لولا الأسلحة الغربية لكانت إسرائيل عاجزة عن ارتكاب إبادتها الجماعية ضد الفلسطينيين أو الاستمرار في استفزازاتها ضد إيران. وتأتي الولايات المتحدة، بالطبع، في مقدمة موردي الأسلحة للدولة الإسرائيلية، إلا أن ثاني أكبر مورد للأسلحة هي ألمانيا.

تزود ألمانيا إسرائيل بغواصات ذات قدرة نووية ومحركات دبابات وذخائر، من بين أمور أخرى. وقد ضاعفت الجمهورية الاتحادية هذه الإمدادات عشرة أضعاف منذ 7 أكتوبر 2023.
ويبرر السياسيون الألمان، والصحفيون البرجوازيون، وغيرهم من ممثلي الطبقة السائدة الألمانية، دعم ألمانيا للنظام الصهيوني بالاستناد إلى “الذنب” التاريخي و”مسؤولية” ألمانيا عن قتل ستة ملايين يهودي خلال الهولوكوست في أربعينيات القرن الماضي.
وكل من يتجرأ على نقد أو الاحتجاج ضد دعم ألمانيا لفظائع الإمبريالية الإسرائيلية يُوصم سريعا بـ”معاداة السامية” وأنه لم يستوعب دروس التاريخ. وقد اشتد قمع الدولة ضد الناشطين المؤيدين لفلسطين منذ اليوم الأول بتلك الذريعة. حيث فُضت الاحتجاجات والاجتماعات باستخدام عنف الشرطة المفرط. كما يواجه الفنانون والصحفيون والأكاديميون الناقدون لإسرائيل تهديدات بالفصل من العمل أو حرمانهم من التمويل، فيما تتعرض حرية التعبير لهجوم ضارٍ عبر الدعاوى القضائية الترهيبية.
في عام 2022، أوضح المستشار الألماني السابق أولاف شولتز (من الحزب الاشتراكي الديمقراطي – SPD) قائلا:
“إن القتل الجماعي لليهود نشأ في ألمانيا، وكان من تخطيط وتنفيذ ألمان. وهذا يلقي على عاتق كل حكومة ألمانية مسؤولية أبدية عن أمن دولة إسرائيل وحماية الحياة اليهودية. لن ننسى أبدا المعاناة وملايين الضحايا.”
ولم تدع وزيرة الخارجية الألمانية السابقة أنالينا بيربوك (من حزب الخضر) مجالا للشك بشأن ما يُقصد بـ”أمن إسرائيل”:
“عندما يتحصن إرهابيو حماس خلف الناس، وخلف المدارس، فإننا نجد أنفسنا في مواقف في غاية الصعوبة. لكننا لن نتهرب منها. ولهذا السبب أوضحت في الأمم المتحدة: إن المناطق المدنية قد تفقد حينها وضعها المحمي لأن الإرهابيين يسيئون استخدامها. وألمانيا تقف إلى جانب هذا. وهذا ما يعنيه أمن إسرائيل بالنسبة لنا.”
وتُصور المعارضة لهذه السياسة على أنها معاداة للسامية. وباستغلال تاريخ الهولوكوست والدروس التي “تعلمناها” منه، أُقر العام الماضي “قرار ضد معاداة السامية” في البرلمان الألماني في ذكرى ليلة البلور (Kristallnacht) تحت عنوان: “لن يتكرر هذا أبدا الآن”.
ودعا القرار إلى قمع شديد ضد الداعمين لتحرير فلسطين، بما في ذلك حظر حركة المقاطعة (BDS)، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود باعتبارها دولة يهودية شرطا أساسيا للحصول على التمويل الحكومي. وفي سياق هذا القرار، صرح مسؤولو الحكومة الألمانية بأن الادعاء بأن إسرائيل دولة فصل عنصري يعد معاداة للسامية.
ومؤخرا، حكمت محكمة ألمانية على امرأة في برلين بدفع غرامة قدرها 1,500 يورو. وكانت جريمتها: الاحتجاج ضد دعم ألمانيا للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، بالوقوف أمام البرلمان حاملة لافتة مكتوب عليها: “ألم نتعلم شيئا من الهولوكوست؟”.
لقد حكم القضاة بإدانتها بتهمة التقليل من أهوال الهولوكوست من خلال عقد مقارنة بينه والإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، دون أدنى اعتبار لحقيقة أن السياسيين الإسرائيليين والألمان يقارنون باستمرار أو يلمحون إلى وجود تواز بين الهولوكوست وأحداث 7 أكتوبر 2023! إن مقولة الطابع الفريد للهولوكوست لا تُعامل كأمر مقدس إلا عندما تخدم مصالح الإمبريالية الغربية.
بل إن هذه السردية انطلت على البعض داخل الحركة المؤيدة لفلسطين. إذ يزعمون أن دعم ألمانيا لإسرائيل نابع من فهم خاطئ للمسؤولية الألمانية ومشاعر الذنب. ولهذا السبب طرحوا شعارا شديد الاضطراب: “حرروا فلسطين من الذنب الألماني”.
ولكن كل هذا بالطبع غير صحيح! فهذه السردية بأكملها ليست سوى سحابة دخان أيديولوجية ضخمة تستخدمها الطبقة السائدة الألمانية، ولا تمت للواقع بصلة! فالدعم الألماني لإسرائيل لا يتعلق بـ”المسؤولية التاريخية”، بل يتعلق بمصالح إمبريالية ملموسة. ويتضح هذا جليا عندما ينظر المرء إلى جذور هذا الدعم وأصوله.
ألمانيا الغربية والولايات المتحدة
بدأت الرأسمالية الألمانية الحرب العالمية الثانية وخسرتها. وفي أعقاب ذلك، تحطمت الإمبريالية الألمانية. وجذبت الجرائم المروعة للهولوكوست، التي راكمت الشركات الألمانية من خلالها ثروات هائلة، انتباه العالم.
ولكن في أعقاب الحرب، بدلا من إضعاف منافسها إلى أقصى حد ممكن، أعادت الإمبريالية الأمريكية بناء ألمانيا الغربية اقتصاديا وسياسيا لاستخدامها خط مواجهة في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي.
وعلى هذا الأساس فقط تمكنت ألمانيا من أن تصبح مجددا دولة صناعية ذات شأن. إذ جرى شطب جزء كبير من ديونها، وحصلت على قروض رخيصة ضمن مشروع مارشال، وسُمح لألمانيا بأن تصبح دولة ذات سيادة من جديد، بل وسُمح للنازيين القدامى بالتخلص من العار والاستمرار في مناصبهم لمجرد أنهم كانوا مناهضين جيدين للشيوعية. وفي مقابل ذلك، توقع الأمريكيون من ألمانيا أن تكون تحت تصرفهم كخادم إمبريالي مطيع.
النفط ومناهضة الشيوعية
لقد احتلت الولايات المتحدة مكانة بريطانيا العظمى باعتبارها أقوى قوة في العالم خلال الحرب العالمية الثانية. وبدأت في فرض مصالحها في كل مكان، بما في ذلك الشرق الأوسط. وكان للإمبريالية الأمريكية ثلاثة أهداف إستراتيجية رئيسية في المنطقة: أولا، السيطرة على احتياطيات النفط الهائلة في الشرق الأوسط. ثانيا، منع الشرق الأوسط من الانزلاق إلى نطاق النفوذ السوفيتي. وثالثا، إزاحة القوى الاستعمارية الأوروبية المنهكة من المنطقة للاستحواذ على الأراضي الواقعة في نطاق نفوذها.

يضم الشرق الأوسط أكبر احتياطيات النفط في العالم. وبعد الحرب العالمية الثانية، بدأ النفط يحل محل الفحم باعتباره أهم مصدر للطاقة بالنسبة للصناعة. بالإضافة إلى ذلك، تزايدت أهمية المطاط الصناعي المستخرج من النفط في الصناعة. لم يكن هم الولايات المتحدة مجرد تلبية احتياجاتها الخاصة من النفط، بل استخدام سيطرتها على إنتاجه في الشرق الأوسط لتوسيع نطاق سيطرتها الإستراتيجية على الاقتصاد العالمي بأكمله.
هزم الجيش الأحمر السوفيتي الفاشية في أوروبا. وقد نشأت أوضاع ثورية وما قبل ثورية في العديد من البلدان عقب الحرب، مثل إيطاليا واليونان. كما هزت الموجة الثورية المستعمرات. لأن القوى الاستعمارية الأوروبية القديمة، بريطانيا العظمى وفرنسا، خرجت منهكة من الحرب، وضعفت قبضة سلطتها على مستعمراتها.
هزت الاحتجاجات الجماهيرية الجزائر التي كانت تحتلها فرنسا في عام 1945. وحصلت الهند، التي كانت مستعمرة بريطانية، على استقلالها في عام 1947. وانتصرت الثورة الصينية في عام 1949، وحرمت الإمبريالية بذلك من القدرة على استغلال خُمس سكان العالم. وكانت الجماهير الساعية إلى الاستقلال والتحرر الوطني تتطلع إلى الاتحاد السوفيتي. وباتت البلدان المستعمرة سابقا تتأرجح على شفا الانجذاب إلى نطاق النفوذ السوفيتي، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط. وأرادت الولايات المتحدة منع ذلك، فسعت بعناد وإصرار إلى احتواء نفوذ الاتحاد السوفيتي.
وساعد تأسيس دولة إسرائيل الولايات المتحدة على فرض نفوذها على حساب القوى الاستعمارية الأوروبية القديمة. فقد كانت بريطانيا العظمى قد أحكمت سيطرتها على فلسطين التاريخية بعد الحرب العالمية الأولى، واتساقا مع أسلوب العمل الإمبريالي النموذجي القائم على مبدأ “فرق تسد” وعدت الأرض لكل من الفلسطينيين والصهاينة.
وكان مخططهم يقوم على أساس عدم غلبة أي طرف على الآخر. لكن في النكبة، حدث ذلك تحديدا عندما جرى تهجير 700 ألف فلسطيني قسرا عام 1948 في سياق تأسيس دولة إسرائيل. وسعت الولايات المتحدة إلى دعم إسرائيل لإضعاف موقع الإمبريالية البريطانية، وفي الوقت نفسه وضع قدم لها في الشرق الأوسط.
أرادت الولايات المتحدة تحويل إسرائيل إلى قاعدة إستراتيجية وعسكرية دائمة تستطيع من خلالها السيطرة على المنطقة بأكملها. وكانت إسرائيل بحاجة إلى السلاح والمال والمساعدات الاقتصادية لتحقيق ذلك. لكن كان على الولايات المتحدة الحذر في دعمها لإسرائيل، إذ كانت تجذب الممالك العربية الرجعية في السعودية والعراق والأردن بشكل متزايد إلى نطاق نفوذها مع تراجع بريطانيا. غير أن هذه الأنظمة كانت تقع تحت ضغط هائل من جماهيرها لمناهضة الصهيونية، وكان من شأن الدعم الأمريكي العلني لإسرائيل أن يعرض هذه الجهود للخطر. وهنا وجدت الولايات المتحدة في ألمانيا الغربية وسيطا طيعا للقيام بمهمة دعم إسرائيل.
“التعويضات”
وقعت ألمانيا الغربية اتفاقية “تعويضات” مع إسرائيل بقيمة 3.5 مليار مارك ألماني عام 1952 تحت ضغوط أمريكية هائلة. وقدم الحلفاء الغربيون هذه الاتفاقية شرطا لمنح ألمانيا الغربية سيادتها الوطنية، ومارسوا ضغوطا مكثفة على المستشار أديناور للقبول بها.

تذمر السياسيون في ألمانيا الغربية واشتكوا من ضخامة المبلغ، لكنهم اضطروا لقبوله شاءوا أم أبوا. ولم تكن مشكلتهم الرئيسية تكمن في قيمة المبلغ ذاته بل في التخوف من أن تؤدي الاتفاقية إلى تدهور علاقات ألمانيا مع الدول العربية، التي كان العديد منها يهدد بالاعتراف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية) ودعمها إذا استمرت ألمانيا الغربية في تقديم الدعم لإسرائيل.
ومن ثَمَ، حاولت جمهورية ألمانيا الاتحادية (ألمانيا الغربية) إبقاء حجم دعمها لإسرائيل طي الكتمان طوال فترة الحرب الباردة. غير أن المصالح الخاصة للبرجوازية الألمانية لم تكن ذات أهمية تُذكر بالنسبة للولايات المتحدة. فكان من الأفضل لديها أن تُحرج ألمانيا الغربية في المنطقة على أن تضطر الولايات المتحدة للوقوع في هذا الإحراج.
وبصرف النظر عن المسمى، لم تكن هذه الاتفاقية تهدف في جوهرها إلى تعويض ضحايا الهولوكوست. فالضحايا غير اليهود لم يحصلوا على شيء على الإطلاق، وحتى الضحايا اليهود أنفسهم لم يروا سوى النزر اليسير من هذه الأموال أو لم يروا منها شيئا بالمرة. وبدلا من ذلك، خُصصت الأموال لدعم تطوير الصناعة الإسرائيلية وبناء الدولة الإسرائيلية. وكان هذا الدعم حاسما لاستمرار وجود الدولة. وبالمناسبة، وفر هذا الدعم أيضا دفعة اقتصادية صغيرة للصناعة الألمانية، حيث دُفع ثلثا “التعويضات” لإسرائيل على شكل بضائع وسلع صناعية ألمانية.
وفي خطابه أمام البرلمان الألماني (البوندستاغ) عام 1953، لخص كورت مولر، المعتقل السابق في المعسكرات النازية والنائب عن الحزب الشيوعي الألماني من فرانكفورت، الوضع قائلا:
“إن مقتل وذبح ستة ملايين يهودي هو بمثابة لائحة اتهام صريحة لنظام مروع من اللاانسانية والهمجية. وقد قيلت هنا الكثير من الكلمات الصادقة حول هذا الأمر. لكننا نعترض على ظهور أشخاص هنا، في الوقت الذي كان يتطلب منع هذه الجرائم، إما وقفوا جانبا أو دعموها. سيداتي وسادتي، أقول اليوم بنفس الوضوح إن هذه الاتفاقية بين جمهورية ألمانيا الاتحادية ودولة إسرائيل لا تخدم بأي حال من الأحوال جبر الضرر عن الجرائم الوحشية غير المحدودة للهمجية الهتلرية ضد اليهود المضطهَدين. […] وهكذا، وباسم التعويضات، يحصل أرباب الصناعة في إسرائيل من ألمانيا الغربية على كل ما يحتاجونه لتطوير صناعاتهم الأساسية. وتثبت الحقائق أن هذه الاتفاقية لا علاقة لها بالتعويض. […] بالالمانية الفصيحة، هذا يعني أن الأفراد المضطهَدين في إسرائيل لن يحصلوا على فلس واحد من الثلاثة مليارات مارك، بينما يحقق أرباب الصناعة، في المقابل، أرباحا طائلة. […]
“لأنهم هم الذين يقفون وراء الاتفاقية، وهم الذين جلبوها، وليس لأسباب إنسانية أو إيثارية. هناك أسباب واقعية جدا لهذه السياسة. فالإمبرياليون الأمريكيون يخلقون قاعدة إستراتيجية وعسكرية قوية في الشرق الأوسط، من ناحية ضد البريطانيين، ومن ناحية أخرى ضد شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يريد الأمريكيون أيضا توسيع دولة إسرائيل، التي هي أداة في أيديهم، لتصبح قاعدة عملياتية وعسكرية لسياستهم العدوانية، وهذا بمساعدة المعدات الصناعية من ألمانيا الغربية. […]
“سيداتي وسادتي، إن الرابحين من هذه الاتفاقية ليسوا فقط كبار الصناعيين في إسرائيل والأمريكيين، بل أيضا كبار الصناعيين في ألمانيا الغربية، الذين تضمن لهم الاتفاقية مبيعات وأرباح هائلة لعدة سنوات قادمة. أليس سخرية صريحة ومقززة من المضطهَدين على أسس إثنية أن يحاول أولئك المشاركون في المسؤولية عن القتل الجماعي، والذين حققوا أرباحا هائلة تحت حكم هتلر ومن مجازره بحق اليهود، اليوم، وتحت ستار هذه ‘التعويضات’، تحقيق أرباحا ضخمة مرة أخرى، بينما يتعين على ضحايا الاضطهاد الإثني، مثل أي شخص آخر في أراضي الاتحاد، الانتظار سنوات للحصول على تعويضات ومعاشات تقاعدية مناسبة؟ أليس نفاق مقزز أن يدافع هنا في البوندستاغ عن مثل هذه ‘التعويضات’ أشخاص مثل السيد بفيردمينغس، على سبيل المثال، الذي ساعد في الماضي في تمويل فرقة الحراسة النازية (SS)، التي يُنسب لها قتل الملايين من اليهود، أو قائد الاقتصاد العسكري الدكتور فروين، الذي كُتب عنه ما يلي في وثيقة بتاريخ 31 مايو 1940: ‘علم السيد فروين أنه يمكن تزويدنا بالنساء اليهوديات بأي عدد مطلوب. ويجب ضمان عملهن في الورديات الليلية، أو إسكانهن في ثكنات أو في أردأ مسكن ممكن إذا أمكن ذلك. ويقترح السيد فروين 500 امرأة يهودية’. نحن الشيوعيين نرفض [الاتفاقية]. ونطالب بتوفير الموارد هنا في أراضي الاتحاد حتى تُلبي المطالبات التي يحق لجميع المضطهَدين من جانب النظام النازي الحصول عليها.”
دعمت الطبقة الرأسمالية الألمانية الاتفاقية أساسا لأنها اضطرت للخضوع للإمبريالية الأمريكية. وبينما فعلوا ذلك، حاولوا بالطبع جني أكبر قدر ممكن من الأرباح. وكانت حقيقة أن لديهم الآن مشروعا لغسل سمعتهم السيئة دون الحاجة إلى التخلي عن الثروة التي راكموها خلال الهولوكوست بمثابة مكسب إضافي لطيف بطبيعة الحال. وفي غضون ذلك، حقق الأمريكيون هدفهم المتمثل في رفع إسرائيل إلى مصاف قوة إقليمية دون الحاجة إلى تحمل المسؤولية علنا عن ذلك.
حرب الأيام الستة
غير أن المساعدات الاقتصادية لا بد أن تُتبع بمساعدات عسكرية. فبين عامي 1957 و1967، كانت ألمانيا الغربية أكبر مورد للأسلحة لإسرائيل بفارق كبير. ففي ستينيات القرن الماضي، زودت ألمانيا الاتحادية إسرائيل سرا بدبابات أمريكية ومعدات ثقيلة أخرى. وفعلت ذلك حتى عندما كان السياسيون الألمان يفضلون تجنب الأمر لعدم تعريض العلاقات الدبلوماسية مع الدول العربية للخطر. ولكن، وكما كان الحال مع “اتفاقية التعويضات” لعام 1952، كان عليهم الامتثال. وبخضوعهم هذا، قدموا مزيدا من العون للإمبريالية الأمريكية عبر السماح لها بالتركيز كليا على حرب فيتنام التي كانت آخذة في الاشتعال.

لقد سمح ذلك لإسرائيل، بمرور الوقت، بأن تنمو لتصبح أقوى قوة إمبريالية إقليمية في الشرق الأوسط. ضمنت إسرائيل موقع هيمنتها الجديد عبر إلحاق هزيمة ساحقة بالدول العربية في حرب الأيام الستة عام 1967، بفضل الدبابات الألمانية جزئيا. وحينها، بات بمقدور الولايات المتحدة أخيرا دعم إسرائيل بشكل مباشر وعلني دون خشية أي مقاومة حقيقية من الدول العربية. لم يخرج الدعم الأمريكي إلى العلن بوصفها المورد الرئيسي للأسلحة لإسرائيل إلا في أعقاب تلك الهزيمة التي حلت بالدول العربية.
وعندما ثبتت إسرائيل موقعها باعتبارها قوة إقليمية إمبريالية في حرب الأيام الستة عام 1967، احتفت وسائل الإعلام الألمانية —البرجوازية الليبرالية منها واليمينية على حد سواء— بالنصر الإسرائيلي، عبر عقد مقارنة إيجابية بين الهجوم الإسرائيلي وهجوم… القوات المسلحة النازية (الفيرماخت) بقيادة رومل في شمال أفريقيا! إذ صرخت صحيفة بيلد (Bild) بمانشيت: “النصر! ديان – رومل إسرائيل”، بينما هتفت مجلة دير شبيغل: “الجنود الإسرائيليون يكتسحون مثل رومل”.
وكان هؤلاء هم أنفسهم معادو السامية الفاشيون الذين تعفنت بهم الطبقة السائدة الألمانية لسنوات طويلة!
فلم يسبق لأي “ندم” مزعوم أن دفع ألمانيا إلى بناء روابط أوثق مع إسرائيل. وقد أوضح المستشار الألماني كونراد أديناور (من الاتحاد الديمقراطي المسيحي – CDU) ذلك جليا عام 1965، عندما همس أمام كاميرات التلفزيون الألماني بضرورة تقرب ألمانيا من إسرائيل لأن “نفوذ اليهود، حتى اليوم، ولا سيما في أمريكا، لا ينبغي الاستهانة به”.
في واقع الأمر، كان أول سفير لألمانيا لدى إسرائيل ضابطا سابقا في القوات المسلحة النازية (الفيرماخت) على الجبهة الشرقية، وحاملا لصليب الفرسان، وكان يهذي بحديثه عن “اليهودية العالمية” وبأن “اليهود سيطلقون العنان لكلابهم من القدس إلى لندن ونيويورك” إن لم تدعم ألمانيا إسرائيل.
وإن كان ثمة حاجة لدليل على أن دعم الطبقة السائدة الألمانية لإسرائيل لم تكن له أي علاقة بالتعاطف مع محنة اليهود فإن هذه الاعترافات توضح ذلك بجلاء تام.
إن الحقيقة هي أنه لا الأوهام المعادية للسامية لسياسيي الحزب الديمقراطي المسيحي الطاعنين في السن، ولا “الذنب الأخلاقي”، هما ما دفع ألمانيا لتقديم دعمها للدولة الصهيونية. بل إن المصالح المادية الملموسة للإمبرياليتين الأمريكية والألمانية – كما بينا – هي التي كانت وما تزال أصل هذه المسألة وجوهرها.
مبرر الوجود
لقد تزايد الدعم الألماني لإسرائيل منذ نهاية حرب الأيام الستة. كما تزايد التعاون الألماني-الإسرائيلي على المستوى الاستخباراتي والعسكري بدرجة غير مسبوقة على مدار العقود التالية. ومع سقوط الاتحاد السوفيتي (وجمهورية ألمانيا الديمقراطية)، أتيح لألمانيا أخيرا الإشهار العلني والفخور بدعمها لإسرائيل.
وفي خضم مسار إعادة توحيد ألمانيا، جُدد الاتفاق بين الإمبريالية الألمانية والأمريكية: حيث منحت الولايات المتحدة موافقتها لألمانيا الاتحادية على ضم ألمانيا الشرقية، فيما عززت ألمانيا هيمنتها في أوروبا، وهو ما أثار استياء فرنسا وبريطانيا اللتين اضطرتا في نهاية المطاف للإذعان للقرار الأمريكي.
وأُدخلت ألمانيا الموحدة حديثا إلى حلف الناتو، رغم أن 20% فقط من سكان ألمانيا الموحدة كانوا يؤيدون العضوية فيه، غير أنه حين تتعلق المسألة بالمصالح الجوهرية للإمبريالية يتوارى خيار الديمقراطية جانبا.
وقد جنت الطبقة السائدة الألمانية مكاسب جمة من هذا الترتيب. إذ سمح للطبقات السائدة في ألمانيا وأوروبا بتخفيض إنفاقها العسكري الخاص، معتمدة على الحماية العسكرية المباشرة للإمبريالية الأمريكية. غير أن هذا الترتيب اقترن بشرط مواصلة ألمانيا الموحدة دعم مصالح الإمبريالية الأمريكية، بما في ذلك في الشرق الأوسط.

لقد تربعت الولايات المتحدة على عرش القوة العالمية بلا منازع عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وتطلعت أخيرا لإخضاع الشرق الأوسط لسيطرتها الكاملة، وفرض نفوذها على بلدان المنطقة التي كانت تدور في الفلك السوفيتي. وقد قدمت ألمانيا عونا كبيرا في هذا الصدد. ورغم عدم مشاركتها المباشرة في حرب الخليج الأمريكية ضد العراق عام 1991، إلا أنها قدمت إعانات مالية ضخمة لإسرائيل التي كانت مشاركة في الحرب بشكل غير مباشر.
ومرة أخرى، لم تكن لسياسة ألمانيا في الشرق الأوسط أي صلة بـ”الأخلاق” أو “التعويضات” أو “مكافحة العداء للسامية”، بل ارتبطت حصرا بالمصالح الإمبريالية للغرب. فالنظام العراقي نفسه، الذي كان يناصب إسرائيل العداء علنا، ظل حتى أواخر الثمانينيات حليفا للغرب ضد إيران، ولذلك زُوّد بأسلحة ثقيلة، بما فيها أسلحة ألمانية استخدمها لاحقا في جرائمه الدموية ضد الكرد.
باتت إيران القوة الإقليمية الوحيدة المتبقية التي تشكل شوكة في حلق الإمبريالية الأمريكية، وهذا عقب حرب العراق الثانية التي شنها الأمريكيون في أوائل العقد الأول من القرن الحالي والتي أدت إلى دمار البلاد. ومنذ بداية التسعينيات حتى اليوم، سلمت ألمانيا لإسرائيل سبع غواصات ذات قدرات نووية، مكنت الدولة الصهيونية من الحفاظ على قدرة ضربة نووية ثانية ضد إيران. ومن المرجح جدا أن ألمانيا مولت البرنامج النووي الإسرائيلي الأصلي في الستينيات.
وفي الوقت الذي كانت فيه ألمانيا تسلم غواصات قادرة على حمل أسلحة نووية لإسرائيل، تدخلت لتقديم الدعم المالي للسلطة الفلسطينية عقب توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 تحت ستار دعم “تقرير المصير” الفلسطيني، حيث كان الاتحاد الأوروبي، وبقلبه ألمانيا، الداعم المالي الأكبر لها. وفي واقع الأمر، شكلت السلطة الفلسطينية منذ بدايتها مسخا فاسدا لتقرير المصير، ولم تزد عن كونها مجرد وكيل أمني وحارس سجن لصالح النظام الإسرائيلي نفسه.
كما يوضح الأكاديمي دانيال مارويكي: “إن هذا يؤدي إلى مفارقة متمثلة في مساهمة ألمانيا في تمويل الاحتلال الإسرائيلي”. وفي الحقيقة، لا توجد أي مفارقة في هذا الأمر على الإطلاق، بل هو انسجام تام مع السياسة التي انتهجتها الطبقة السائدة الألمانية عبر عقود.
ففي خطاب ألقته عام 2008، صرحت المستشارة أنجيلا ميركل أمام البرلمان الإسرائيلي بمقولتها الشهيرة إن “دعم ألمانيا لأمن إسرائيل يشكل جزء من روحنا الوطنية، ومبرر وجودنا.”. وما يثبته تاريخ ألمانيا بعد الحرب بأكمله هو أن “الأمن الإسرائيلي” يعني فرض مصالح الإمبريالية الغربية في الشرق الأوسط. وهذا بالتحديد يمثل جزء جوهريا من “مبرر وجود” ألمانيا الرأسمالية.
معاداة السامية و”الإحساس التاريخي بالذنب”
لكن، لم يبدأ تغليف الدعم الألماني لإسرائيل وتبريره بستار أخلاقي عبر استغلال عقدة الذنب الألمانية تجاه الهولوكوست إلا منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. ففي عام 1999، أعلن وزير الخارجية عن حزب الخضر، يوشكا فيشر، أن على ألمانيا دعم تدخل حلف الناتو في يوغوسلافيا السابقة، والذي كان انتهاكا للقانون الدولي، بسبب أوشفيتز تحديدا.
لقد كانت الإمبريالية الألمانية تحاول من جديد التمدد شرقا: ففي أربعينيات القرن الماضي، أقدمت على ذلك بنوايا إبادة جماعية صريحة. أما في التسعينيات، فقد فعلت ذلك بإساءة استخدام ذاكرة الفظائع الماضية، واعتماد كذبة منافقة مفادها أنها تقصف صربيا لمنع وقوع إبادة جماعية.
وقد انساق الصحفيون والمثقفون الليبراليون الألمان وراء هذا التبرير الجديد لخدمة أهداف الإمبريالية الألمانية متى ما ناسبهم ذلك، وألقوه جانبا حينما لم يعد يناسبهم.
ففي حين يكرر الليبراليون الألمان في مواقف أخرى التأكيد على “فرادة” جرائم الهولوكوست (أي استثنائيتها) لاستخلاص مسؤولية وإحساس خاص بالذنب لدى الألمان، فإن هذا المبدأ الأخلاقي المقدس يتوارى جانبا حين يتعلق الأمر بتبرير مصالح الإمبريالية الأمريكية عبر تشبيه الآخرين بهتلر.

وهكذا، على سبيل المثال، شبه الكاتب الألماني الليبرالي اليساري هانس-ماغنوس إنتسينسبرغر صدام حسين بهتلر، في مجلة دير شبيجل عام 1991، موضحا أن أطروحة “فرادة المحرقة” لا تنطبق في هذه الحالة.
والآن بالطبع، يجري وصمك بمعاداة السامية إذا ما قارنت بأي شكل من الأشكال بين فظائع إسرائيل في غزة وتلك التي ارتكبها النازيون. ومع ذلك، وبالمقابل، يواظب السياسيون الإسرائيليون والغربيون على تشبيه حركة حماس بالنازيين. كما تدعي السلطات الألمانية بأسلوب منافٍ للعقل أن شعار “من النهر إلى البحر، فلسطين ستكون حرة!” يمثل دعوة للقتل الجماعي للإسرائيليين اليهود، ولذلك يعد شعارا معاديا للسامية. وبدعوى منع أمر كهذا، يزداد تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، ومعه قمع الناشطين الداعمين لفلسطين.
النضال ضد الإمبريالية الألمانية
لقد بات جليا أن الرأسماليين والسياسيين وصحفييهم في ألمانيا والولايات المتحدة، بالرغم مما يسمى “ثقافة التذكر”، لا يعبأون بذاكرة ضحايا الهولوكوست، الذين لم ينالوا حتى اليوم التعويض الكافي. بل يسعون بدلا من ذلك إلى استغلال المشاعر الصادقة للجماهير — مثل التعاطف والحس بالعدالة والسخط على الجرائم الوحشية للفاشية الألمانية — لتبرير التدخلات الإمبريالية المخزية التي راح ضحيتها الملايين من المدنيين الأبرياء.
وأحدث هؤلاء الضحايا هم عشرات الآلاف من الضحايا في غزة ولبنان. لن نقبل دروسا في الأخلاق من هؤلاء السادة والسيدات، فالطبقة العاملة الألمانية ليست مسؤولة عن جرائم نظام هتلر. بل إن هؤلاء المدافعين عن الإمبريالية الغربية هم المسؤولون عن ضحايا هذه التدخلات، وعن تدنيس ذاكرة ضحايا النازية.
غير أن بروباجندا أصحاب السلطة بات تأثيرها يتراجع بين السكان. ففي استطلاع أجرته مؤسسة برتيلسمان، رأى 27% فقط من الألمان أن بلادهم تتحمل التزاما خاصا تجاه إسرائيل.
وفي دراسة أخرى أجريت في نوفمبر 2023، بعد أسابيع قليلة من هجوم حماس، اعتبر 35% فقط من الألمان أن من حق إسرائيل اجتياح قطاع غزة عسكريا واتخاذ إجراءات صارمة ضد حماس (بينما كانت النسبة 21% فقط خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 2006). وأيد 8% فقط إرسال شحنات أسلحة في الاستطلاع نفسه!
صرحت السياسية عن حزب الخضر، كاترين جورينج-إيكارت، أمام البرلمان الألماني في عام 2018: “إن وجود إسرائيل يرتبط ارتباطا مباشرا بوجود بلدنا باعتباره بلدا ديمقراطيا حرا، ومن ثم بمسؤوليتنا […] وحق إسرائيل في الوجود هو حقنا نحن في الوجود.”.
وبذلك، أعربت دون قصد عن حقيقة جوهرية، وإن كانت مقلوبة رأسا على عقب: إذ لا يمكن للإمبريالية الألمانية أن توجد إلا إذا عملت كمساعد إمبريالي للولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، تحاول البرجوازية الألمانية بالطبع الحصول على أفضل الصفقات الممكنة لنفسها.
وكان أول أفعالها في هذه العلاقة التابعة هو دعم إسرائيل في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وما يزال ميزان القوى هذا يحدد العلاقة بين ألمانيا والولايات المتحدة وإسرائيل حتى يومنا هذا. إن الأمر لا يتعلق بالندم على الهولوكوست، فالدعم الألماني يتيح للإمبريالية الإسرائيلية اضطهاد الفلسطينيين. وإذا كانت الإمبريالية الألمانية ترتبط ارتباطا وثيقا بالإمبريالية الإسرائيلية، كما تعترف جورينج-إيكارت، فإن العكس صحيح أيضا: إن النضال من أجل حرية فلسطين هو أيضا نضال ضد الإمبريالية الألمانية.
4 سبتمبر/أيلول 2025
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية