الرئيسية / تحليلات تاريخية / ثوار وشهداء / تيد غرانت: خيط الماركسية الذي لم ينقطع

تيد غرانت: خيط الماركسية الذي لم ينقطع

غيَّب الموت تيد غرانت قبل عشرين عاما. ونحن نعيد أدناه نشر مقال كتبه روب سيويل عام 2013 إحياء للذكرى المئوية لمولد تيد، يستعرض فيه محطات حياته وإنجازاته التاريخية بصفته ثوريا.

تبنى تيد الشيوعية في سن الرابعة عشرة، وكرس بقية حياته للنضال من أجل الثورة الاشتراكية. وحمل وحده مشعل الماركسية الأصيلة عقب وفاة تروتسكي، خائضا أطول فترة انتعاش في تاريخ الرأسمالية، وصعود الستالينية وسقوطها، وحالة الارتباك والتشرذم التي أصابت بقية الحركة التروتسكية.

تتمثل تركته اليوم في منظمتنا هذه، إلى جانب تحليلاته الفذة — للحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية، والطبيعة الطبقية للستالينية، وثورات المستعمرات، وغيرها الكثير — وعمله الذي لا يُستغنى عنه في الحزب الشيوعي الثوري وتيار «المناضل» (Militant). فلم تكن الأممية الشيوعية الثورية لتوجد لولا دفاعه المستميت عقودا من الزمن عن الأفكار الأصيلة لماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي.

ومن بين إسهاماته البارزة كتابه «لينين وتروتسكي: ما هي مواقفهما الحقيقية؟»، الذي اشترك في تأليفه مع آلان وودز. وقد وجه هذا الكتاب إلى صفوف الحزب الشيوعي — التي كانت تهتز حينها تحت وطأة قمع ربيع براج، وخيانة الحزب الشيوعي للحركة الثورية في مايو 1968 بفرنسا — ليرد على افتراءات الستالينيين عبر إظهار السجل الحقيقي لهذين الثوريين العظيمين.

وسوف نصدر الطبعة الجديدة لهذا الإسهام الممتاز في النظرية الماركسية خلال المدرسة العالمية للشيوعية القادمة — وهي مدرسة فريدة من نوعها تمتد أسبوعا وتُكرس لتأهيل الثوريين في الأفكار الماركسية —، كما سنخصص جلسة لمناقشة الأفكار الواردة بين دفتيه.


كان تيد غرانت، بالنسبة لكل من عرفه، عملاقا سياسيا. عاش أفكار الماركسية وتنفسها، وكان — دون أدنى شك — أهم مُنظر ماركسي منذ وفاة تروتسكي. ويمكن قياس ذلك بعمق كتاباته على مدار زهاء 70 عاما من النشاط السياسي، والمتاحة في معظمها على موقع tedgrant.org.

لم يُعرف تيد غرانت على نطاق أوسع إلا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين برز تيار “المناضل” (Militant Tendency) في بريطانيا. وكان تيد قد أسس صحيفة “المناضل” (Militant)عام 1964، وهي صحيفة شهرية صغيرة من 4 صفحات باللونين الأبيض والأسود ، دون مقر عمل أو متفرغين. ومع ذلك، وبحلول عام 1972، تحولت إلى صحيفة أسبوعية من 4 صفحات، ثم أصبح تيار “المناضل” (Militant) بحلول منتصف الثمانينيات اسما معروفا لدى عامة الناس.

ضم تيار “المناضل” (Militant)، في ذروة قوته، آلاف المؤيدين، و200 متفرغ، وكان لديه مقرات وطنية وإقليمية، وثلاثة أعضاء في البرلمان، وسيطرة على شبيبة حزب العمال الاشتراكية، فضلا عن نفوذ متزايد في الحركة النقابية والعمالية. ومثَّل ذلك نجاحا غير مسبوق لأي مجموعة تروتسكية منذ أيام المعارضة اليسارية لتروتسكي. ولولا أفكار تيد غرانت وتوجيهه المؤثر لما كان شيء من هذا ممكنا.

الأممية الرابعة

ينحدر تيد في الأصل من جنوب أفريقيا، لكنه قضى معظم حياته في بريطانيا. إذ وصل إليها في أواخر عام 1934 بحثا عن آفاق سياسية جديدة، وذلك بعد مشاركته في تأسيس المعارضة اليسارية في جوهانسبرغ. وبنصيحة من تروتسكي، انضم إلى حزب العمال المستقل، ثم إلى حزب العمال لاحقا. ومع حالة الهدنة السياسية وتراجع دور حزب العمال خلال الحرب، أدى تيد دورا محوريا في تأسيس رابطة العمال الأممية، وثم الحزب الشيوعي الثوري.

في هذه الفترة تحديدا، برز تيد ليكون المُنظر الأساسي للحركة. فعقب وفاة تروتسكي، أثبت قادة الأممية الرابعة، أمثال جيمس كانون وبيير فرانك وإرنست ماندل، عجزهم عن فهم الوضع الجديد، واقترفوا الخطأ تلو الآخر. إذ اكتفوا بترديد ما قاله تروتسكي قبل الحرب دون مراعاة للواقع المتغير جذريا. وبينما كان العالم يشهد انتعاشا اقتصاديا بعد الحرب، أنكروا ذلك تماما، وتحدثوا بدلا منه عن انهيار وشيك وثورة قريبة.

وكان تيد هو من أوضح أن الرأسمالية استقرت (مؤقتا) وتشهد — على العكس من تحليلاتهم — انتعاشا اقتصاديا. بل إن هذا الانتعاش تحول إلى صعود استمر خمسة وعشرين عاما، وهو ما تجاوز توقعات الجميع. وقد فند تيد أسباب هذا الصعود في مقال: “هل سيحدث انهيار؟”، في الوقت الذي استسلم فيه قادة الأممية الرابعة عمليا للكينزية.

وكان تيد أيضا أول من فهم انتصار الستالينية في أوروبا الشرقية والصين مع الإطاحة بالرأسمالية هناك، إذ أقام الستالينيون اقتصادا مخططا ومؤمما، لكن على القاعدة البيروقراطية ذاتها القائمة في الاتحاد السوفيتي. وفي حين صنف تيد هذه الأنظمة بدقة على أنها دول عمالية مشوهة أو أشكال من البونابرتية البروليتارية، لم ير قادة ما يُسمى بالأممية الرابعة سوى الرأسمالية ورأسمالية الدولة. ولاحقا، اندفعوا بحدة في الاتجاه المعاكس حتى وصل بهم المطاف إلى اعتبار يوغوسلافيا تحت حكم تيتو “دولة عمالية سليمة”. لقد ارتكبوا السقطة تلو الأخرى، وليصح فيهم القول إن تروتسكي زرع أسنان التنين لكنه حصد البراغيث.

وكان الاستثناء الوحيد هو تيد غرانت، الذي استطاع فهم الواقع الجديد وإعادة توجيه المنظمة البريطانية سياسيا. ولأن ثبت بطلان آراء “قادة الأممية الرابعة” في سلسلة من القضايا المحورية، وعجزوا عن الاعتراف بأخطائهم، فقد انتقموا من تيد بدافع الضغينة عبر التقويض المنظم للفرع البريطاني، وهو ما أدى في النهاية إلى تدميره. إن السياسات القائمة على الوجاهة تلعب الدور الأكثر تخريبا.

ولم يتبق مع تيد سوى مجموعة صغيرة نجح في إنقاذها من انهيار الحزب الشيوعي الثوري بحلول أوائل خمسينيات القرن الماضي. كانت تلك السنوات قاسية للغاية، وكان تحقيق أي تقدم محفوفا بالصعوبات. فمن الناحية الموضوعية، كانت الرأسمالية تعيش فترة ازدهار، بينما قدمت حكومة حزب العمال بعد الحرب إصلاحات كبيرة ونفذت عمليات تأميم، في حين ازدادت الستالينية قوة في أوروبا الشرقية والصين.

ونتيجة لذلك، تقلصت قوى الماركسية الأصيلة إلى ثلة ضئيلة، ووُجدت نفسها مجبرة على السباحة عكس التيار. حتى لو كان ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي أحياء في ذلك الوقت لما أحدث ذلك فارقا جوهريا. ومع ذلك، حافظ تيد على تماسك المجموعة، وأعد العدة لأي تحول مستقبلي في الأحداث. فكانت المهمة كسب الأفراد واحد تلو الآخر، وتثقيفهم على الأفكار الماركسية الأساسية.

ولم تبدأ الأوضاع بالتغير إلا في عام 1964 مع تأسيس “المناضل” (Militant). كنا نعمل في صفوف الشبيبة الاشتراكيين منذ تأسيسها عام 1960، لكن حجمنا كان صغيرا جدا، وكان علينا مواجهة منافسين أكبر حجما، مثل الرابطة العمالية الاشتراكية اليسارية المتطرفة، والاشتراكيين الأمميين. خلق هذا الوضع مشاكل كبيرة لنا، خاصة مع الشطحات اليسارية المتطرفة للرابطة العمالية الاشتراكية التي تسببت في إغلاق تنظيم الشبيبة الاشتراكيين.

كانت تلك فترة حكومة ويلسون العمالية والاحتجاجات الطلابية الحاشدة ضد حرب فيتنام. وفور خروج الرابطة العمالية الاشتراكية، هجرت بقية العصب حزب العمال، معلنين أنه انتهى كحزب عمالي. أما نحن، فقد بَقينا وشاركنا في المجموعة الشبابية الحديثة التأسيس: شبيبة حزب العمال الاشتراكية.

صعود المناضل (Militant)

تغيرت الأوضاع مجددا عام 1970 مع انتخاب حكومة المحافظين برئاسة تيد هيث. وبحلول ذلك الوقت، كنا قد عززنا قاعدتنا الجماهيرية، ووضعنا خططا لشراء مطبعة، وتفرغ عدد من الكوادر، وتحويل صحيفة “ميليتانت” (Militant) إلى صحيفة تصدر كل أسبوعين. كما حُزنا الأغلبية في شبيبة حزب العمال الاشتراكية، وهو ما مكننا من استغلال هذا الموقع للتوجه نحو العمال والشباب. وفي فترة وجيزة، شهد المشهد العمالي تحولا دراماتيكيا، متمثلا في إضرابات ومظاهرات واسعة النطاق ضد الحكومة.

أما النقابات العمالية، التي كانت تحت قبضة الجناح اليميني، فقد تحولت نحو اليسار، لا سيما بعد انتصار جاك جونز وهيغ سكانلون.

كنا في المكان المناسب في الوقت المناسب. وكان تيد يثقفنا دائما على المنظورات وأهمية المنظمات الجماهيرية. فعندما يتحرك العمال سياسيا يتجهون دوما نحو منظماتهم الجماهيرية. وعلى العكس من ذلك، تبحث العُصب دائما عن طرق مختصرة، مما يقودها من مغامرة إلى أخرى. وبالطبع، لم يكن ذلك يعني التقديس الأعمى للمنظمات الجماهيرية، إذ أوضح تيد أن «حزب العمال قد منح الرأسمالية استقرارا هائلا على مدار السبعين عاما الماضية»، غير أن هذا الوضع كان سيتغير بفعل مجريات الأحداث.

كانت مهمتنا تتلخص في بناء تيار ماركسي داخل المنظمات الجماهيرية، وعدم عزل أنفسنا عن حركة الطبقة العاملة.

وكان المكمل الأساسي لهذه المهمة هو تطوير الكوادر الماركسية والتأكيد على أهمية النظرية الماركسية. إذ كان تيد حازما دائما في هذا الشأن، وحثنا على أن “نتمرس” في الأساسيات الماركسية. كما نصحنا جميعا بقراءة ودراسة مؤلفات كبار معلمي الماركسية: ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي. وإضافة إلى ذلك، كان تيد يشدد دوما على ضرورة إعادة قراءة كل الأدبيات التي أصدرناها خلال الفترة الماضية، وهو ما أسهم في إثراء الأفكار الماركسية. وأوضح قائلا: «يجب أن نمنح الرفاق تأصيلا متينا فيها، فالنظرية يجب أن تُعمق وتُطور وتُوسع في كل مرحلة، ومهمتنا ليست مجرد تكرار للأفكار». وقد زودنا هذا النهج بالقواعد النظرية الصلبة للتيار.

“من لديه الشباب يملك المستقبل”

شدد تيد أيضا على أهمية الشباب، مؤكدا أنهم يشكلون القوة المحركة الحقيقية لأي تيار ثوري. وكما قال لينين: «من لديه الشباب يملك المستقبل». حيث يمكننا المضي قدما لكسب العمال الأكبر سنا في حزب العمال والحركة النقابية من خلال الشباب الذين تثقفوا بالماركسية. كانت تلك خلاصة تجربتنا بأكملها في شبيبة حزب العمال الاشتراكية.

أوضح تيد قائلا: «تيارنا تيار قديم، بمعنى أنه امتداد لأفكار ماركس وإنجلز ولينين وتروتسكي. وهو أيضا تيار شاب من حيث تكوينه».

استطعنا بهذه الوسائل أن نكسب تأييدا سياسيا في مواقع أخرى داخل حركة الطبقة العاملة. وكانت مهمتنا بسيطة كما أوضح تيد: «جعل الرغبات والمشاعر والمزاجات اللاواعية لدى الطبقة العاملة واعية بأفكارنا». 

إن ما حققناه، تحت توجيه تيد غرانت، كان ربط الأفكار الماركسية الأصيلة بالحركة الفعلية للطبقة، وهو أمر عجزت عنه بقية العصب بمختلف أشكالها وألوانها.

تحدث تيد في كل اجتماع لقراء “المناضل” (Militant) عقدناه في المؤتمرات الوطنية لشبيبة حزب العمال الاشتراكية. ومن اجتماع يضم بضعة عشرات، ومع نمو الشبيبة، عقدنا في النهاية اجتماعات “هامشية” تضم 2,000 شخص، حيث حضر المؤتمر بأكمله. كان تيد يخلع سترته ويشمر عن أكمامه، ويضع رزمة من الملاحظات على الطاولة، ويبدأ بالحديث لمدة ساعة عن البرنامج والمنظورات.

كانت هذه الكلمات ترسم ملامح أزمة الرأسمالية العالمية والبريطانية، وتفند حجج البرجوازية، ثم اليمين، ثم الإصلاحيين اليساريين. وكان يطرح الحل الماركسي البديل أمام الطبقة العاملة مستعينا بلغة الحقائق والأرقام والشرح. لقد كانت خطاباته أداء بارعا يُقصد منه الارتقاء بالمستوى السياسي للجمهور الشاب.

وكان الشباب يلتفون حول تيد يسألونه عن شتى الموضوعات بعد انتهاء الاجتماعات، بما في ذلك الفلسفة والعلوم، وكان يجيب عنها باقتدار. كان سهلا في التعامل معه ويستمتع بالنقاش مع الرفاق الشباب. إذ أدرك أن الجيل القديم قد احترق في معظمه وأصبح أكثر تشككا في الثورة الاشتراكية، لذا كان من الضروري تدريب جيل جديد من قادة المستقبل.

كان تيد واسع الاطلاع للغاية، ليس في الماركسية فحسب، بل في مجموعة متنوعة من الموضوعات. فكان يلتهم صحيفة فاينانشال تايمز وغيرها من الصحف التي أوضح أنها توفر المادة الخام للمادية التاريخية في عصرنا الحالي.

انهيار الستالينية

بصفته المُنظر الرئيسي لحركتنا، كتب تيد جميع وثائق المنظورات التي شكلت أساس النقاشات في المؤتمرات الوطنية والأممية. وكان يقول: «يجب استخدام المنهج الجدلي للماركسية». وكتب وثائق تحلل ثورة المستعمرات، والثورة الإسبانية، والثورة البرتغالية، والمسألة القومية، وغيرها من الموضوعات.

وكان انهيار الستالينية عبر الثورة المضادة الرأسمالية انتكاسة كبيرة. والمثير للسخرية أن أولئك الذين وصفوا الاتحاد السوفيتي بـ”رأسمالية الدولة”، مثل حزب العمال الاشتراكي في بريطانيا، انتهى بهم المطاف إلى وصف الثورة المضادة بأنها ليست خطوة إلى الوراء، بل «خطوة إلى الجانب»!

كتب تيد: «لقد فاجأ التحرك لإعادة الملكية الفردية هؤلاء السادة والسيدات تماما. فما هو البديل الذي كان بإمكانهم تقديمه لإلغاء تأميم الصناعة وإلغاء التخطيط؟ هذه ليست مجرد مسألة نظرية، بل مسألة حيوية لمصالح الطبقة العاملة الروسية». وبالنسبة لتوني كليف [مؤسس وقائد حزب العمال الاشتراكي] كانت «الخصخصة مسألة غير ذات صلة».

«إذا كان التأميم “غير ذي صلة” وما حدث في روسيا مجرد “خطوة إلى الجانب”، فلماذا المعارضة إذن؟ أليس من المفترض أن يكون الأمر سيان سواء تولت البرجوازية الأكثر لطفا المقاليد بدلا من رأسمالية الدولة؟». ولهذا السبب انتهى المطاف بحزب العمال الاشتراكي إلى دعم الأصوليين المدعومين من أمريكا في أفغانستان، والطلاب الذين طالبوا باستعادة الرأسمالية في المجر. فكل ما كان شائعا ومستحدثا كانوا يدعمونه. ومؤخرا، دعموا القوى الإسلامية الرجعية الظلامية في مصر باعتبارهم “مناهضين للإمبريالية”! ومضى تيد يقتبس من تروتسكي: «إن أولئك الذين لا يستطيعون الدفاع عن مواقعهم القديمة لن ينتزعوا أبدا مواقع جديدة».

حس النسبية وحس الدعابة

أوضح تيد غرانت أننا نحتاج دائما إلى حس النسبية وحس الدعابة في عملنا اليومي. فيجب ألا نرتد إلى الهستيريا، بل أن ننهج نهجا وديا، حتى تجاه خصومنا داخل الحركة العمالية. كانت قوة الأفكار هي المفتاح. سعت الصحافة الرأسمالية، ومعها الإصلاحيون، دائما إلى تصويرنا بمظهر الممارسين للترهيب، وهو ما لم يكن أسلوب تيد أبدا. إنما استخدموا هذه التهمة لعجزهم عن الرد علينا سياسيا.

لقد وفر لنا عملنا المتواصل في حزب العمال عدة نقاط دعم في مختلف أنحاء البلاد، ولا سيما في ليفربول. وهناك، مع التحول العام نحو اليسار، تمكنا من إلزام كتلة حزب العمال ببرنامج يرفض الاقتطاعات ورفع الرسوم المحلية، وبتقديم المزيد من الوظائف والخدمات الاجتماعية والمساكن الميسورة التكلفة. أدى انتخاب حزب العمال في ليفربول عام 1983 إلى صدام مباشر مع حكومة تاتشر. ودخلنا، في غمرة هذا النضال، في جبهة متحدة مع نحو 30 مجلسا محليا تابعا لحزب العمال، لكنها انسحبت واحدة تلو الأخرى واستسلمت، وبقت ليفربول معزولة.

وأعطت نجاحاتنا في ليفربول وأماكن أخرى دفعة جديدة لحملة الملاحقة ضد “ميليتانت” (Militant). وطُرد تيد وبقية هيئة التحرير من حزب العمال عام 1982. وهنا كثفوا الهجوم. لكن “ميليتانت” (Militant) ردت بتنظيم اجتماعات جماهيرية حاشدة ضمت الآلاف في جميع أنحاء البلاد.

ونما تيار “ميليتانت” (Militant) بقفزات هائلة. وأصبح اسمنا يتردد على كل لسان بعدما تصدرت قصتنا الصحف والتلفزيون. لقد أصبحنا أكبر مجموعة  في اليسار، بعد أن كنا أصغر مجموعة. ويعود الفضل في ذلك إلى أفكار تيد غرانت ومناهجه وخبرته المتراكمة. فمن عقد الاجتماعات الجماهيرية في الغرف الخلفية للمقاهي، أصبح “ميليتانت” (Militant) يعقد تجمعات وطنية تضم الآلاف في قاعة رويال ألبرت وقصر ألكسندرا.

وطورنا موقعا بارزا داخل المجال النقابي عبر تنظيم لجنة تنظيم اليسار العريض (BLOC)، التي عقدت مؤتمرات نقابية ضمت الآلاف في الثمانينيات. وجندنا نحو 500 عامل مناجم خلال إضراب عمال المناجم في 1984-1985، وهو ما عكس مجددا نفوذنا المتنامي.

وكان إعادة انتخاب تاتشر عام 1987 نقطة تحول. فبينما قاد كينوك حزب العمال إلى الهزيمة في الانتخابات، انتُخب الماركسي بات وول، وأُعيد انتخاب الماركسيين تيري فيلدز وديڤ نيلست بأغلبية أكبر. وأظهر ذلك عمليا جاذبية الطروحات الاشتراكية الجريئة. ومع ذلك، وبعد الوفاة التراجيدية لبات، لم يمنع ذلك كينوك من طرد تيري وديڤ في محاولته لتطهير الحزب من “المناضلين”. وواجه الرفاق القياديين في ليفربول المصير نفسه، إذ طُردوا بتهم ملفقة.

ومضت حكومة تاتشر في تطبيق ضريبة الرأس عام 1989، بدء من إسكتلندا ثم في بقية البلاد. وطرح تيد فكرة تنظيم حملة جماهيرية للامتناع عن الدفع عندما أُثير الحديث عن الضريبة لأول مرة في وقت مبكر من عام 1986. وبالنظر إلى الوضع، وجهنا قوانا لتطوير الحملة وقيادتها. وفي النهاية، أُجبرت تاتشر على الاستقالة وأُلغيت الضريبة المكرهة مع امتناع 14 مليون عن الدفع.

وحدث تحول حاد نحو اليمين داخل حزب العمال والنقابات أيضا طوال الثمانينيات، وهو ما خلق صعوبات أمامنا. وأوضح تيد: «الجنرالات الأكفاء يعرفون متى يتراجعون، بينما يمكن للجنرالات السيئون أن يحولوا التراجع إلى هزيمة ساحقة». وهذا ما حدث في النهاية مع غالبية قيادة “ميليتانت” (Militant)، بقيادة بيتر تاف، التي سمحت لنجاحاتنا بأن تُصيبهم بالغرور.

اختصار يقود إلى الهاوية

لقد قررت القيادة الدفع بمرشح – عقب وفاة إريك هيفر – ضد حزب العمال في والتون (ليفربول)، رغم معارضة تيد ومجموعة من الرفاق الآخرين. وقد تبين أن هذا كان بمثابة كارثة.

وتلا ذلك إطلاق “انعطاف جديد” في اسكتلندا، حيث سينفصل التيار عن حزب العمال ويطرح نفسه حزبا جديدا. وكان من المفترض أن يمنع هذا صعود القومية الاسكتلندية! وقد وصف تيد هذا بحق بأنه “انعطاف يقود إلى الهاوية”.

وقد أثبتت الأحداث لاحقا صحة كلامه، وخاصة مع دمار الحزب الاشتراكي الاسكتلندي واضمحلال “ميليتانت” (Militant).

وأدت جهودنا لمعارضة هذه النزعة اليسارية المتطرفة إلى طردنا من “ميليتانت” (Militant)، الذي سرعان ما غير اسمه ليصبح الحزب الاشتراكي لإنجلترا وويلز. وشطبوا حزب العمال بوصفه حزبا برجوازيا ينبغي على النقابات العمالية فك الارتباط عنه – وهي نفس سياسة توني بلير تماما! وطُرح كل شيء شرحه تيد تقريبا جانبا في سياق البحث عن طريق مختصر للنجاح، وهو طريق غير موجود أساسا.

وبعبارة أخرى، انتهى بهم المطاف إلى تدمير “ميليتانت” (Militant)، وهو ما توقع تيد أن يكون مصيرهم. ودُمرت القواعد القوية التي كانت لدينا في ليفربول واسكتلندا. وحولوا أنفسهم إلى منظمة من النشطاء، تقفز من حملة إلى أخرى. تم التخلي عن النظرية وهبط المستوى السياسي بشكل حاد. ونتج عن ذلك استبدال متواصل وفقدان سريع للأعضاء. وأدت مقاربتهم برمتها إلى مزيج من العصبوية والانتهازية الفجة.

الخيط الذي لم ينقطع

لم يتثبط عزم تيد، بل مضى ليؤسس “النداء الاشتراكي” (Socialist Appeal) والتيار الماركسي الأممي (International Marxist Tendency)، اللذين عملا على إنقاذ التقاليد والبرنامج والمناهج الحقيقية للماضي. لقد كان من المهم مواصلة التقليد الأصيل للماركسية – الخيط الذي لم ينقطع.

ساعدنا تيد غرانت على الاستعداد للأحداث الثورية القادمة. فمن الواضح أنه لا يوجد مخرج على أساس الرأسمالية. وأوضح تيد في مناسبات عديدة: «إن الطبقة السائدة تتطلع إلى المستقبل بتشاؤم ورعب».

وكان تيد يتعجب قائلا: «لقد طرح ماندل الآن فكرة دورة كوندراتيف! بالأمس كانوا يقولون إن الركود لن يحدث. لكن ما نمر به ليس أزمة دورية بل أزمة عضوية للنظام الرأسمالي. إنها ليست أزمة دورات، بل تناقض القوى المنتجة ضد الدولة القومية والملكية الخاصة».

إن الإصلاحيين، وحتى الإصلاحيين اليساريين، لديهم ذاكرة قصيرة جدا. «الماركسية هي ذاكرة الطبقة العاملة… وطريق الإصلاحية يعني الكارثة». لا يوجد حل وسط. إن الرأسمالية لا يمكن إنقاذها بل يجب الإطاحة بها.

وأوضح تيد: «إن القاعدة الاقتصادية للمجتمع هي الحاسم دائما. والأفكار تتأخر لكن ليس إلى الأبد. وفي النهاية، يجب أن تتوافق السياسة مع الاقتصاد». ولهذا السبب كان يشدد دائما على أن «الأحداث، الأحداث، الأحداث» هي الأمر الأساسي في تغيير نظرة الطبقة العاملة.

ومع ذلك، فقد حذر من أن الطريق أمامنا طويل بالنظر إلى أزمة القيادة. «نحن نخوض حربا طويلة. وسوف تكون هناك هزائم وانتصارات حتمية». ومع ذلك، فإن المنظور كان احتضارا طويلا للنظام. وسوف تكون هناك فرص كثيرة لتغيير المجتمع.

اليوم، تعد أكبر أزمة اقتصادية في تاريخ الرأسمالية إثباتا لصحة الماركسية وأفكار تيد غرانت. وعلينا أن نستعد للمستقبل: عصر الثورة والثورة المضادة على مستوى العالم. فلم يسبق أن شهد التاريخ فترة بمثل عدم الاستقرار هذا. ومع ذلك، يجب ألا ننحرف عن المسار بسبب الأمور العارضة، بل «نحتاج إلى النظر إلى الأساسيات»، كما كان تيد يشدد دائما.

إن الظروف الموضوعية للثورة تنضج في كل مكان. غير أن الأزمة التي تواجه البشرية هي أزمة القيادة. لقد أصبحت المنظمات القديمة عائقا هائلا أمام العمال. وأوضح تيد: «إن العامل الذاتي هو أهم عامل في التاريخ». والمهمة الرئيسية هي تعليم وتدريب كوادر الماركسية حتى يتمكنوا من لعب دور حاسم عندما تحين اللحظة.

يصادف هذا الشهر الذكرى المئوية لمولد تيد غرانت. وسوف نحييها بالطريقة التي كان تيد يريدها: بالتزام متجدد لبناء القوى الماركسية في بريطانيا وعلى الصعيد الأممي. وكما أوضح آلان وودز في سيرته الذاتية الأخيرة لتيد: «في معرض حديثه عن الفيلسوف أنكساغوراس، شبهه أرسطو برجل صاحٍ وسط جمع من السكارى». ويمكن قول الشيء نفسه عن تيد غرانت. فلم يكن هناك أحد مثله عندما كان حيا، ولا يمكن لأحد أن يحل محله بعد رحيله.

ولكن يوجد العديد من الكوادر الخبيرة التي استوعبت أفكاره ومناهجه في صفوف التيار الماركسي الأممي، وهي مجهزة بالكامل لتطبيقها عمليا. وعلى هذا الأساس، سنبني قوانا ونرسخها، ونمهد الطريق لبروز تيار ماركسي جماهيري يستطيع قيادة الطبقة العاملة إلى السلطة وإقامة الاشتراكية في بريطانيا وعلى المستوى الأممي.

20 يوليو/تموز 2013

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

Ted Grant: the unbroken thread of Marxism