تصعد مسألة اضطهاد النساء في مصر مرة أخرى إلى السطح بالتوازي مع النقاش الدائر حول قانون الأحوال الشخصية المزمع إصداره بعد أن ظل لسنوات في دهاليز السلطة، بالتزامن مع السخط المستمر حول جرائم التحرش الجنسي والاغتصاب، بالإضافة إلى السجال الأخير الذي أثير حول النساء اللائي يُستغللن جنسيا، والاعتداء البدني والنفسي والجنسي على النساء في المستشفيات الحكومية.

يحتد النقاش وتعلو الأصوات الرجعية والمتخلفة والعقيمة من كل حدب وصوب. فبعضهم يدفع الحوار نحو صراع جندري من منطلق ذكوري ورجعي، والبعض الآخر يغرق في تفاهة التفاصيل، بينما يعول فريق على الدولة، ويحاول آخرون تحويل القضية إلى معركة بين قيم الشرق المحافظ والغرب المنفلت. وتقف الدولة فوقهم جميعا تطمح لإرضاء الجميع، ليطل علينا السيد الرئيس المنعم حاميا للأخلاق ومحدثا للدين وراعيا للنساء في آنٍ واحد.
ولهذا من المهم وضع النقاط على الحروف وإقرار الواقع بكلمات واضحة. إن وضع النساء المصريات مأساوي وأصبح لا يطاق. فهن يعانين من استغلال مزدوج وتحرش جنسي بلغت نسبته 90%، لدرجة جعلت شوارع مصر تصنف بين أخطر مدن العالم للنساء. يضاف إلى ذلك التعدي الجنسي والاغتصاب، إذ نقل تقرير نُشر عام 2016 عن بيانات وزارة الداخلية تسجيل 20 ألف جريمة تعدٍ جنسي بمختلف صوره سنويا، أي بمعدل 55 جريمة يوميا. وهذا إلى جانب العنف الأسري، فحوالي 31% على الأقل من النساء المتزوجات أو من سبق لهن الزواج يتعرضن لشكل من أشكال العنف الزوجي (جسدي أو نفسي أو جنسي)، وهو ما يعادل نحو 8 ملايين امرأة. ومن المتوقع أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى من ذلك.
يترافق ذلك مع التهميش والحرمان من الوصول إلى الخدمات الطبية، حيث تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 80% من النساء في مصر لا يتمتعن بمظلة تأمين صحي رسمي يحميهن من تكاليف العلاج، في حين تبلغ نسبة اللائي يواجهن عوائق هيكلية تمنعهن فعليا من زيارة الطبيب أو تلقي الخدمة وقت الحاجة نحو 25% إلى 30%، دون ذكر الانتهاكات الجسيمة والجرائم التي تُرتكب في حق النساء داخل المؤسسات الطبية الحكومية. وصولا إلى القتل على أساس الجنس، فالأرقام الرسمية وحدها تشير إلى تسجيل 363 جريمة قتل لنساء عام 2024، ارتكبت أغلبيتها بيد الأهل أو الشركاء الحاليين أو السابقين.
يضاف إلى ذلك الأعباء المنزلية الثقيلة الملقاة على عاتق النساء نتيجة استمرار هيمنة مؤسسة الأسرة التقليدية الموروثة عن قرون من المجتمع الطبقي، والتي تكرس دونية النساء بصفتهن آلات لإنجاب الأطفال وخدمة المنزل والزوج. فنساء مصر محكوم عليهن بقضاء متوسط 5.2 ساعات يوميا في الأعمال المنزلية، حيث يتحملن 81.4% منها.
إن اضطهاد واستغلال النساء العاملات والفلاحات والفقيرات هو اضطهاد مزدوج في ظل الرأسمالية. فهن يتعرضن للاضطهاد والاستغلال بصفتهن عاملات أو فلاحات أو فقيرات، وبصفتهن نساء، وهو اضطهاد واستغلال لا يمكن القضاء على أحد وجهيه دون القضاء على الآخر.
والنساء العاملات هن الشريحة الأكثر اضطهادا واستغلالا داخل الطبقة العاملة. إذ يعانين من أجور منخفضة حتى عند التساوي في العمل والإنتاجية في العديد من المجالات، وتبلغ الفجوة في الأجور بين النساء والرجال إلى نحو 11% إلى 14.8% حسب منظمة العمل الدولية، فضلا عن أنواع متعددة من المضايقات والابتزاز الجنسي.
كما أن الوضع القانوني للنساء المصريات شديد التردي، إذ يعاملن بصفتهن مواطنات من الدرجة الثانية ملحقات بالذكر، سواء كان الأب أو الزوج. وهو وضع قمعي تتجرع مرارته بشكل خاص النساء العاملات والفقيرات.
إن أعمار النساء وصحتهن الجسدية والنفسية تُستنزف بين مطحنة العمل لدى الرأسماليين والعبودية المنزلية، وهو ما يحرمهن من تكافؤ الفرص في التطوير المهني والذهني والثقافي والترفيهي. كل هذا مجرد غيض من فيض القمع والاضطهاد الذي تعاني منه النساء في مصر، والذي يتستر عليه الرجعيون ويقللون من شأنه خشية هز عرش الذكورية العفنة.
إن هذا الوضع ليس بجديد، ولكن ما استجد حقا هو أن النساء بدأن في النهوض للدفاع عن أنفسهن، وأصبحن يقاومن بشكل متزايد عبودية المنازل ووضعية التابع المقموع والمقتول الصامت.
ما حدث في مصر عام 2011: العفريت الذي خرج من القمقم
لم يظهر النضال من أجل حقوق النساء من العدم، وبالمثل ليس وليد الأفكار الغربية التي تزعم الرجعية أنها جاءت لتهدم قيمنا العفنة، بل هو أحد الأعراض المباشرة للتأثير العميق الذي أحدثته الثورة المصرية عام 2011 في أحشاء المجتمع.
لقد دفعت الثورة، التي تفجرت بين عامي 2011 و2013، بكل القضايا الملتهبة التي ظلت مقموعة طيلة عقود إلى السطح دفعة واحدة. وتمكن حينها ملايين الناس، الذين خنقهم النظام الدكتاتوري لعقود، من التعبير عن رغباتهم واحتياجاتهم علنا، وربطها بالاحتياجات الجماعية لبقية المستغَلين والمضطهَدين.

وكانت قضية اضطهاد النساء في صدارة المشهد. فقد تمكن أخيرا، ولأول مرة في التاريخ المصري، من رؤية بصيص أمل للتخلص من أفظع أشكال الاضطهاد، أو على أقل تقدير، تولد لديهن وعي جماعي يرفض المعاناة في صمت، وشعور راسخ بكونهن جزء أصيلا من مجتمع يناضل من أجل كرامته وحريته.
مثَل هذا التحول زلزالا حقيقيا لبنية النظام الرأسمالي المتخلف شديد الذكورية القائم في مصر، مما أنتج ردود فعل همجية من كافة القوى الرجعية. إذ أجرى ضباط الجيش اختبارات عذرية قسرية ضد ناشطات أثناء تفريق التظاهرات في عهد المجلس العسكري. وبالتوازي مع ذلك، تسللت عصابات البلطجية إلى الاحتجاجات في الميادين المختلفة لممارسة اعتداءات جنسية وبدنية ممنهجة ضد النساء.
وعندما صعدت جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة وظفت منابرها الإعلامية لنشر قصص مفبركة عن انحرافات جنسية بين المتظاهرين، في محاولة دنيئة لوصم النساء المشاركات في الثورة بالانحلال، إلى حد وصفهن بالعاهرات على شاشات التلفاز.
لكن النساء، وفي مقدمتهن الشابات الثوريات، واجهن هذا العنف الممنهج بشجاعة، ودفعن أثمانا باهظة من تشويه ووصم واعتداءات جنسية وبدنية، سواء من قوات الدولة أو البلطجية أو الإسلاميين، وحتى من الأهل داخل البيوت.
وحاولن انتزاع زمام المبادرة عبر تنظيم حملات لمناهضة التحرش من أسفل، تجسدت في لجان شبابية ميدانية واجهت التحرش وعصابات البلطجية. لقد حاولت قطاعات تقدمية من العمال والشباب في الثورة، بشكل غريزي، تطهير الشوارع من هذه الآفات، وفي المقابل، استخدمت الثورة المضادة المنظمة العنف الجنسي سلاحا استراتيجيا مباشرا لكسر إرادة الثورة.

لقد كانت ثورة يناير عام 2011 زاخرة بأمثلة لا حصر لها من النساء الجريئات الصامدات اللائي لعبن دورا حاسما في المعارك ضد أجهزة الدولة القمعية والرأسماليين في آن واحد، مثل عاملات الغزل والنسيج في المحلة الكبرى في إضرابات 2006 و2008 وما بعدها.
بالطبع، لم تكن ثورة 2011 لحظة يوتوبيا مثالية. ولن تكون الثورة المقبلة كذلك، فالثورات يقوم بها البشر بوعيهم الفعلي، وبكل ما يحملونه من رواسب وتشوهات المجتمع الطبقي، وليس كما ينبغي أن يكونوا في المستقبل.
وليس الهدف هنا إضفاء طابع رومانسي على ثورة 2011، ففي نهاية المطاف، فشلت كافة المنظمات والأحزاب العمالية واليسارية في استثمار قضية تحرر النساء التي طُرحت لأول مرة جماهيريا، بل وفشلت في كثير من الأحيان في توفير بيئة آمنة للمناضلات داخل أروقتها، وهي خطيئة كبرى وثقيلة يتحمل مسؤوليتها كل قادة تلك المنظمات.
لكن هذا الفشل لا ينفي أن الثورة نقلت قضية تحرر النساء إلى مستوى أعلى نوعيا وكميا بشكل غير مسبوق. نعم، كانت هناك مطالب متعلقة بقضايا النساء قبل عام 2011، لكن الثورة أحدثت قطيعة جذرية، إذ أصبح المجتمع بعدها مختلفا عما قبلها بشكل لا رجعة فيه. لقد تغير المزاج في المجتمع بشكل جوهري، وتجرأت الفئات الأكثر اضطهادا على تحدي الأعراف الاجتماعية البالية، وتأكدت بجلاء إمكانية قيام حركات جماهيرية تقدمية تنظم من أسفل.
والدليل الأبرز هو التطور الهائل في وعي النساء بأنفسهن ومصالحهن منذ الثورة التي منحت صوتا لمن لا صوت له، وفتحت الباب للمضطهَدين لأخذ مصيرهم بأيديهم.
قد يبدو هذا السرد كأنه حديث عن زمن غابر. فبعد هزيمة الثورة، نتيجة أزمة القيادة وتراجع الحركة الجماهيرية، بدا أن كل شيء تبخر في الهواء، وسُدت طرق النجاة وانطفأت نيران الحرية، لكن شرارة مقاومة الاضطهاد التي اشتعلت في نفوس الكثيرين لم تنطفئ قط.
إنها الشرارة ذاتها الي تطل برأسها في الموجات المتتالية لمكافحة التحرش الجنسي والاضطهاد ومحاولة ضمان سلامة النساء في الأمكان العامة والبيوت وأماكن العمل. وهي الموجات التي يحاول النظام ترويضها تارة وقمعها تارة أخرى. لكن عبثا يحاول، إذ لا يمكن إرجاع عفريت الثورة والحرية إلى القمقم مرة أخرى بمجرد أن يسكن أرواح وعقول الملايين.
إن التجربة العملية للجماهير المصرية، وفي طليعتها النساء اللواتي كسرن أطواق الاضطهاد الخانق ليقفن كتفا بكتف مع الرجال في النضال، علمتهم في ثمانية عشر يوما أكثر مما تعلموه في حياتهم الرتيبة تحت وطأة ذكورية المجتمع الطبقي وقمعيته.
عجز الرأسمالية المأزومة عن استيعاب الوزن الاجتماعي الجديد للنساء
إن الدافع الأساسي لنهوض النساء للمطالبة بحقوقهن القانونية والتعامل بمساواة هو تغير وزنهن الاجتماعي في المجتمع. فقبل عشر سنوات كانت نسبة الأمية بين الإناث مرتفعة للغاية، إذ وصلت إلى 37.3%، مما يعني أن نسبة المتعلمات (الملمات بالقراءة والكتابة) كانت تدور حول 62.7% فقط. أما اليوم، فقد انخفضت نسبة الأمية بين الإناث لتصل إلى حوالي 21% وفقا للمسوح الرسمية الأخيرة، مما رفع نسبة المتعلمات إلى 79%.
كما قفزت معدلات التحاق الإناث بالتعليم الجامعي قفزة تاريخية. إذ تُشير أرقام وزارة التعليم العالي لعام 2025/2026 إلى أن الفتيات يمثلن 53.4% من إجمالي الطلاب المقيدين بالجامعات الحكومية المصرية (بواقع 1.04 مليون طالبة) متفوقات على الذكور الذين بلغت نسبتهم 46.6%. وتؤكد إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء هذا التوازن في التعليم العالي العام، حيث تبلغ نسبة الإناث الإجمالية المقيدة بكافة قطاعات التعليم العالي (الحكومي والخاص والمعاهد) نحو 49.7%، مما يعكس تساويا شبه كامل مع نسبة الذكور.
تعكس هذه الأرقام تحولا عميقا في الوعي الجمعي للنساء، وللمجتمع بشكل عام. إذ أصبح يُنظر للتعليم بوصفه سلاح الأمان وضمان المستقبل والاستقلالية المادية، على النقيض من العقود الماضية التي كانت تختزل مستقبل النساء في مؤسسة الزواج.
وقد تغيرت هذه النظرة بالتدريج نتيجة الويلات التي تجرعتها النساء في مؤسسة الزواج التقليدية التي تقوم بالكامل على أكتافهن، وتحت وطأة العقلية الذكورية المتخلفة المهيمنة. حيث تُسرق أعمار النساء وصحتهن قربانا للمهمة المقدسة المتمثلة في بناء الأسرة، ليصحون يوما على حقيقة أن أعمارهن ضاعت هباء. هذا الواقع دفع النساء إلى استنتاج مادي حتمي: لا بديل عن الاعتماد على النفس.
كما ساهم تأخر سن الزواج، نتيجة الأزمة الاقتصادية، بشكل غير مباشر في منح النساء مساحة ممتدة للاستمرار في التعليم والتأهل لسوق العمل، بالتوازي مع متطلبات سوق العمل في الحواضر والمدن التي أصبحت تشترط شهادات عليا أو مهارات دقيقة، مما أجبر الأسر على الاستثمار في تعليم بناتها لتجنب حصرهن في قطاعات العمل غير الرسمية ذات الأجور والظروف المتدنية.
هذا التطور التعليمي، مدفوعا بوطأة الأزمة الاقتصادية الطاحنة، انعكس في زيادة عدد النساء العاملات إلى ما يزيد عن 5 مليون امرأة، أي نسبة 22.8% من قوة العمل الرسمية، دون احتساب القطاعات غير الرسمية التي قد تقفز بأعدادهن إلى ما يتجاوز 10 ملايين امرأة، وهو ما يعادل نحو ثلث القوة العاملة الفعلية في مصر.
لكن المفارقة تكمن في أن القطاعات الأكثر إنتاجية وتوليدا للقيمة فائقة الضخامة، مثل الصناعة والبترول وغيرها، ما تزال تعتمد بشكل أساسي على قوة عمل الرجال، بينما تتركز عمالة النساء في قطاعات منخفضة الإنتاجية، القطاعات الخدمية والرعائية، وهو ما يحرم النساء من وزن اقتصادي واجتماعي حاسم في عصب العملية الإنتاجية.
إن هذا التفاوت الصارخ بين قفزة المستوى التعليمي للنساء وضعف مساهمتهن في الاقتصاد الإنتاجي الحيوي هو ما جعل تغير وزنهن الاجتماعي نسبيا ومكبوحا، ولم يقلب الكفة لصالحهن بعد، مما يجعل محاولات انتزاع إصلاحات حقيقية وجذرية للنساء محدودة ومأزومة بطبيعتها.
وهو ما يمكننا أن نجد مسبباته في الأزمة الرأسمالية التي تفرض الفقر والأجور المنخفضة والتقشف والبطالة على الملايين. وفي الفئات الهشة، مثل النساء، هي أكثر من تتأثر بالأزمة.
لو أن هذه التحولات الهيكلية حدثت في تسعينيات القرن الماضي، إبان مرحلة الانتعاش المؤقت للاقتصاد العالمي، لكان من الممكن انتزاع حزمة عريضة من الحقوق القانونية والمدنية للنساء في مصر، أما في السياق الراهن للأزمة الرأسمالية الحادة والممتدة فلا مجال لإصلاحات حقيقية وطويلة الأمد.
كيف انتزعت نساء الغرب بعضا من حقوقهن؟ دحض الأوهام الليبرالية
غالبا ما يُستدعى الواقع الغربي وحقوق النساء المنتزعة من فم الرأسمالية والأبوية بهدف فهم الكيفية التي نالت بها نساء الغرب جزء كبيرا من حقوقهن. فلا يمكن لأحد أن ينكر أن حياة النساء في الغرب ووضعهن قد تحسنا بشكل ملحوظ في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، حيث أصبحن يعشن حياة مغايرة تماما لحياة أسلافهن أو أقرانهن في البلدان الأخرى اليوم.
ولكن تنتهي أغلب هذه المقارنات باستنتاجات خاطئة. إذ يعزو كثير منها تقدم قضية النساء في الغرب إلى وجود قوانين رادعة أو قيم غربية تقدمية فريدة أو معارك ثقافية مجردة، وهو استنتاج خاطيء تماما، ووهم يروجه الليبراليون وغالبية الحركة النسوية.
لقد عانت نساء الغرب من اضطهاد مزمن طوال تاريخهن، على غرار أقرانهن في مختلف أرجاء العالم. فلم تُمنح النساء حق التصويت في الانتخابات إلا بعد أهوال الحرب العالمية الأولى (الولايات المتحدة عام 1920 – بخلاف النساء السود بالطبع اللائي نلن حق التصويت عام 1965! -، بريطانيا عام 1928، ألمانيا عام 1918، السويد عام 1921، إسبانيا عام 1931). وتأخر الأمر في بلدان أخرى إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية (فرنسا عام 1944، إيطاليا عام 1945، اليونان عام 1952). كما أنهن لم ينتزعن حق الطلاق من قيود المؤسسة الدينية الكاثوليكية (وهي قيود أكثر صرامة من القيود الإسلامية بالتأكيد) في أغلب البلدان الغربية إلا بحلول سبعينيات وثمانينات القرن الماضي فقط، وينطبق الحال نفسه على حق الإجهاض.
إن كل هذه الحقوق التي نالتها النساء في أوروبا وأمريكا الشمالية، بالتدريج خلال القرن العشرين، لم تُنتزع عبر معارك فكرية وقانونية مجردة، رغم أهميتها بالطبع، بل كان هناك محرك مادي دفع المسألة النسائية برمتها للانفجار، وهو المحرك ذاته الذي يدفع الحركة في مصر الآن ويقيدها في آن واحد: التطورات المادية والصراع الطبقي.
فعلى سبيل المثال، دخلت مليونا امرأة إلى القوة العاملة في بريطانيا بين عامي 1914 و1918، وحدث تطور مماثل في كل بلدان أوروبا خلال الحربين العالميتين، حيث جُر الرجال إلى المذبحة الإمبريالية. هذا الواقع عزز بشكل جذري الموقع الاجتماعي للنساء اللواتي دخلن سوق العمل بقوة، واكتسبن وزنا حسما في سير عمل النظام الرأسمالي. لقد امتلكن أقوى أداة في المجتمع الحديث، وهي موقعهن في عملية الإنتاج، وانخرطن في النضال من هذا الموقع، فكن قادرات على تهديد النظام وإجباره على تقديم التنازلات.

بالتزامن مع ذلك، شكل انتصار الثورة البلشفية وقيام الاتحاد السوفيتي عام 1917، بكل الحقوق الجذرية التي منُحت للنساء فيه منذ اليوم الأول (مثل حق العمل والتصويت والإجهاض والطلاق ومكافحة الاستغلال الجنسي…الخ)، ضغطا سياسيا هائلا على الحكومات الرأسمالية الغربية لإجبارها على تقديم تنازلات للنساء خوفا من المد الشيوعي. ولهذا السبب تحديدا أُقر حق التصويت لكثير منهن في عشرينيات القرن الماضي.
هذا بالإضافة إلى الطفرة الاقتصادية الاستثنائية التي شهدها النظام الرأسمالي في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، والتي سمحت بالتوسع في الخدمات العامة ودولة الرفاه، مما أضفى طابعا اجتماعيا جزئيا على الأعمال المنزلية، ورُفعت عن كاهل النساء أعباء ثقيلة، بالتزامن مع استيعاب قوة العمل كاملة تقريبا من نساء ورجال.
إن هذا التقدم لا علاقة له بالقيم الغربية كما يزعم الليبراليون الموالون للغرب، بل هو نتاج مباشر لنضال طبقة عاملة – من نساء ورجال – جذرتها أهوال الحربين العالميتين. إذ شهدت غالبية البلدان الغربية موجات إضراب عاتية هزت ضفتي المحيط الأطلسي في سنوات ما بعد الحرب. فعلى سبيل المثال، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر موجة إضرابات في تاريخها بعد 5 سنوات من انقضاء الحرب، باشتراك أكثر من 4 مليون عامل وعاملة.
لقد قدمت الطبقة الرأسمالية تلك الإصلاحات للنساء لتحويل هذا الاضطراب الاجتماعي العنيف نحو مسارات آمنة، وقد تمكنت من ذلك بفضل الطفرة الاقتصادية. وفي واقع الأمر، خدم توسيع دولة الرفاه المصالح الرأسمالية جزئيا، لأنه حرر المزيد من النساء ليتحولن إلى عاملات يمكن استغلالهن، لكن هذا الإدماج المعمم في سوق العمل هو الذي منحهن القدرة على تنظيم أنفسهن وانتزاع حقوقهن.
واليوم، نشهد ارتدادا عنيفا عن العديد من هذه الإصلاحات في الغرب. على سبيل المثال، تجسد ذلك في الولايات المتحدة بإلغاء المحكمة العليا عام 2022 لقرار رو ضد وايد الذي كان يحمي حق الإجهاض دستوريا. كما نشهد حربا ثقافية تشعلها الطبقة السائدة في الغرب لتفتيت صفوف الطبقة العاملة، وتوجيه الغضب نحو النساء (أو مجتمع الميم أو المهاجرين).
هذا ليس نتاج فيروس يميني مجهول المصدر يجتاح الكوكب، بل هو نتيجة مباشرة لتغير الظروف المادية. فخلافا لطفرة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا تملك الطبقة الرأسمالية الغربية اليوم رفاهية تقديم تنازلات جدية وطويلة الأمد للجماهير.
إن التبدل في المواقف الاجتماعية تجاه النساء يعكس هذه التحولات في الظروف المادية. وليس مصادفة أن البلدان التي تتمتع فيها النساء بقدر أكبر من الحقوق هي ذاتها التي شهدت طفرات اقتصادية ممتدة وتمتلك طبقة عاملة قوية وحركة عمالية منظمة.
وهذا الواقع يفند كل أوهام الحركات النسوية الليبرالية والمثالية (بمن فيهم ما تسمى النسوية الماركسية)، والتي تعجز عن فهم الرابط العضوي بين وضعية النساء والبينة الاقتصادية، وتفصل غالبيتها بين النضال من أجل حقوق النساء والنضال الطبقي الكلي ضد النظام الرأسمالي، لتخوض حربها في عالم الأفكار المجردة وتترك معمعان الصراع الطبقي الحقيقي على أرض الواقع.
موقف النظام: التوازن الهش والمتاجرة بالأزمات
يصطدم النظام برغبة نسائية حقيقية في الانعتاق من الاضطهاد المزمن، وبنمو وعي النساء، والأهم دخولهن سوق العمل بكثافة. وهو ما أدى – بجانب الأزمة الاقتصادية – إلى خلخلة نموذج الأسرة التقليدية القائم على رب الأسرة المنفق المنعم على الزوجة التابعة الكائنة في المنزل والأبناء المطيعين.
فدخول النساء سوق العمل وفر لبعضهن، لا سيما نساء المدن والحواضر، قدرا من الاستقلالية الاقتصادية. مما جعلهن يتمردن بشكل متزايد على صيغة الزواج التقليدي المهين، الذي كن يُجبرن فيه على القبول بالمرتبة الثانية داخل المنزل.
والنظام يدرك جيدا أن نساء اليوم يختلفن عن نساء الأمس، لكنه لا يمكن أن يسمح بتحررهن الفعلي، لأن هذا يهدد كامل بنيان النظام الاجتماعي القائم على الأسرة باعتبارها وحدة اقتصادية أساسية للمجتمع الرأسمالي، فضلا عن أنه لا يملك القدرة الاقتصادية على توجيه هذا الغضب نحو مسارات آمنة على غرار النموذج الغربي حتى لو أراد ذلك. علاوة على أن تحرر أي فئة مضطهدة من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه لاشتعال الصراع الطبقي الشامل في ظل الأزمة الاجتماعية الحادة التي نعيشها.
وفي الوقت نفسه، يبدو النظام عاجزا عن قمعهن بشكل كامل، رغم رغبته ورغبة حلفائه الرجعيين في ذلك. ولهذا يحاول أن يوازن بين التيارين، وهو ما يفسر التناقض الصارخ في خطواته وسياساته.
لا ينبغي لنا التعامل مع النظام بصفته مكونا من حفنة من الأغبياء، فهو يعي موازين القوى في المجتمع. فمن ناحية، يستند إلى جهاز الدولة القمعي، ويوظف التقاليد الثقافية الرجعية. ومن ناحية أخرى، يتشدق بالحديث عن الانجازات التقدمية التشريعية مثل قانون مكافحة العنف الجنسي.

إن هدف النظام الجوهري هو تفتيت هذا الحراك وتحويله إلى قنوات لا تهدد مصالح الطبقة السائدة، عبر تشتيته وتحويله إلى صراع جندري خالص، يضع النساء والرجال في مواجهة صفرية يستفيد منها النظام وحده.
إن الدولة هي أخر طرف يمكن الاعتماد عليه لتحرير النساء. فكل الإجراءات والخطابات الرسمية تنضح بالرجعية والذكورية، رغم المحاولات اليائسة للمجلس القومي لحقوق المرأة وبعض الوزيرات اليمينيات الرجعيات لغسل سمعة السلطة والترويج لعصر ذهبي مزعوم للنساء.
وهو في حقيقة الأمر عصر ذهبي لنساء النخبة والطبقة السائدة فقط، اللواتي يردن التحرر بدأن بأنفسهن، واستخدمن راية المساواة للنفاذ للوزارات ومجالس إدارة الشركات، ولا يأبهن بهموم العاملات والفقيرات اللواتي يواجهن عنف النظام الرأسمالي يوميا.
لقد صعد النظام خلال السنوات الماضية من هجمته القمعية ضد النساء – ومجتمع الميم – لإشعال نيران الرجعية. فاعتقل العشرات بتهم عبثية تتعلق بنشر الفجور ومعارضة قيم الأسرة المصرية. وما هذه القضايا إلا جزرة تقدمها الدولة للمحافظين والرجعيين لتثبت لهم عدم نيتها تجاوز الخطوط الحمراء، في مقابل تمرير بعض الإصلاحات الشكلية المحدودة للنساء.
لا يجوز لأحد أن يتوهم أحد في طبيعة النظام، فهو لا يرغب بأي حال من الأحوال في الاصطدام مع التقاليد والأعراف البالية للمجتمع. ففي سياق صراعه التنافسي مع الإسلاميين الرجعيين، وعلى رأسهم الإخوان المسلمين، يسعى النظام دائما إلى نفي تهمة عدم التدين عن نفسه وإثبات ورعه ومحافظته، وعبر هذه المزايدة يسحق كل قيم المساواة الجندرية والعلمانية والتقدم.
لهذا السبب تحديدا، يوظف اضطهاد النساء – ومجتمع الميم – لتعزيز شعبيته وسط الشرائح المحافظة التي تمثل البيئة الحاضنة للإسلاميين، وضمان تفتيت الحركة العمالية المأزومة ذاتها.
ولن يسمح بأي حال من الأحوال بتبلور حركة جماهيرية أو شبه جماهيرية تدعم تحرر النساء، لا سيما إذا كانت حركة ثورية حقيقية تربط تحرر النساء بتحرر المجتمع كله من الاضطهاد والقمع. بل وسوف يقمعها بكل الأدوات المتاحة، سواء عبر الأجهزة الأمنية أو الآلة الإعلامية وتشويه السمعة، أو عبر المؤسسات الدينية الرسمية الغارقة في ثقافة القرون الغابرة، والتي تمولها الدولة بأموال الجماهير، أو حتى عبر استخدام الإسلاميين المنظمين إن اقتضى الأمر.

وجاء اعتقال أمنية سويدان وتقديمها للمحاكمة والحملة الإعلامية الشعواء المشنة ضدها، عقب فضحها للاعتداءات الجنسية والبدنية التي تتعرض لها النساء الفقيرات في مستشفى الشاطبي بالإسكندرية، ليبرهن بوضوح عمق رجعية النظام، وعدم تسامحه مع أي خطاب يربط – وإن بشكل غير واعٍ – تحرر النساء والكفاح ضد الأفكار والممارسات الرجعية بقضايا الطبقة العاملة مثل الحق في العلاج الآمن المجاني ورفض تدهور النظام الصحي.
وكلما تشابكت قضايا النساء بقضايا الطبقة العاملة ومصالحها سيلجأ النظام فورا إلى القمع لتعزيز قاعدته الرجعية وتقسيم الحركة العمالية.
إن عودة الحركة الثورية هي الطريق الوحيد القادر على فتح الباب لتبلور كتلة اجتماعية تقدمية، تستند إلى الطبقة العاملة ومنظماتها، وتدفع في اتجاه تحرر النساء، وتتجاوز الخطوط الحمراء التي ترسمها الدولة، بشرط وجود قيادة شيوعية ثورية واعية طبقيا قادرة على ربط الكفاح ضد اضطهاد النساء بالمطالب الاجتماعية والسياسية للثورة.
الحركة النسوية في طريق مسدود
على الرغم من أن الناشطات والناشطين في الكفاح من أجل حقوق النساء قد لعبوا دورا معينا لا يمكن إنكاره في انتزاع بعض الإجراءات المترددة من النظام، إلا أننا بحاجة إلى الوضوح التام بشأن ما تمثله هذه التنازلات في الممارسة العملية، ومدى استفادة النساء العاملات والفقيرات من تلك المكاسب المحدودة.
إن النضال ضد إضطهاد النساء دخل في طريق مسدود، رغم التضحيات الجسيمة التي قدمتها العديد من النساء والشابات. فبدون حركة جماهيرية منظمة تظل هذه المعارك محصورة في قاعات الندوات أو صفحات الفيسبوك، فضلا عن أن عزل اضطهاد النساء عن سياق الأزمة الرأسمالية يجعل من فهم طبيعة الأزمة مشوها ومن إيجاد مخرج حقيقي مسألة مستحيلة.
لا حل ممكنا في ظل النظام الرأسمالي وديكتاتوريته العسكرية. ذلك النظام الذي ينتج الفقر والحاجة ويدفع النساء للالتحاق بالزوج ومن قبله الأب التماسا للإعالة المادية، ويدفعهن للعلاج في مستشفيات تفتقر لأبسط متطلبات الأمان والنظافة، والعمل في ظل ظروف خطرة وغير ملائمة. وهذه الديكتاتورية العسكرية التي تعمد إلى قمع النقاش حول اضطهاد النساء، بالتوازي مع قمعها للحركة العمالية والثورية، وبذلك تسد الطريق أمام تشبيك تحرر النساء بتحرر المجتمع كله.
لكن هذا الانسداد لا يعني الاكتفاء بالنواح والعويل والتنفيس عن الغضب في صفحات التواصل الاجتماعي بانتظار قيام الثورة وانتصارها القدري. بل على العكس تماما، نحن، الشيوعيين، آخر من يمكنه مطالبة النساء بالانتظار. نحن نحث النساء على النضال لانتزاع كل الحقوق والمكاسب الممكنة في ظل النظام الرأسمالي، ونناضل من أجل المساواة الكاملة بين النساء والرجال على جميع الأصعدة، مع إدراكنا أن الكثير من تلك الإصلاحات القانونية لن تستفيد منها في الممارسة العملية بشكل حقيقي سوى النساء المنتميات للطبقات العليا.
إن الشيوعيين يناضلون بكل حزم ضد كافة أشكال الاضطهاد والاستغلال التي تتعرض لها النساء في ظل المجتمع الطبقي. نحن لا نؤجل مطالب النساء إلى ما بعد انتصار الثورة الاشتراكية كما يروج البعض، هذا غير حقيقي بالمرة، وهو صورة مشوه للماركسية الثورية، بل نقف في طليعة المدافعين عن تحرر النساء، وضد كل الأفكار الرجعية والمتخلفة المهيمنة على المجتمع، ونناضل من أجل تخليص الطبقة العاملة من هيمنة تلك الأفكار الخبيثة، ولا نؤجل طرح مطالب وقضايا النساء بدعوى أولوية النضال.
وفي الوقت نفسه، نعلن بوضوح لا لبس فيه: إن رؤية الصراع من الزاوية الجندرية ودفع النضال ضد إضطهاد النساء في زاوية سياسات الهوية، وتصوير أن لكل النساء مصالح مشتركة بغض النظر عن انتمائهن الطبقي، هو وصفة للعجز، ولخيانة نساء الطبقة العاملة والفقيرات.
إن ما يجمع العاملات بالعمال أكبر وأكثر أهمية مما يجمعهن بالرأسماليات. فلا يمكن أن تشترك صاحبات الأعمال مع العاملات في شيء، وهو ما يظهر مع اندلاع الصراع الطبقي حيث تنحاز كل منهن إلى طبقتها. ويكفى أن تتولى إحدى البرجوازيات وزارة لنرى سياساتها المعادية للطبقة العاملة بنسائها ورجالها، أو تناضل العاملات من أجل بيئة عمل أكثر أمانا أو حضانات لأطفالهن في أماكن العمل أو أجور أعلى أو تأمين صحي، لنرى مدى تقدمية الرأسماليات اللائي تراهن عليهن الحركة النسوية، وتردن إخضاع مصالح العاملات لمصالحهن الرأسمالية.
كما نقول بوضوح: لا أمل في انتزاع حقوق جدية وطويلة الأمد تتمتع بها كل النساء حقا، وفي مقدمتهن العاملات والفقيرات، ما لم ترتبط الحركة عضويا بالطبقة العاملة، وما لم تتوحد الطبقة العاملة، بنسائها ورجالها، في نضال مشترك موحد.
فلا توجد طبقة اجتماعية قادرة على انتزاع حقوقها والنضال من أجلها بشكل تقدمي وقيادة المجتمع كله للانعتاق سوى الطبقة العاملة المنظمة، التي تنتج ثروة المجتمع، وتعمل وتناضل بشكل جماعي، وتتركز في أكثر المنشآت تقدما.
هذه الطبقة بمجرد أن تتحرك لا تستطيع أي قوة على أرض الوقوف في وجهها، فـ”لا عجلة تدور ولا مصباح يضيء ولا هاتف يرن دون إذن الطبقة العاملة” كما قال تيد غرانت. والحركة النسوية، بعزلها قضية النساء عن نضال الطبقة العاملة، تفقد حليفها الأقوى والقوة الوحيدة القادرة فعليا على تثوير المجتمع وتغييره.
هل نطرح هذا لكوننا نتوهم أن العمال – الرجال – مبرؤون من هيمنة الأفكار الذكورية والرجعية؟ لا نقول هذا إطلاقا، ولم نقله يوما. فهذا الطرح يتنافى مع الفهم المادي للمجتمع، الذي يقر بأن الأفكار السائدة في أي عصر هي أفكار الطبقة السائدة. والطبقة السائدة هنا هي طبقة رأسمالية قمعية ورجعية، تمد جذورها في أكثر القطاعات تخلفا في المجتمع، وتناهض الديمقراطية وتحرر النساء والمضطهَدين، لأن ذلك يتعارض مباشرة مع مصالحها الطبقية.
وبما أنها الطبقة السائدة على المجتمع، فهي التي تزرع أيديولوجيتها في عقول الجماهير عبر المدارس والجامعات وشاشات التلفزيون وصفحات الجرائد ودور العبادة جيلا بعد جيل، وتستخدم أجهزة الدولة لحماية هذه المصالح وقمع كل من يتحدى منظومتها الفكرية والأخلاقية. كما أن الوعي البشري بطبيعته محافظ وليس تقدمي، ويميل للتمسك بقوة بالأفكار والنظم المألوفة له، حتى بعد أن تفقد صلاحيتها وجدواها لتقدم المجتمع.
ولكننا ندرك في الوقت ذاته أن هذا الوعي قابل للتحرك والقفز. فحينما تتراكم التناقضات وتتوالى الصدمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، تصل الجماهير إلى نقطة التغير النوعي، وحينها يلحق الوعي بالواقع ومقتضياته عبر قفزات هائلة، تنفتح معها آفاق الثورة والتغيير.
لقد وصف تروتسكي العمال الذين أسقطوا القيصرية والرأسمالية في روسيا، والذين قامت على أكتافهم وبدمائهم أول دولة عمالية في التاريخ، بأنهم كانوا قبيل الثورة مباشرة يشربون الفودكا، ويذهبون إلى الكنيسة أيام الآحاد، ثم يعودون لضرب زوجاتهم. ولكن في معمعان المعركة الثورية المشتركة تتعلم أكثر الفئات تخلفا ورجعية بسرعة مذهلة وتتخلص من رواسب الماضي.
في الوقت الراهن، وصلت الحركة النسوية إلى طريق مسدود تماما، وبدون الالتحام العضوي بالطبقة العاملة لن يكون أمامها أي أفق للحركة أو التطور.
في ضرورة برنامج انتقالي ثوري
يجب علينا تحية كل من يخوض معارك مشرفة ضد الأفكار المتخلفة والذكورية في المجتمع. فهي مهمة مركزية، وأحيانا تشكل نقطة الانطلاق لتطورات أعمق. وفي هذا الصدد نحيي النساء والرجال الذين يخوضون معاركهم على أرض الواقع، ويدفعون أثمانا باهظة في سبيلها.
وفي هذا الصدد، يقع على عاتق العمال والشباب الثوري – الرجال – مسؤولية مضاعفة في هذا الصراع، الذي ينتقل أحيانا إلى معترك المواجهة المباشرة، على غرار ما شهدناه مؤخرا من سقوط ضحايا في حوادث منفصلة دافع فيها رجال شهماء عن فتيات تعرضن للتحرش. لم تكن هذه المرة الأولى التي نشهد فيها مثل هذه المواجهات، ولن تكون الأخيرة بأي حال من الأحوال.
يجب أن نلتحم في الصراع الطبقي الحي لدفع رجال الطبقة العاملة للتخلص من الأفكار الرجعية، التي تضعفهم ولا تخدم مصالحهم حتى إن توهموا عكس ذلك. يجب أن ننتبه إلى سياسة التقسيم الجهنمية التي تبثها الطبقة السائدة لتقسيمنا، وخلق معارك ثقافية رجعية هدفها تشتيتنا وتشويه وعينا.
فمن مصلحة رجال الطبقة العاملة أن تتحرر زوجاتهم وأخواتهم وزميلاتهم في العمل ورفيقاتهم في النضال، فحينها يمكن إرساء أساس وحدة نضالية حقيقية لا تستغل في ظلها الرأسمالية ودولتها إحدى مكونات الطبقة العاملة لإفقار وقمع الجميع.
فقدرة البرجوازية على تخفيض أجور النساء في العديد من القطاعات يؤدي في النهاية إلى تخفيض أجور العمال الرجال أيضا، بمنطق العرض والطلب. وحينما تقمع الدولة النساء بدافع المحافظة على الأخلاق وقيم المجتمع، وتُزيد من صلاحيتها في مراقبة حياتهن على وسائل التواصل الاجتماعي، فهي ترسي الأساس لمراقبة موسعة، وتصبح سيف مسلط على رقاب الجميع، بمن فيهم الحركة العمالية، مثلما حدث مع أمنية سويدان وغيرها ممن اعتقلوا بسبب مقال أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولكن في وقت ذاته، يجب أن ندرك حدود محاولات التصدي الفردي، والمعارك الثقافية التي تخاض بمعزل عن المطالب الاجتماعية، وبمنأى عن مشروع جذري لتغيير المجتمع. ومن أجل هذا، يجب طرح برنامج مطالب انتقالية يربط بين أكثر المطالب إلحاحا للنساء وهدف تغيير المجتمع على أسس اشتراكية.
مطالب تشمل: حق العمل والسكن والتعليم والخدمات الطبية الشاملة وإجازة أمومة مدفوعة الأجر بالكامل ومراكز لمكافحة العنف المنزلي، وغيرها من الحقوق الأساسية. ونحن نعي في الوقت نفسه صعوبة تحقيق هذه المطالب في ظل الأزمة الرأسمالية الحالية، وأن الحفاظ على هذه الإصلاحات إن انتُزعت في ظل الرأسمالية أمر بالغ الصعوبة، إذ يسعى النظام دائما على استرداد كل ما أُجبر على تقديمه تحت وطأة الضغط الجماهيري.
إن مربط الفرس يكمن في إدراك أن كثيرا من متطلبات تحرر النساء هي متطلبات مادية في أساسها، أو في منطلقاتها. فالعمل اللائق ذو الأجر الجيد، وحق السكن المستقل لكل مواطن/ة، يوفران للنساء القاعدة المادية للاستقلال الفعلي وعدم الاعتماد على الأهل أو الزوج، وعلى هذه القاعدة المادية يمكن خوض معارك فكرية وثقافية، ونسف البنية الفكرية الرجعية للمجتمع وإعادة صياغتها.
وفي هذا السياق، يجب أن نكافح الدعاية الرجعية بكافة أشكالها، وفي مقدمتها النصيحة المسمومة: وقرن في بيوتكن. لا سواء خرجت هذه الدعاية من الرجعيين ورجال الدين الذين يريدون إرجاع وضع النساء للعصور الوسطى، أو خرجت من النسويات بشعارهم “أجور مقابل الأعمال المنزلية“، والذين يدفعون النساء لنفس الاتجاه، سواء بوعي أو بدون وعي. فهذا الوقر يعزل المرأة داخل جدران المنزل، ويقصيها عن العمل الاجتماعي والنضال الطبقي، ويحرمها من التطور الذهني والنفسي، ويصنع منها كائنا تابعا مسلوب الإرادة.
كما يجب المطالبة بتأسيس بنية تحتية واجتماعية توفر للنساء إمكانية الانعتاق من العبودية المنزلية. إن استبدال مؤسسة الأسرة التقليدية بتنظيم أسري مغاير يتطلب تغييرا جذريا في المجتمع، يدمج النساء في سوق العمل ويحررهن من عبء الأعمال المنزلية، عبر توفير مؤسسات اجتماعية عامة (مطاعم عامة ومغاسل عامة وحضانات مجانية ومؤسسات تعليمية وتربوية ودور لرعاية كبار السن…الخ) تحل محل العبودية المنزلية المرهقة. وبدلا من أن تكون هذه الخدمات حكرا على من يستطيع دفع ثمنها، يجب تحويلها إلى خدمات اجتماعية عامة بأسعار معقولة – أو مجانية إن أمكن – متاحة للجميع.
يستتبع ذلك أن تصبح تنشئة الجيل الجديد ورعايته مهمة المجتمع برمته، وليست عبئا ملقى على عاتق الأسرة بمفردها. فكل طفل يولد في المجتمع يجب أن تُضمن له التغذية والتعليم والعلاج على أعلى مستوى، بغض النظر عن حالة والديه المالية، بل وبغض النظر عن وجودهما من عدمه.
بناء على ذلك، نرفع شعار: تعليم لائق ومجاني للجميع، من الحضانة إلى الجامعة، وتأميم المؤسسات التعليمية الخاصة لدمجها في الملكية العامة، ونظام صحي لائق في متناول الجميع. وهذا الطرح يقودنا مباشرة إلى التمرد على احتكار الغذاء والدواء، وضرورة تأميم الشركات الاحتكارية الكبرى وإخضاعها للرقابة العمالية الجماهيرية.
بشكل عام، يجب تضمين مطالب النساء في المتن الأساسي لكافة مطالب الحركة العمالية والجماهيرية. فلا بد من ربط المطالب الديمقراطية بسلامة النساء، والمساواة الكاملة أمام القانون بالمطالب الاجتماعية والطبقية التي تنطبق على كامل الطبقة العاملة.
ومن أجل هذا الأفق، يتوجب علينا الدفاع عن الوحدة الطبقية للطبقة العاملة، ومحاربة كل الأفكار الذكورية في صفوفها، والتي تستفيد منها الطبقة السائدة. إن مكاسبنا لا يمكن انتزاعها عبر الرهان على مؤسسات الدولة الرأسمالية وأدواتها القمعية، بل عبر أساليب النضال الجماعي والدفاع الذاتي الإيجابي التي طورتها الجماهير في معمعان الثورة. ويقع على عاتق قادة المنظمات العمالية واليسارية مسؤولية تاريخية في تبني هذه الأساليب، ووضع قضية حرية النساء ومكافحة العنف الموجه ضدهن في صدارة خطط النضال داخل الحركة العمالية والثورية.
الثورة الاشتراكية هي طريق المساواة الفعلية
إن الموارد اللازمة لكل هذا وأكثر متوفرة بالفعل، ولكنها في أيدي أقلية طفيلية تحتكرها وتوجهها لتوليد مزيد من الأرباح الخاصة. إن كل السبل الممكنة لتحرير النساء مسدودة في ظل الرأسمالية، لا سيما في عصر الأزمة الراهن، حيث يسود الفقر والتقشف واقتطاع نفقات الخدمات العامة، والحروب الإمبريالية والأهلية، والتدمير النفسي والبدني والأخلاقي للمجتمع. والفئات الهشة، مثل النساء، هي أكثر من يدفع الثمن.
يعيش المجتمع الرأسمالي أزمة عميقة على جميع الأصعدة، اقتصاديا وسياسيا وفكريا وأخلاقيا وبيئيا. ولهذا ينهض المزيد والمزيد من النساء والرجال لمساءلة هذا النظام الذي يجر البشرية جمعاء نحو الهمجية، على المستويين المحلي والعالمي.
وما انتشار وباء العنف ضد النساء وانفجاره بهذا الشكل الوحشي إلا علامة صارخة على احتضار نظام اجتماعي مأزوم فقد كل مبررات وجوده وأصبح عقبة في طريق تقدم البشرية. “إما الاشتراكية أو الهجية” هي الصرخة التي أطلقها ماركس وروزا لوكسمبورغ، والتي أصبحت الخيار الوحيد أمامنا اليوم.
بناء على ذلك، غدا القضاء على هذا النظام مسألة حياة أو موت، عبر ثورة اشتراكية تؤسس دولة عمالية ونظام اشتراكي يضمن توجيه كافة الموارد المادية والفكرية للمجتمع لتحرير النساء والرجال من الحاجة والتبعية المتبادلة، كما يخوض حربا لا هوادة فيها، مستندا إلى المنظمات العمالية القاعدية، لتطهير المجتمع من الأفكار البالية والمتخلفة التي تثقل كاهله وتكبح تطوره.
وفي هذا الصدد، يوضح ليون تروتسكي الأفق المادي للتغيير قائلا:
“يجب أن تزداد ثروة الدولة العمالية حتى يتسنى معالجة التعليم العام للأطفال بجدية، وتحرير الأسرة من أعباء المطبخ والغسيل. إن إضفاء الطابع الاجتماعي على تدبير شؤون المنزل والتعليم العام للأطفال أمر لا يمكن تصوره دون تحسن ملحوظ في اقتصادنا ككل. نحن بحاجة إلى المزيد من الأشكال الاقتصادية الاشتراكية. في ظل هذه الظروف فقط يمكننا تحرير الأسرة من الوظائف والهموم التي تثقل كاهلها وتفككها. يجب أن تتولى مغسلة عامة غسل الملابس، ومطعم عام تقديم الطعام، وورشة عامة الخياطة. يجب أن يتلقى الأطفال تعليمهم على يد معلمين أكفاء لديهم شغف حقيقي بالعمل. حينها ستتحرر العلاقة بين الزوج والزوجة من كل ما هو خارجي وعرضي، ولن يستحوذ أحدهما على حياة الآخر. عندها ستتحقق المساواة الحقيقية أخيرا.”
لا يمكن للنساء، ولا الرجال، الانعتاق في ظل الرأسمالية، بل فقط على أنقاضها. ومن أجل إسقاطها، لا بد من الدفاع عن أقصى وحدة للطبقة العاملة، تخوض فيها النساء العاملات والفقيرات والشابات الثوريات النضال في مقدمة الصفوف من أجل انتزاع الإصلاحات تحت الراية الحمراء لمشروع شيوعي ثوري. فلا اشتراكية دون تحرر حقيقي للنساء، ولا تحرر حقيقي للنساء دون اشتراكية.
كما أن العقلية الذكورية الرجعية التي ترسخت على مدى قرون من المجتمع الطبقي لا يمكن تجاوزها عبر المواعظ أو المعارك الفردية والفكرية، بل من خلال النضال المشترك للنساء والرجال ضد النظام الرأسمالي. ففي خضم هذا النضال تتحرر النساء عبر فرض وجودهن وتأثيرهن في المجتمع، ويتحرر الرجال من رواسب الأفكار الذكورية الرجعية.
لا يجب أن نحد أهدافنا بحدود ما هو ممكن اليوم، بل يجب النضال من أجل الفوز بما هو ممكن غدا. إن التناقضات الاجتماعية التي فجرت ثورة عام 2011 قد تعمقت وازدادت اشتعالا طوال السنوات الخمس عشرة الماضية، وستعود الحركة الثورية الجماهيرية إلى الشارع بمستوى وعي أعلى نوعيا، وستكون مسألة اضطهاد النساء عاملا في الحركة المستقبلية كما كانت من قبل.
إن المهمة الملحة الآن هي بناء القيادة الثورية للعمال والشباب الطليعي. قيادة قادرة على صياغة الفهم الغريزي وشبه الواعي للجماهير بطريقة واعية وطبقية ومنظمة: وعي طبقي ثوري يدرك أن النضال ضد إضطهاد النساء يقع في قلب الصراع الطبقي، وحجز زاوية لانتصار الطبقة العاملة في نضالها ضد سلطة رأس المال.
فقط عبر طرح البديل التقدمي الفعلي الوحيد للرأسمالية، وهو الاشتراكية، وإلحاق هزيمة ساحقة بقوى الرجعية في المجتمع، يمكننا القضاء على همجية المجتمع الطبقي، واقتلاع كافة أشكال الاضطهاد المنتمي للعصور الغابرة من جذورها، وفتح الباب لمرحلة جديدة من التطور البشري الحر القائم على الحرية الحقيقية والمساواة الفعلية.
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية