احتدم نقاش حام خلال الفترة الماضية على خلفية تصريحات منفصلة لكل من عصام حجي، العالم المصري العامل في وكالة ناسا والمستشار العلمي الأسبق لرئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور، وحمدين صباحي، السياسي الناصري البارز، رغم أن التيار الناصري كان في الحكومة وقتها، ومن أشد المنادين بفض الاعتصام. حيث تناول كلاهما أحداث فض اعتصام الإخوان المسلمين يوم 14 أغسطس 2013 في ميداني رابعة العدوية والنهضة.
وبعيدا عن تفاصيل حديثهما وما شابه من بكائيات تفتقر إلى التحليل الجاد، فإن أهمية هذا الخروج تكمن في فتحه الباب مجددا أمام سجال حول ذكرى ثقيلة. وللأسف، يغيب النقاش المادي الجدي عن الساحة وسط الموجات المتلاطمة لبكاء المنصات الإسلامية التي تنعى “الديمقراطية” المفترضة في عهد الإخوان المسلمين وتستثمر في المظلومية المعهودة، وبين هيستريا الدولة والليبراليين الذين ينفخون في بوق الخوف من التهديد الاسلامي الظلامي وضرورة الوحدة خلف الديكتاتورية العسكرية، وبين ضياع بوصلة اليساريين الذين لا يكفون عن تذيل الدولة أو الإسلاميين، حتى في قراءة التاريخ.

يُقال إن الأحداث المفصلية لا تغادر ساحة التاريخ بسهولة، ولا حتى بموت أو اختفاء معاصريها. وحدوث معركة دامية في قلب العاصمة، يُقتل فيها مئات المعتصمين، بخلاف آلاف الجرحى، في ظرف 12 ساعة على يد الدولة، لهو حدث جلل ترك بصمته صدمة وتخبطا لدى من عاصروه، وها هو يتسلل إلى وعي الأجيال الجديدة بصورة أكثر تشوها واضطرابا.
لقد كانت تلك اللحظة نقطة تأسيس الديكتاتورية العسكرية الحاكمة، خرجت منها السلطة أقوى وأشد بطشا بعد أن سحقت منافسها الرئيسي الإسلامي وكل من يدور في فلكه، وهو ما أطلق بدوره موجة عنف مضادة. ارتفعت أصوات الرصاص وطغى ضجيج الانفجارات والمواجهات الأمنية، ليتراجع صوت الجماهير والنضال الطبقي والسياسي تحت الشعار الكاذب: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. ومن رحم تلك اللحظة، أُرسيت أسس عصر من الخوف الممتد، حيث لا قانون ولا عرف ولا منطق، وغدا فيه كل من ينازع السلطة أو يعترض على سياساتها معرضا للقتل أو الاعتقال.
من هنا، تغدو مراجعة أحداث فض اعتصام رابعة العدوية ضرورة سياسية ونظرية، لفهم ماذا حدث، ولماذا حدث، وعن ماذا كان يعبر؟ بعيدا عن التبرؤ عديم القيمة وهيستريا التعبئة العامة للدولة.
طبيعة الطرفين: صراع رجعي على تمثيل رأس المال
إن تحديد الموقف من أي صراع يفترض بالضرورة تشريح طبيعة أطرافه والمصالح الطبقية التي يمثلونها ويدافعون عنها. وفي هذا السياق، تبدو الديكتاتورية العسكرية الحاكمة واضحة في مشروعها وطبيعتها، إذ تعبر عن مصالح القطاع الأوسع من الطبقة الرأسمالية المصرية، إلى جانب مصالح رأس المال الخليجي والامبريالي.
وترتبط أجهزة الدولة، ما تسمى بالدولة العميقة، بصلات وثيقة -اقتصادية واجتماعية وعائلية- بالجناح السائد داخل الطبقة الرأسمالية، من رجال الأعمال المشبوهين من القطط السمان الذين راكموا ثروات طائلة في عهد حسني مبارك امتدادا لانفتاح السادات، وهو الترابط الذي يقارب حد التطابق في عهد السيسي، ورجال أعمال ليبراليين، فضلا عن العلاقات العضوية الوثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وممالك الخليج.
وعلى الجانب الآخر يقع الإسلاميين، وعلى رأسهم الإخوان المسلمين. إن مشروع التيار الإسلامي هو مشروع رأسمالي تقليدي متخلف ليس فيه ذرة من التقدمية. فهم يعبرون عن مصالح طبقية رأسمالية، انكشفت فور وصولهم إلى السلطة عقب ثورة 2011، بسعيهم الحثيث للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، والقبول بإجراءاته التقشفية، وتبني سياسات تحمل العمال والفقراء ثمن أزمة النظام الرأسمالي.
الفرق بينهم وبين السيسي أو حسني مبارك ليس في طبيعة المشروع السياسي والاقتصادي ولا في المصالح الطبقية التي دافع كل منهم عنها، وإنما في أنهم فشلوا في فرض ذلك على الجماهير لضعفهم وقوتها وقت الثورة.
يضاف إلى ذلك التاريخ الطويل من رعاية الإمبريالية الغربية لهم، سواء منذ نشأتهم في كنف الاستعمار الإنجليزي لمصر، وبعدها في مكتب جون فوستر دالاس ووزارة الخارجية الأمريكية التي رعتهم ومولتهم عن طريق السعودية لضرب المد اليساري في مصر والمنطقة، أو في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته عبر ما يسمى بالجهاد الأفغاني، الذي فتح أبواب التمويل والتجارة والتجنيد والتدريب العسكري بموافقة واشنطن وأنظمة المنطقة لضرب الاتحاد السوفياتي، أو في عهد إدارة باراك أوباما التي رأت في تمكين الإسلاميين وسيلة لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، بعد أن فقدت الأنظمة القائمة شعبيتها نتيجة السياسات الرأسمالية والقمعية التي دفعتها إليها الإمبريالية بالأساس. فضلا عن ارتباطهم العضوي برأس المال القطري والتركي.
استمر الصراع بين الجناحين منذ قيام الجمهورية عام 1952. فتارة يحدث توافق فيسمح النظام للإسلاميين بدخول البرلمان والتربح والعمل العلني ليستغلهم في ضبط الجماهير، بينما يستغلون هم تلك المساحة في التغلغل بين الجماهير ويوسعوا قاعدتهم، وتارة أخرى يسوء التفاهم فتلجأ الدولة للقمع، إلى أن يشتد التناقض فيتحول إلى مواجهة مسلحة.
ظلت علاقة الشد والجذب هذه مستمرة لعقود حتى جاءت ثورة 2011 لتفجر هذا الصراع، من ضمن ما فجرته. رأى الإسلاميون في اللحظة الثورية فرصة تاريخية لطالما حلموا بها وانتظروا اقتناصها، واستغلوا كل ما راكموه لسنوات للوصول إلى سدة الحكم.
فقد اكتسبوا نفوذا لا يستهان به قبل الثورة. إذ سمح لهم نظام مبارك بالعمل العلني وشبه العلني لضبط الشارع وثقل موازن ضد اليسار والجهاديين في نفس الوقت، واستغلوا هم سخط الشارع ضد النظام لكسب شعبية بخطاب شعبوي، رغم صفقاتهم المتكررة معه. ونجحوا في مواراة مصالحهم الرجعية خلف ستار مزيف من الدعاية الدينية ومعاداة الإمبريالية، رغم علاقتهم التاريخية بها. كما استفادوا من عدم وجودهم في السلطة منذ قيام الجمهورية عام 1952، فظهروا في نظر العديد من القطاعات الجماهيرية غير ملوثين بالجرائم الطبقية والسياسية للأنظمة المتعاقبة.
بناء على ذلك، يغدو الصراع بين الطرفين، مهما بلغت حدته ودمويته، صراعا رجعيا في جوهره يعبر عن مصالح تتناقض كليا مع مصالح الطبقة العاملة والجماهير، وكلاهما يتحدث زورا باسم الجماهير ويستغل مخاوفها وغضبها ضد الطرف الآخر لخدمة مشروعه الخاص.
استغل الإسلاميون الفقر والظلم والتدخلات الإمبريالية للوصول إلى السلطة ثم تبنوا السياسات ذاتها، واستغل نظام السيسي خوف الجماهير من الإرهاب وتوقها للاستقرار بعد سنوات العاصفة الثورية لتأسيس ديكتاتورية عسكرية تحكم بوسائل إرهابية في جوهرها، من اعتقالات واسعة وقتل خارج إطار القانون وإخفاء قسري ومحاكمات صورية، وسحق الجماهير خدمة لمصالح رأس المال.
إنه صراع الذئاب الذي تدفع الجماهير ثمن فاتورته الدموية. هذا هو المنطلق المادي الذي ننطلق منه. ولندع من يرى في أي من هذين الطرفين ذرة من التقدمية، أو يعتبر أحدهما أقل سوء أو رجعية من الآخر، يمضي في طريقه إلى الجحيم فقد اختار الاصطفاف في خندق أعداء الطبقة العاملة والجماهير.
من الانسداد الثوري إلى المذبحة
تكتفي غالبية التحليلات السائدة لمحاولة تفسير الوصول إلى يوم بهذه الدموية باستدعاء مفاهيم أخلاقية مجردة مثل الشر والخيانة والدموية، وغيرها من الصفات التي ينعت كل طرف بها الآخر. أما التحليل الماركسي فينطلق من أرضية مغايرة تماما: تحليل الواقع المادي الذي حكم الأطراف المتصارعة، وهذا الواقع في 2013 هو واقع حالة الانسداد الثوري والأزمة الاجتماعية الحادة.
وعلى عكس كل التفسيرات المؤامراتية، واجهت الطبقة الرأسمالية السائدة ودولتها ثورة 2011 بتخبط شديد. إذ وجدت نفسها لأول مرة في مواجهة ملايين العمال والكادحين والشباب الثوري الثائرين في الشوارع، والمصممين على تغيير حياتهم.
تعرضت المصالح الطبقية التي تدافع عنها وتمثلها النواة الصلبة للدولة الرأسمالية لهزة عميقة بفعل تدخل الطبقة العاملة في الأحداث. لكن لم يتقصر الأمر على التهديد من أسفل فقط، بل أيضا برز جناح رأسمالي هامشي وغريب عنها سعى لاستغلال ثورة الجماهير لتحقيق أهدافه: منافسة الشريحة الغالبة في الطبقة السائدة في السوق للسيطرة عليه، وفرض هيمنته الاجتماعية عبر مشروعه الأصولي المتمثل في تطبيق الشريعة. تمثل هذا الجناح في الإخوان المسلمين بشكل أساسي.
حاول الطرفان التوصل إلى اتفاق برعاية أمريكية، تمخضت عنه سيطرة الإخوان المسلمين على البرلمان والرئاسة، مع الإبقاء على بنية الدولة -وبشكل خاص المؤسسة العسكرية- كما هي بدون تغيير. كانت تلك أشبه بثورة مضادة ناعمة أراد بها الأمريكان احتواء الثورة المصرية عن طريق التقريب بين الفاعلين الأقوى والأكثر تنظيما في مصر. وكان هذا الاتفاق معبرا في الوقت ذاته عن تعادل قوى مؤقت وعجز أي منهما عن حسم الصراع كليا.
ولكن لا اتفاق شرف بين اللصوص والقتلة، فلم يحترم أي من الطرفين الاتفاق. الدولة العميقة استخدمت كل قوتها ونفوذها لعرقلة الإخوان المسلمين منذ اليوم الأول، بالتعاون مع الإمارات والسعودية، بينما سعى الإخوان المسلمون للسيطرة على الدولة العميقة عبر التغلغل فيها، أي نقض الطرفان أهم ما في الاتفاق.
صُدم الإخوان المسلمين عندما وصلوا إلى السلطة بشرارة واقع منفجر: جماهير ثائرة واثقة في نفسها زاد سخطها بفعل الإجراءات الرأسمالية والنهج القمعي للنظام الجديد، وطبقة سائدة تلفظ غالبيتها وجودهم خوفا من المنافسة، ودولة عميقة تتوجس من مساعيهم للهيمنة عليها.

وفي المقابل، أصيب قادة الإخوان المسلمين بنشوة الانتصار، فقد شعروا بالثقة المفرطة واستعجلوا الهيمنة فاكتسبوا معاداة الجميع، ثم شعروا بالحصار فتصوروا أن الهروب للأمام طريقهم للنجاة واغتنام فرصة العمر التي كافحوا من أجلها 80 عاما. فازداد اعتمادهم على الفئات الأكثر رجعية وأصولية بين الجماهير، مثل الجهاديين.
وظفت الدولة العميقة كل خطأ ارتكبه الإخوان المسلمون لتأليب الجماهير عليهم أكثر. وهم كانوا يثيرون غضب الجماهير ضدهم دون استغلال أصلا.
أفضى ذلك كله إلى محطة 30 يونيو ونزول عشرات الملايين للشوارع رفضا للإخوان المسلمين. كانت لحظة فريدة ومتناقضة، حيث عبرت الجماهير عن رفضها للوضع القائم، وفي نفس الوقت عن ارهاقها من الحركة بلا أفق والخوف من الإرهاب، خصوصا مع تجارب بلدان المنطقة التي نفخ الإعلام النار فيها.
وهنا وصل الصراع الطبقي والاجتماعي لنقطة التأزم القصوى، فتدخل الجيش وحسم الأمر: لقد انتهت هذه الجولة من الصراع الطبقي المفتوح، وليعد الجميع إلى منازلهم.
كانت هذه النتيجة مرضية بالنسبة للغالبية العظمى من الجماهير التي تعبت من الحركة في ظل غياب قيادة ثورية تستطيع شرح الطريق إلى الأمام.
ولكن، رفض الإخوان المسلمون هذا المسار بالطبع، وهو ما وضعهم في خانة الأقلية بشكل متزايد، وهو ما أصابهم بهستيريا، وزاد من ثقة الدولة العميقة وتصميمها على أخذ طارها من غريمها. تزايد الاستقطاب وتهيأت الظروف لمعركة لما يسبق لها مثيل. ورُفضت كل محاولات الوساطة والتهدئة، بعضها رفضتها الدولة، وبعضها الإخوان المسلمون أنفسهم، وتحول اعتصام رابعة العدوية إلى المركز الرئيسي للمواجهة، ولكنه ليس الوحيد طبعا.
انتهى التحالف الهش بين الجناحين الرئيسيين للبرجوازية المصرية، ممثلين بالإخوان المسلمين والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، بمواجهة مفتوحة.
صورت أجهزة الدولة اعتصام رابعة بأنه نواة الدولة الإسلامية الجديدة في مصر، مستخدمة مبالغات مهولة حول الترسانة العسكرية المخبأة تحت منصة الاعتصام، وقصص الفانتازيا عن آكلي لحوم البشر الذين يهدفون لفعل ما فعله إخوانهم في سوريا والعراق بنا، لتهيئة الرأي العام لعملية فض مؤلمة.

رغم أن التقديرات المحايدة كانت تشير إلى وجود نحو 80 ألف معتصم بتسليح فردي محدود (بلغ 51 سلاحا ناريا وفق البيانات الرسمية نفسها)، مع وقوع من 8 إلى 10 ضباط وأفراد شرطة حسب بيانات وزارة الداخلية. وهو ما يعني أن عددهم لا يذكر بالمقارنة بمعارضيهم، رغم قدرتهم على إلحاق ضرر لا يمكن إنكاره بالعمليات الإرهابية. ومما يؤكد أن حجم العنف الذي استخدمته الدولة لم يكن دافعه الضرورة الأمنية بل الحسم السياسي المباشر، وجعل من في ميدان رابعة عبرة للجميع بتنفيذ مجزرة من القتل المباشر والهرس والحرق لم يسبق لها مثيل في التاريخ المصري.
تم تغذية أوهام الاستقرار وتعظيم أخطار الإسلاميين، وجندت الشحنات الوطنية ودفع بكامل شرعية المؤسسة العسكرية إلى الواجهة. بمساندة من القوى الليبرالية والناصرية واليسار الستاليني والإصلاحي.
وعلى الطرف المقابل، انزلق الإخوان المسلمين، وحلفائهم الأكثر أصولية، إلى خطاب أصولي حاد رأوا فيه حلا أخيرا لمأزقهم، مصورين المواجهة لأتباعهم باعتبارها معركة للدفاع عن الدين ضد الكفر، فارتفعت الهتافات الطائفية، وكثر الحديث عن الملائكة والرسل الذين يأتون للشيوخ الأصوليين في المنام ليبشروهم بالنصر، ورفرفت أعلام تنظيم القاعدة السوداء، وتزايدت التهديدات بحرق مصر، التي ترجمت لاحقا إلى اعتداءات على كنائس وتفجيرات عشوائية، وحملة من الإرهاب الأصولي المسلح تركزت أشد فصولها في سيناء، بعدما فشلوا في إشعال حرب أهلية رجعية على أسس طائفية بعد الفض.
لهذا، فتصوير اعتصام رابعة على أنه امتداد للثورة المصرية أو حصن للديمقراطية والمشاركة الجماهيرية هو كذب فج وتشويه للثورة المصرية العظيمة التي مثلت النقيض التام لما مثله اعتصام رابعة ومن فضوه.
راهن كل طرف -الدولة وقادة الإخوان المسلمين- على إنهاك الآخر وعجزه عن تحمل الكلفة البشرية للمعركة. حشدت الدولة قوتها لفض الاعتصام بأي ثمن لاستعادة هيبة الدولة، ووضع حد للاضطراب الاجتماعي الذي كان سينتهي إما بسقوط سلطة رأس المال في حالة تبلور بديل عمالي أو تفكك الدولة بشكل كامل في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه، بينما استماتت قيادة الإخوان المسلمين على الاستمرار في الاعتصام أيا كانت الخسائر لرفضهم تصديق الهزيمة، وأملا في التوصل لصفقة ترجعهم لسدة الحكم مرة أخرى، وخوفا من خسارة مصداقيتهم أمام قواعدهم.
هكذا وصلنا إلى نقطة اللاعودة، واكتملت أركان المذبحة. فقد دفع قادة الدولة وقادة الإخوان المسلمين نحو هذا المصير، بعيدا عن عبث من أطلق الرصاصة الأولى. لتكون دماء المعتصمين وضحايا الانفجارات والعمليات الإرهابية فداء لمعركة الحياة أو الموت بين أجنحة الطبقة السائدة.
لقد مات الآلاف في هذا الصراع المستمر بين الدولة والإسلاميين منذ عقود، ولكن لفض رابعة مكانة خاصة بالطبع، فقد كانت لحظة فاجعة، وأسست لعصر من الديكتاتورية والبطش، ليحل إرهاب الدولة محل إرهاب الإسلاميين بدلا من أن يقي الجماهير منه.
بناء بديل يساري مستقل
لم تكن المذبحة قدرا محتوما، فقد ناضلت الجماهير المصرية ببسالة، وتمكنت بالفعل من إسقاط عدة حكومات ورئيسين، وأظهرت أكثر مما يمكن توقعه من وعي وكفاحية، لكنها كانت بدون قيادة واعية ولا تنظيم ولا برنامج، أي “ذلك التيار الذي ينمو مع الثورة، والذي يستطيع أن يتنبأ بالغد وما بعده، ويضع لنفسه أهدافا واضحة ويعرف كيف يحققها” على حد وصف تروتسكي.
وهذا ما جعل الجماهير في آخر المطاف، وبالرغم من كل تضحياتها، تعجز عن الاستمرار في الاحتفاظ بالسلطة، حيث أنها كانت بين يد الجماهير بالفعل في أكثر من مناسبة، ولكنها لم تكن على دراية بها فتسربت من بين أصابعها. مما أتاح للطبقة السائدة والدولة استعادة التوازن وهزيمة الثورة.
ولولا القوة الساحقة للدولة والجيش وضعف الإخوان المسلمين وحلفائهم الجهاديين وضيق قاعدتهم الاجتماعية الفعلية لكانت تحولت الثورة إلى حرب أهلية رجعية بالكامل، مثلما حدث في سوريا واليمن والسودان وليبيا. كلا القوتين رجعيتان، لكن القوة الغاشمة لجهاز الدولة كانت في أيدي جنرالات الجيش.
على مدار عامين ونصف (من يناير 2011 حتى يونيو 2013)، خاضت الطبقة العاملة المصرية والشباب الثوري نضالات لا مثيل لها، إذ لم يتبق مصنع أو شركة أو مؤسسة أو جامعة لم تشهد إضراب كبير واحد على الأقل، وبلغت المعنويات الثورية عنان السماء في عدة محطات. وكانت المادة الخام لبناء بديل يساري ثوري متوفرة بكثرة في أرض الواقع. كانت هذه فرصة ذهبية لبلورة بديل سياسي على أساس طبقي يقطع الطريق على قطبي الرجعية المصرية بدلا من أن يقسموا الجماهير على أسس رجعية ويدفعونها إلى المذبحة.
لكن قادة المنظمات اليسارية والعمالية، والتي يدعى بعضها تبنيه الماركسية، أهدروا تلك الفرصة التاريخية، مما مكن القوى الرجعية على اختلاف مشاربها من استغلال غضب الجماهير وتوجيهه لخدمة مصالحها الخاصة.
اندفعت بعض القوى اليسارية إلى التحالف الصريح مع أجهزة الدولة ضد الإسلاميين بذريعة ضرورة التحالف مع الأجنحة “التقدمية” و”الوطنية” في الدولة والبرجوازية لمواجهة ظلامية العصور الوسطى والفاشية الدينية، وفي مقدمة هؤلاء التيار الناصري وحلفائه، إلى جانب القوى الستالينية في الحزب الشيوعي المصري وحزب التجمع ومن ساروا في ركابهم. ورأينا نتائج هذا التحالف: ديكتاتورية عسكرية تحكم بالحديد والنار لصالح الرأسماليين الكبار، المحليين والأجانب، وتسحق الطبقة العاملة وحقها في التنظيم والنضال، والحياة أحيانا، وتكرس الفقر والجهل والتخلف والتصوف في المجتمع، وتنتهك الحريات العامة والخاصة، إلا للأغنياء بالطبع.
وفي المقابل، تذيلت أطراف أخرى الإسلاميين، مثل منظمة الاشتراكيين الثوريين، بذريعة مواجهة الدولة البرجوازية والنفاذ للجماهير، مروجين لوهم إن الإخوان المسلمين هم أهون الشرين، وأن كل من هو ضد الدولة فيه قدر من التقدمية لأن الدولة هي ممثلة المصالح الرأسمالية في المجتمع، وأن الصراع المركزي مع الدولة ولهذا فإن عدو عدوي صديقي، وتجسد هذا الانحراف النظري في شعار “مع الإسلاميين أحيانا، ضد الدولة دائما”.
ولحسن الحظ لم نر نتائج هذا التكتيك في مصر، ولكننا رأيناه في إيران عام 1979، بعدما تذيل حزب توده الشيوعي الخميني وحركته الإسلامية الأصولية في ثورة إسقاط الشاه بدلا من رفع راية الاستقلال الطبقي، بحجة مقاربة لحجة الاشتراكيين الثوريين: إن الأولوية الآن سقوط الشاه والقضاء على بقايا الملكية ولهذا لابد من التحالف مع الملالي الرجعيين أصحاب النفوذ الجماهيري، فكانت الخطوة الأولى لنظام الخميني ذبح أولئك الشيوعيين أنفسهم.
إن هذه الأخطاء المتكررة، في مصر وإيران وغيرهما، ليست ناجمة عن سوء تقدير عابر للموقف كما يدعي أصحابها، ولا يعود أصلها إلى سذاجة أو حسن نية، بل مرجعها خلل نظري جذري يُفقد تلك القيادات البوصلة عند كل منعطف تاريخي أو موقف جدي، كما أنه ينبع من انعدام ثقتهم في قدرة الطبقة العاملة على تغيير المجتمع، وفي قدرة النظرية الماركسية على التعبير عن مصالح الطبقة العاملة.
نعيش اليوم أزمة اجتماعية حادة واقتصادية طاحنة، وغدى مصير النظام المصري محكوما بتناقضات طبقية وذاتية لا يمكن حلها، والانفجار الثوري قادم لا محالة. والضمانة الوحيدة لعدم تكرار مآسي الماضي هي الشروع في بناء بديل يساري وعمالي ثوري يقطع الطريق على تقسيم الجماهير على أسس رجعية، ويقود الجماهير نحو إسقاط النظام الرأسمالي الدموي.
إن بناء البديل العمالي الثوري المستقل ليس مجرد اختيار يعبر عن نقاء فكري ونظري، وهو مطلوب بالطبع، بل هو الضمانة الوحيدة لاستقلال الطبقة العاملة وانتصارها في نضالها من أجل تغيير حياتها، كما أنه الأداة الوحيدة التي تستطيع أن تفصل بين تحرر الطبقة العاملة وبين تحولها إلى بيادق في يد أعدائها والسقوط مجددا في محرقة الصراع الرجعي.
6 سبتمبر/أيلول 2026
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية