إسبانيا: سانشيز يدعو إلى انتخابات مبكرة — والشوارع تطالب بإضراب عام

قلبت الأيام العشرة الأخيرة السياسة الإسبانية رأسا على عقب. ففي 23 سبتمبر، أطلق إخلاء ماري كارمن —المستأجرة من القطاع الخاص البالغة من العمر 87 عاما— من شقتها في شارع ساينث دي باراندا بمدريد، سلسلة من الأحداث لم يتوقعها سوى القليل، لكنها كانت مع ذلك كائنة في أحشاء الوضع قائم.

لقد ظلت مسألة السكن قضية رئيسية في إسبانيا لأكثر من 15 عاما حتى الآن. وكانت سؤالا محوريا في حركة الغاضبين (أو حركة 15 مايو) عام 2011، حين احتل الآلاف الساحات العامة عبر إسبانيا في 15 مارس، احتجاجا على تبعات أزمة عام 2008. وكان أحد محفزات هذه الحركة الجماهيرية هو استرداد البنوك لمنازل العاجزين عن سداد قروضهم العقارية. وردا على ذلك، برزت حركة سكنية نشطة وشجاعة، نظمت —من بين أمور أخرى— خطوات ميدانية لمنع عمليات الإخلاء القسري.

وبعد 15 عاما، لم يُحل أي شيء، بل إن الوضع بات أكثر سوء. إذ أدت المضاربة العقارية المستشرية إلى شراء “الصناديق المفترسة” المباني السكنية. وهي تستخدم كل الوسائل المتاحة لديها لإخلاء المستأجرين الحاليين بغرض رفع الإيجارات بشكل هائل —وهو بالضبط ما حدث مع ماري كارمن— أو استخدام الشقق لغرض التأجير السياحي قصير الأجل شديد الربحية.

شرارة أطلقت حريقا

شكل الإخلاء الشرطي الوحشي بحق ماري كارمن، لتي عاشت في شقتها طوال 70 عاما وتستخدم كرسيا متحركا، الشرارة التي أشعلت موادا شديدة الاشتعال.

ففي يوم السبت التالي، خرج عشرات الآلاف في مسيرة بمدريد في تظاهرة جماهيرية للتعبير عن الغضب، بلغت ذروتها في إقامة مخيم اعتصام في ساحة الشمس، في مشاهد تعيد إلى الأذهان حركة 15 مايو عام 2011.

وكانت حكومة بيدرو سانشيز، التي تستند إلى أغلبية برلمانية هشة، في موقف حرج بالفعل. إذ لم تكن شعاراتها حول كونها “أكثر حكومة تقدمية في التاريخ” تتطابق مع واقع ظروف عيش عائلات الطبقة العاملة، وخاصة الشباب منهم.

فبينما كان يلتقط مقاطع فيديو ودية مع زهران ممداني في نيويورك، كانت شرطة مكافحة الشغب التابعة لسلطة حكومته تخرج امرأة مسنة من شقتها على نقالة إسعاف، بعد استخدام العنف المفرط ضد نشطاء حركة السكن.

وفي حين إن هناك سمات مشتركة بين اعتصام ساحة الشمس والاعتصام الذي أُقيم في إطار حركة 15 مايو، لكن كانت هناك أيضا فروق مهمة. ففي عام 2011، كان هناك مزاج قوي مناهض للسياسة بين شريحة من حركة الغاضبين، حيث كانت المنظمات اليسارية تُقابل بالريبة، ولا يُسمح لها برفع أعلامها أو إحضار أدبياتها، وفي بعض الحالات كانت تُقابل بعداء صريح.

أما هذه المرة، فقد رفرفت الأعلام الحمراء بفخر فوق الساحة، وتؤدي المنظمات الشيوعية دورا علنيا في تنظيم الاعتصام. لقد تغير الزمن وتطور الوعي.

حسابات خبيثة

شعرت حكومة سانشيز بفرصة لاستعادة ما فقدته من مواقع. ففي المشاورات مع شركائها الحكوميين وداعميها من الخارج، صاغت مرسومين يتضمنان مجموعة من التدابير لمعالجة أزمة التأجير.

وكانت الفكرة ماكرة: تقديم بعض التنازلات الطفيفة بغرض امتصاص زخم الحركة وتفكيكها، وفي الوقت نفسه استعادة الصورة التقدمية للحكومة.

غير أن الحركة الجماهيرية في الشوارع لم ترَ في هذين المرسومين ما يلبي الحد الأدنى. وبناء على ذلك، بدأت فكرة تصعيد النضال عبر الدعوة إلى إضراب عام تكسب تأييدا متزايدا.

لكن خطط حكومة سانشيز المحبوكة سرعان ما انحرفت عن مسارها. إذ إن حزب خونتس البرجوازي الصغير الكتالوني —وبعد أن وافق على فحوى أحد المرسومين— قرر معارضة المرسومين معا، والانضمام إلى القوميين اليمينيين الرجعيين الإسبان في حزبي الشعب وفوكس. فعندما يتصل الأمر بالطبقة السائدة فإن المصالح الطبقية تعلو دائما فوق الانقسامات القومية.

وهكذا، وفي يوم الجمعة 2 أكتوبر، أُسقط المرسومان الحكوميان وسط صرخات “العار، العار” و”أنتم لا تمثلوننا” من آلاف المحتجين المحتشدين في الخارج. وفي معظم الحالات، كانت الإصلاحات الطفيفة التي تضمنها المرسومان تحظى بدعم 75% من السكان، بمن فيهم غالبية ناخبي الأحزاب اليمينية.

ولقد دعا بيدرو سانشيز الآن إلى انتخابات مبكرة في نهاية نوفمبر، على أمل أن يصيغ المعركة الانتخابية بالشكل التالي: “أنا أريد تطبيق تدابير تقدمية، لكنني بحاجة إلى كسب الأغلبية اللازمة”. ولكن ردا على ذلك، سيرى الكثيرون: “حسنا، لقد كانت أمامه سبع سنوات لتطبيق هذه التدابير، والسبب الوحيد لتحركه الآن هو الضغط القادم من الشارع… والحسابات السياسية الخبيثة”. ولن يكونوا مخطئين في هذا التفكير.

فبالنسبة لمن هم في الشوارع يحتجون، والملايين الذين يدعمونهم، كانت مراسيم سانشيز ضئيلة للغاية وجاءت متأخرة جدا.

الحركة الجماهيرية

خرجت مجددا مظاهرات حاشدة عبر أرجاء البلاد خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكانت أكبرها في مدريد يوم 3 أكتوبر، حيث نزل نحو 200,000 شخص إلى الشوارع. وتلاقت أربعة مسيرات مختلفة، حاملة المحتجين من الأحياء العمالية في العاصمة. وكان حضور المنظمات الثورية الاشتراكية والشيوعية لافتا في هذه التظاهرات، حيث رفرفت الأعلام الحمراء.

وكانت التظاهرة التي دعت إليها نقابة المستأجرين تتقدمها لافتة ضخمة تطالب بإضراب عام بأحرف عريضة، مصحوبة بالمطالب الثلاثة للحركة: خفض الإيجارات بنسبة 50%، وعقود إيجار غير محددة المدة، وحظر الإخلاء القسري ومصادرة صناديق النسور. وتتجاوز هذه المطالب بكثير الإصلاحات الحكومية الخفيفة التي تضمنها المرسومان اللذان أُسقطا يوم الجمعة.

كما شهدت مدن إشبيلية وغرناطة ومالقة وإقليم الباسك وأوفيدو وغاليسيا وبورغوس وجزر الكناري مظاهرات ضخمة. وفي فالنسيا، اخترقت حشود غفيرة طوق الشرطة للوصول إلى قصر الفنون حيث كانت تُعقد “قمة عقارية”. أما في برشلونة، فقد أُجلت الاحتجاجات بسبب تحذير من خطر الفيضانات.

وحاولت عصابات فاشية صغيرة تنظيم صفوفها لإخلاء مخيمات الاعتصام في مدريد وإشبيلية، لكن آلاف الشباب المناهضين للفاشية تصدوا لهم بسرعة وحسم، واحتشدوا لمطاردتهم وإبعادهم.

مع انسداد الطريق البرلماني في الوقت الراهن إثر سقوط المرسومين باتت الكرة في ملعب التعبئة الجماهيرية في الشوارع.

ولقد اقترحت نقابة المستأجرين إضرابا عاما، ولامست هذه الفكرة مخيلة الملايين. ففي يوم السبت 3 أكتوبر، نشرت صحيفة إل دياريو (El Diario) استطلاعا للرأي كشف أن 73% من السكان يؤيدون إضرابا عاما بشأن قضايا السكن، بما في ذلك أكثر من 60% من ناخبي أحزاب اليمين، الشعب وفوكس.

مواد قابلة للاشتعال في كل مكان

لقد أحدثت الحركة الجماهيرية تحولا في المشهد السياسي الإسباني، الذي ظل لأسابيع مهيمنا عليه من الخطاب الشوفيني اليميني المناهض للمهاجرين، وذلك عقب اختراق عشرات الآلاف للحدود الإسبانية في جيب سبتة. فبعد أسابيع من التظاهر بالدفاع عن حقوق “الإسبان أولا”، لم يجد الديماغوجيون اليمينيون ما يقولونه بشأن ماري كارمن، وهي مواطنة إسبانية طردتها شركة إسبانية مفترسة.

وكان الكثيرون، بمن فيهم عناصر عديدة في اليسار بل وحتى في اليسار الثوري، يندبون ما أسموه “صعود قوى الرجعية”، ورسموا رؤية تشاؤمية حول “التحول نحو اليمين”، إن لم يكن الخطر الوشيك لوصول الفاشية إلى السلطة.

والحقيقة هي أن أزمة الرأسمالية أدت إلى أزمة مشروعية هائلة لجميع مؤسسات النظام البرجوازي. وإذا لم يقدم اليسار إجابة واضحة مناهضة للرأسمالية والمؤسسة الحاكمة فإن صعود الديماغوجيين المناهضين للنظام من اليمين يصبح أمرا حتميا، رغم أنهم أبعد ما يكونون عن موقع القوة والرسوخ.

فعندما يُطرح بديل من جانب اليسار يمكن للوضع أن يتغير بسرعة، وبوتيرة انفجارية. هذا ما شهدناه في فرنسا مع احتجاجات طلاب المدارس، وهذا ما شهدناه في إسبانيا حول قضية الحق في السكن.

وقد أظهر استطلاع للرأي أن 83% من السكان يؤيدون —كليا أو جزئيا— مطالب الحركة، ويشمل ذلك 65% ممن يصوتون لحزب الشعب اليميني، والأهم من ذلك، 65% ممن يصوتون لحزب فوكس!

إن إخلاء ماري كارمن، وسقوط مراسيم سانشيز، واعتصام ساحة الشمس كانت مطارق هزت الوعي. لكن الوعي تشكل بطبيعة الحال من قبل بفعل أزمة السكن العميق التي ضربت إسبانيا، ولا سيما منذ عام 2008.

إن الفكرة السائدة اليوم، والتي باتت بمثابة إدراك عام راسخ، هي أن السكن لا يمكن أن يكون سلعة، بل يجب أن يكون حقا. وشعار نقابة المستأجرين حاليا هو “وضع حد لتجارة السكن”. وهذه خلاصة عميقة تطعن مباشرة في أسس النظام الرأسمالي. فضلا عن ذلك، فهي خلاصة مدعومة بمطالب ملموسة تسير بدقة في هذا الاتجاه. فقضية السكن لا يمكن حلها داخل أطر النظام الرأسمالي، وبدأ الكثيرون في الحركة يستنتجون هذه الحقيقة بالفعل.

إن أحداث الأيام القليلة الماضية في إسبانيا تحتوي على دروس كثيرة. أحد هذه الدروس هو أن الطريقة الفعالة الوحيدة لسحب البساط من تحت أقدام الديماغوجيين الرجعيين هي تقديم برنامج ثوري وشجاع مناهض للرأسمالية لمعالجة المشكلات الاجتماعية الفعلية التي يستغلونها لترويج أفكارهم. وفي الوقت نفسه، يجب كنس العصابات الفاشية الصغيرة التي تتشكل على الهوامش من الشوارع عبر النضال المباشر للآلاف.

ما هي الخطوة التالية؟ لقد دعا سانشيز بالفعل إلى انتخابات مبكرة في نهاية نوفمبر. لكن يبدو أن الاستطلاعات الداخلية التي أعدها حزب العمال الاشتراكي تظهر أنه في موقف حرج، وليس مضمونا أن يفوز في نوفمبر. وهذا يحمل خطر خلق ميزان قوى أشد سوء في حال خسر الحزب مقاعد.

وبخلاف محاولته تعزيز موقعه الخاص، دعا سانشيز أيضا إلى انتخابات مبكرة لأن الطبقة السائدة أصيبت بالذعر من التبعات المحتملة لهذه الحركة. فالانتخابات ستكون الوسيلة الأنسب لتوفير قناة انتخابية آمنة لاستيعاب الغضب الموجود في الشوارع وتجنب الإضراب العام.

لقد حققت حركة السكن في عشرة أيام من العمل الجماهيري ما لم تحققه سنوات من النقاشات البرلمانية. وهذا هو الطريق إلى الأمام. فالإضراب العام لن يحل المسألة بمفرده، لكنه سيحدث تحولا هائلا في ميزان القوى. وإضراب إحتجاجي لمدة 24 ساعة لا يستطيع إسقاط الرأسمالية، لكنه يجعل الطبقة العاملة مدركة لقوتها الذاتية. ولهذا السبب تحديدا تخشاه القيادات النقابية.

خريف أوروبي أحمر

ليس من قبيل المصادفة أن الحركة في إسبانيا تتزامن مع انفجار اجتماعي جماهيري آخر في فرنسا. فقد ألقى القمع الشرطي الوحشي لحركة الاحتجاجات الطلابية بالبنزين على النار. وكانت قطاعات مختلفة من الطبقة العاملة قد بدأت بالتعبئة بالفعل، وهما يتحدان الآن معا.

ولقد دعت نقابات التعليم إلى الإضراب دعما للطلاب في 6 أكتوبر. كما دعت جميع الاتحادات النقابية الرئيسية إلى التضامن مع الحركة الطلابية في اليوم نفسه، وإن كانت —كعادتها التقليدية— تتفادى توجيه دعوة صريحة لإضراب عام. وفي الوقت نفسه، تدعو النقابات المحلية والإقليمية والقطاعية إلى إضراب مشترك مع الطلاب. بل إن نقابة القطاع الزراعي (اتحاد الفلاحين) دعت هي الأخرى إلى التضامن مع الطلاب وناشدت أعضاءها جلب الجرارات إلى التظاهرات.

ولقد احتلت مسألة الدفاع الميداني عن طلاب المدارس الذين تعرضوا لبطش الشرطة موقعا مركزيا في الحركة. ففي عدة مدن رئيسية (بما فيها لوهافر وبوردو)، خرج مناضلو النقابات لتشكيل دروع حماية للدفاع عن الطلاب في مواجهة شرطة مكافحة الشغب.

وقد طرح جناح وحدة الاتحاد العام للعمل (UnitéCGT) —وهو الجناح اليساري المناضل في الاتحاد النقابي الرئيسي— مسألة الحاجة إلى إضراب عام واحتلال المصانع بصورة صحيحة. إذ جاء في بيانه:

“إن هذا يتطلب بالتالي الدعوة إلى إضراب وطني شامل عبر كل القطاعات في أسرع وقت ممكن، على غرار الدعوة لإضراب عام في مايو 68 تضامنا مع الطلاب وردا على مطالب العمال.

كما يتطلب هذا أن نرفع مستوى الوعي، في كل مكان، بالضرورة المطلقة للانخراط —جميعا ومعا— فورا في النضال عبر الإضرابات، والتأثير على الاقتصاد، واحتلال أماكن العمل.

لننهض جميعا، عبر الإضرابات حيثما أمكن، لتوسيع نطاق الحركة، وتوحيد الغضب، ومنع السلطة من المساس بأطفالنا!“

وحذرت صحيفة لو موند البرجوازية الفرنسية في افتتاحيتها من خطر “تحالف أشكال الغضب”، في إشارة إلى حركة مشتركة بين الطلاب والعمال. ثم أشارت بدقة إلى كيف أن “العجز العام والديون المستحقة على الدولة في فرنسا تحرم الحكومة من أي هامش للمناورة”.

وإذا كانت إسبانيا وفرنسا على شفا الغليان فإن إيطاليا ليست ببعيدة حتما. كما اندلعت احتجاجات لطلاب المدارس أيضا في بلجيكا.

إن هذه الأحداث هي الرد الحاسم على المتشائمين والمشككين الذين يتحدثون عن “صعود الرجعية” و”مرحلة عامة من التحول نحو اليمين”. فهي تظهر أن هناك تراكما للمواد القابلة للاشتعال في كل مكان، والتي يمكن أن تشتعل بأي عدد من الشرارات العرضية.

وتأتي الحركات في إسبانيا وفرنسا في الذكرى السنوية الأولى لإضرابات “أوقفوا كل شيء” الحاشدة في فرنسا، والإضرابات السياسية العامة من أجل فلسطين في إيطاليا، والتي كانت في ذلك الوقت تعبيرا عن اضطراب وسخط عميقين بين العمال والشباب عبر أوروبا.

إن القارة بأكملها تجلس على برميل بارود، نابع في جوهره من الأزمة العميقة للرأسمالية الأوروبية. فالديون الهائلة والعجز في الميزانيات يجبران الحكومات على فرض اقتطاعات وإجراءات تقشفية حادة، مما يجعلها أبعد ما تكون عن كونها ذات شعبية، ويخاطر بالتسبب في انفجارات اجتماعية عارمة في بلد تلو الآخر.

باتت الحركات الجماهيرية على جدول أعمال المرحلة. والمسألة الحاسمة الآن هي بناء قيادة ثورية قابلة لقيادتها نحو النصر.

إلى الأمام نحو خريف أوروبي أحمر!

5 أكتوبر/تشرين الأول 2026

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

Spain: Sánchez calls early elections – the streets demand a general strike