الرئيسية / الشرق الأوسط وشمال إفريقيا / الشرق الأوسط / سوريا / سوريا: مجلس الشعب أم مجلس الشرع؟

سوريا: مجلس الشعب أم مجلس الشرع؟

توصلنا بهذا المقال من طرف منظمة البديل الماركسي في سوريا، حيث يتناول المناورة الرجعية لنظام أحمد الشرع، بتعيين مجلس شعب جديد بلا انتخابات حقيقية ولا صلاحيات، لإضفاء شرعية مزيفة على وجوده.


في الأول من تموز عام 2026، خرج الدكتور محمد الأحمد، رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، ليعلن رسميا أسماء الفائزين بعضوية المجلس الجديد: 136 عضوا “انتخبتهم” الهيئات الناخبة، و70 عضوا سيصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوما بتعيينهم. بعد أيام، خرج الأمين العام للمجلس المهندس محمد حمزة شموط ليؤكد أن قائمة الرئيس راعت “فئات متنوعة”، مكملا بذلك عدد المقاعد ليصب 210 مقعدا. هكذا اكتملت الصورة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه منذ اللحظة الأولى ليس كم عدد الأعضاء ولا نسب تمثيلهم، بل: مَنِ الذي اختار هؤلاء أصلا؟

حين يختار القيصر الناخبين والمنتخَبين معا

لنعُد إلى التفاصيل التي كشفها المسؤولون أنفسهم، وهناك بعض الدوائر الانتخابية شاهدة على ذلك: في القامشلي، ضمت الهيئة الناخبة 207 أعضاء فقط، أدلى أكثر من 110 منهم بأصواتهم في الساعة والنصف الأولى من الاقتراع. أما في الرقة، شارك 126 عضوا من أصل 150، وفي الطبقة 42 من أصل 50. العملية الانتخابية جرت، نعم. لكن السؤال الجوهري: من الذي اختار هؤلاء الـ207 أو الـ150 الذين قرروا نيابة عن مئات الآلاف؟ السلطة هي التي عينت الهيئات الناخبة، والسلطة هي التي حددت من يحق له أن ينتخب، ومن يحق له أن يترشح، ثم عادت لتعين 70 عضوا إضافيا مباشرة.

المتحدث باسم اللجنة العليا، نوار نجمة، خرج ليشرح لنا المنطق: التعيينات، كما قال، ستعالج “قلة تمثيل المرأة” و”غياب تمثيل بعض مكونات المجتمع السوري”، ووصفها بأنها “نقطة قوة حقيقية” لسد الثغرات وإحداث “توازن”. لكن تأمل هذا المنطق المقلوب: لكي تصحح عدم التمثيل، لا تذهب إلى الشعب ليختار، بل تمنح الرئيس صلاحية تعيين الثلث، والإعلام البرجوازي يهلل لهذا الإنجاز العظيم: الآن سوريا تسير على السكة الصحيحة!

ثم تتكامل الفصول بفصل ثالث هو الأكثر دلالة: فقد أطلقت اللجنة العليا، بالتعاون مع وزارة التنمية الإدارية، ورشات عمل تخصصية للأعضاء المنتخَبين في دمشق وحمص وحلب والرقة، أربعة أيام لكل ورشة، تتضمن “مهارات برلمانية أساسية” و”مهارات اتخاذ القرار البرلماني المبني على الأدلة”. وهناك برنامج آخر للعاملين في المجال البرلماني عنوانه “البروتوكول والإتيكيت وفن التعامل مع كبار الشخصيات”. قبل أن ينطق هذا “المجلس” بكلمة، دربته السلطة التنفيذية على كيف يفكر، وكيف يقرر، وكيف يتعامل مع “كبار الشخصيات”. إنه ليس برلمانا، بل مشروع تخرج من دورة تدريبية حكومية.

هذا بالضبط ما كان يقصده إنجلز حين كتب: “بما أن الدولة قد نشأت من الحاجة إلى لجم تضاد الطبقات… فهي كقاعدة عامة دولة الطبقة الأقوى اقتصاديا، والتي تصبح عن طريق الدولة الطبقة السائدة سياسيا أيضا، وتكتسب على هذه الصورة وسائل جديدة لقمع الطبقة المظلومة واستمرارها”. هذا المجلس هو إحدى تلك “الوسائل الجديدة”، التي تحدث عنها إنجلز بدقة: أن تقوم السلطة التنفيذية بنفسها باختيار من يحق له أن “ينتخب”، ثم تختار من “يحق له أن يُنتخَب”، ثم تعين الثلث الباقي، ثم تسمي هذا كله “مجلس شعب”، ثم تطلب من العالم أن يصفق. المشهد لا يختلف في جوهره عن مجالس الأعيان التي كان القياصرة يُعينونها في روسيا القيصرية: القيصر يختار المقربين والمرضي عنهم ليظهروا بمظهر النواب، والقرار الحقيقي لم يكن يوما في أيديهم. الفارق أن ذاك كان قيصر إمبراطورية، وهذا قيصر قزم فوق أنقاض بلد دمرته آلة القمع والنهب. لكن الآلية واحدة: الحاكم يختار حاشيته، ثم يعلن أنها “تمثل الشعب”.

شهادة من داخل المسرحية

وحتى لا يظن أحد أن هذا تحليل متطرف، لنستمع إلى شهادة حية من قلب الحدث. الممثلة روزينا لاذقاني، التي ضُمت إلى هذا المجلس بتعيين من الشرع، قالت في لقاء على قناة “الحدث” ببراءة مذهلة: “لقد تم التواصل معي قبل يومين. الموضوع بيخوف، ما كان يخطرلي. واليوم تم الإعلان وصار الموضوع.” قبل يومين. لم تخض انتخابات، ولم تنظم حملة، ولم تطرح برنامجا، ولم تطلب تفويضا من أحد. اتصل بها أحدهم وأخبرها أنها أصبحت “ممثلة للشعب”. وحين سألتها المذيعة: “هل أنتِ عضوة ممثلة عن الفنان السوري أم عن مدينة حماة تحت قبة البرلمان؟”، ردت بتلعثم: “والله أنا إذا بقدر كون ممثلة عن كل هدول فياريت، بس أنا بظن أكثر عن الفنانين وعن صوت الناس، يعني أو بشكل أدق، صوت جيلي.”. العضو نفسه لا يعرف مَن يمثّل ولا مَن فوضه، فاضطرت المذيعة إلى التدخل وإنقاذ الحوار مشيرة لها: “أو ربما عن المرأة، صحيح؟”. هذا هو مستوى “التفويض الشعبي” في مجلس الشرع: المذيعة هي من تذكر العضو بمن سوف يمثّله، لأن التعيين جاء فوقيا قبل يومين من الإعلان.

هذا المجلس ليس “مجلس شعب”. إنه، بأدق توصيف، هيئة عينها الحاكم، واصطفاها من المرضي عنهم، ودربهم على الإتيكيت، وطلب منهم أن يؤدوا دور “النواب” على مسرح رُممت قبته بخشبيات وصدفيات دمشقية.

السويداء: الكراسي الفارغة تفضحهم

ثمة تفصيل آخر، صغير في ظاهره، لكنه يفضح الجوهر كله. العدد الإجمالي المعلن للمجلس هو 210 أعضاء. لكن 136 “انتُخبوا” و70 عُينوا. من يجمع الرقمين يجد 206، لا 210. أربعة مقاعد مفقودة. أين ذهبت؟

الجواب في محافظة السويداء. هناك، قاطع أبناء المحافظة المسرحية برمتها. لم يشاركوا في هيئات ناخبة، ولم ينتخبوا، ولم يرشحوا، ولم يعترفوا. والسلطة، التي لا تسيطر عسكريا على المحافظة أصلا، وجدت نفسها أمام معضلة: كيف تملأ مقاعد محافظة مقاطعة بالكامل ولا تخضع لك على الأرض؟ كان الحل جاهزا: تعيين عضوين من أبناء السويداء أنفسهم، لكن من أولئك المحسوبين على السلطة والمقيمين في دمشق تحت حمايتها، والمنبوذين من قِبل أهالي المحافظة باعتبارهم “متعاونين في المجازر التي وقعت فيها على يد السلطة”.

وحين سُئل المتحدث الرسمي، خرج بتبرير هو أبلغ من أي نقد: “نأمل أن تتحسن الظروف الأمنية في محافظة السويداء في أقرب وقت، لينضم الأعضاء الممثلون عنها إلى مجلس الشعب.”. ثم أضاف عبارة لا تُنسى: “في حال انعقاد مجلس الشعب قبل حل ملف السويداء، فإن ذلك لا يُعد مخالفا للقانون، لأن عضو المجلس وبمجرد انتخابه يمثل جميع السوريين، لا محافظته فقط.”

تأمل هذا المنطق: المحافظة ترفض، والسلطة لا تسيطر عليها، والعضوان منبوذان من سكان المحافظة، لكنهما “يمثلانها”. وإذا اعترضت، فالمشكلة توصف بأنها “أمنية” لا سياسية. وإذا أصريت على مقاطعتهم، فهم يمثلونك غصبا عنك، وبمجرد تعيينهم صاروا يمثلون “جميع السوريين”، بمن فيهم أنت. إنه إلغاء كامل لمبدأ التمثيل ذاته. السويداء هنا ليست استثناء، بل مرآة تظهر حقيقة المسرحية كلها: تمثيل بلا ممثَّلين، وسلطة تختار ممثّليك بدلا عنك، ثم تطلب منك أن تصفق.

وهم الحصانة ووهم الصلاحيات

ثمة تفصيلان آخران يكشفان الجوهر. الأول هو الحصانة. قال المتحدث باسم اللجنة العليا، نوار نجمة: “أعضاء مجلس الشعب سيتمتعون بالحصانة السياسية لامتلاك القوة في مواجهة السلطة التنفيذية (التي اختارتهم؟!)، ولن تكون حصانتهم وسيلة لمخالفة القانون.”. ثم أضاف: “في حال ارتكاب العضو أي مخالفة قانونية، تُرفع الحصانة عنه مباشرة ثم يُحاسب.”.

الكلام يبدو معقولا للوهلة الأولى. لكن مَن الذي يحدد ماهية “المخالفة القانونية”؟ السلطة التنفيذية نفسها، عبر أجهزتها. الحصانة هنا ليست درعا تحمي النائب، بل سيف مسلط على رقبته: إن تجرأت وتجاوزت الخطوط التي دربتك عليها السلطة، سقطت عنك الحماية فورا. إنها حصانة من ورق، أو بالأحرى حصانة قابلة للتمزيق في أي لحظة.

أما التفصيل الثاني، فهو صلاحيات المجلس. قال المتحدث نفسه: “ليس من الضروري أن يتولى مجلس الشعب مهام صياغة دستور البلاد.”. ثم أوضح أنه “قد تُشكل لجنة لصياغة دستور دائم للبلاد، ثم يُعرض للاستفتاء، وفي بعض الأحيان تُشكل جمعية تأسيسية منتخَبة لصياغة الدستور.”.

هذا اعتراف مذهل: الدستور، وهو أساس النظام السياسي والقانوني، قد لا يمر عبر هذا المجلس على الإطلاق. صلاحياته محدودة مسبقا. مهمته الحقيقية ليست تقرير مصير البلاد، بل إدارة التفاصيل اليومية ضمن إطار ترسمه السلطة الحقيقية في مكان آخر.

أين تقع هذه السلطة الحقيقية؟

لنفترض جدلا أن هذا البرلمان كان منتخبا فعلا، دون ثلث معين، ودون ورشات تدريب حكومية. هل كان سيكون عندئذ مركز السلطة الحقيقية؟

يقدم لينين في “الدولة والثورة” الجواب الجاهز: “لم تكن الدولة القديمة والدولة الإقطاعية وحدهما هيئتين لاستثمار العبيد والأقنان، بل كذلك ‘الدولة التمثيليّة الحديثة’ هي أداة لاستثمار العمل المأجور من قبل رأس المال.”.

البرلمان، حتى في أكثر أشكاله ديمقراطية، ليس سوى واجهة. الديمقراطية البرجوازية هي ديمقراطية شكلية: تمنحك حق التصويت كل بضع سنوات، لكنها لا تمنحك حق تقرير مَن يملك المصنع، أو مَن يتحكم بالمصرف، أو مَن يقرر خوض الحرب، أو مَن يوزع الثروة التي تنتجها بيدك. إنها تفصل بين المجال السياسي، الذي تمنحك فيه وهما بالمشاركة، والمجال الاقتصادي، حيث تحتكر أقلية صغيرة القرار والثروة.

ولنأخذ مثالا معاصرا من قلب “الديمقراطيات العريقة”. في يونيو 2024، وبعد ساعة واحدة فقط من إعلان نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي، التي أظهرت هزيمة نكراء لحزبه، فاجأ إيمانويل ماكرون الفرنسيين بقرار حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة، في مغامرة سياسية راهن فيها على تجديد الثقة بمشروعه السياسي، لكنه خسرها بشكل مزلزل.

هذا القرار الانفرادي، الذي اتخذه رجل واحد في قصر الإليزيه، لم يكن إلا دليلا إضافيا على أن السلطة التنفيذية هي سيدة الموقف حتى في “أعرق الديمقراطيات”، وأن البرلمان ليس أكثر من ورقة يمكن للرئيس، “ممثل الطبقة السائدة”، أن يبعثرها متى شاء. ماكرون، الذي اكتسب خبراته المالية في بنك روتشيلد قبل أن يصبح رئيسا، استخدم صلاحياته الدستورية ليُخفي فشله السياسي ويمرر أجندته التي تخدم مصالح البنوك والشركات الكبرى. النتيجة: برلمان منقسم إلى ثلاث تكتلات متعادية، حكومة بلا أغلبية، ميزانية يتفاقم عجزها لتقترب من 6.2%، ودين عام يتجاوز 113% من الناتج المحلي.

هذا المشهد الفرنسي، حيث يُعاقب الشعب في جيبه وأمنه الاقتصادي ثمنا لمغامرات رئيس يخدم مصالح ضيقة، يؤكد أن البرلمانات، حتى حين تكون منتخبة، لا تضمن حقوق الجماهير طالما أن السلطة الحقيقية بيد من يملك المال ويصمم الدستور لخدمة مصالحه. ففي أي دولة برجوازية، مراكز السلطة الفعلية لا توجد داخل البرلمان، بل في البنوك الكبرى، والشركات والاحتكارات، وهيئات الأركان، والمؤسسات الأمنية والعسكرية التي هي أجهزة قمع خاصة للدفاع عن الطبقة السائدة.

وفي سوريا اليوم، حيث تستحوذ عائلات قليلة على النسبة العظمى من الناتج الإجمالي، وحيث يعيش 90% من السوريين تحت خط الفقر، وحيث يُعاد إعمار البلد عبر صفقات يشرف عليها المتحكمون بالسلطة والمال، وحيث تُسحق مطالب العمال المضربين: أين تُتخذ القرارات الحاسمة؟ في قاعة المجلس المرممة بخشبياتها وصدفياتها، أم في مجالس إدارة الشركات والغرف التجارية وهيئات الأركان وأجهزة الأمن ودهاليز البيروقراطية العليا والكواليس التي تنسق عقود إعادة الإعمار؟ الجواب لا يحتاج إلى كثير من الذكاء.

لقد كان ماركس وإنجلز محقين حين كتبا: “لقد أثبتت الكومونة شيئا واحدا على وجه الخصوص، وهو أن الطبقة العاملة لا تستطيع ببساطةٍ أن تستولي على آلة الدولة البرجوازية الجاهزة وتسخرها لخدمة أهدافها الخاصة، بل يجب تحطيمها، لأنها مصممة لخدمة الطبقة البرجوازية.”. تحطيمها، لا تجميلها، ولا التدرب على “فن التعامل مع كبار الشخصيات” داخلها.

البديل: السلطة الحقيقية للجماهير

كتب لينين في توصيفه للديمقراطية العمالية: “يجب أن يكون كل طباخ قادرا على أن يكون رئيسا للوزراء، وعندما يصير الجميع ‘بيروقراطيا’ بالتناوب، لا أحد يمكنه أن يكون بيروقراطيا.”

هذا برنامج واضح: سلطة من القاعدة، حيث يُنتخب المسؤولون عبر المجالس العمالية، ويُعزلون في أي لحظة، ولا يتقاضون أجرا أعلى من أجر العامل، ويمارسون السلطتين التشريعية والتنفيذية معا. هذا ما جسدته كومونة باريس، وهذا ما جسدته السوفييتات في روسيا في بداياتها، قبل أن تُسرق سلطتها السياسية من قِبل الفئة البيروقراطية الستالينية.

وعلى الأرض السورية، ظهرت بذور هذا البديل خلال السنوات الأولى لثورة 2011: التنسيقيات المحلية، والمجالس المحلية، ولجان الأحياء. لم تكن هذه مجرد هيئات خدمية، بل كانت نواة لسلطة بديلة، أدار فيها الناس شؤونهم بأنفسهم بعيدا عن الدولة المركزية. لقد جرب السوريون، في أحلك الظروف، شكلا من التنظيم الذاتي المباشر.

لكن هذا الجنين وُئِد للأسف. والسبب لا يقتصر على وحشية النظام والتنظيمات المتطرفة التي مولتها دول إقليمية وإمبريالية لسرقة الثورة – كـ”جبهة النصرة” بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) – بل يكمن أيضا في خلل بنيوي داخلي أصاب هذه التجربة:

  • عملت المجالس المحلية بشكل لا مركزي مفرط، كل منها في منطقتها، تصدر مئات البيانات المتضاربة، دون تنسيق مركزي يوحد الرؤية والاستراتيجية.
  • وقعت في حالة من الفوضوية (الأناركية)، حيث لا توجد آلية جامعة تربط المجالس ببعضها في إطار تنظيمي وسياسي موحد.
  • افتقدت الوعي الطبقي، والاستقلال السياسي للطبقة العاملة وفقراء الفلاحين، والحزب الثوري الذي يقود الجماهير عبر برنامج تغيير جذري لحسم السلطة.

وهذه الفوضى هي التي أفقدت هذه المجالس الجنينية القدرة على الفعل الموحد، وسمحت للنظام والتنظيمات الرجعية بأن تلتهمها الواحدة تلو الأخرى.

هذا دليل هام على أنه لا يمكن مواجهة دولة برجوازية ممركزة تملك جيشا واقتصادا وأجهزة قمع بتحالف فضفاض ومبعثر من المجالس المحلية غير المنسقة. المطلوب هو مركزية من نوع جديد: مركزية تنبثق من القاعدة لا من أعلى، وتكون ديمقراطية في انتخابها ومساءلتها، وقادرة على توحيد نضالات الجماهير في مشروع واحد لتحطيم آلة الدولة القائمة.

إلى أي نتيجة يجب أن نصل؟

تحت قبة الشرع المرممة، لا يُصنع القرار، بل يُقام المسرح. والمسرح، كما نعلم، يحتاج إلى ممثلين يؤدون أدوارا لا يكتبونها هم، وإلى جمهور يُطلب منه أن يُصفق في الوقت المحدد.

ما جرى ليس خطوة على طريق الديمقراطية، بل هو إخراج متقن لمسرحية قديمة، بطلها قيصر قزم يحاول محاكاة قياصرة كبار، متناسيا أن الزمن الذي كان فيه تعيين الحاشية كافيا لإضفاء الشرعية قد ولى.

وحتى لو جاء يوم وانتُخِب هذا البرلمان انتخابا، فسيبقى السؤال قائما: تحت أي قبة يُتخذ القرار الحقيقي؟ في قاعة البرلمان، أم في هيئة الأركان؟ على منصة النواب، أم في دهاليز البنوك؟ في يد من تُسَن القوانين، أم في يد من يملك وسائل إنتاج الحياة؟

إن تحرير غالبية المجتمع لا يمر عبر صناديق يقيمها المستغِل، ولا عبر قباب يرممها المستبد. إنه يمر، بالضرورة، عبر تحطيم هذه الآلة بأكملها، وبناء سلطة بديلة: سلطة الأكثرية التي تُنتج الثروة وتُنتج الحياة، في مشاغلها ومصانعها وحقولها وأحيائها.

هناك، لا هنا، يُكتب الفصل القادم.

فالتاريخ لم ينتهِ بعد، والطبقة العاملة ستصعد غدا لا إلى مسرح البرلمان، بل إلى مسرح التاريخ، فلترتعد الطبقات السائدة في كل مكان.

25 يوليو/تموز 2026