قبل 86 سنة، تعرض ليون تروتسكي للاغتيال على يد عميل ستاليني. وبمناسبة هذه الذكرى، نعيد نشر مقال كتبه تيد غرانت عام 1990، في الذكرى الخمسين لاغتيال تروتسكي. وقد كُتب المقال في خضم أزمة الستالينية في أوروبا الشرقية، حيث كانت العديد من الأنظمة الستالينية قد انهارت بالفعل، وهي الأزمة التي بلغت ذروتها بانهيار الاتحاد السوفياتي بعد عام واحد فقط، سنة 1991. يركز تيد غرانت في هذا المقال على أحد أعظم الإنجازات النظرية لتروتسكي: تحليله لانحطاط ثورة أكتوبر وصعود الستالينية.

وبعد 36 عاما، ما تزال أفكار تروتسكي راهنية بالقدر نفسه الذي كانت عليه عام 1990، وهي الأساس الذي نبني عليه الأممية الشيوعية الثورية اليوم. ونحن نفخر بإعادة نشر العديد من الأعمال الكلاسيكية لهذا العملاق الثوري، بهدف تسليح الجيل الجديد بأفكاره.
يمكنكم اقتناء تلك الأعمال عبر موقع Wellred Books
تحل اليوم الذكرى الخمسون لاغتيال ليون تروتسكي على يد أحد عملاء ستالين، كما تحل ذكرى أكثر من 110 أعوام على ولادته في 26 أكتوبر 1879. لقد كان هذا القرن عصرا من التغيرات والاضطرابات يفوق أي حقبة أخرى عرفها التاريخ المدون، وربما كان أكثر القرون اضطرابا في تاريخ البشرية.
حربان عالميتان، والثورة الروسية، وصعود الستالينية، وانتصار الاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية، والثورة الصينية، والانتقال من الهيمنة العسكرية المباشرة للإمبريالية إلى الهيمنة الاقتصادية للاستعمار الجديد على بلدان العالم الثالث. كانت تلك أبرز أحداث هذا القرن، والتي شكلت مراحل حاسمة في تاريخ العالم.
والآن، تفتح نقطة تحول ثالثة –أزمة الستالينية في روسيا وأوروبا الشرقية– تمثل مرحلة جديدة في التاريخ. لقد أخذ ممثلو القوى الإمبريالية يفركون أيديهم ابتهاجا. فبعد أن تمكنوا، كما يعتقدون، من إعادة أوروبا الشرقية إلى فلكهم ودحر خطر “الشيوعية” -أي الستالينية في الواقع- دون إطلاق ولو رصاصة واحدة. لكن التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
إن ما شهدناه في أوروبا الشرقية لن يكون شيئا إذا ما قورن بالأزمة -السياسية والاقتصادية والاجتماعية- التي ستتطور في الغرب. ومع تفاقم تلك الأزمة، ستعود القوى اليسارية إلى الواجهة من جديد. وستأخذ “التروتسكية”، أي سياسة الثورة الاشتراكية، مكانها الحقيقي.
في سيرته الذاتية، “حياتي”، يروي تروتسكي كيف أنه قبل ثماني سنوات من ثورة 1905، قامت مجموعة صغيرة من الثوريين الشباب، مستخدمين آلة نسخ يدوية بدائية، بإصدار منشور يهاجم النظام القيصري. كانت تلك بداية النشاط الثوري لليون تروتسكي.
كانت قوى الثورة آنذاك أضعف بكثير مما هي عليه اليوم. ومع ذلك، وبعد ثماني سنوات فقط، اندلعت ثورة 1905، وبعد عشرين عاما، سنة 1917، تمت الإطاحة بإمبراطورية القياصرة التي ظلت قائمة ألف سنة.
كان الاشتراكيون الديمقراطيون الروس منظمين في حزب ممركز. وفي سنة 1903 وقع الانقسام الذي رغم أن سببه المباشر كان عرضيا، ودار حول مسألة ثانوية، كان مؤشرا إلى اختلاف المسارين اللذين سيسلكهما المناشفة من جهة والبلاشفة من جهة أخرى خلال السنوات اللاحقة. وقد كشف ذلك الانقسام، كما سيفسر تروتسكي لاحقا، عن الفرق بين “المتشددين” و”المتراخين”.
تروتسكي نفسه بقي مع المناشفة نحو عام، قبل أن ينفصل عنهم، متخذا موقعا وسطا بين مواقف البلاشفة والمناشفة. ومع ذلك، وكما كتبت كروبسكايا، أرملة لينين، إلى تروتسكي بعد أيام قليلة من وفاة لينين، فقد حافظ لينين طوال حياته على الموقف نفسه تجاه تروتسكي. لقد كان يدرك الدور الذي يستطيع تروتسكي أن يؤديه.
لم يكن انقسام سنة 1903، كما حاول الستالينيون لاحقا تصويره، انفصالا فوريا بين جناحي الاشتراكية الديمقراطية. فقد انعقد مؤتمر الوحدة -مؤتمر ستوكهولم عام 1906- حيث عاد البلاشفة والمناشفة إلى التوحد لفترة مؤقتة.
ولم يتوصل لينين إلى القناعة النهائية بأن الوحدة لم تعد ممكنة لأغراض ثورية إلا عام 1912. عندها فقط خرج البلاشفة باعتبارهم حزبا مستقلا.
بعد عام 1904، بقي تروتسكي خارج كلا الجناحين. لكن في عام 1917، سار يدا بيد مع البلاشفة. في مارس 1917، وبينما كان تروتسكي في نيويورك ولينين في سويسرا، توصلا بصورة مستقلة إلى الموقف نفسه تماما تجاه الحكومة المؤقتة. وبعد ثورة فبراير، دعا قادة البلاشفة الموجودون داخل روسيا، ومن بينهم ستالين وكامينيف، إلى الاتحاد مع المناشفة. وكان تروتسكي معارضا لذلك بلا هوادة، وكذلك كان لينين بالطبع.
لكن في تلك اللحظة، وكما أوضح تروتسكي:
“بدت الحركة التي وجدت رمزها في كيرينسكي وكأنها جبارة لا تقهر… وكانت البلشفية تبدو مجرد “مجموعة ضئيلة الأهمية”… ولم يكن الحزب نفسه يدرك القوة التي سيصبح عليها في اليوم التالي، لكن لينين كان يقوده بثبات نحو أعظم مهامه. وقد كرست نفسي لهذا العمل وساعدته.”[1]
في 7 شتنبر 1917، كتب تروتسكي في صحيفة برافدا:
“إن الأممية بالنسبة إلينا ليست فكرة مجردة لا وجود لها إلا لكي تُخان في كل مناسبة مواتية، كما هي الحال بالنسبة إلى تسيريتيلي وتشيرنوف [قادة المناشفة والاشتراكيين الثوريين – ت.غ.]، بل هي مبدأ حقيقي موجِّه وعملي بالكامل. إن انتصارا حاسما ودائما لا يمكن تصوره بالنسبة إلينا من دون ثورة في أوروبا… ثورة دائمة في مواجهة مجزرة دائمة: تلك هي المعركة التي يتوقف عليها مستقبل البشرية.”
وكما يعلّق تروتسكي، فإنه «في سنوات الردة الرجعية، كان المرء يحتاج إلى بصيرة نظرية من أجل التمسك بمنظور الثورة الدائمة، أما في مارس 1917، فلم تكن هناك، على الأرجح، حاجة لما هو أكثر من الحس السياسي لطرح شعار النضال من أجل السلطة». ومع ذلك، “لم يُظهر أيٌّ من القادة الحاليين مثل تلك البصيرة أو مثل ذلك الحس… ولم يصمد أيٌّ منهم أمام امتحان التاريخ”[2].
ونتيجة لذلك، أعلن لينين أنه، بعد أن اقتنع تروتسكي باستحالة الوحدة مع المناشفة، «لم يعد هناك بلشفي أفضل منه».
وفي كتابه “حياتي”، يقدّم تروتسكي أيضا وصفا لكيفية تنظيم الجيش الأحمر، وللمعارك التي حسمت مصير الثورة، في قازان ومناطق أخرى. وقد أوضح قائلا:
“كان الشرط الأول للنجاح هو ألا نخفي شيئا، وعلى رأس ذلك نقاط ضعفنا؛ وألا نستخف بالجماهير، بل أن نسمي كل شيء باسمه الصحيح.”
كانت تلك هي السياسة التي واصل تروتسكي التمسك بها طوال حياته، فلم يحاول قط إخفاء الحقيقة عن الطبقة العاملة.
حقق تروتسكي إنجازات مذهلة خلال ثورة 1905، بصفته رئيس مجلس سوفييت بتروغراد، ثم بصفته رئيس اللجنة العسكرية الثورية عام 1917، التي تولت تنظيم ثورة أكتوبر. وكان ذلك، إلى جانب بناءه للجيش الأحمر، كافيا ليضع اسمه في سجل أعظم الشخصيات في التاريخ.
إلا أن تروتسكي، إلى جانب لينين، كان أيضا أحد مؤسسي الأممية الشيوعية، التي كان كلاهما يعتبرانها أكثر أهمية حتى من الثورة الروسية نفسها. وحّدت الأممية الشيوعية في صفوفها العمال الثوريين من مختلف أنحاء العالم. وحركت جماهير أكبر حتى تلك التي جرى حشدها أثناء صعود الديانات العالمية.
لقد وفرت قيادة واعية للحركة الحتمية للطبقة العاملة، إلا أنه لم يكن بوسعها أن تخلق تلك الحركات من العدم، بل كانت قادرة على الاستفادة منها، وتهيئة الطريق أمام الثورة العالمية.

كان هذا هو الهدف الذي انطلق منه لينين وتروتسكي عندما أسسا الأممية. فقد كان المقصود من الأممية الشيوعية هو التحضير للإطاحة بالرأسمالية وفتح الطريق أمام المجتمع الاشتراكي الجديد. وكان عملها الرئيسي يتمثل في تثقيف الأجيال الجديدة والكوادر الجديدة التي أفرزتها تجربة الصراع الطبقي في مختلف أنحاء العالم، لكي تصير قادرة على الاضطلاع بتلك المهمة. ذلك هو مغزى عمل المؤتمرات الأربعة الأولى للأممية الشيوعية. فقد شكلت مداولاتها، بأطروحاتها وبياناتها، التي كتب تروتسكي العديد منها، مرجعا لا غنى عنه للثورة.
لكن الإصلاحية أنقذت الرأسمالية خلال الأحداث الثورية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى مباشرة. فقد خانت الاشتراكية الديمقراطية الثورة الألمانية، إذ رفضت “الطريق الدموي للبلشفية” لصالح تحول تدريجي وبطيء وسلمي للرأسمالية. وبعد 15 سنة، وصل هتلر إلى السلطة!
في تلك المرحلة المبكرة، كان قادة العمال في الأممية الشيوعية ما يزالون شبابا ومحدودي التطور من الناحية النظرية. لكن كان بإمكانهم أن يتعلموا، وكانوا يتعلمون بالفعل، من خلال الأحداث العظيمة التي كانت تتكشف أمامهم. وقد علّمت هزيمة الثورة في ألمانيا العمال دروسا مريرة عديدة، ونما الحزب الشيوعي على أساس ذلك الصراع بين الثورة والثورة المضادة، ليتحول إلى حزب يضم الملايين.
في يناير 1923، وبعد أن تخلفت ألمانيا عن دفع تعويضات الحرب المفروضة عليها، غزت الإمبريالية الفرنسية منطقة الرور. وأدى ذلك، إلى جانب أزمة الرأسمالية الألمانية، إلى انهيار العملة. فقد هبطت قيمة المارك إلى مليارات الماركات مقابل الجنيه الإسترليني. وتطورت في ألمانيا أزمة ثورية. لكن تردد قيادة الحزب الشيوعي، إلى جانب النصائح السيئة التي قدمها ستالين وزينوفييف، أديا إلى إضاعة فرصة ثورية عظيمة.
عززت هزيمة 1923 في ألمانيا قوى الردة الرجعية التي كانت تتنامى في روسيا نتيجة خيبة الأمل الناجمة عن عزلة الثورة والوضع الاقتصادي الرهيب للجماهير. وتمكنت “الترويكا”، المؤلفة من زينوفييف وكامينيف وستالين، من السيطرة على قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي، وبدأت النضال ضد “التروتسكية”، الذي كان في الواقع صراعا ضد الأفكار الأساسية للينين وضد الثورة نفسها.
وقد انعكست الردة الرجعية المتنامية في روسيا في طرح ستالين، سنة 1924، لنظرية “الاشتراكية في بلد واحد”. ففي فبراير 1924، نشر ستالين كتابا بعنوان “أسس اللينينية”، والذي تضمن الفكرة الماركسية الأرثوذكسية التي تبناها لينين بشأن استحالة بناء “الاشتراكية في بلد واحد”، ولا سيما في بلد متخلف مثل روسيا. لكن بعد ستة أشهر فقط، وفي طبعة جديدة من الكتاب، طرح الفكرة المعاكسة، مدعيا أن روسيا تمتلك من الموارد ما يكفي لبناء الاشتراكية!
كان من المفترض أن تكون تلك النظرية بمثابة عزاء للجماهير التي أصابها الإحباط بسبب فشل الثورة العالمية. لكنها في الواقع عكست مصالح الطغمة البيروقراطية الجديدة التي كانت تسعى إلى إحكام سيطرتها على الاتحاد السوفياتي، مستفيدة من انحسار نشاط الجماهير.
أطلق تروتسكي تحذيرا وتنبؤا عبقريا: كان ستالين تجريبيا لم يكن يدرك، في تلك المرحلة، ما الذي يفعله أو إلى أين ستقود نظرية “الاشتراكية في بلد واحد”، أي إلى الانحطاط القومي الإصلاحي لجميع الأحزاب الشيوعية في العالم.وقد كان ذلك تنبؤا مذهلا، أكدت الأحداث صحته بصورة باهرة.
بين عامي 1923 و1927، قاد تيار تروتسكي داخل الحزب الشيوعي الروسي النضال ضد الطريق البيروقراطي. وقد تبنى برنامجا يقوم على التصنيع واسع النطاق، الذي عارضه ستالين وبوخارين -اللذان يمجدهما أنصار غورباتشوف اليوم- واللذان أرادا “بناء الاشتراكية بسرعة الحلزون”.
وفي عمله الرائع “الأممية الثالثة بعد لينين”، شرح تروتسكي استحالة بناء الاشتراكية في بلد واحد، ولا سيما في بلد متخلف مثل روسيا. وناضل من أجل خط أممي في السياسة الخارجية، ومن أجل استعادة الديمقراطية العمالية في الاتحاد السوفياتي، وإعادة إحياء السوفييتات، وإعادة السلطة إلى أيدي الجماهير العاملة.
كما ناضل ضد نهج ستالين وبوخارين، وإلى حد ما زينوفييف، بشأن الثورة البريطانية، التي تنبأ في سياقها بالإضراب العام لعام 1926. وشن حملة ضد السياسة الانتحارية للكومنترن المتمثلة في دعم تشيانغ كاي شيك في الثورة الصينية بين سنتي 1925 و1927، وهي السياسة التي انتهت إلى مذبحة الشيوعيين.
ومع ذلك فإن أعظم إسهام لتروتسكي في الاشتراكية العالمية وفي حركة الطبقة العاملة كان تحليله للستالينية في روسيا. فبدون عمله، كانت الحركة ستسير عمياء. لقد حلّل بصرامة تقلبات “الاشتراكية في بلد واحد”، التي حوّلت الكومنترن من أداة للثورة العالمية إلى “حرس حدود” للاتحاد السوفياتي. وردّا على ذلك، طُرد “التروتسكيون” من الحزب الشيوعي السوفياتي سنة 1927، ونُفوا إلى سيبيريا.
خاض تروتسكي، خلال تلك السنوات، نضالا ضد ما أسماه “المركزية البيروقراطية”. وكانت تلك مرحلة كان فيها ستالين وغيره من قادة الثورة الروسية ما يزالون يرغبون بصدق في انتصار الثورة في البلدان الأخرى، لكنهم، أولا من خلال سياسات انتهازية، ثم من خلال جنون اليسراوية المتطرفة، وبسبب النظرية المجنونة المسماة “الاشتراكية الفاشية”، التي اعتبرت الاشتراكية الديمقراطية والفاشية ليسا عدوين، بل توأمين، مهدوا الطريق لانتصار هتلر عام 1933.
كان مسار الكومنترن حتى عام 1933 يتسم بالتأرجح بين اليسراوية المتطرفة والانتهازية، ثم العودة من جديد. وقد تناول تروتسكي، في سلسلة من كتاباته، السياسات الإجرامية للكومنترن، وحذر من خطر هتلر ومن العواقب التي سيترتب عليها انتصار الفاشية بالنسبة للطبقة العاملة الألمانية والعالمية. ودافع عن سياسة الجبهة الموحدة بين الاشتراكيين الديمقراطيين والشيوعيين من أجل منع هتلر من الوصول إلى السلطة.
ومع ذلك فإن الكومنترن لم يتعلم أي شيء من الهزيمة الكارثية في ألمانيا، بل ذهب إلى حد اعتبار وصول هتلر إلى السلطة خطوة في اتجاه انتصار الثورة! بل إن الحزب الشيوعي الفرنسي نفسه شارك، في فبراير 1934، في مظاهرات مشتركة مع الفاشيين عندما نظم الفاشيون مظاهرات ضد الحكومة الليبرالية بقيادة دالادييه. لو أن الفاشيين نجحوا، لكان من الممكن أن تصل الفاشية إلى السلطة في فرنسا عام 1934.
لحسن الحظ أن العمال الفرنسيين كانوا يرون ما يجري على الضفة الأخرى من الراين، وأجبروا قادة النقابات على تنظيم إضراب عام. ورغم أن عدد العمال المنظمين في النقابات لم يكن يتجاوز مليون عامل، فقد شارك أربعة ملايين عامل في الإضراب العام، في رسالة تحذير واضحة إلى الفاشيين.
عند تلك النقطة انتقل تروتسكي، الذي كان يناضل من أجل إصلاح الأممية الشيوعية والحزب الشيوعي للاتحاد السوفياتي، إلى طرح فكرة الثورة السياسية في روسيا، وكذلك فكرة الانهيار الحتمي للكومنترن بوصفه قوة قادرة على قيادة الثورة.
بعد ذلك انتقل الكومنترن إلى تكتيك “الجبهة الشعبية”، الذي كان يعني إخضاع البروليتاريا لسياسة الليبراليين. وقد تناول تروتسكي تلك المسألة في كتاباته حول إسبانيا وفرنسا.
حاول الكومنترن التمييز بين الرأسماليين “الجيدين” والرأسماليين “السيئين”. وبدلا من الانطلاق من منظور طبقي واستغلال أزمة النظام من أجل إسقاط الرأسمالية، جرى دفع العمال إلى دعم “الليبراليين”، مما أدى إلى زرع الإحباط وخيبة الأمل بين العمال، وبالتالي مهّد الطريق أمام الرجعية.
وانطلاقا من هذه الفكرة الرجعية، ذهب بعض القادة في فرنسا إلى حد عبثي، فطالبوا بتشكيل جبهة وطنية تضم الفاشيين الفرنسيين “الجيدين” وموسوليني في مواجهة الفاشيين النازيين الألمان “السيئين”!
هزائم الطبقة العاملة مهّدت الطريق للحرب، وكان تروتسكي يعتقد أن الحرب العالمية الثانية ستكون اختبارا حاسما للرأسمالية، وستفضي إلى اندلاع ثورات في الغرب.
وبالفعل فقد اجتاحت أوروبا الغربية موجة ثورية ما بعد الحرب. في بريطانيا أوصلت تلك الموجة حكومة حزب العمال إلى السلطة. وفي فرنسا وإيطاليا وبلدان أخرى، أفضت إلى وصول حكومات ائتلافية ضمت الأحزاب الاشتراكية والستالينية إلى السلطة.
لكن تلك الموجة الثورية الجديدة تعرضت للخيانة على يد ستالين. فقد كان يخشى أن يؤدي انتصار العمال في البلدان الأخرى إلى انهيار البيروقراطية داخل الاتحاد السوفياتي. ومثلما كان الحال في عام 1936، وخوفا من انعكاسات الثورة الإسبانية داخل الاتحاد السوفياتي، أطلق ستالين حملات التطهير الدموية، ومهد الطريق للمحاكمات الملفقة المروعة ضد “البلاشفة القدامى” وضد تروتسكي.
وهكذا تم إنقاذ الرأسمالية من ذلك المأزق الحرج بفضل سياسات الأحزاب الشيوعية، وبالطبع الإصلاحيين أيضا، الذين واصلوا اتباع نفس السياسات التي انتهجوها في أعقاب الحرب العالمية الأولى. غير أن النتائج هذه المرة لم تكن مماثلة، لأن الظروف كانت مختلفة إلى حد ما عن تلك التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. فالذي مهد الطريق أمام الانتعاش الاقتصادي الطويل، بين 1950 و1973،هو هيمنة الإمبريالية الأمريكية على العالم الرأسمالي في مرحلة ما بعد الحرب. ففي ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة تمثل 50% من الإنتاج العالمي. واستخدمت تلك الهيمنة لفرض فتح الأسواق العالمية أمام صادراتها. وقد شهدت التجارة العالمية توسعا هائلا، بفضل خفض الرسوم الجمركية وغيرها من الحواجز أمام التجارة.
ذلك التوسع في التجارة العالمية منح الرأسمالية مهلة مؤقتة لإطالة أمد حياتها، لكنه، من ناحية أخرى، أفضى أيضا إلى نتائج أكثر تقدمية. فقد أدى إلى نمو أعداد البروليتاريا وتماسكها وتعاظم قوتها في البلدان الرأسمالية المتقدمة، وإلى حد ما حتى في البلدان المتخلفة أيضا.
مهدت سياسات الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الأساس السياسي لتحقيق استقرار نسبي للرأسمالية. لكن الستالينية هي الأخرى خرجت أكثر قوة من الحرب العالمية الثانية. وحدهم الماركسيون من أدركوا التحول الذي طرأ على الوضع، وشرحوا نتائج انتصار الجيش الأحمر، والتحول نحو سياسات البونابرتية البروليتارية في بلدان أوروبا الشرقية. كانت تلك وضعية جديدة لا يمكن تفسيرها إلا باستخدام منهج لينين وتروتسكي، وليس بمجرد تكرار أفكارهما بصورة آلية، من دون أخذ التغيرات الجوهرية التي طرأت بعين الاعتبار.
في الوقت الراهن تخلت البيروقراطية بصورة كاملة عن ستالين، وصارت تكيل له اللعنات باعتباره المسؤول عن جميع الشرور التي تعاني منها روسيا اليوم. لكن ستالين كان تعبيرا عن الجهاز البيروقراطي وممثلا للبيروقراطية. ذلك الجهاز هو الذي منح ستالين قوته، ومكنه من الانتصار على تروتسكي في الصراع بين المعارضة اليسارية والبيروقراطية.
شرح تروتسكي انحطاط البلاشفة، الذي حدث بين عامي 1917 و1924، من خلال تغير شروط وجودهم المادية. وفي الفصل المعنون بـ”وفاة لينين وانتقال السلطة” من كتاب “حياتي”، يصف السيرورات التي كانت وراء ذلك قائلا:
“إن استيعاب رؤية فلسفية معينة حتى تتغلغل في كيان المرء، وتصبح مهيمنة على وعيه، ويتناغم معها عالمه الإدراكي، ليس أمرا متاحا للجميع، بل للقلة فقط. أما لدى الجماهير العاملة، فتقوم الغريزة الطبقية مقام ذلك… غير أن هناك كثيرا من الثوريين في الحزب والدولة الذين خرجوا من صفوف الجماهير، لكنهم انفصلوا عنها منذ زمن بعيد”[3].
ومع تغير الظروف، ولا سيما الوضع الاقتصادي وسلسلة هزائم الثورة على الصعيد العالمي، أصبح هؤلاء عرضة «للتغلغل السهل للتأثيرات الأيديولوجية الأجنبية والمعادية». ويخلص تروتسكي إلى أن الستالينية كانت «قبل كل شيء، نتاج العمل الآلي للجهاز في ظل انحسار الثورة»[4]. لقد كانت ديكتاتورية الجهاز على الحزب.
ثم عمق تروتسكي تحليله للستالينية وطوره في سلسلة كاملة من الأعمال. ومن بين أعماله الأخيرة كتاب “في الدفاع عن الماركسية”، الذي كتبه في خضم الصراع ضد أولئك الذين أرادوا تغيير موقف الماركسيين من الاتحاد السوفياتي أثناء الحرب العالمية الثانية.
ظل تروتسكي يرى أن الاتحاد السوفياتي دولة عمالية مشوهة، ما دامت ملكية الدولة لوسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل. وهذا هو التحديد الأساسي للدولة العمالية. من دون ذلك لا يمكن الحديث أصلا عن الانتقال إلى الاشتراكية.
لكن من دون الديمقراطية العمالية الضرورية، ومن دون رقابة العمال وإدارتهم للصناعة والدولة، لا يمكن أن تكون هناك دولة عمالية سليمة. فقد تحولت البيروقراطية إلى طغمة متميزة ذات امتيازات، تسيطر على المجتمع والطبقة العاملة من فوقهما. ولكونها عاجزة عن اتخاذ أي خطوة نحو مجتمع أكثر حرية ومساواة، فقد حرصت على الحفاظ على الوضع القائم، والإبقاء على المجتمع الهرمي، وتعظيم قوتها وامتيازاتها ومكانتها ودخلها، وحكم العمال بواسطة الإرهاب الشمولي. استغرق الأمر خمسة عقود حتى تتطور تلك السمات، التي رآها تروتسكي سنة 1940، إلى أقصى مداها.
كان تحديد الطبيعة الطبقية للاتحاد السوفياتي في صميم الخلاف حول “الدفاع عن الاتحاد السوفياتي”. وقد جادل تروتسكي بأن:
“يقوم ‘الدفاع عن الاتحاد السوفياتي’، كما يفسره الكومنترن، شأنه شأن ‘النضال ضد الفاشية’ بالأمس، على التخلي عن السياسة الطبقية المستقلة. وتتحول البروليتاريا -لأسباب مختلفة وفي ظروف مختلفة، لكن دائما وبلا استثناء- إلى قوة مساعدة لأحد المعسكرين البرجوازيين ضد الآخر…
“إن المعيار السياسي الأساسي بالنسبة إلينا ليس تغيير علاقات الملكية في هذه المنطقة أو تلك، مهما كانت أهميتها في حد ذاتها، بل التغير في وعي وتنظيم البروليتاريا العالمية، ورفع قدرتها على الدفاع عن المكتسبات السابقة وتحقيق مكتسبات جديدة…
“يجب أن نصوغ شعاراتنا بحيث يرى العمال بوضوح ما الذي ندافع عنه تحديدا في الاتحاد السوفياتي (ملكية الدولة والاقتصاد المخطط)، وضد من نخوض نضالا لا هوادة فيه (البيروقراطية الطفيلية وكومنترنها). ويجب ألا يغيب عن أنظارنا ولو لحظة واحدة أن مسألة إسقاط البيروقراطية السوفياتية تخضع بالنسبة إلينا لمسألة الحفاظ على ملكية الدولة لوسائل الإنتاج في الاتحاد السوفياتي؛ وأن مسألة الحفاظ على ملكية الدولة لوسائل الإنتاج في الاتحاد السوفياتي تخضع بدورها لمسألة الثورة البروليتارية العالمية”[5].
يجيب كتاب “في الدفاع عن الماركسية” على أفكار مختلف “أشباه الماركسيين” الذين أصابهم الارتباك أمام تطور الستالينية، ومن بينهم إسحاق دويتشر، الذي كتب سيرة لتروتسكي. فقد توهم دويتشر أن البيروقراطية يمكن أن تتجه نحو الاشتراكية، وأنها تستطيع أن تذيب نفسها وتختفي من الوجود! لكن أحداث اليوم تثبت أن ذلك التصور خاطئ من أساسه.
وفي المقابل لدينا أشخاص، مثل توني كليف الذي طرح نظرية “رأسمالية الدولة”، معتبرا أن البيروقراطية تشكل تكوينا اجتماعيا جديدا. وهذا أيضا خاطئ تماما.
إن اقتصاد دولة تقوم على الملكية الكاملة للدولة، يختلف اختلافا جوهريا عن اقتصاد الرأسمالية. كما أن قوانين الحركة الاقتصادية في مثل هذا المجتمع تختلف كليا عن قوانين الحركة الاقتصادية في ظل الرأسمالية. فعلى سبيل المثال، لا يمكن أن تحدث فيه أزمة فائض إنتاج أو الانكماش الاقتصادي بالطريقة التي تحدث بها في ظل الرأسمالية. إن الأزمة في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية ذات طبيعة مختلفة.
وفوق ذلك فإن الرأسمالية لا تستطيع أن تعمل من دون أن يكون الرأسماليون “حائزين على وسائل الإنتاج” على حد تعبير ماركس. لكن في اقتصاد يقوم على ملكية الدولة، فالدولة هي التي تحوز وسائل الإنتاج. والبيروقراطيون ليسوا مقاولين أو أرباب عمل. وبصفتهم موظفين اقتصاديين ومديرين، لا يحق لهم أكثر من أجور الإشراف والإدارة. وبقدر ما يحصلون على ما يزيد على ذلك، فإنهم يحصلون عليه بوصفهم طفيليات خالصة، لا نتيجة لوظيفتهم الاقتصادية.
لا يمكن للدولة العمالية أن تعمل بصورة سليمة إلا في ظل الرقابة الديمقراطية للعمال. وإلا فإن جميع الظواهر السلبية التي شهدتها روسيا وأوروبا الشرقية تصبح حتمية. أو، على حد تعبير تروتسكي: “إذا كانت الحثالة البونابرتية [أي البيروقراطية السوفياتية – ت.غ.] طبقة، فهذا يعني أنها ليست إجهاضا، بل طفلا حيا للتاريخ”[6].
فمن ناحية، أثبتت ملكية الدولة إمكانية الاستفادة من المزايا الهائلة التي يتيحها تخطيط الإنتاج. ومن ناحية أخرى، بلغت البيروقراطية الآن حدودها، ولم تعد قادرة حتى على تحقيق النتائج التي حققتها الرأسمالية في فترات الازدهار!
وكما شرح تروتسكي فإن:
“الهدف الذي ينبغي تحقيقه بإسقاط البيروقراطية هو إعادة إرساء حكم السوفييتات، وطرد البيروقراطية الحالية منها… ومن مهام تلك السوفييتات المتجددة أن تتعاون مع الثورة العالمية وبناء المجتمع الاشتراكي. ولذلك فإن إسقاط البيروقراطية يفترض الحفاظ على ملكية الدولة والاقتصاد المخطط. وهنا يكمن جوهر المسألة برمتها”.
إنه برنامج موجز ودقيق، ما يزال يحتفظ بصلاحيته حتى يومنا هذا، أي بعد أكثر من 50 عاما على كتابته من طرف تروتسكي.
وباستخدام المنهج الماركسي طرح تروتسكي السؤال التالي: “هل تمثل البيروقراطية نتوءا طارئا على جسم المجتمع، أم أن ذلك النتوء تحول بالفعل إلى عضو لا غنى عنه تاريخيا؟”.
وأجاب موضحا أن:
“إن النمو الشاذ اجتماعيا يمكن أن يكون نتاج تشابك “عرضي” (أي مؤقت واستثنائي) للظروف التاريخية. أما العضو الاجتماعي (وهكذا هو حال كل الطبقات، بما فيها الطبقة المستغِلة) فلا يمكن أن يتشكل إلا استجابة للحاجات الداخلية العميقة للإنتاج نفسه… وقد كانت المشروعية التاريخية لكل الطبقات السائدة تكمن في أن نظام الاستغلال الذي تقوده قد رفع تطور قوى الإنتاج إلى مستوى جديد. لا شك في أن النظام السوفياتي أعطى الاقتصاد دفعة قوية. لكن مصدر تلك الدفعة كان هو تأميم وسائل الإنتاج وبدايات التخطيط، وليس بأي حال من الأحوال استيلاء البيروقراطية على زمام الاقتصاد. بل على العكس، لقد أصبحت البيروقراطية، كنظام، أكبر عائق أمام التطور التقني والثقافي للبلاد”[7].
وصلت البيروقراطية اليوم إلى وضع لم تعد فيه قادرة على تطوير قوى الإنتاج. ولم تعد مجرد قيد نسبي على تطور المجتمع، بل أصبحت كابحا مطلقا له.
وقد أوضح تروتسكي أن هذا الأمر:
“ظل مستترا لفترة من الزمن بسبب انشغال الاقتصاد السوفياتي، طوال عقدين، بنقل واستيعاب تكنولوجيا وأساليب إنتاج البلدان الرأسمالية المتقدمة. في فترة الاقتباس والمحاكاة تلك، كان ما يزال بالإمكان التوفيق بين الأمور، إلى هذا الحد أو ذاك، بين هذا التطور وبين الآلية البيروقراطية، أي خنق كل مبادرة وكل نزوع إبداعي. لكن كلما ارتفع مستوى الاقتصاد، ازدادت مطالبه تعقيدا، وأصبحت عوائق النظام البيروقراطي أكثر إيلاما… وأصبحت البيروقراطية… في تناقض تناحري مع متطلبات التطور. ويكمن تفسير ذلك تحديدا في أن البيروقراطية ليست حاملة لنظام اقتصادي جديد خاص بها، يستحيل وجوده من دونها، بل هي زائدة طفيلية على الدولة العمالية”[8].
وقد تأكد هذا التحليل بشكل كامل من خلال المأزق الراهن.
ويتابع تروتسكي:
“إن الأوليغارشية السوفياتية تمتلك جميع رذائل الطبقات السائدة القديمة، لكنها تفتقر إلى دورهم التاريخية. ففي الانحطاط البيروقراطي للدولة السوفياتية، لا تتجلى القوانين العامة للمجتمع الحديث في انتقاله من الرأسمالية إلى الاشتراكية، بل الانعكاس الخاص والاستثنائي والمؤقت لتلك القوانين، الناتج عن ظروف بلد ثوري متخلف تحيط به بيئة رأسمالية.”[9]
ثم يضيف:
“لم تكن ثورة أكتوبر حادثا عرضيا. لقد جرى التنبؤ بها منذ زمن بعيد، وأكدت الأحداث صحة ذلك التنبؤ. وانحطاطها لا يدحض ذلك التنبؤ، لأن الماركسيين لم يؤمنوا قط بإمكان بقاء دولة عمالية معزولة في روسيا إلى ما لا نهاية. صحيح أننا توقعنا انهيار الدولة السوفياتية بدلا من انحطاطها؛ أو، بصورة أدق، لم نميز بوضوح بين هذين الاحتمالين. لكنهما لا يتناقضان إطلاقا. إذ أن الانحطاط لا بد أن ينتهي، في مرحلة معينة، إلى السقوط… إن خمسة وعشرين عاما على مقياس التاريخ، حين يتعلق الأمر بأعمق التحولات في النظم الاقتصادية والثقافية، لا تساوي أكثر من ساعة في حياة الإنسان.”[10]
تمكنت البيروقراطية من الحفاظ على وجودها فترة أطول مما كان يمكن توقعه. وقد كان ذلك بفضل الانتصار في الحرب، الذي لم تكن البيروقراطية مسؤولة عنه، بل عكس تصميم الجماهير في الاتحاد السوفياتي على عدم الاستعباد على يد الفاشية الهتلرية.
لكن، كما تابع تروتسكي آنذاك، وهو ما أثبتته الأحداث الراهنة مرة أخرى بصورة جلية: “يعتبر إسقاط البيروقراطية في الاتحاد السوفياتي أمرا لا غنى عنه للحفاظ على ملكية الدولة[11].”
لقد كانت سياسات الائتلاف التي اتبعتها “الأحزاب الشيوعية” في أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية خيانة مخزية لكل أفكار ماركس ولينين حول النضال ضد الرأسمالية. فقد أنقذت الرأسمالية في تلك المرحلة، ومنحتها فترة التنفس الضرورية لتهيئة الظروف السياسية للانتعاش الاقتصادي.
والآن يقدم انهيار الستالينية في أوروبا الشرقية -أو “انهيار الشيوعية”، كما يزعم الرأسماليون- للرأسماليين فترة تنفس إضافية ظاهرية، عززها أيضا تفاقم أزمة الستالينية في روسيا.
لكن أزمة الستالينية هذه، التي تنبأ بها الماركسيون، ليست سوى نذير بأزمة الرأسمالية في أوروبا الغربية وفي العالم بأسره. وسوف يكون العقد المقبل عقد اضطرابات في البلدان الرأسمالية أيضا. لم تكن ثورة عام 1968 في فرنسا حادثا عرضيا، بل كانت انعكاسا للحركة الحتمية للطبقة العاملة في ظل ظروف الأزمة.
وقد أظهرت صحيفة الغارديان، في عدد 22 يونيو، الوضع الذي تطور في الولايات المتحدة، إذ كتبت: “لقد أدرك الناخب العادي أن دخل أسرته لم يتحسن منذ 20 سنة”. وبعد اقتباسه من كتاب صدر حديثا بعنوان “سياسة الأغنياء والفقراء”[12]، لكيفن فيليبس، وهو أحد منظري الحزب الجمهوري سنة 1968، علق صحفي الغارديان قائلا:
“الآن، وبعد أن بدأت الأرقام تظهر، أصبح بإمكاننا أن نعرف إلى أي حد دفعت سنوات ريغان الكفة نحو حكم الأثرياء (Plutocracy). ففي عام 1980، عندما انتُخب ريغان لأول مرة، كان أغنى 1% من سكان الولايات المتحدة يمتلكون 8% فقط من الثروة القومية. وبحلول عام 1988، كانوا قد ضاعفوا حصتهم تقريبا، لتصل إلى 14.9%.
“هناك ما يقرب من مليوني مليونير أمريكي، وأكثر من 150 ألف شخص تبلغ ثروتهم عشرة ملايين دولار أو أكثر، و51 مليارديرا. وقد تضاعفت تقريبا، ثلاث مرات، الثروة الصافية لأغنى 400 أمريكي الواردة أسماؤهم في قائمة فوربس خلال عقد الثمانينيات. أما كبار المديرين التنفيذيين للشركات الكبرى، الذين كانوا يتقاضون عام 1980 متوسط دخل يفوق بـ40 مرة أجور العمال، أصبحوا اليوم يتقاضون 93 ضعفا.”
هذه هي إرهاصات الأحداث المقبلة. لقد حدثت السيرورة نفسها تماما بين 1920 و1930، ومهدت لأزمة 1929-1933.
وقد أشار تروتسكي، في مقدمته لكتاب “الأفكار الحية لكارل ماركس”، إلى أن:
“تفاقم التناقض الاقتصادي بين البروليتاريا والبرجوازية خلال أكثر مراحل التطور الرأسمالي ازدهارا، حين كان ارتفاع مستوى معيشة بعض فئات الكادحين، والتي كانت أحيانا واسعة جدا، يخفي في الواقع انخفاض حصة البروليتاريا من الدخل القومي. وهكذا، قبيل دخول الاقتصاد الصناعي الأمريكي، مثلا، في حالة من الانهيار، ارتفع الإنتاج الصناعي، بين 1920 و1930، بنسبة 50%، بينما لم ترتفع الكتلة الإجمالية للأجور المدفوعة إلا بنسبة 30%، ما عنى انخفاضا هائلا في حصة العمل من الدخل القومي”[13].
إن التاريخ يعيد نفسه، لكن على مستوى أعلى. ففي تلك المرحلة على الأقل، كانت حصة البروليتاريا من الدخل القومي في ازدياد. أما الآن فقد انخفضت حصة البروليتاريا خلال العشرين سنة الماضية. وهذا يعني أن تناقضات الاقتصاد قد بلغت مدى أشد بكثير مما بلغته في 1929-1933.
بالطبع لا يمكن تحديد موعد اندلاع الأزمة مسبقا بدقة كاملة. فقد يستغرق الأمر عدة سنوات، أو قد يحدث الانهيار حتى في عام 1991. لكن ما هو مؤكد هو أن الأسباب الاقتصادية نفسها تنتج الآثار الاقتصادية نفسها.
والمفارقة التاريخية هي أن البيروقراطية السوفياتية تستعد للاستسلام أمام الرأسمالية عشية اضطرابات اقتصادية واجتماعية رأسمالية جديدة. وستمهد “الألعاب النارية” للرأسمالية الغربية الطريق أمام انهيار حتمي في مرحلة لاحقة.
إن الأزمة التي شهدتها أوروبا الشرقية وروسيا ليست سوى نذير بأزمة مماثلة للرأسمالية في الغرب خلال الحقبة المقبلة، في أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا. وسيكون هناك انحطاط للرأسمالية في العالم بأسره.
وقد أظهرت الأحداث في رومانيا مدى سطحية وهشاشة الاستقرار الاقتصادي والسياسي الراهن للرأسمالية، من خلال الرعب الذي انتاب البرجوازية العالمية إزاء الثورة التي اندلعت هناك. بل إن القوى الرأسمالية الغربية أطلقت، مدفوعة بالخوف من انعكاسات الثورة، نداءات إلى غورباتشوف من أجل أن “يتدخل” ضد الثورة في رومانيا. وكانت الحملة الصحفية التي تناولت دفاع عمال المصانع وعمال المناجم عن حكومة إيليسكو مؤشرا آخر على ذلك.
ستواجه الثورة المضادة صعوبات هائلة في طريقها داخل روسيا وأوروبا الشرقية. تتراكم عوامل انفجار في بولندا. وهذا هو مصدر خوف الطبقة السائدة، التي صارت الآن تتشبث بأي قشة، وترتكب الأخطاء إلى جانب غورباتشوف بدلا من مواجهة النظام الستاليني.
لقد أثبتت نظرية “الاشتراكية في بلد واحد” الرجعية كل عقمها وحماقتها. كان ستالين يعتقد أنه أقام نظاما سيستمر ألف عام. لم يكن لديه أدنى تصور للأزمة التي ستضرب نظامه بعد بضعة عقود فقط. كما أن قادة الأممية الشيوعية لم يكونوا يدركون ما سوف يحدث عندما تبنوا تلك النظرية الرجعية.
لقد تعرضت العديد من مكاسب ثورة أكتوبر إلى التدمير الآن، بما في ذلك تطور الأممية الشيوعية في أنحاء أوروبا والعالم. فبعد أن كانت الأحزاب الشيوعية أداة للثورة العالمية، تحولت إلى بقايا منظمات إصلاحية قومية في مختلف البلدان. وأصبح كل حزب منها أكثر رجعية من الآخر!
ففي اليونان دخلوا في ائتلاف مع حكومة محافظة، أي مع نفس القوى التي كانت قد سحقتهم خلال الحرب الأهلية بين سنتي 1944 و1947. وفي إسبانيا انقسموا إلى شظايا. وحتى في الأماكن التي ما تزال الأحزاب الشيوعية فيها تمثل قوة سياسية، كما في إيطاليا وفرنسا، فقد تحولت إلى أداة في خدمة الرأسماليين، لا أداة للستالينية. ولقد استحقت تماما ذلك المصير الذي تنبأ به تروتسكي.
كان أتباع ستالين على الصعيد العالمي، وكذلك جميع خلفائه، أداة للسياسة الخارجية للبيروقراطية. وما زالوا حتى الآن يواصلون دعم غورباتشوف بشكل أعمى، رغم أنه يتحرك في اتجاه استعادة الرأسمالية.
في أعقاب الانتعاش الاقتصادي الرأسمالي، عجز اليسار داخل الأحزاب الاشتراكية عن تحديد توجهه. واتّبع الستالينيين بأكثر الطرق سذاجة، مروّجا لفكرة أن “الاشتراكية” قد أُقيمت في روسيا وأوروبا الشرقية. والآن ها هو ذلك اليسار يعاني المصير نفسه الذي آل إليه الستالينيون.
في الوقت الراهن، ومع انتعاش الرأسمالية، يعتلي الإصلاحيون اليمينيون موجة الصعود. إنهم أدوات منحطة في يد الرأسمالية. وقد تخلوا عن أي تظاهر بـ”الاشتراكية”. وحيثما وصلوا إلى الحكومة، في فرنسا وإسبانيا والسويد وأستراليا ونيوزيلندا، تجد تلك الحكومات “الاشتراكية” تطبق سياسات رأسمالية محافظة. ففي نيوزيلندا وأستراليا اتجهوا بالفعل إلى إلغاء التأميم وتطبيق سياسة الخصخصة. أما في ألمانيا، فقد تخلوا منذ زمن طويل عن مجرد التظاهر بامتلاك برنامج اشتراكي. وهم أكثر انحطاطا، من الناحية النظرية والسياسية العملية، حتى من أسلافهم في جمهورية فايمار.
إلا أنه من الطبيعي أن يتصرفوا بتلك الطريقة، لأنهم هم أيضا واقعون تحت قبضة السوق العالمية وتشابك قوى الإنتاج على نطاق عالمي. فلم يعد من الممكن اتباع سياسة “وطنية” خالصة. وهذا ما يفسر الاتجاه نحو التوحيد الاقتصادي داخل المجموعة الاقتصادية الأوروبية -وهو اتجاه لن ينجح- كما يفسر دخول القوى الرأسمالية الأوروبية الأخرى في فلك المجموعة الاقتصادية الأوروبية.
وقد نتج ذلك التطور النسبي لقوى الإنتاج عن نجاح الرأسماليين، جزئيا، في تجاوز الأزمة التي وجدوا أنفسهم فيها -والتي تجلت في أزمة 1929-1933 وحربين عالميتين- وذلك عبر تجاوز الحدود القومية لكل اقتصاد رأسمالي على حدة.
لقد صارت الملكية الخاصة والدولة القومية قيودا على الاقتصاد. وسوف يبرهن المستقبل على ذلك بصورة أكثر حسما.
يقوم العالم الرأسمالي، في الواقع، على استغلال الشعوب المستعمَرة والبلدان المستعمَرة سابقا. خلال عقد الثمانينيات كان يُنتزع كل سنة مبلغ قدره 50 مليار دولار من أفقر شعوب العالم. ويظهر نفاق الرأسماليين المقزز في أنهم يذرفون دموع التماسيح متظاهرين بتقديم المساعدات، بينما يستخدمون شروط المبادلات التجارية لاستنزاف تلك البلدان: يعطون باليد اليسرى، ثم يستردون باليد اليمنى أضعاف ما أعطوه.
وما يزال عمل تروتسكي حول الثورة الدائمة، الذي وُجّه أساسا لدراسة البلدان المتخلفة في العالم، يحتفظ بكامل راهنيته اليوم، رغم أن التشوه الستاليني أوجد في هذا المجال أيضا صعوبات جديدة على مستوى النظرية والمنظورات.
لقد بدأت الثورة الصينية والثورة الكوبية وغيرها دولا عمالية مشوّهة، وستنتهي حتما إلى نفس الطريق المسدود الذي وجدت البيروقراطية الروسية نفسها فيه اليوم. ومع ذلك فإن هذه الثورات تقدمية إلى حد هائل، بمعنى أنها طوّرت، طوال مرحلة تاريخية كاملة، قوى الإنتاج التي لم يكن بالإمكان تطويرها في البلدان المتخلفة في ظل الرأسمالية.
وفي القطاعات الثلاثة للعالم –العالم الستاليني، والعالم الرأسمالي، والعالم المستعمَر- تشكل أفكار تروتسكي دليلا لا يقدّر بثمن للقوى الجديدة للطبقة العاملة التي ستتطور في المستقبل.
ما يزال التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة فيما يتعلق بأوروبا الشرقية. فما تزال أوروبا الشرقية وروسيا معلقتين بين الاحتمالات. في أوروبا الشرقية جرى تطبيق برنامج “الاشتراكية في بلد واحد” إلى درجة العبث. لم يصل مستوى التكامل الاقتصادي فيها حتى إلى ما بلغته المجموعة الاقتصادية الأوروبية، ناهيك عن مستوى الولايات المتحدة الأمريكية. وقد دُفع كل بلد من بلدانها إلى طريق مسدود خاص به، بعد مرحلة أولية شهدت تقدما هائلا في تطوير قوى الإنتاج. لم تكن هناك رقابة من جانب “السوق”، ولو جزئية كما هي الحال في ظل الرأسمالية، لكن لم تكن هناك في المقابل أي رقابة على الإطلاق من جانب العمال، مع أن هذه الرقابة شرط ضروري لتهيئة الطريق نحو الاشتراكية. وقد انعكس هذا المأزق في الانهيار الكامل للستالينية، الذي بدأ في بولندا والمجر. وفي حالة المجر، كان الستالينيون أنفسهم هم من بادروا إلى إطلاق تلك السيرورة، وذلك على الأرجح بتشجيع من غورباتشوف.
خلال العقود الأولى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، أبدت البيروقراطية قدرا هائلا من الرضا عن نفسها والثقة بقدراتها. ففي عام 1960، قال خروتشوف للقوى الرأسمالية: “سوف ندفنكم!”. وقد كان تحقيق ذلك ممكنا تماما من الناحية التقنية والاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما بمساعدة الصين وأوروبا الشرقية. فلو استمروا في تحقيق معدل النمو نفسه الذي حققوه حتى ذلك الحين، لكانوا قد تجاوزوا الولايات المتحدة بحلول عام 1980. لكن البيروقراطية الشرهة، والفساد، وعدم الكفاءة، واستحالة تطوير اقتصاد قائم على ملكية الدولة من دون المشاركة المباشرة للجماهير العاملة ورقابتها، أغلقت كل طريق إلى الأمام على هذا الأساس.
ومع ذلك فقد كان جميع المنظّرين البرجوازيين والسياسيين الإصلاحيين يتوهمون أن النظام الستاليني قادر على الاستمرار إلى الأبد! أما الآن فإن الأساس الشمولي الذي كان يُفترض أنه صلب كالغرانيت، قد أثبت هشاشته وعدم قدرته على إخضاع الطبقة العاملة.
لقد انقسمت البيروقراطية على نفسها. يريد قسم منها العودة إلى المأزق المسدود للسيطرة البيروقراطية. بينما يرغب قسم آخر في التحرك في اتجاه الرأسمالية. ومع الانتعاش المؤقت للرأسمالية، الذي استمر لعقود، يريد هذا القسم العودة إلى الرأسمالية، أو بالأحرى إلى الاسم المستعار الذي يطلقه عليها: “اقتصاد السوق”. لكن ارتدادا حتميا سيأتي في مواجهة هذا المسار.
إن أكثر ما يلفت النظر في جميع بلدان أوروبا الشرقية، وفوق كل شيء في الاتحاد السوفياتي نفسه، هو خوف البيروقراطية من الطبقة العاملة. فلا يوجد داخل صفوف البيروقراطية تيار متماسك ومعلن يطرح العودة إلى سلطة الطبقة العاملة كما كانت قائمة في عهد لينين وتروتسكي. ومع ذلك فإن عمال روسيا وعمال أوروبا الشرقية لم يقولوا كلمتهم الأخيرة بعد. ففي المعارك المقبلة في أوروبا الشرقية والغربية وفي العالم، ستكون هناك فرص متكررة لتطوير برنامج الثورة الاشتراكية العالمية.
لقد مرت الطبقة العاملة الروسية بسيرورة تطور امتدت لثلاثة أجيال منذ الثورة. فقد جرى تخفيف الوزن النسبي للعمال الصناعيين بسبب تدفق أعداد كبيرة من الفلاحين، الذين أصبحوا بالطبع بروليتاريين الآن. لكن وبفعل تصفية البلاشفة القدامى والمذبحة ضد “التروتسكيين”، فقد العمال الروس، إلى حد كبير، وعيهم الطبقي. ومع ذلك فإن الأنظمة الجديدة التي ستصل إلى السلطة سوف تقع تحت اختبار الأحداث والتاريخ. وفي مقدور العمال الروس وعمال أوروبا الشرقية أن يستعيدوا بسرعة كبيرة ويعيدوا إحياء أفكار الماركسية وما يقابلها في العصر الحديث: أي “التروتسكية”.
وحتى في أسوأ الاحتمالات، إذا نجحت البيروقراطية في إعادة إرساء الرأسمالية، فإن ثورة أكتوبر جديدة ستكون حتمية، لكن على مستوى اقتصادي واجتماعي أعلى. فمن عشرة ملايين عامل آنذاك، أصبح العدد اليوم بين 140 و150 مليونا. والنظام الذي سيبنى سيجد نفسه أمام تناقضات جديدة، ولا سيما مع تطور أزمة الرأسمالية على نطاق عالمي.
لقد أثبتت الثورة الروسية مشروعيتها التاريخية، مهما كانت التقلبات التي قد تمر بها روسيا في المرحلة المقبلة. إن عمل لينين وتروتسكي خالد لا يفنى. وبفضل أفكارهما وأساليبهما التنظيمية، ستكون البروليتاريا قوية لا تُقهر. وثورتها حتمية تماما.
المكاسب التي تحققت في مستوى المعيشة في أوروبا وأمريكا واليابان هي موضع ترحيب من هذه الزاوية تحديدا، لأنها عززت الطبقة العاملة بصورة هائلة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
إن سيرورة تنظيم السوق العالمية واندماج الاقتصاد العالمي، التي أدت إلى تجاوز جزئي لأزمة الرأسمالية خلال مرحلة تاريخية مؤقتة، سوف تؤدي، من ناحية أخرى، إلى تفاقم تلك الأزمة بصورة هائلة في مرحلة لاحقة. تطور قوى الإنتاج منح الرأسمالية مهلة لالتقاط الأنفاس، لكن هذا سيتحول حتما، على نحو ديالكتيكي، إلى نقيضه.
سوف تُقام حواجز جديدة ورسوم جمركية جديدة. وتلوح ملامح كتل وقوى جديدة في الأفق: ألمانيا موحدة والمجموعة الاقتصادية الأوروبية؛ اليابان وآسيا؛ الولايات المتحدة وكندا وأمريكا اللاتينية. وستنشأ منافسات جديدة، بل أشد حدة، بين القوى الرأسمالية.
وفي مرحلة معينة سوف ينهار التطور التقدمي للترابط المتبادل للاقتصاد العالمي. كما أن مواصلة تطوير قوى الإنتاج، بالمسار الذي يتناوله تروتسكي في كتابه “الأفكار الحية لكارل ماركس” – أي تركيز ومركزة الرأسمالية إلى مستوى لم يبلغه التاريخ من قبل– ستمهد الطريق بصورة حتمية أمام أزمات ركود جديدة وأشد ضخامة.
إن تحليل ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي لـ”السوق” صحيح تماما. ففي اعتماد الرأسمالية على العمل غير المدفوع الأجر للطبقة العاملةتكمن بذرة الأزمة التي ستتطور في المستقبل. وسيرورة التراكم نفسها (أو «التراكم المفرط» بتعبير ماركس) تشكل في حد ذاتها ضمانا لوقوع أزمات مستقبلية.
وفي سياق السعي لتجنب الأزمة، نشأت تناقضات هائلة جديدة. الازدهار الراهن هش للغاية. فمن خلال الائتمان، والإنفاق العسكري الذي يولّد رأس مال وهميا، ومن خلال تركيز ومركزة رأس المال عبر عمليات الاستحواذ الطفيلية، تعمل الطبقة السائدة على تهيئة أزمات المستقبل.
إلا أن تطور الاقتصاد العالمي يضع الأسس المادية للاشتراكية العالمية، بفضل الحواسيب والإلكترونيات الدقيقة والأتمتة. لقد أصبح من الممكن تماما في البلدان الرأسمالية الرئيسية وفي الاتحاد السوفياتي تطبيق يوم عمل من ست ساعات، وأسبوع عمل من أربعة أيام، من دون خفض الأجور. وهذا من شأنه أن يوفر الوقت الضروري للبروليتاريا كي تتولى إدارة الصناعة والدولة.
لقد وُضعت القاعدة المادية والسياسية والاجتماعية للاشتراكية. وما ينقص هو وعي البروليتاريا، ووجود طليعة ثورية جماهيرية قادرة على توجيه الحركة الحتمية للطبقة العاملة.
شرح تروتسكي مرارا وتكرارا أن الأممية ليست لأسباب عاطفية، بل تنبع من اندماج الاقتصاد العالمي، وهي المهمة التقدمية تاريخيا التي أدتها الرأسمالية. وقد بلغ هذا الاندماج مستوى لم يكن ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي أنفسهم قادرين حتى على تخيله. لقد أصبح الاقتصاد العالمي، في الوقت الحاضر، اقتصادا واحدا. وهذا بدوره سيمهد الطريق أمام حركات جماهيرية هائلة للطبقة العاملة على المستوى العالمي.
واليوم لم يعد في إمكان حتى الاتحاد السوفياتي أو الولايات المتحدة الوقوف في عزلة. فكلاهما جزء من اقتصاد عالمي. وقد اضطر بريجنيف إلى التخلي، على مضض، عن مقولة ستالين بشأن اقتصاد “مكتفٍ ذاتيا”. وذهب غورباتشوف أبعد من ذلك، لكنهم لم يفعلوا ذلك بهدف تهيئة الطريق أمام الثورة الاشتراكية، بل على العكس، سعوا إلى استرضاء القوى الرأسمالية.
إن ارتهان غورباتشوف للقوى الإمبريالية، والتماسه المساعدة من كول وميتران وبوش وتاتشر، يمثل تأكيدا صارخا للسيرورة التي رسم تروتسكي ملامحها في كتابه “في الدفاع عن الماركسية”، حين تحدث عن: »الاستقلال المتزايد للبيروقراطية عن البروليتاريا السوفياتية، وتنامي اعتمادها على الطبقات والفئات الأخرى داخل البلاد وخارجها[14]«.
إنها قوة عظمى تمتلك موارد هائلة، ومع ذلك يضطر غورباتشوف إلى مدّ يده طلبا للصدقة! ولا يستطيع أن يأمل في الحصول على المساعدة إلا لأنه، في مواجهة تناقضات مستعصية على الحل، سلك طريق الثورة المضادة واستعادة السوق، أي الرأسمالية.
تروتسكي، في سياق تطويره لأفكار ماركس ولينين، شرح أن نشاط البشر هو العامل الحاسم. وقال في كتابه “في الدفاع عن الماركسية”:
“إن الفهم الماركسي للضرورة التاريخية لا علاقة له بالحتمية القدرية. فالاشتراكية لا تتحقق “من تلقاء نفسها”، بل هي نتيجة صراع القوى الحية، والطبقات وأحزابها.”[15]
إن نشاط الماركسيين حاسم بشكل مطلق. فمن دونه لن تتمكن الثورة الحتمية للبروليتاريا من بلوغ خاتمتها الظافرة.
إن كينوك وميتران ولافونتين وكراكسي وغونزاليس وهوك وغيرهم من قادة الجناح اليميني للاشتراكية الديمقراطية يعتقدون أنهم “واقعيون”. لكنهم في الواقع ليسوا فوق الظروف الاقتصادية القائمة في الوقت الراهن. وهم، في آخر المطاف، ليسوا سوى أدوات للرأسمال الكبير، واقعين تحت قبضة قوى تتجاوز قدرتهم على التحكم بها. ومع الدورة المقبلة لعجلة التاريخ، ومع تغير الأوضاع الاقتصادية، سيُسحقون.
لقد أثبت التاريخ خلال السنوات السبعين الماضية صحة أفكار تروتسكي. سوف تسلك الجماهير، مرة تلو الأخرى، طريق النضال. وقد كانت أحداث فرنسا عام 1968 نذيرا بالأحداث التي سنراها على نطاق عالمي.
ومن الحتمي أن تكتسب أفكار تروتسكي ولينين -أي انتقال السلطة إلى أيدي الطبقة العاملة– مزيدا من المصداقية في صفوف القطاعات النشطة من الطبقة العاملة، وكذلك بين المثقفين الواعين طبقيا الذين يبحثون عن مخرج من أزمة الرأسمالية والستالينية التي ستتكشف خلال السنوات المقبلة.
لقد برز في العقود الأخيرة الوجه “الليبرالي” للرأسمالية في الغرب، من خلال السيطرة “المستنيرة” لكبار الرأسماليين على حرية التعبير والصحافة والتنظيم. وقد أوضح تروتسكي أن الديمقراطية في البلدان الرأسمالية المتقدمة تقوم على “نهب المستعمرات“، بالطريقة نفسها التي كانت “الديمقراطية القديمة قائمة على العبودية“.
لا شك أن الديمقراطية هي الأسلوب الأكثر ملاءمة ومرونة لسيطرة الرأسماليين. لكن ما إن تندلع ثورة الجماهير، حتى تغير البرجوازية تكتيكاتها حتما، كما فعلت في فترة ما بين الحربين العالميتين. ومن السطحي تماما الاعتقاد بأن الديمقراطية القائمة على الأساس الرأسمالي يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
وفي حال فشل موجة جديدة من الثورات، سيكون من الحتمي أن تلجأ البرجوازية إلى أساليب الرجعية القديمة. وقد بدأ منظّرو الطبقة الرأسمالية في المجر وبولندا يتحدثون بالفعل عن الحاجة إلى ديكتاتورية، أي ديكتاتورية رأسمالية.
أما فاليسا في بولندا، الذي بدأ نشاطه بالنضال ضد الشمولية الستالينية، فإنه يدعو الآن إلى ما سيشكل، في واقع الأمر، نظاما شموليا في بولندا، إلى ديكتاتورية كاملة لرأس المال، من أجل فرض التغييرات الضرورية لإرساء النظام الرأسمالي في بولندا.
في المرحلة المقبلة ستكشف الرأسمالية في الواقع عن مأزقها المسدود. وفي الوقت نفسه نرى المأزق في الاتحاد السوفياتي. فالستالينية والرأسمالية كلتاهما محكوم عليهما بالفشل. وموجة جديدة من الثورات حتمية ولا يمكن وقفها.
إن السمة الأبرز التي ميزت ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي كانت هي إيمانهم بقدرة الطبقة العاملة ووعيها على إحداث التغيير الجذري للمجتمع. فقد أدركوا أن الطبقة العاملة هي الطبقة الوحيدة التقدمية حتى النهاية، والوحيدة القادرة على النجاح في تمهيد الطريق أمام الاشتراكية.
برنامج لينين وتروتسكي ومنهجهما وحدهما القادران على خدمة حاجات الطبقة العاملة ومصالحها. وعلى الشباب الثوري أن يدرس أفكار ماركس وإنجلز ولينين، وخصوصا تروتسكي -ولا سيما مؤلفاته التي كتبها في الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين، والتي ما تزال تتمتع براهنية كبيرة– إذا أرادوا أن يهيئوا أنفسهم للمهام النضالية التي تنتظرهم في المستقبل.
يقف تروتسكي، بصفته منظّرا، في مرتبة أعلى على الأرجح، حتى من لينين. لقد وقف على أكتاف لينين، وحمل أفكار الماركسية في عهد الردة الرجعية الستالينية. وعلى الأمميين الذين تجمعوا في العديد من بلدان العالم ألا يقلقوا من ضآلة قواهم في الوقت الراهن. فالأحداث هي التي ستعلّم الجماهير. وقد شهدنا دليلا جديدا على ذلك في الحملة ضد “ضريبة الرأس” (Poll tax). وبالاستناد إلى منهج لينين وتروتسكي، سوف تُبنى قوى قادرة على اجتياز امتحان الأحداث.
وفي هذه الذكرى السنوية لليون تروتسكي، يمكننا أن نقول لـ”الشيخ”: إننا نحييك! إن التيار الماركسي يواصل، على الصعيد العالمي، العمل الذي بدأته.
إننا مدينون بالامتنان لذلك الرجل العظيم، تروتسكي. شهيد الثورة الذي اغتالته الثورة المضادة الستالينية، والمُلهم والمفكر. سيظل حيا إلى الأبد في ذاكرة الطبقة العاملة عندما تحقق الاشتراكية.
20 أغسطس/آب 1990
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
المصادر:
[1] My Life, p332
[2] My Life, p330
[3] p503
[4] p506
[5] Trotsky : In Defence of Marxism, p17-21
[6] p19
[7] In Defence of Marxism, p6.
[8] p7
[9] p7
[10] p13-15
[11] p15
[12] The Politics of Rich and Poor
[13] p25
[14] p119
[15] p30
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية