، بهدف افتعال هذه النتائج؛ ولا عن الأسابيع الماضية التي مزقت فيها الشرطة المدججة بالسلاح فكوك المراهقين وأسنانهم وعيونهم وأيديهم.
لقد جرت محاولة لإشعال حرب ثقافية، وتحميل المسؤولية للمسلمين ومن يسمون بـ”الوافدين الجدد”. كلا، لا علاقة لهذا بـ”الوافدين الجدد”. إن هذا هو غضب طبقة من أبناء المجتمع، من[1]sans-culottes العصر الحديث، الذين عاشوا الإذلال والاضطهاد طوال حياتهم.
وقد جسدت كتابات غرافيتي ظهرت حديثا في باريس عقودا من المشاعر المتراكمة، مستعيدة كلمات الرؤساء السابقين والحاليين سيئة الصيت: «وصفنا شيراك بأننا “ضجيج ونتانة”؛ وقال ساركوزي إننا بحاجة إلى التنظيف بـ”مضخة ضغط عال” [أي خراطيم المياه]؛ ووصفنا هولاند بأننا “أناس تنقصهم الأسنان”؛ أما ماكرون فيصفنا بأننا “لا أحد”؛ فليذهب احتقارهم إلى الجحيم!».
فاجأ حجم الحركة الطبقة السائدة تماما. أصيب ألف من أفراد شرطة مكافحة الشغب. واعترف وزير الداخلية، لوران نونييز، قائلا: «لقد فقدنا السيطرة». وفي بعض الأماكن، خلعت الشرطة خوذاتها من شدة الإنهاك، في إشارة إلى الهزيمة. لكن هذا ليس سوى البداية.
ثورات جيل زد تصل إلى أوروبا
كنا قد توقعنا أن ثورات جيل زي ستصل إلى أوروبا عاجلا لا آجلا. وها هي قد وصلت. تتصدر فرنسا المشهد، مؤكدة تقاليدها الثورية. وربما لا تنافسها في ذلك سوى ألبانيا، حيث شهدت تيرانا، على مدى أيام، مواجهات متواصلة بين حشود شبابية هائلة والشرطة.
لكن أوروبا بأكملها مشتعلة، وكثيرا من البلدان لا تفصلها عن هذه الموجة سوى خطوة أو خطوتين.
وفي إسبانيا كذلك، اجتاحت احتجاجات حاشدة البلاد طيلة أسابيع. ومثلما تسحق الدولة الفرنسية الأطفال، شهدت إسبانيا بدورها استخدام عدة شاحنات لشرطة مكافحة الشغب ومروحية بوليس لإخلاء مسنة متقاعدة تبلغ من العمر 87 عاما، تدعى ماريكارمن، والتسبب في مقتلها، لأنها كانت تنتهك حقوق الملكية لصندوق استثماري جشع أصبح يمتلك المنزل الذي عاشت فيه طوال 70 عاما.
هذه هي القيم الغربية الليبرالية و”الديمقراطية” التي تتسلح أوروبا حتى أسنانها دفاعا عنها، وتضخ الأسلحة باسمها في حمام الدم الأوكراني.
في إسبانيا تمت الدعوة إلى تنظيم إضراب عام يوم 11 نوفمبر. وفي فرنسا، دعت النقابات العمالية، بعد تردد شديد، إلى يوم نضالي في 5 نوفمبر. ويوم 30 أكتوبر، سيُضرب عمال الموانئ ضد العسكرة كما تمت الدعوة إلى إضراب شبابي أوروبي شامل ضد العسكرة يوم 20 نوفمبر. وفي إيطاليا، دعت قيادة الاتحاد العام الإيطالي للعمل (CGIL) إلى إضراب عام يوم 20 نوفمبر.
سيكون هذا خريفا شديد الاشتعال، تفوح منه أجواء عام 1968. وقد اندلعت بالفعل الحركات في فرنسا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا واليونان وإيطاليا وأيرلندا وصربيا وألبانيا وغيرها. أما المواد القابلة للاشتعال نفسها، فموجودة بوفرة في كل مكان آخر.
ورغم أن هذه الحركات قد انطلقت على خلفية قضايا مختلفة، فإنها تتدفق الآن في مجرى واحد: تكاليف المعيشة، وأسعار السكن والعسكرة وفلسطين والبيئة والتقشف والسكن والتعليم وتحميل المهاجرين مسؤولية الأزمات بدافع عنصري، والكراهية لليمين والفاشية. ويتصاعد الغضب من عنف الشرطة الذي، عوض أن يخيف الحركة، أدى إلى تبديد الأوهام بشأن الدولة “الديمقراطية” لدى فئات كانت بعيدة عن السياسة.
تعبر أوروبا بحدة عن جميع تناقضات النظام. ونوصي قراءنا بقراءة هذا المقال. فأوروبا، مهد الرأسمالية، هي على الأرجح المكان الذي بلغ فيه النظام أقصى درجات انحطاطه، وحيث أصبحت الطبقة الرأسمالية أشد طفيلية، وحيث باتت حدود الدولة القومية أكثر خنقا للقوى المنتجة. أما الهزيمة في أوكرانيا، فتدفع القارة دفعة أخيرة نحو حافة الهاوية.
لكن أوروبا ليست سوى تعبير حاد عن سيرورة تجتاح العالم بأسره. فهذه الأحداث جزء من سلسلة من الأحداث الثورية الممتدة من سريلانكا إلى بنغلاديش وكينيا وإندونيسيا ونيبال ومدغشقر.
في الوقت الراهن، وصلت الأحداث الثورية التي انطلقت في جنوب آسيا إلى الهند، حيث أخذ نظام مودي القمعي يفقد تماسكه ويصبح أكثر هشاشة، ويبدأ السير على طريق نظام حسينة في بنغلاديش.
وفي البرازيل، يحشد ملايين الشباب قواهم ضد اليمين المتطرف. وتشهد تشيلي والأرجنتين حاليا حركات نضالية واسعة، فيما شهدت كولومبيا إضرابا عاما بعد أسابيع قليلة فقط من تولي حكومة يمينية متطرفة السلطة.
تشهد جميع أنحاء العالم اندلاع أحداث ثورية تعكس أعراضا عديدة للمرض نفسه: الاحتضار الرأسمالي.
قفزة هائلة إلى الأمام
بينما يحتل الشباب مجددا ساحة بويرتا ديل سول في إسبانيا وساحة سينتاغما في أثينا، تتردد أصداء الحركات التي شهدها عام 2011. أتذكر مشاهدتي على شاشة التلفزيون للجماهير المصرية وهي تواجه بشجاعة بلطجية نظام مبارك في ميدان التحرير، خلال “جمعة الغضب” يوم 25 يناير 2011. وهي الحركة التي سرعان ما امتدت إلى أوروبا، في موجة عارمة من الإضرابات واحتلال الساحات العامة احتجاجا على التقشف. ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة مع حركة “احتلوا وول ستريت”.
تحمل الحركة الحالية بعض أوجه التشابه مع تلك الحركة، لكنها تقف على مستوى أعلى بكثير من الناحية النوعية. لقد حدثت قفزة هائلة في الوعي.
في عام 2011، لم يكن المزاج السائد بعيدا عن السياسة فحسب، بل كان معاديا للسياسة ومشوشا أيضا. وهذا أمر طبيعي. ففي معظم الأماكن، باستثناء احتجاجات حرب العراق، كانت تلك أولى التعبئات الجماهيرية منذ عقود.

وكان الحديث آنذاك يدور حول أن الأمر لا يتعلق بـ”اليسار في مواجهة اليمين”، بل بـ”من هم في الأعلى في مواجهة من هم في الأسفل”. أما حزب بوديموس، الذي منح ذلك المزاج تعبيرا سياسيا في إسبانيا، فقال إننا، نحن ” la gente” (أي “الشعب”، وليس الطبقة العاملة)، نخوض الصراع ضد ” lacasta “، أي (“الطغمة”)، دون تحديد واضح لهوية هذه الطغمة.
لم يقتصر الشك على الأحزاب السياسية، بل شمل القيادة عموما. أتذكر أن جامعتي احتُلت عام 2011، وكان احتلالا واسعا إلى حد ما. اصطحبت بعض العمال الشباب إلى ذلك الاعتصام، لكنهم غادروه وهم في حيرة تامة. قالوا: «ما الذي سيحققه هؤلاء الطلاب إذا أمضوا كل وقتهم في مناقشة ما إذا كان إجراء تصويت أو انتخاب قادة أمرا غير ديمقراطي؟». وهذا سؤال وجيه.
أما اليوم، فعلى النقيض من ذلك، نرى الأعلام الحمراء في كل مكان. لقد أصبح الشباب في كل مكان منحازين بوضوح إلى اليسار الراديكالي، وأخذت الأفكار الشيوعية تصعد. وهم يدفعون، عن وعي، بالمسألة الطبقية إلى صدارة المشهد.
في إسبانيا، رأينا منذ البداية رفع الشباب، بطريقة عفوية، شعار: Hacia una huelgageneral (نحو إضراب عام)، وذلك قبل وقت طويل من تبني النقابات لهذه الفكرة. وعندما سار المعلمون المضربون نحو مخيم الاحتجاج في ساحة بويرتا ديل سول بمدريد، استقبلهم المحتجون بهتافات:Esto es lucha de clases, no podemos hacer las paces. (هذا صراع طبقي، لا يمكننا عقد الصلح).
والأمر نفسه في فرنسا. فقد انتشرت مقاطع الفيديو والصور التي تظهر الشباب الفرنسي وهم يرفعون شعارات ثورية مثل: Vive La Commune! (تحيا الكومونة!) ، و«سنصنع ماي 1968 جديدا». وفي ساحة الجمهورية، أنشدوا نشيد الأممية باللغة الفرنسية. بعد أسبوع، انتشرت مقاطع مصورة مؤثرة لطلاب المدارس في أثينا وهم يردون بإنشاد الأممية باللغة اليونانية. وفي إسبانيا، عادت الأغاني الثورية للحرب الأهلية إلى الشوارع للمرة الأولى منذ سبعينيات القرن الماضي. أما في إيطاليا، فيُسمع نشيد الأنصار الشيوعيين Bellaciao.
لقد وقفت الأممية الشيوعية الثورية، طوال سنوات، في مواجهة تيار من الآراء داخل ما يسمى “اليسار” الذي كان ينظر إلى المظاهر السطحية للأحداث فحسب، من هيمنة الديماغوجيين اليمينيين والحرب والهستيريا الإعلامية المعادية للمهاجرين، ليستنتج أننا نعيش في عصر من الرجعية، بل وفي عصر يوشك أن يشهد الفاشية. واستشهد أصحاب هذا التيار بأنماط التصويت اليمينية وبالأرقام المنخفضة للإضرابات، ليعلنوا أن الطبقة العاملة خاملة ومتخلفة وعنصرية.
كنا وحدنا من أكد أن العكس هو الصحيح: أن غضبا هائلا يتراكم. وأن هذا المزاج يتحول، ولا سيما في صفوف الشباب، تحولا حادا نحو اليسار، باتجاه استنتاجات ثورية. وكانت الأرضية تُهيأ لانفجارات ثورية عاصفة.
وتشير التقارير التي تصلنا إلى أمر آخر بالغ الأهمية في هذه القفزة إلى الأمام في الوعي. فقد تابع الشباب تطورات الأحداث الثورية في سريلانكا وبنغلاديش ونيبال. أُسقطت الحكومات بفعل الحشود الهائلة في الشوارع، ثم وصلت حكومات جديدة إلى السلطة، لكنها حكمت بالطريقة نفسها، وظلت سياساتها خاضعة لإملاءات الأسواق.
وبعد أن أدركت فئات واسعة أن هذه الحركة ستشهد مدّا وجزرا، وأنها لن تكون مسرحية من فصل واحد، باتت تدرك أن ما يتحقق لن يصمد خلال فترة الجزر إلا إذا نظمنا أنفسنا.
لا بد للشيوعيين الثوريين من أن يفتحوا أبوابهم على مصراعيها أمام هؤلاء الشباب، وأن يستقبلوهم بوصفهم رفاقا عادوا إلى بيتهم، وأن يوفروا لهم تنظيما وأفكارا وتوجيها ودورا يضطلعون به.
النقابات تسارع للحاق بركب الحركة
يبرز في كل مكان التفاوت بين الوعي الثوري المتقدم لدى قطاعات واسعة من الشباب، وبين النزعة المحافظة للنقابات العمالية والأحزاب التي تدعي تمثيل العمال، ولا سيما، وإن لم يكن حصرا، لدى قياداتها العليا.
صار الشباب يتجاوزون تلك المنظمات بخطوات واسعة. فمجموعات صغيرة، نشأت بصورة عفوية، مثل نقابة المستأجرين في إسبانيا، تستطيع أن تطلق احتجاجات حاشدة. في البرازيل، نظم حزب العمال تجمعا انتخابيا فاترا للغاية يوم الجمعة، عشية الجولة الأولى من التصويت التي جرت قبل بضعة أسابيع. وبعد أن أظهرت النتائج حصول بولسونارو على 47% من الأصوات مقابل 45% للولا، لم يكن حزب العمال هو من دعا إلى الاحتجاجات الجماهيرية، بل النقابات الطلابية، التي استجاب لدعوتها ملايين الأشخاص، في احتجاجات غاضبة وحيوية قادها الشباب.
تجد القيادات النقابية نفسها في وضع بالغ الحرج. فمن الواضح أنها ترى دورها في كبح الحركة واحتوائها. وليس لديها أي أفق ثوري. لكن إذا لم تفعل شيئا، فإنها تخاطر بأن تتجاوزها قوى أخرى وأن تفقد كل نفوذها، ولا سيما بين الشباب. وعندئذ، كيف ستتمكن من أداء دورها في كبح الحركة؟
وهكذا ففي إسبانيا، وفي اليوم الذي احتل فيه الشباب ساحة بويرتا ديل سول في مدريد، اجتمعت النقابة الراديكالية الصغيرة، الاتحاد العام للعمل (CGT)، مع أعضاء من نقابة المستأجرين لمناقشة مسألة الإضراب العام. وهذا ما دفع قيادتي الاتحادين النقابيين الكبيرين، الاتحاد العام للعمال (UGT) واللجان العمالية (CCOO)، إلى المسارعة بالإعلان عن إضراب عام يوم 11 نوفمبر.
لقد اختاروا موعدا بعيدا نسبيا، بهدف تبديد زخم الحركة، ولم يفعلوا منذ ذلك الحين إلا القليل لتعبئة العمال من أجل الإضراب. لقد أشعلوا فتيل البارود بيد مرتجفة، وبذلوا كل ما في وسعهم للحد من النتائج واحتوائها. لكنهم اضطروا إلى إطلاق الدعوة خوفا من أن تسبقهم قوى أخرى وتنتزع منهم زمام المبادرة إن هم لم يفعلوا ذلك.
ومع ذلك، وبالنظر إلى أن إسبانيا لم تشهد إضرابا عاما منذ 15 عاما، فقد قوبلت حتى هذه الخطوة المرتجفة من القيادات النقابية بحماس. وربما ينتهي بهم الأمر إلى مواجهة ما يخشونه بالضبط: استعراض هائل لقوة الطبقة العاملة.
كما وصلت الأحداث العاصفة إلى إيطاليا. فقد أغلقت احتجاجات الوقود جنوب البلاد أمام الحركة. وفي الشمال، نظم الشباب الفقراء أنفسهم عبر تطبيق تيك توك لمواجهة الشرطة في مدن مثل ميلانو، وحُطمت واجهات عدد من متاجر العلامات التجارية الفاخرة. لكن كيف استجاب الاتحاد العام الإيطالي للعمال (CGIL) لهذا التعبير عن الغضب العمالي في ميلانو؟ استجاب بتنظيم احتجاج مضاد تحت شعار “السلام!”.
ومع ذلك فإن قيادة الاتحاد العام، وبعدما شاهدت ما حدث في إسبانيا، وتذكرت كيف سبقتها النقابة الراديكالية الصغيرة “اتحاد القاعدة النقابية” (USB)، ونظمت إضرابا عاما من أجل فلسطين في أكتوبر الماضي، وجدت نفسها في موقف بالغ الصعوبة. وهكذا، أعلن الأمين العام لانديني عن إضراب عام يوم 20 نوفمبر، رابطا إياه صراحة بالإضراب الشبابي الأوروبي ضد العسكرة، المقرر في اليوم نفسه.
الكونفدرالية العامة للعمل تلعب بالنار
لكن فرنسا هي، مرة أخرى، المكان الذي يتجلى فيه دور القيادات النقابية بأوضح صورة. فقد استمرت قيادات الكونفدرالية العامة للعمل (CGT) تمارس اللعبة الانتهازية نفسها عاما بعد عام. فهي لا تدعو إلى إضرابات عامة، بل إلى ما تسميه “أياما نضالية”، يُترك فيها لكل جهة أن تدعو إلى احتجاجاتها الخاصة. وعادة ما تُحدد تلك الأيام خلال أيام العمل الأسبوعية، حين يكون العمال في أماكن عملهم.
وبدلا من السعي إلى تعزيز الحركة وتوجيه تحد حقيقي للحكومة والطبقة السائدة، حاولت القيادات النقابية قطع الطريق على التعبئة التي شهدها الأسبوع الماضي، يوم 17 أكتوبر، وذلك بدعوتها إلى “يوم نضالي” آخر يوم 5 نوفمبر، بدلا من الدعوة إلى إضراب عام!
وقد أثار ذلك غضبا حقيقيا، ومحقا، ضد القيادات النقابية العليا. ولم يكن بالإمكان اختيار توقيت أكثر انتهازية: موعد بعيد بما يكفي للسماح للأحداث بأن تهدأ قليلا، واستنزاف زخم الحركة، ثم يأتي بعد عطلة منتصف الفصل الدراسي، على أمل تفكيك تعبئة التلاميذ الذين أطلقوا هذه الحركة.
لكن ربما أخطأت القيادات في حساباتها. فاتساع الحركة يعني أن الشباب سيخرجون إلى الشوارع، سواء صادفت التعبئة عطلة منتصف الفصل الدراسي أم لا. كما أن نجاح تحركات 17 أكتوبر يعني أن سلسلة من التعبئات ستتوالى حتى موعد 5 نوفمبر.
وفي ظل وضع يُقابل فيه أي متحدث لم يطالب بالإطاحة الفورية بماكرون بالاستنكار والصيحات الرافضة، اضطرت صوفي بينيه، زعيمة الكونفدرالية العامة للعمل، إلى تصعيد خطابها حتى تحافظ على قبضتها على الوضع. وفي سياق ذلك، أدلت بتصريحات أضفت نبرة جديدة تماما على هذا “اليوم النضالي”.
فبعد خروجها من مفاوضات الميزانية، قالت للصحافة ما يلي (والتأكيد من عندي):
“لقد حان الوقت للارتقاء بالتعبئة إلى مستوى أعلى. يجب أن تتولى الإضرابات زمام المبادرة. ولهذا تدعو الكونفدرالية العامة للعمل، بالاشتراك مع التحالف النقابي المشترك، إلى أوسع تعبئة ممكنة يوم 5 نوفمبر. ونحث جميع العمال على عقد جمعيات عامة في كل مكان؛ في كل موقع عمل، وبمشاركة جميع زملائهم، وفي كل قطاع وكل مصنع، من أجل نشر الإضراب وتعميمه، سواء يوم 5 نوفمبر أو ما بعده. يجب أن يكون الإضراب هو ما يتصدر جدول الأعمال. فعندما يتوقف العمال عن العمل، تتوقف البلاد ويُشل الاقتصاد. عندها فقط ستُسمع مطالبنا أخيرا.”
إنها كلمات قد تندم عليها كثيرا في المستقبل! فلكي تواكب المزاج الراديكالي، باتت مضطرة الآن إلى تقديم يوم 5 نوفمبر باعتباره يوم إضراب، بل وإلى الدعوة إلى تنظيم جمعيات عامة للعمال، في تلميح إلى إمكانية انطلاق موجة من الإضرابات.
علينا ألا ننسى أن الإضراب العام الثوري في ماي 1968 بدأ بيوم إضراب واحد، يوم 13 ماي، لكن العمال اتخذوه إشارة إلى خوض إضراب عام شامل، كان من الممكن أن يتطور إلى نضال من أجل السلطة.
إننا نرحب بكل خطوة تتخذها القيادات النقابية لدفع الحركة إلى الأمام فعليا، مهما اتسمت بالتردد. لكن علينا أن نحذر العمال، فسجل هذه القيادات يبين أنها لا تمتلك أفقا واضحا. إنها متأخرة عن الحركة بمسافة شاسعة، وتحاول بوعي كبحها!
وفضلا عن ذلك، تستقطب هذه الحركة فئات متنوعة: تلاميذ المدارس، وطلاب الجامعات، وأصحاب السترات الصفراء، والمتقاعدين، والفلاحين، وليس أعضاء النقابات وحدهم.
ومع بلوغ هذه الحركات ذروتها في مختلف أنحاء أوروبا، ستبرز، في أكثر مراحلها تقدما، الحاجة بصورة طبيعية إلى منظمات أكثر مرونة، تُنشأ لغرض محدد وعند الحاجة، وتعبر عن المزاج الحقيقي للجماهير الواسعة ومطالبها الأساسية، لا عن الفتات الذي سيكون البيروقراطيون النقابيون مستعدين للقبول به بكل سرور.
هكذا نكافح اليمين!
إن ما يثير الإعجاب حقا هو كيف تمكنت هذه الحركات، التي يقودها الشباب الثوري في مختلف أنحاء أوروبا، من اختراق أجواء الحرب الثقافية والعنصرية التي عملت الطبقة السائدة على ترسيخها. هكذا تكون مكافحة اليمين حقا!
ففي إسبانيا، تطرح الحركة مطالب راديكالية للغاية، تشمل تأميم الشركات المالكة للعقارات المؤجرة، وعقود إيجار غير محددة المدة، وخفض الإيجارات بنسبة 50%. وتُظهر استطلاعات الرأي أن 83% من السكان يؤيدون مطالب الحركة، كليا أو جزئيا على الأقل، بمن فيهم 65% من ناخبي كل من الحزب الشعبي وحزب فوكس اليميني المتطرف!
وفي غضون ذلك، يستعد حزب فوكس اليميني المتطرف للانتخابات، وقد أعلن تأييده لتقليص الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية وخصخصة المعاشات التقاعدية. لقد تحطمت تماما الصورة التي حاول الحزب تقديمها عن نفسه بوصفه قوة مناهضة للمؤسسة القائمة. واليوم، يخرج المتقاعدون، الذين يشكلون قاعدته التقليدية، للاحتجاج عليه وعلى الحزب الشعبي!
يا له من تحول هائل! ما الذي كان يشكل الخطاب السياسي السائد في إسبانيا قبل أسابيع قليلة فقط من إخلاء منزل ماريكارمن وقتلها؟ كان خطابا رجعيا قائما على بث الخوف وتأجيج العنصرية، عقب وصول عشرات الآلاف من المهاجرين سباحة من الجانب المغربي للجيب الإسباني سبتة.
أما الآن، فيرفع الشباب الشعار الممتاز: los invasores son los inversores (الغزاة هم المستثمرون). إن أساليب الصراع الطبقي التي يتبناها الشباب الراديكالي اليساري تخترق أجواء القمامة التي تروج لها الحرب الثقافية.
وفي فرنسا أيضا، حيث يمتلئ الشباب في الشوارع بالكراهية لليمين واليمين المتطرف، يعارض 55% من ناخبي حزب التجمع الوطني (Rassemblement National – RN) الاحتجاجات، لكن ذلك يعني أن 45% منهم لا يعارضونها. بل إن أكثر من نصفهم يؤيدون مطالب تلاميذ المدارس. وهكذا، ينقسم ناخبو الحزب بالتساوي تقريبا.
أما حزب جان لوك ميلانشون، La France Insoumise (فرنسا الأبية)، الذي يُحسب له وقوفه بثبات إلى جانب تلاميذ المدارس والاحتجاجات، فيشهد صعودا قويا. وفي المقابل، تحاول مارين لوبان، الساعية إلى إثبات أهليتها لتولي الحكم قبل الانتخابات المقررة بعد ستة أشهر، التركيز على ماذا؟ على الدعوة إلى القمع وإثبات “مسؤوليتها المالية”، متعهدة بتنفيذ تخفيضات بقيمة 150 مليار يورو، في خضم أكبر حركة مناهضة للتقشف تشهدها البلاد منذ جيل!
فشل الإصلاحية
هكذا تكون مكافحة اليمين المتطرف. فعندما تبرز قيادة يسارية راديكالية ومناضلة، كما حدث في صفوف الشباب، يصبح بإمكانها استقطاب الفئات الأكثر تخلفا في الوعي السياسي. عندئذ تتصدر المسائل الطبقية المشهد، وتتراجع قضايا الحرب الثقافية إلى الخلفية. وينكشف اليمين ويتخبط.
قبل أن يبدأ الشباب التعبئة، كان هذا العنصر بالضبط هو ما ينقص الحركة. فقد كان سجل الأحزاب الإصلاحية الراسخة لما يسمى “اليسار” بائسا، إذ نفذت الهجمات التي طالب بها الرأسماليون.

وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة. لقد دفعت هذه الحركات ميزان القوى بقوة نحو اليسار في أوروبا وخارجها. لكن ماذا نرى على الجبهة الانتخابية؟ نجد صعود حزب فوكس في إسبانيا؛ وحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) في ألمانيا؛ ومارين لوبان في فرنسا؛ وبولسونارو في البرازيل؛ وحزب إصلاح المملكة المتحدة في بريطانيا؛ وحزب شيغا في البرتغال. إن الديماغوجيين اليمينيين يصعدون، وقد يتمكن الكثير منهم من الوصول بالفعل إلى السلطة خلال الفترة المقبلة.
إن أزمة الرأسمالية تعيد تشكيل المجتمع بأسره على نار حامية، ولا تسلم من ذلك الفئات العمالية المتخلفة سياسيا وشرائح الطبقة الوسطى. وبينما تبحث هذه الفئات عن بديل، ينجح اليمين، عبر الديماغوجية، في استقطاب جانب من غضبها المناهض للمؤسسة القائمة.
ويعود ذلك تحديدا إلى فشل قيادات اليسار المزعوم الضعيفة والمتعاونة طبقيا، وقيادات النقابات العمالية، وهو ما ترك فراغا واسعا على مصراعيه. لكن هذا لا يعني أن هذه الفئات رجعية وعنصرية بصورة ميؤوس منها. إذ يمكن استقطابها خلف بديل ثوري حقيقي.
لكن في غياب مثل هذا البديل، وعندما تحاول الشخصيات الإصلاحية استثمار المزاج السائد في المجتمع، نرى مدى ضعف أدائها.
ففي إسبانيا، حاول رئيس الوزراء الاشتراكي، بيدرو سانشيز، بانتهازية، الظهور بمظهر الصديق لحركة المطالبة بالسكن. وطرح على البرلمان بعض الإصلاحات المحدودة للغاية، لكنها رُفضت، وهو يدعو الآن إلى انتخابات مبكرة.
لكن كيف يمكن أن يثير سانشيز أي حماس؟ لقد أتيحت لحكومته ثماني سنوات لمعالجة أزمة السكن، ولم تفعل شيئا حتى الآن.
وفي البرازيل، يبدو الأمر أكثر وضوحا. فحركة الملايين في الشوارع موجهة ضد بولسونارو، وبالتالي فهي، بحكم الأمر الواقع، حركة لصالح لولا. لكن في ظل حكم من تدهورت الأوضاع إلى الحد الذي قد يسمح لبولسونارو بالفوز مجددا؟ في ظل حكم لولا نفسه.
وهكذا فقد تطورت الحركة المناهضة لبولسونارو رغم دور لولا وحزب العمال. وكما قال أحد المراهقين لوسائل الإعلام خلال أحد الاحتجاجات: «نحن نناضل من أجل البرازيل، لا من أجل لولا». ويرى ملايين الناس في هذه الحركة نضالا من أجل الديمقراطية، وضد العدوان الإمبريالي الأمريكي الذي يجتاح القارة، وضد اليمين الرجعي الصريح المرتبط بالمؤسسة العسكرية.
لكن شريحة كبيرة من هؤلاء الشباب تتطلع إلى ما هو أبعد بكثير من لولا، الذي لا تريد سوى الاستعانة به لهزيمة اليمين. وهي تشق طريقها، ببطء، نحو أفكار أكثر راديكالية، بل وشيوعية.
فلنناضل من أجل الشيوعية
لم نبلغ بعد ذروة موجة النضال الحالية، فيما تتفاقم أزمة الرأسمالية الأوروبية يوما بعد يوم.
ففي هذا الأسبوع وحده، بلغ العائد على السندات الفرنسية 5% للمرة الأولى منذ 23 عاما. وأعادت الفجوة بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى الأذهان أصداء أزمة منطقة اليورو خلال الفترة 2011-2015. لكننا هذه المرة لا نتحدث عن اقتصادات صغيرة تقع في قلب العاصفة، مثل اليونان، بل عن الاقتصادات الأساسية نفسها، مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا. وهذا يشكل خطرا وجوديا على مشروع الاتحاد الأوروبي برمته.

لماذا تقفز عوائد السندات؟ لأن هناك ديونا يستحيل سدادها، ولأن أسواق السندات تنظر الآن بقلق إلى هذه الحكومات الضعيفة المكروهة، ولا تثق بقدرتها على تنفيذ ما تقتضيه “الضرورة” من وجهة نظر الرأسماليين، أي: تحميل العمال الثمن من خلال التقشف.
وبحسب تعبير صحيفة فاينانشال تايمز، تجد فرنسا نفسها عالقة «بين سوق السندات وبين المتاريس». فالحكومات محاصرة بين أكوام هائلة من الديون وبين الغضب الثوري للجماهير.
وقبل احتجاجات 17 أكتوبر، حذرت افتتاحية صحيفة لوموند حكومة لوكورنو من تقديم تنازلات للشباب، لأنها لا تستطيع تحمل تكلفتها، قائلة: «لا بد من تحديد الأولويات، حتى لو استلزم الأمر اتخاذ خيارات لا تحظى بالشعبية».
وبعد 17 أكتوبر، حذرت الصحيفة الحكومة، في افتتاحية أخرى، من الإفراط في الاعتماد على القمع. واتهمتها بالتسبب في «تصعيد كارثي: مزيد من القوة باستمرار، ومزيد من التراجع في ضبط النفس والتحكم في استخدامها».
إنها محقة في الحالتين. فلا التنازلات ولا القمع قادران على انتشال الحكومة من هذه الأزمة.
إن ما يلوح في الأفق هو مرحلة من الصراع الطبقي المكثف. فالطبقة السائدة أضعف من أن توجه ضربة حاسمة إلى الطبقة العاملة. إنها معلقة في الهواء، ترتعد خوفا. وهي تدرك، على نحو قدري، أنها مضطرة إلى مهاجمة الطبقة العاملة من أجل “تهدئة الأسواق”، لكن ماذا بوسعها أن تفعل في مواجهة ملايين العمال عندما ينخرطون في النضال؟
غير أن العمال والشباب يواجهون هم أيضا مشكلة. فقياداتهم النقابية لم ترغب في هذه الحركة بالتأكيد، وهي تبذل كل ما في وسعها لإخمادها واحتوائها. أما الشباب أنفسهم، فقد قدموا البذرة الأولى للبديل: قيادة ثورية ومناضلة. لكنهم لم ينظموا أنفسهم بعد.
بدون تنظيم ستفشل حتى أقوى الحركات في تحقيق اختراق حاسم. وفي الانتخابات التي أعقبت أحداث ماي 1968 في فرنسا، كان ديغول هو الفائز، لا بسبب افتقار العمال إلى الروح النضالية، بل لأن أحزابهم التقليدية، الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي، لم تكن مستعدة للقيام بما فرضته اللحظة: الاستيلاء على السلطة وإنجاز ثورة اشتراكية.
في الوضع الراهن، لا يوجد سوى مخرج واحد: أن يستولي العمال والشباب على السلطة بأيديهم، ويشكلوا حكومة عمالية، ويؤمموا الصناعات الكبرى والمؤسسات المالية، وينقلوا الثروة إلى أيدي الطبقة العاملة، إيذانا ببدء التحول الاشتراكي للمجتمع. تلك هي مهمة عصرنا.
أما الخيار الآخر الوحيد، الذي تتبعه القيادات الإصلاحية، فهو محاولة “إدارة” النظام الرأسمالي. وقد أظهرت التجربة، مرة بعد مرة، أن ذلك لا يؤدي إلا إلى إعادة زمام المبادرة إلى اليمين.
لذلك، وفي خضم الموجة المتصاعدة من النضال، فإن رسالتنا إلى الشباب الثوري هي: نظموا أنفسكم! وندعوكم إلى الانضمام إلى الأممية الشيوعية الثورية.
22 أكتوبر/تشرين الأول 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
الهوامش:
[1] sans-culottes: ترجمتها الحرفية هي اللامتسرولون، وهم أبناء الطبقات الكادحة في فرنسا أواخر القرن الثامن عشر، وقد كانوا القوة المحركة للثورة الفرنسية. سموا كذلك لتمييزهم عن النبلاء والبرجوازيين الذين كانوا يلبسون سراويل ضيقة تصل إلى الركبة تسمى كيلوت، في حين كانوا هم يلبسون سراويل طويلة فضفاضة. المترجم.
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية