تصدر اسم ماري كارمن عناوين الأخبار في إسبانيا على مدى الأسبوع الماضي. كانت هذه المرأة القعيدة البالغة من العمر 87 عاما تعيش في شقتها بمدريد منذ 71 عاما حتى إخلائها القسري الوحشي الأسبوع الماضي.

لقد أثارت قضيتها موجة عارمة من التعاطف مع هذه المرأة البريئة ونضالها الصامد ضد صندوق استثماري طفيلي مفترس. مما شكل محفزا لتفجير الغضب العارم والاستياء العميق اللذين تراكما لسنوات عدة داخل المجتمع الإسباني جراء أزمة السكن المستمرة.
ومع احتلال ساحة بوابة الشمس (Puerta del Sol) المركزية في مدريد والاحتجاج فيها، تسارع حكومة بيدرو سانشيز إلى إقرار أي إجراء شكلي بغية تهدئة هذه الحركة الجماهيرية.
إخلاء قسري وحشي
لم تكن محاولة إخلاء ماري كارمن في الأسبوع الماضي هي الأولى من نوعها التي تقوم بها الدولة. فهذه المرأة التي قضت حياتها بأكملها في شقتها بحي ريتيرو في مدريد، استولى صندوق الاستثمار العقاري أورباخيستيون (Urbagestión) على ملكية شقتها، وسعى فورا إلى رفع قيمة الإيجار بنسبة تتجاوز 400% (من 500 يورو إلى 2,650 يورو)، وهو مبلغ يستحيل على متقاعدة تعيش من معاشها المحدود أن تتكفل به.
وهكذا بدأت إجراءات الإخلاء. حيث نجح ضغط الحركة المطالبة بالسكن في إحباط المحاولات الثلاث الأولى. غير أن المحكمة العليا، وبعد سلسلة من المداولات والاستئنافات، أصدرت في مارس قرارا بإنهاء عقد الإيجار، مستندة إلى ذريعة واهية مفادها أن درجة إعاقة المستأجرة تقل عن الحد الأدنى الذي يوجبه القانون للحماية، مما يكشف عن التحيز التعسفي واللاإنساني للمؤسسة القضائية باعتبارها أداة تخدم الطبقة الرأسمالية.
وحين حل يوم الأربعاء 23 سبتمبر المقرَر لتنفيذ الإخلاء، كان الجميع يستعدون لمواجهة حاسمة. ففي الليلة التي سبقت التنفيذ، نظم أكثر من 500 من الجيران المتضامنين بقيادة نقابة المستأجرين تجمعا سلميا، استعدادا لمنع قوات الشرطة من اقتحام البناية وتشريد الساكنة.
وفي تمام الساعة السادسة صباحا، دفعت السلطة بإنزال شرطي مدجج تمثل في 15 شاحنة طوارئ ومروحية وحشود من أفراد الأمن لتفريق المتظاهرين بالقوة وإغراق المبنى بقنابل الغاز المسيل للدموع. ثم أخرجوا ماري كارمن على نقالة لنقلها مباشرة عبر سيارة إسعاف إلى المستشفى.
أذكت مشاهد هذا القمع موجة غضب عارمة في التو واللحظة، حيث خرجت مظاهرات متزامنة في ظهر اليوم نفسه في عشرات المدن. وخلال الأيام التالية، واصل الغليان الاجتماعي تصاعده حتى توج بمظاهرة حاشدة يوم السبت تجاوز المشاركون فيها 200 ألف متظاهر في مدريد، مطالبين بوضع حد لأزمة السكن ومهددين بالإضراب العام.
واختُتمت مظاهرة السبت باعتصام مفتوح في ساحة بوابة الشمس (Puerta del Sol) المركزية في مدريد، والتي تُعد مقر الحكومة الإقليمية. حيث يطالب المنظمون الحكومة المركزية بإصدار “مرسوم ماري كارمن” قبل حلول يوم الثلاثاء، بحيث ينص على تجريم المضاربة العقارية، وإقرار عقود إيجار غير محددة المدة وتتجدد تلقائيا، والوقف التام للإخلاءات.
وبطبيعة الحال، إن هذه التطورات الميدانية قد أثارت رعب البرجوازية، التي باتت تسارع الزمن بغية إطفاء جذوة النضال. إذ لا يستطيع المرء هنا إلا أن يستحضر حركة “الغاضبين” عام 2011، حين شهدت ساحة بوابة الشمس (Puerta del Sol) آخر اعتصام جماهيري واسع أعقب الأزمة المالية لعام 2008.
أزمة السكن في إسبانيا
يتحول السكن في ظل النظام الرأسمالي إلى مجرد سلعة كغيرها من السلع، لا تُنتَج لتلبية حاجة إنسانية بل لجني الأرباح وحسب. وأمام أزمة فائض الإنتاج العميقة، يغدو لجوء الطبقة الرأسمالية إلى اتخاذ السكن أداة للمضاربة المالية خيارا أكثر جاذبية لها من بناء ملايين المنازل ميسورة التكلفة التي يحتاجها العمال.
ففي إسبانيا، تترك أربعة ملايين شقة سكنية مهجورة تماما، وتعود ملكية أغلبها للبنوك الكبرى وصناديق الاستثمار، لتتحول إلى مجرد رقائق مقامرة في كازينو المضاربات. فضلا عن ذلك، جرى تحويل أكثر من 350 ألف شقة نحو التأجير السياحي قصير الأجل الأكثر ربحية، وهو ما يمثل 10% من سوق التأجير السكني.
ونتيجة لهذا النشاط الطفيلي اللاعقلاني، تحلق تكاليف شراء المنازل أو استئجارها إلى مستويات تتجاوز بمراحل القدرة الشرائية لمتوسط أجور العمال. فبينما ارتفعت الأجور في إسبانيا بنسبة 10.8% منذ عام 2008، قفزت تكاليف السكن بنسبة 54% في الفترة نفسها. ومع أواخر عام 2025، بلغ متوسط الإيجارات ذروة تاريخية غير مسبوقة عند 1,176 يورو شهريا، وهو ما يلتهم 98.7% من متوسط أجر العامل الشاب! وتُعد مدريد من أكثر المناطق تضررا، إذ تضاعفت كلفة المسكن فيها اليوم 2.3 مرة مقارنة بأسعار عام 2014.
ليس مستغربا أن تتحول أزمة السكن إلى بؤرة مركزية في الصراع الطبقي داخل إسبانيا. إذ ما يمنع الاقتصاد الوطني من الترنح الكامل هي صناعة السياحة، التي تولد وظائف موسمية هشة وتلتهم قطاعا واسعا من سوق السكن.
وفي ظل هذا المناخ الخانق، تُنفذ أكثر من 25,500 حالة إخلاء قسري سنويا. وبات ينجلي للجميع أن إخلاء ماري كارمن ليس مجرد حالة استثنائية، وأن الجذور التدميرية للمشكلة تتعدى حدود الوحشية الفردية لصندوق أورباخيستيون (Urbagestión) الاستثماري. ففي الأسبوع الماضي، أنهت امرأة تبلغ من العمر 54 عاما حياتها بعد خمسة أشهر من إخلائها القسري من منزلها في بلدية لهوسبيتالت ببرشلونة. هذا هو الوجه الحقيقي البشع للرأسمالية حين تُماط عنها الأقنعة.
وما كان إخلاء ماري كارمن إلا القشة التي قصمت ظهر البعير. فالطبيعة المفجعة للمشاهد كانت حادثة عارضة، لكنها أزاحت الستار عن حالة غليان عميق داخل المجتمع، كانت تنتظر الفرصة لتتفجر.
فوضى في مدريد
جاء هذا الانفجار في أحلك الأوقات بالنسبة لإيزابيل دياز أيوسو، رئيسة إقليم مدريد اليمينية، والتي تلاحقها سلسلة طويلة من الفضائح في قطاع السكن منذ سنوات. فعلى صعيد حياتها الشخصية، مكنتها الأنشطة والاحتيالات المالية المتنوعة —والتي تورطت فيها هي وعائلتها وشريكها— من الاستحواذ على عدة شقق فاخرة تتجاوز قيمة كل منها مليون يورو، وتقع في أكثر الأحياء ثراء في مدريد.
ولم يكن سجل حكومتها بأقل خزيا من ذلك. فباعتبارها إحدى أكثر الخدم حماسا لصالح البرجوازية، استقبلت صندوق الاستثمار بلاك روك لاستضافة منتداه الاستثماري في مدريد خلال شهر أكتوبر الماضي. كما أنها لا تتوانى عن البحث عن شتى السبل لنقل الثروة العامة إلى المستثمرين الخواص. ومثال ذلك محاولتها بيع 3,000 وحدة سكنية حكومية لصالح تحالف جولد مان ساكس-آزورا (Goldman Sachs-Azora) مقابل 201 مليون يورو، قبل أن تمنعها المحكمة العليا.
ومؤخرا، كُشف النقاب عن استحواذ حكومة أيوسو خفية على شقة فاخرة بمبلغ 6.3 مليون يورو، تقع قبالة منزلها مباشرة! وجرت عملية الشراء عبر شركة عقارية مملوكة لإقليم مدريد، دون الإفصاح عن أي من التفاصيل للرأي العام.
ورغم محاولة تابعيها التخلص من العقار وبيعه فور انكشاف الأمر في أواخر يوليو، إلا أن السهم كان قد نفذ. فباتت أيوسو محاصرة وهي تحاول تقديم مسوغات للواقعة، إذ ادعت في البداية أن الحكومة الإقليمية كانت تتطلع لاستخدام الشقة مكتبا مؤقتا، على الرغم من أن العقار مخصص حصرا للاستخدام السكني.
إن الفساد المستشري ينخر جسد حكومة أيوسو، حتى باتت كل بضعة أسابيع تشهد تفجر فضيحة جديدة.
وفي غضون ذلك، تتعرض الطبقة العاملة في مدريد للهجوم على كافة الأصعدة، وتحديدا في قطاع التعليم، ناهيك عن وضع قطاع الصحة. أضف إلى ذلك ما شهده فصل الصيف من اشتعال لأكبر حريق غابات في تاريخ إسبانيا، والذي أتى على مساحات شاسعة غربي المدينة، وملأ الأجواء بالرماد.
وها نحن في أواخر سبتمبر، وموعد دفع الإيجارات يحل في الأسبوع القادم —وفي هذا التوقيت بالذات تُخلى هذه المرأة المسنة الفقيرة من بيتها.
ولهذا، ربطت الجماهير بين الإخلاء الوحشي لماري كارمن المسكينة وبين إهدار أيوسو للأموال الحكومية على شقة فاخرة بملايين اليوروات كي تتمكن من التسامر مع والدتها على الجانب الآخر من الشارع! ففي ليلة الإخلاء، احتشد 10,000 شخص أمام شقة أيوسو الفاخرة للاحتجاج.
انكشاف الجميع
لقد حاول سانشيز وبطانته استغلال الأجواء الراهنة لإلقاء اللوم على اليمين وتعزيز اعتماده بوصفه إصلاحيا. ويأتي هذا بعد أيام قليلة فقط من التقاطه صورا استعراضية مع زهران ممداني في نيويورك. بل إن بعض سياسيي حزب العمال الاشتراكي (PSOE) ظهروا بسخف للالتقاط الصور في التظاهرة الاحتجاجية أمام شقة أيوسو الفاخرة.
بالتأكيد، أقرت الحكومة خلال السنوات القليلة الماضية سلسلة من التدابير الخفيفة للتخفيف من أزمة السكن. ولكن بما أن مسألة السكن تقع أساسا ضمن اختصاص المجتمعات ذاتية الحكم، فإن غياب خطة حازمة مُنفذة من المستوى الوطني قد مكن اليمين —الذي يسيطر على 12 مجتمعا من أصل 17 مجتمعا ذاتي الحكم— من التشبث بموقفه.
وفي حين يشكل هذا نقطة ضعف لمجموعة من التدابير الهشة أصلا، فإنه يمثل أيضا وسيلة لحزب العمال الاشتراكي لإعادة توجيه اللوم في النهاية نحو اليمين وتحميله مسؤولية الأزمة. وفي الواقع، فإن أنصاف التدابير الحكومية، وإعانات الشباب، والدعم المالي للسكن، كلها أدوات غير فعالة، كما أثبت ذلك الإخلاء القسري لماري كارمن.
ولذا، فعندما ترد أيوسو —محاولة عدم الخروج عن مظهرها المتصنع مع التظاهر بالحرص— بأن الحكومة المركزية كان أمامها ثماني سنوات للتحرك بشأن هذه الأزمة ولكنها اختارت ألا تفعل… فهي على حق! فقبل أسبوعين فقط، حجب حزب العمال الاشتراكي مشروع قانون قدمه ائتلاف سومار —الحزب الإصلاحي الذي يشاركه الحكم— كان يهدف إلى منع الشركات وصناديق الاستثمار من شراء العقارات السكنية.

وهكذا، تلقي الحكومة الإقليمية اليمينية باللوم على الحكومة المركزية الليبرالية-اليسارية والعكس بالعكس، في حين يحصل اليسار الإصلاحي على نقاط استعراضية لمجرد طرحه شيئا على الطاولة… ثم يُلقى به جانبا.
إن لعبة تبادل الاتهامات هذه تعكس خوفهم من أن يكونوا هدفا لموجة الغضب المتصاعدة من الطبقة العاملة. فهم يعلمون جميعا أنه لم يقدم أي منهم أي شيء ذي قيمة للتخفيف من هذه الأزمة، كون الحزبين الحاكمين يخدمان السيد نفسه. لكن العمال يتجاوزون هذا الخداع، فقد فقد الحزبان مصداقيتهما بالكامل بالفعل.
لقد كشف هذا الحادث الطبيعة المزدوجة للحكومة الحالية ولجهاز الدولة الرأسمالية بأكمله، بدء من السلطة التنفيذية وصولا إلى السلطة القضائية. ولقد ثبت أنه لا يمكننا الثقة بأي مؤسسة أو الاعتماد على أي قانون: فدائما ما تُقدم أرباح مصالح صندوق بمليارات الدولارات على حياة البشر.
وفي هذا السياق، تجد الجماهير نفسها دون طرف تتجه إليه. وفي حين أن حزب فوكس في أقصى اليمين لا يملك الجاذبية نفسها التي يتمتع بها نظراؤه المفترضين في أوروبا، فإن أحزاب اليسار مثل سومار وبوديموس هي كيانات فاقدة للمصداقية وغير ملهمة ومجرد قوى هامشية خضعت للاختبار بالفعل — وفشلت.
لا يستطيع اليسار “الراديكالي” تقديم البرنامج الجريء الملموس المطلوب لحل الأزمة طالما ظل خاضعا لليسار الليبرالي. إذ إنهم لا يؤمنون حتى بإمكانية تحقيقه في الواقع. وعبر النشاط البرلماني وحده، بالقطع، لا يمكن تحقيقه.
ومع ذلك، هناك تعطش شديد لمثل هذا البرنامج. وتظهر نتائج الانتخابات الأخيرة في برلين، حيث فاز حزب اليسار بناءً على برنامج مصادرة الملكيات، هذا المزاج الاجتماعي بوضوح، ولا سيما بين الفئات الأكثر تضررا من أزمة السكن: الشباب وعمال المدن.
ولكن في غياب طرف يحفز هذا المزاج، أخذ العمال على عاتقهم قيادة نضالاتهم الخاصة، مظهرين قوة هائلة وجرأة أكبر من قياداتهم المفترضين. فخلال فصل الصيف، خاض آلاف العمال في مصنع رئيسي لشركة إيرباص في مدريد إضرابا شاملا، وصوتوا بالرفض ضد اتفاق مهادن توصلت إليه النقابات الرئيسية من وراء ظهر العمال. وفي الوقت نفسه، دُعي إلى إضراب شامل في قطاع التعليم في مدريد يوم 14 أكتوبر.
ما العمل؟
مع تفاقم أزمة السكن وتزايد حدتها، شهدت السنوات القليلة الماضية اندلاع عدد من الاحتجاجات الرئيسية، وتتصدر هذه التحركات نقابة المستأجرين.
تتركز أنشطة نقابة المستأجرين أساسا في تنظيم إضرابات عن دفع الإيجار ذات نطاق ومدى محدودين، وتقديم أشكال متفرقة من الدعم لحالات شبيهة بحالة ماري كارمن، فضلا عن تنظيم أفعال مباشرة لمنع عمليات الإخلاء القسري. ورغم الأهمية الفعلية لهذه الجهود فإن برنامجها السياسي يقف دون مستوى التدابير الجذرية الضرورية لمواجهة أزمة السكن، مثل مصادرة أملاك صناديق الاستثمار. وفي الواقع، يُعد هذا عرضا لاستراتيجتها المحدودة القائم على توجيه المناشدات للحكومة والمؤسسات البرجوازية.
وفي العام الماضي، شاركت النقابة في تنظيم احتجاجات حاشدة خرجت بالتزامن عبر أرجاء البلاد، وحشدت مئات الآلاف في الشوارع. ورغم أن ذلك كشف عن السخط العميق المستمر في المجتمع والذي ينتظر قنوات للتعبير عنه، فإن المنظمين يتعاملون مع هذه الاحتجاجات بوصفها غاية في حد ذاتها، ووسيلة لمجرد “الضغط” على الحكومة في قضية منفردة.
غير أن هذا المنظور الضيق بالذات هو ما يمنح الطبقة السائدة متنفسا لاستعادة أنفاسها، بمجرد انتهاء العمال من تفريغ شحنة غضبهم في يوم محدد. وبالفعل، فقد تبخر ذلك الغضب في الهواء بعد تلك الاحتجاجات العارمة دون أن يسفر عن شيء، باستثناء ربما تلك التدابير الهشة التي أُقرت بالفعل.
والآن، أقامت نقابة المستأجرين اعتصام في ساحة الشمس تحت شعار: “إذا لم يُقر [مرسوم ماري كارمن]، فلن يعود لهذه الحكومة أي معنى”. ولكن متى كان لها معنى أصلا؟ إنها الحكومة المركزية نفسها —التي تُسمى زورا “أكثر الحكومة تقدمية في التاريخ”— هي من حركت الشرطة الوطنية لتنفيذ هذا الإخلاء القسري. وكل هذا جرى تحت مظلتها ووفق المنطق الحاكم للنظام الرأسمالي.
وفيما يتعلق بهذا المرسوم، لا يقتصر الأمر على رفض حزب العمال الاشتراكي للمقترحات الأشد جرأة المقدمة من حزب سومار، بل إن حزب معا من أجل كاتالونيا (Junts) المحافظ وحزب الشعب الباسكي المشاركين في التحالف الحكومي سيعملان على تجريده من أية فاعلية، ناهيك عن عدم امتلاكه أغلبية في البرلمان. أضف إلى ذلك: أي تعاطف يُرتجى من برلمان يملك 85% من أعضائه منازل خاصة —بمن فيهم بيدرو سانشيز نفسه ووزيرة السكن في حكومته— بينما يُعد 20% منهم من كبار الملاك الذين يحوزون ثلاثة منازل أو أكثر ويتقاضون عوائد إيجاراتها؟
إنهم عاجزون عن إقرار مرسوم ماري كارمن، ولن ينتجوا إلا مرسوما مشوها ينطوي حتما على تنازلات كبرى لليمين، مثل الإعفاءات الضريبية والإعانات للملاك “المتضررين”، وهي ليست إلا وسائل خلفية إضافية لضخ الأموال من جيوب الطبقة العاملة إلى أيدي أصحاب الثروات.
ومع ذلك، تغيب أي خطة واضحة لما ينبغي عمله عندما تفشل الحكومة حتما في تلبية هذه المطالب.
في هذه الأثناء، تتحرك الحركة الاحتجاجية وفق ديناميتها الخاصة. فخلال الأيام القليلة الماضية، انفجرت مظاهرات تلقائية في مختلف أنحاء البلاد. ففي برشلونة، أُقيمة المتاريس خلال إحدى التظاهرات، رغم تفريق محاولة لإقامة مخيم اعتصام بسرعة. كما أقيمت اعتصامات صغيرة في مدن أخرى مثل غرناطة ومالقة.
لقد داهمت هذه التطورات أجهزة الدولة. ففي مدريد، لم تتدخل أيوسو فورا لقمع الاعتصام لخوفها من ردة الفعل، لكنها وجهت إنذارا نهائيا للمعتصمين لإخلاء الساحة بحلول يوم الخميس. وتراهن السلطات على مشروع المرسوم لتشتيت الحركة وخلق ذريعة لإخلاء ساحة الشمس من المحتجين.
وفي ظل خروج الأمور عن السيطرة وغياب الرؤية للخطوة التالية، بدأت بعض العناصر داخل نقابة المستأجرين بالتمهيد لتهيئة الجماهير لتقبل الخيبة. وفي مشهد دال خلال تجمع احتجاجي يوم الاثنين، وقبل حتى الكشف عن فحوى المرسوم الحكومي المقترح، خاطب أحد النشطاء الجمع في مدريد قائلا:
“نريد من نقابة المستأجرين توجيه رسالة مفادها: لقد انتصرنا بالفعل!
[صيحات استهجان: “لا! نحن صامدون!”]
“لقد انتصرنا لأننا هنا… ونعلم أنه سواء منحونا عقود إيجار غير محددة المدة أم لا… فنحن منظمون!… وعندما ينتهي هذا —لأننا نعلم أن هذه مجرد أداة أخرى للضغط على المؤسسات، وللقول إن السلطة هي في أيدي الشعب المنظم…
[صيحات استهجان عارمة، وهتافات: “نحن – صامدون!”]”
يتوجب على نقابة المستأجرين توجيه جهودها نحو دفع النقابات العمالية للتعبئة، بدء من اللجان العمالية (CCOO) والاتحاد العام للعمال (UGT)، بدلا من إهدار الطاقات في توجيه المناشدات لأطراف لا مصلحة لها في تغيير أي شيء. ويجب على منظمات الطبقة العاملة —ولا سيما الكبرى منها— أن تخوض النضال ضد هذه الهجمات الموجهة من أرباب العمل والحكومات.
غير أن البيروقراطيات النقابية مارست دورها التقليدي المعتاد حتى اللحظة: الاكتفاء بإعلان التضامن الشفهي مع الاعتصام، ومناشدة الكتل البرلمانية “للتحرك بشجاعة” لتوزيع المزيد من الفتات.
وإذا كانت القيادات النقابية غير راغبة في النضال فإن الواجب يقتضي التوجه المباشر إلى القواعد العمالية، وخلق ضغط من الأسفل يجبر هذه القيادات على التحرك. وهو ما حدث بالفعل في إسبانيا وإيطاليا منذ أقل من عام خلال الإضرابات التضامنية مع فلسطين.
برنامجنا
تختزن الحركة المطالبة بالسكن إمكانيات هائلة، إذ خرج الملايين إلى الشوارع دفاعا عن هذه القضية خلال العام الماضي. غير أنه لا يمكن معالجة هذه المسألة بمعزل عن غيرها، بل يجب ربطها بالنضالات الأخرى التي تمس الطبقة العاملة: من التخفيضات في الخدمات العامة مثل التعليم والصحة، إلى العمل الهش والأجور المنخفضة، وأزمة المناخ، وإشعال الحروب والإبادة، وغيرها.
إننا بحاجة إلى برنامج ثوري يطرح مطالب واضحة وحازمة، وعلى رأسها: المصادرة دون تعويض لكافة المساكن المهجورة التي يحتكرها كبار الملاك: البنوك وصناديق الاستثمار والشركات العقارية. كما نطالب بمنع شراء الشقق لغرض تأجيرها، فضلا عن حظر التأجير السياحي.
وبغية بناء سكن ميسور التكلفة وعالي الجودة، يتوجب علينا أيضا مصادرة البنوك الكبرى وشركات البناء —ودون تعويض— التي راكمت أرباحا فاحشة وإخضاعها لرقابة العمال، مع إطلاق خطة بناء حكومية للسكن العمومي تستند إلى الاحتياجات الاجتماعية الفعلية.
وبالطبع: نطالب بالوقف الدائم لإجراءات الإخلاء! وتنسيق وتوحيد النضال من أجل السكن عبر كافة أرجاء البلاد! لكي نعيش يجب أن تموت الرأسمالية!
وإلى أولئك الذين يرون في هذا البرنامج جرأة زائدة، نقول: إن الأوهام الطوباوية الحقيقية تكمن في الاعتقاد بإمكانية تطبيق أي إصلاحات “واقعية وعملية” في ظل أزمة رأسمالية لا تملك فيها الطبقة السائدة أي خيار سوى فرض المزيد من الاقتطاعات.
إن الرأسماليين وحلفاءهم السياسيين لن يتنازلوا عن أي من هذه التدابير طواعية، ولا يمكننا كسبها إلا عبر النضال المنظم. لذا فإن مهمتنا هي بناء حزب ثوري قادر على توجيه انفجارات الغضب هذه، وتحويل هذا الزخم إلى قوة قادرة على إسقاط هذا النظام الفاسد.
29 سبتمبر/أيلول 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
Spain: violent eviction leads to explosion of anger over housing
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية