توصلنا بهذا المقال من طرف منظمة البديل الماركسي في سوريا، حيث يتناول المقال الاعتصام الأخير الذي شهدته دمشق في ساحة يوسف العظمة وقد أطلق عليه اعتصام الكرامة.
في 17 نيسان 2026، شهدت ساحة يوسف العظمة في دمشق تجمهر مئات السوريين تحت شعارات اتسمت بالبساطة والعمق في آنٍ معاً، مثل: “بدنا نعيش”، و”سوريا مش للبيع”، و”قانون وكرامة”. لم تكن تلك الهتافات مجرد صرخة احتجاج على تردي الأوضاع المعيشية، بل كانت تعبيراً مكثفاً عن تناقضات تاريخية مزمنة لم تُحل منذ عقود.
اصطدمت هذه المطالب بالرواية الرسمية للسلطة التي تتغنى بـ”التحرير” و”السيادة”، و سرعان ما ظهرت مجموعة موالية للسلطة إلى الشارع ذاته، و معها قاموس التخوين المعتاد؛ إذ وُصِف المحتجون بـ”الفلول” و”العملاء” و”الطائفيين”، في حين صرّح أحمد موفق زيدان المستشار الإعلامي لرئاسة الجمهورية معلقاً على اعتصام قانون وكرامة في سوريا بأنه “يخدم مشاريع أعداء الأمة”. وبذلك، لجأت السلطة إلى آليتها المعهودة في إدارة الأزمات: اعتماد أسلوب التخوين بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية، والتشويه بدلاً من الإقناع .
هذا المشهد، بكل عناصره، ليس جديداً؛ فهو يتكرر كلما بدأت الجماهير بالتحرك خارج القنوات المرسومة لها، وفي اليوم نفسه الذي يحتفل فيه السوريين بذكرى “عيد الجلاء”، يُطرحُ سؤالاً جوهرياً : هل تحرر هذا البلد فعلاً كما تدّعي السلطة، أم أنّ ما يسمّى بالتحرير لم يكن سوى إعادة ترتيب لموازين السيطرة؟

ما معنى «الجلاء»؟
إن ربط الاحتجاج بذكرى الجلاء ليس تفصيلاً عرضياً، بل يفرض علينا تساؤلاً مركزياً: ماذا يعني الاستقلال في بلدٍ تابع؟
لا شك أن رحيل الاستعمار الفرنسي عام 1946 كان خطوة تقدمية، لكن – وفقاً للتحليل الماركسي – لم يكن تحرراً كاملاً، بل انتقالاً من السيطرة المباشرة إلى السيطرة غير المباشرة عبر برجوازية محلية مرتبطة عضوياً بالقوى الاستعمارية. لم تكن هذه الطبقة ثورية، بل كانت برجوازية تابعة ومشلولة تاريخياً؛ فهي مرتبطة بالسوق العالمية، وعاجزة عن تطوير قوى الإنتاج أو إنجاز المهام الديمقراطية الأساسية، مما يجعل استقلالها استقلالاً شكلياً لا يتعدى المظهر.
كما أوضح ليون تروتسكي في تحليله للبلدان المتأخرة، فإن برجوازيات هذه البلدان -سواء كانت مستعمرة أو شبه مستعمرة- تخشى الجماهير أكثر من خشيتها للإمبريالية، لذا فهي تتراجع في اللحظات الحاسمة مفضلةً التسويات على التغيير الجذري. يفسر هذا الواقع لماذا يخرج الناس بعد ثمانية عقود من ‘الاستقلال الشكلي’ مطالبين بأبسط مقومات الحياة، في حين تصعد الثورة المضادة إلى سدة الحكم كحكم محايد ظاهرياً فوق الطبقات ولكنها تدير الصراع لصالح الطبقة البرجوازية التابعة التي ترتبط بآلاف الخيوط بمصالح إمبريالية. وعليه، لم يكن ‘الجلاء’ الذي نحتفي به نهايةً للتبعية، بل إعادة لهيكلتها؛ إذ إن برجوازية البلدان المتأخرة لا تمتلك نزعة ثورية حتى في مرحلتها الوطنية، مما يضعها أمام حدود تاريخية بنيوية.

التطور المركّب وغير المتكافئ: لماذا تنفجر التناقضات بهذه الحدة؟
لفهم الواقع السوري، لا يكفي الحديث عن «تخلّف» عام؛ فكما أوضح ليون تروتسكي في كتابه «تاريخ الثورة الروسية»، تخضع البلدان التابعة لقانون التطور المركّب وغير المتكافئ، حيث تتعايش عناصر شديدة الحداثة -كالسوق والشركات والتقنيات- مع علاقات إنتاج متخلفة، تتجلى في الفقر المدقع، وبقايا الإقطاع، والبنى العشائرية، والاقتصاد الريعي، والتفكك الاجتماعي. لا يُنتج هذا التناقض توازناً، بل يؤدي إلى انفجارات اجتماعية؛ إذ نرى أسعاراً «عالمية» تُفرض مقابل أجور «متدنية»، بينما تصادر الدولة كل أشكال العمل النقابي والاحتجاجات لضمان استمرار هذه المعادلة الظالمة دون اعتراض. هذا ليس خللاً عارضاً في السياسة الاقتصادية، بل هو تجسيداً سياسياً وقانونياً لتناقضات القاعدة الاقتصادية ذاتها.
البونابرتية: الدولة حين “تعلو” لتخدم من في الأسفل… ظاهرياً
في مثل هذه الأوضاع، حيث تعجز الطبقات المتصارعة عن حسم الصراع، يظهر شكل حكم خاص: البونابرتية. كما شرح كارل ماركس، تقوم البونابرتية على إدعاء الوقوف فوق الطبقات، واستخدام أجهزة الدولة كقوة مستقلّة، والمناورة بين التناقضات. بيد أن هذا الاستقلال محض وهم، فالدولة تظل في جوهرها حارسة لعلاقات الملكية القائمة.
أما في سوريا اليوم، فنشهد نسخة تعتمد على الخطاب الديني وتتخذ من الانقسام الطائفي أداة لها، حيث تستر طابعها الطبقي بشعارات أخلاقية؛ ولهذا حين يطالب الناس بالخبز، يأتي الرد سياسياً وأخلاقياً لا اقتصادياً، متخذاً من التخوين بديلاً عن إيجاد الحلول.
أي إن اعتبار الدولة الراهنة مجرد أداة في يد طبقة رأسمالية متكاملة الأركان يُعد تبسيطاً مخلاً لا يعكس واقع التعقيد القائم؛ فالبونابرتية ليست نظاماً قائماً بذاته، ولا تطور جديد من مراحل تطور المجتمع بل مجرد قناع ترتديه الدولة عندما تعجز طبقة عن الانتصار على أخرى. ففي سوريا ولأن الطبقات الكادحة عجزت عن حسم الصراع لصالحها، وفي الوقت نفسه عجزت البرجوازية التابعة عن حكم البلاد بثبات، في ظل هذا الجمود الطبقي، انتصب جهاز الدولة كحَكَم ظاهري “فوق المجتمع”، لكنه في الجوهر بقي يحرس علاقات الاستغلال والملكية الخاصة بقمع الفقراء ويدير الصراع لأجل استقرار الأغنياء حتى لو تطلّب تحقيق هذا الهدف قمع رد أو آخر من الطبقة البرجوازية . وبناءً على ذلك، فنحن أمام تحالف تشكّل في خضّم الحرب واقتصاد الريع، ويتكون هذا التحالف من:
أولاً: بيروقراطية الدولة الناشئة التي توظف الغطاءين الديني والعسكري كنظام إداري وفق تسلسل هرمي صارم لشرعنة سيطرتها على القرار والموارد معظمهم شيوخ دين/ وعاملين بالجهاز الأمني أو المحاكم الشرعية، من شرعيي هيئة تحرير الشام ومن انضم لفلكها مؤخراً .
ثانياً: فصائل جهادية وأذرع عشائرية مسلحة – ينحدر أفرادها من البروليتاريا الرثّة والبرجوازية الصغيرة – التي تطرّفت بفعل الحرب الأهلية وارتباطها بالإمبريالية وعزلتها عن المجتمع.
تؤدي البونابرتية هنا، بقيادة ‘الفاتح’ كزعيماً كاريزمياً، وظيفةً مزدوجة؛ فهي تقف ظاهرياً فوق المجتمع، متلاعبةً بالتناقضات الطائفية والمناطقية لضبط الشارع، بينما تعمل في جوهرها على إدارة الصراع الطبقي لترسيخ علاقات الإنتاج البرجوازية القديمة، ومحاولة إرضاء القوى الإقليمية والدولية عبر صفقات وتسويات على حساب غالبية الشعب. ومثال ذلك؛ أدى تدفق السلع التركية الرخيصة إلى إدخال الاقتصاد السوري في أزمة، تضررت على إثرها قطاعات ومعامل وطنية عجزت عن المنافسة، مما دفع بعض مالكي وسائل الإنتاج إلى أزمة وجودية انتهت بإغلاق المعامل وتسريح العمال، في حين وجد قسم آخر من البرجوازية، ككبار التجار والملاك العقاريين وأصحاب الأعمال، فرصة لمضاعفة أرباحهم.
هذا يذكرنا بما جاء في كتاب الثامن عشر من برومير /لويس بونابرت لماركس :”إن بونابرت هذا قد ألقى الاقتصاد البرجوازي برمته في هاوية الفوضى وانتهك كل ما كان يبدو مصوناً بالنسبة لثورة 1848وجعل البعض يتسامحون مع الثورة وآخرين يرغبون في الثورة وخلق فوضى فعلية باسم النظام بينما كان في الوقت نفسه يجرد جهاز الدولة بكامله من الهالة التي تحيط به ويلوثه ويجعله بغيضاً ومحلاً للسخرية في آن واحد، إنه يعيد في باريس بصورة مزورة ساخرة عبادة الرداء المقدس في ترير (رداء كاثوليكي محفوظ في كاتدرائية ترير /ألمانيا). على شاكلة عبادة العباءة الإمبراطورية النابوليونية ولكن عندما تسقط العباءة الإمبراطورية أخيراً على كتفي لويس بونابرت سيهوي تمثال نابليون البرونزي من على قمة مسلة فندوم ويتحطم.”
إنها بونابرتية ترتكز على تحالف هجين يجمع بين تيار جهادي عسكري، وبيروقراطية دينية، وأذرع عشائرية مسلحة؛ تُدير الصراع لتثبيت علاقات الإنتاج القديمة وجعلها أكثر استغلالاً، علاقات لا تستند إلى تطور رأسمالي مُنتج، بل تكرس إعادة إنتاج التبعية تحت إدارة جديدة.

منطق الرأسمال في الأزمة: حين تصبح الفاتورة حكماً طبقياً
إن هذا التحالف الذي يدير جهاز الدولة وأدوات قمعها الخاصة ويرفرف بالدولة وهمياً فوق الأغنياء والفقراء، لا يكتفي بالاعتماد على القمع السياسي والخطاب الطائفي لضمان بقائه، بل يترجم وجوده يومياً إلى سياسات اقتصادية ملموسة تُعمّق الاستغلال وتُحكم القبضة على المنتجين الفعليين للثروة.
ولعل التأمل في القرارات الأخيرة يكفي لفضح الطبيعة الصريحة الرجعية للنظام الجديد ولصالح أي طبقة يعمل بالختام رغم حياده الظاهري. ففي 6 نيسان 2026، كرّست المراسيم الرئاسية (44 و45 و46) تحويل قطاعات الكهرباء والمياه والتعدين إلى ‘شركات اقتصادية’، في خطوة وُصفت رسمياً بأنها ‘حوكمة’ و’رفع كفاءة’. بيد أن هذه المصطلحات التقنية ليست سوى غطاء إيديولوجي لعملية نهبٍ منظمة، تهدف إلى تصفية القطاع العام وطرح أصوله أمام رأس المال الخاص المحلي والأجنبي؛ فالدولة هنا لا ‘تُصلح’ ذاتها، بل تُفكك أدواتها الاجتماعية خدمةً لمصلحتها الخاصة.
رفعت قرارات وزارية في تشرين الأول 2025 التعرفة بنسب فلكية بلغت آلاف الأضعاف في بلد يعيش 90% من سكانه تحت خط الفقر. الرد من الشارع كان فورياً: “لن ندفع الفاتورة”.
إنها لحظة مكثفة يتحول فيها الصراع الطبقي من نظري إلى حسي: فاتورة الكهرباء لم تعد مجرد قيمة مالية، بل أصبحت أداة مباشرة للنهب الطبقي، تُحمِّل كلفة انهيار الاقتصاد التابع على كاهل الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين، بينما تُفتح أبواب الاستثمار والريع أمام رأس المال الخليجي والتركي.

وفي القطاع الصحي، تنتهج سياسات السلطة شكل “الخصخصة الزاحفة”. حيث تصريحات المسؤولين عن “شراكة” القطاع الخاص في إدارة 71 مستشفى حكومياً، والتي أعقبتها نفي رسمي مضطرب، تكشف عن التناقض الجوهري في سياسات السلطة الجديدة: خطاب شعبوي يُطمئن بأن “الصحة ليست للبيع”، وممارسة ملموسة تُحوّل المستشفيات إلى صفقات استثمارية على غرار ما حدث في مشفى دمر للجراحة القلبية.
لا يُمكن وصف هذه الممارسات بأنها مجرد “سياسات خاطئة” أو “أخطاء تقنية” كما يزعم بعض المحللين، فهي تجسيد مباشر لمنطق الرأسمالية في مرحلة الأزمة. وكما أعلن نائب وزير الاقتصاد بكل وقاحة أن توجّه الدولة الحالي يرمي إلى بناء “سوق حر منظم” و”اقتصاد تنافسي”؛ لكنه لم يوضح طبيعة هذا التنافس، وهل سيكون عبر بيع أصول الدولة ومواردها بأبخس الأثمان، أم بالاكتفاء بإنتاج الخطابات الرنانة والأشعار و ينافس بها في السوق؟
ليست هذه التصريحات مجرد كلمات محايدة؛ بل إنها بمثابة إعلان حرب طبقية على الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين، تُصاغ في قوالب الفواتير والمراسيم والصفقات. ومن هنا ولدت الشعارات من قلب المعاناة اليومية، فشعار “بدنا نعيش” ليس مجرد فكرة تجريدية، بل هو صرخة ناتجة عن فاتورة باهظة.

تشريح يوم 17 نيسان
بدأ المشهد قبل الاحتجاج بأيام؛ إذ لم تمنع السلطة التظاهرة رسمياً، لكن أجهزتها الإعلامية ومؤثريها شنّوا حملة مكثفة وصموا فيها الداعين إليها بـ ‘الفلول’ و’العملاء’ و’الانفصاليين’، في محاولة واضحة لإجهاض الحشد قبل بدايته. إن هذا التخوين المسبق ليس ‘تعبيراً عن رأي’، بل هو تحريض ممنهج يهدف إلى تقليص أعداد المتظاهرين.
ومع حلول يوم التظاهر، خرج المئات إلى ساحة يوسف العظمة، لتقابلهم سريعاً مجموعة مضادة موالية للسلطة بدأت بالتحرش بهم والاعتداء عليهم بالضرب، بينما وقفت قوات حفظ النظام ظاهرياً في المنتصف كطرف ثالث محايد يفصل بين الطرفين ويحفظ الأمن العام. يكمن في هذا التموضع جوهر ‘البونابرتية’؛ فالدولة توهم الجمهور بأنها تقف ‘فوق’ الصراع، بينما هي في الواقع من حرّضت وأطلقت يد المجموعة الموالية لترهيب المحتجين.
وعلى الرغم من أن المشاركين في الاعتصام لا زالوا أسرى الوهم الإصلاحي بخطابهم السياسي، ولكن ما إن انفضّت التظاهرة حتى استؤنفت الحملة الإعلامية من الصفحات والمؤثرين التابعين للسلطة: شيطنة للمشاركين رجالاً ونساءً، مع تركيز خاص على النساء بهدف توظيف الخطاب الأخلاقي لتجريدهم جميعاً من الشرعية. إنها استراتيجية ممنهجة لضرب أي رمز يمكن أن يتحول إلى قائد للحراك، ولمنع تشكّل تضامن شعبي حول ضحايا القمع. بهذه الطريقة، تكون الدولة قد أدارت الصراع لصالح من ينهبون الكهرباء والمشافي وثروات البلاد ودافعت عنهم ضد المحتجين على غلاء الأسعار والخصخصة والرافضين للطائفية، مع الحفاظ على الوهم الظاهر بأنها “فوق الطبقات” و”حامية للأمن”. إنها ممارسة يومية للخداع السياسي، لا تستهدف قمع احتجاج بعينه فحسب، بل تسعى للحيلولة دون تحول الاحتجاجات إلى وعي طبقي منظم.

الثورة المضادة: تقسيم المجتمع لإنقاذ النظام
إن السيرورة التاريخية لا تُقهر؛ فهي تتدفق كالنهر الجارف مهما تراكمت السدود. وحين تصبح علاقات الإنتاج القديمة أغلالاً تعيق تطور قوى الإنتاج، ندخل في مرحلة الثورة التي وصفها تروتسكي بأنها “قاطرة التاريخ” للتقدم وكسر تلك الأغلال. بيد أن المستفيدين من علاقات الإنتاج البالية لا يرحلون طواعية، بل يضعون ثقلهم الطبقي الرجعي ويمارسون “الثورة المضادة”. هذا هو واقعنا اليوم، وهذا هو الصراع الطبقي في أوج احتدامه بين القوى التي تنشد التقدم (الجماهير) والقوى التي تستميت دفاعاً عن الجمود (البرجوازية التابعة والبرجوازيات الإقليمية والدولية). إن الثورة المضادة قادرة على تأخير التغيير، لكنها ستعجز عن إيقاف السيرورة كلياً؛ ليس تمنياً، بل لأن المنطق الداخلي للتطور الاقتصادي والصراع الطبقي يعمل لصالح التاريخ. فهؤلاء لن يستطيعوا خداع الناس إلى الأبد باسم الدين، وستكون عودتها كما وصفها صادق جلال العظم: “عودة المكبوت التاريخي ضد من قمع الشعب طوال الفترة السابقة”.
يتجسد هذا التحليل النظري في نمط متكرر من الأحداث يكشف آليات عمل الثورة المضادة؛ إذ تبدأ بحادثة محدودة تتحول سريعاً إلى عنف طائفي أو قومي، وسط تقاعس مريب لقوات الأمن، يعقبه تدخل السلطة عبر تشكيل «لجان تحقيق» هزلية واستدعاء الوجهاء لامتصاص غضب الشارع، بينما يفلت الجناة الحقيقيون من العقاب. الهدف الاستراتيجي من ذلك واضح، وهو منع تشكّل أي وعي طبقي بين فقراء المكونات السورية المختلفة قد يتطور لثورة اجتماعية شاملة. تجلّى هذا النمط في السقيلبية (آذار 2026) حين هاجم ملثمون المدينة بهدف الترهيب، لتختزل الرواية الرسمية الحدث في «مشاجرة فردية»، وتكرّر بشكل أكثر دموية في السويداء (تموز 2025) حيث وثّق تقرير أممي مقتل 1707 مدنيين في عمليات إعدام وتعذيب، وهو النمط ذاته الذي وُثِّق سابقاً في أحياء حلب الكردية،و في مجازر الساحل السوري.

الهجوم الإيديولوجي: لماذا “فلول”؟
حين تعجز السلطة عن تقديم حلول، تنتقل إلى الهجوم الأيديولوجي. كما رأينا في دمشق: أي احتجاج يُوسم فوراً، وتُستخدم تسميات عامة لتجريد الناس من شرعيتهم، ويتم ربط المطالب الاجتماعية بالخيانة. هذه آلية قديمة، إنها إحدى وسائل الدفاع للطبقة السائدة فهي لا تتخلى عن مواقعها دون مقاومة، بل تحاول تضليل الجماهير بكل الوسائل. ووصف الاحتجاج بأنه ‘طائفي’ أو ‘فلولي’ هنا ليس مجرد خطأ في التوصيف، بل هو اعتراف ضمني بأن مصالح النظام مرتبطة ببقاء الجماهير مشتتة وجاهلة بطبيعة عدوها الطبقي المشترك.
سوريا في السياق العالمي
ما تشهده سوريا ليس استثناءً، فنحن نعيش مرحلة من الاضطرابات التي تعصف بالعالم بأسره. ففي الولايات المتحدة، لم يكن انتخاب دونالد ترامب في تشرين الثاني 2024 سوى تعبيرٍ عن أزمة شرعية عميقة للنظام الرأسمالي؛ إذ بات يُنظر إلى المؤسسات على أنها تمثل مصالح نخبة فاحشة الثراء. ورغم أن هذا الواقع كان قائماً دوماً، إلا أنه لم يكن يوماً بالوضوح الذي نلمسه اليوم، وهو تحولٌ جوهري في الوعي مرتبط بالظروف الملموسة التي تعيشها الجماهير. أما على الصعيد العالمي، فتتهاوى أسطورة “النظام العالمي الليبرالي” أمام أعين مليارات البشر، بالتزامن مع تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود قوى رأسمالية منافسة كالصين وروسيا. هذا التنافس بين القوى الإمبريالية يُولّد حالة من عدم الاستقرار والحروب التجارية، ويدفع نحو تبني سياسات حمائية وتقشفية قاسية تطال الطبقات العاملة في كل مكان. لقد انفجرت التناقضات التي تراكمت تحت السطح طويلاً لتظهر جلياً للعلن، مما أدى إلى قلب المشهد العالمي برمته.
في هذا السياق العالمي المأزوم، تتحول البلدان التابعة مثل سوريا إلى ساحات مكثفة لتقاطع المصالح الإمبريالية والصراعات بين رؤوس الأموال الإقليمية والدولية، حيث يُعاد إدماجها في السوق العالمية على أساس غير متكافئ. وتُفرض عليها سياسات إعادة الهيكلة الرأسمالية تحت ضغط “الاندماج” في الاقتصاد العالمي، أي تحت شروط رأس المال العالمي لا وفق حاجات التنمية الداخلية.
ففي 7 نيسان 2026، وقّعت تركيا وسوريا اتفاقية “تكامل اقتصادي” تهدف إلى رفع حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار. كما استحوذت مجموعة “استثمار القابضة” القطرية على بنك الشهباء السوري وحصة 30% من بنك سوريا الدولي الإسلامي. ووقّعت السعودية مذكرات تفاهم بقيمة 6.4 مليار دولار في مجالات الطيران والاتصالات والبنية التحتية.
على الجانب الآخر، يتصاعد التنافس الإقليمي على النفوذ في الجغرافيا السورية. فالتقدم العسكري الإسرائيلي في مناطق القنيطرة وريف درعا ليس مجرد “عملية أمنية”، بل هو تعبير عن سعي تل أبيب لفرض معادلات ميدانية جديدة في ظل إعادة تشكيل خريطة النفوذ. هذا التقدم يأتي في سياق التنافس التركي-الإسرائيلي المحتدم على تقاسم مناطق السيطرة، حيث تسعى كل قوة إقليمية إلى تأمين مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية على حساب مصالح فقراء السوريين. سوريا، في هذه اللحظة، ليست سوى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية وإمبريالية، تتنافس على النهب وتتسابق على إبقاء البلاد ضعيفة ومقسّمة.
ليس صحيحاً اعتبار تدفق رأس المال الإقليمي والتوسع العسكري في سوريا “تحررا” من الهيمنة الإمبريالية الغربية، كما يدّعي مسؤولو السلطة. فرغم أزمة الإمبريالية الأمريكية وانحدارها النسبي، تبقى هي الطرف الأقوى في تحديد شروط اندماج الاقتصاد السوري بالسوق العالمية. فلا تتجلى هيمنتها فقط في إدارة عقوبات مثل “قانون قيصر” كأداة للضغط وتوجيه المسار الاقتصادي، بل أيضاً في أن رأس المال التركي والخليجي يعمل ضمن فضاء السوق العالمية التي تظل الشركات والمؤسسات الأمريكية الفاعل الأقوى فيها، حتى لو لم تعد تتحكم بكل ديناميكياتها.
ما يحدث إذاً هو تعديل في شروط التبعية وإعادة توزيع حصص النهب بين قوى تتصارع وتتفاوض، لكنها تتفق على إبقاء سوريا سوقاً تابعة ومصدراً للمواد الأولية والعمالة الرخيصة.
هذه ليست علاقات اقتصادية محايدة، بل إعادة دمج للاقتصاد السوري في التقسيم العالمي للعمل على أسس تابعة، مما يكرس رأسمالية مشوهة ويعزز دور البرجوازية المحلية كوسيط بين رأس المال الإمبريالي والطبقات الكادحة. ولا يمكن بأي حال اعتبار ذلك خطوة نحو تنمية مستقلة أو سيادة اقتصادية، بل هو إعادة إنتاج للتبعية بإدارة تحالف إقليمي-دولي لا يقل شراسة عن الاستعمار التقليدي، وإن اختلفت آليات النهب ومستوى الحضور العسكري المباشر.

الثورة الدائمة: من المطالب البسيطة إلى المهام التاريخية
هنا نصل إلى النقطة الحاسمة. وفق نظرية الثورة الدائمة: في بلد متخلف كسوريا، لا تستطيع البرجوازية التابعة إنجاز مهام التحرر الوطني، فتنتقل هذه المهام إلى الطبقة العاملة. لكن الطبقة العاملة، عندما تبدأ من مهام الثورة البرجوازية، لا يمكنها التوقف عند حدود “الإصلاح”. لأن حل مسألة الخبز مثلاً يعني مس الملكية الخاصة، وحل مسألة السيادة يعني كسر التبعية للإمبريالية، وإنجاز المهام الديمقراطية تعني تحطيم دولة البرجوازية التابعة المشلولة تاريخياً والعاجزة عن القيام بتلك المهام. أي أن الثورة: تزاوج بين المهام الديمقراطية والاشتراكية.
غير أن هذا التزاوج ليس قدراً آلياً يحدث بمجرد تفاقم الأزمة. إن ترجمة ‘بدنا نعيش’ من صرخة غضب إلى مشروع سلطة بديلة يتوقف على بناء أداة تنظيمية قادرة على فضح طبيعة النظام الجديد وتتجاوز الانقسامات الطائفية. فكما أن السلطة الجديدة تستخدم المسجد والتكفير لتحطيم التضامن، تحتاج الطبقة المضطَهدة إلى برنامجها الموحد الذي يحول المطالب المعيشية إلى مواجهة مع نظام الملكية الخاصة والتبعية برمته وهنا تبرز أهمية بناء حزب ثوري ماركسي وكوادر محترفة من الثوريين، فإن أزمة البشرية كما أوضح تروتسكي تتلخص بأزمة القيادة الثورية .
لكن هناك بُعد آخر حاسم: بما أن النظام الرأسمالي عالمي الطابع، فإن الاشتراكية لا بد أن تكون نظاماً عالمياًً أيضاً فأي ثورة اشتراكية تبقى محصورة في إطار محلي سوف تواجه العزلة والخنق من جانب الأنظمة البرجوازية المجاورة والدول الامبريالية. لذلك، لابد للثورة الدائمة أن تمتد إلى المستوى الأممي. وكما أكدت التجربة الثورية للطبقة العاملة: “لا يمكن بناء الاشتراكية في بلد واحد.” وهذا ما أثبتته الوقائع على مدى التاريخ، ولا سيما مع انهيار الأنظمة الستالينية.
إنّ أي نضال في سوريا ضمن إطار الرأسمالية لن يفضي إلى أي نتيجة تقدمية؛ فسوريا بحاجة إلى ديمقراطية عمالية تضع التخطيط الاقتصادي والسلطة السياسية في أيدي الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين.

من ساحة يوسف العظمة إلى أفقٍ أوسع
لم تكن أحداث السابع عشر من نيسان مجرد احتجاجٍ على غلاء المعيشة، بل كانت لحظة وعيٍ تأسيسية بدأ فيها الناس يدركون الترابط الوثيق بين الفقر والسياسات المتبعة، وبين القمع والاقتصاد، والطائفية والسلطة.
وهنا يكمن جوهر المسألة؛ فإما أن يظل هذا الغضب مشتتاً، أو يرتقي ليصبح وعياً طبقياً منظماً.
إن الطريق ليس سهلاً، ولكن كما تعلمنا الماركسية: إن الأولوية في كل الظروف هو لتنظيم الطبقة التي لا مصلحة لها في هذا الواقع الذي تسود فيه علاقات الإنتاج البرجوازية القائمة على استغلالها، والتي تسعى بحكم وجودها الطبقي في نمط الإنتاج هذا للتمرد عليه، أي الطبقة العاملة منتجة كل الثروة بتحالفها مع فقراء الفلاحين تحت راية حزب ثوري ماركسي أممي وحدها قادرة على إنجاز التغيير الاجتماعي، وهنا تكمن أهمية بناء قيادة ثورية تعبر عن مصالح البروليتاريا وحلفائها، متمسكين بالمبدأ الماركسي: إن تحرر الطبقة العاملة يجب أن يكون من صنع الطبقة العاملة نفسها.
وفي مواجهة هذا الهجوم المركب الذي يجمع بين الخصخصة والقمع والنهب الإمبريالي، لم يعد ثمة متسع للأوهام.
إما أن يصنع مستقبل سوريا في الغرف المغلقة لاجتماعات رأس المال في إسطنبول أو الدوحة أو الرياض أو واشنطن أو تل أبيب وهذا نقيض لمصالح أغلبية الشعب السوري أوأن يُصنع في الشوارع والمصانع من خلال نضالٍ موحدٍ يبدأ بالمطالبة بالحقوق الأساسية لعيشٍ كريمٍ، (الخبز والكهرباء والرعاية الصحية)، ويصل لإسقاط النظام الطبقي الذي يسلبهم هذه الحقوق و استمرار الثورة على مستوى أممي.
ومن قلب دمشق، من ساحة يوسف العظمة ( الذي ارتقى شهيداً مع رفاقه في معركة ميسلون في مواجهة الاستعمار الفرنسي ) وتحت وطأة الأزمة، يبرز الشعار الذي يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه يحمل أفقاً رحباً للتغيير: “بدنا نعيش”.
انضموا إلينا في “البديل الماركسي – المجموعة السورية للأممية الشيوعية الثورية” لنخوض النضال معاً من أجل غدٍ أفضل.
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية