أقرت الجمعية الوطنية الكوبية، تحت وطأة ضغوط لا تُطاق من الإمبريالية الأمريكية، سلسلة من المقترحات الاقتصادية، في أثناء جلسة استثنائية عُقدت في 18 يونيو. ستؤدي هذه المقترحات مباشرة إلى الارتداد نحو الرأسمالية في حال تطبيقها.

وكان الرئيس دياز كانيل قد أعلن، في مؤتمر صحفي صباح يوم الجمعة 12 يونيو، عن إصلاحات اقتصادية بعيدة المدى. واجتمعت الجلسة العامة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الكوبي يوم الأربعاء 17 يونيو، لتوافق الجمعية الوطنية للسلطة الشعبية في اليوم التالي مباشرة، وبسرعة غير مسبوقة، على ما لا يقل عن 176 إجراء. تشير هذه الإجراءات في مجملها، إذا ما نُفذت، إلى نهاية الاقتصاد المخطط والارتداد نحو الرأسمالية.
لا يمكن فهم القرارات المتخذة بطريقة مغايرة. فالأمر هنا لا يتعلق ببضعة إصلاحات، ولا بانفتاح جزئي على السوق. نحن نتحدث عما لا يقل عن الارتداد الكامل نحو اقتصاد السوق الرأسمالي في كوبا. إنها قفزة نوعية، وليست مجرد قفزة كمية، وسيترتب عليها عواقب تاريخية وخيمة للغاية.
الارتداد نحو الرأسمالية
لنبدأ بسرد الإجراءات التي أُقرت:
- إنهاء التخطيط الحكومي للاقتصاد، واستبدال توزيع الدولة للموارد بـ”إشارات توجيهية لجميع الفاعلين الاقتصاديين” (العام والخاص) ومنح الأولوية لـ”إشارات السوق”.
- إنهاء احتكار التجارة الخارجية.
- “تحويل الشركات المملوكة للدولة الاشتراكية إلى شركات تجارية ذات أسهم أو حصص ملكية”، والسماح لرأس المال الخاص، المحلي والأجنبي على حد سواء، بشراء أسهمها.
- ستتمتع الشركات المملوكة للدولة باستقلالية كاملة في تحديد سياساتها الاستثمارية، وقطاعات نشاطها، وأجور عامليها، وبيع أصولها للقطاع الخاص، كما ستحدد أسعارها وفقا للتكاليف، وسيتم تصفية الشركات التي لا تحقق أرباحا.
- إنشاء قطاع مصرفي ومالي خاص.
- التوسع غير المحدود في القطاعات المفتوحة أمام الاستثمار الخاص، المحلي والأجنبي على حد سواء.
- منح حق الانتفاع بالأراضي لفترات غير محددة للفاعلين الخواص.
- إلغاء الدعم الشامل، واستبداله بدعم موجه للفئات الهشة.
- تخفيف قواعد الفصل من العمل، وإدخال إعانة بطالة تتراوح مدتها بين ثلاثة وستة أشهر.
- “إجراء تخفيضات متتالية في قيمة العملة الوطنية لتقليص الفوارق في أسعار الصرف، وسيتم تصفية الشركات غير القادرة على تحمل خفض قيمة العملة”.
- السماح للشركات الخاصة بتوظيف أكثر من 100 عامل.
- “السماح للشركات العقارية ببيع وشراء العقارات السكنية”.
- “السماح للمستثمرين الأجانب بالوصول الكامل إلى أرباحهم بالعملات الأجنبية، والعمل بمرونة في ظل بيئة من الدولرة الجزئية للاقتصاد، ومنحهم حق الوصول إلى سوق الصرف الأجنبي”.
- “السماح لجميع أشكال الأعمال بالعمل في الجُزر السياحية (Cayos)، والمناطق التراثية في هافانا القديمة وترينيداد”.
- “السماح بالتطوير العقاري في جميع المناطق السياحية في البلاد”.
- “دعوة سلاسل الوجبات السريعة العالمية للاستثمار في البلاد”.
هذه ليست سوى بعض المقترحات المعتمدة، وتتضمن البقية أيضا جوانب خطيرة أخرى، وقد أدرجت في القائمة فقط تلك التي تبدو لي أكثر أهمية.
وبغض النظر عن نوايا وكلمات أولئك الذين اتخذوا هذه القرارات، فإن ما نتحدث عنه عمليا هو ارتداد نحو الرأسمالية في كوبا.
فإلى جانب إلغاء التخطيط الاقتصادي، يأتي تحويل الشركات المملوكة للدولة إلى شركات مساهمة، وإخضاعها لقواعد السوق الرأسمالية، وعلاوة على ذلك إلغاء احتكار التجارة الخارجية الذي كان يمثل حاجزا (وإن كان جزئيا وضعيفا للغاية، لكنه كان حاجزا على أي حال) ضد ضغوط السوق الرأسمالية العالمية على الاقتصاد الكوبي.
وتذكر المقترحات أيضا أن جميع الشركات (المملوكة للدولة والخاصة) ستكون مطالبة بإظهار “المسؤولية الاجتماعية” – حتى إن أحد أعضاء الجمعية الوطنية قال إن الشركات الخاصة “اشتراكية أيضا”! –، وأن الدولة تحتفظ بحق امتلاك حصة الأغلبية في شركات القطاعات الاستراتيجية. في الواقع العملي، لن يهم أي من هذا. فالرأسماليون لا يتصرفون بناء على وازع أخلاقي تجاه المجتمع ككل، بل على أساس الحاجة إلى تعظيم الربح، وإلا فإن المنافسة ستدفعهم نحو الإفلاس.
إن ربحية أقلية من الرأسماليين، المحليين والأجانب على حد سواء، ستصبح القوة المحركة الأكبر للاقتصاد الكوبي إذا وُضعت هذه المقترحات موضع التنفيذ.
وقد قدم كل من الوزير ماريرو والرئيس دياز كانيل الإجراءات المعتمدة باعتبارها خطوات كان سيتم اتخاذها بغض النظر عن التصعيد الأخير في الهجوم الأمريكي، وكونها جزء من “تحسين النموذج الاشتراكي وتعزيزه”.
كما ذُكر أيضا أن هذه الإجراءات “تفك العقدة التي كانت تخنق القوى الإنتاجية”… كما لو أن المشكلة تكمن في ملكية الدولة والتخطيط، وليس في البيروقراطية وطريقتها في إدارة التخطيط.
ولعل هذا هو الأمر الأكثر خطورة. إذ يمكن المجادلة بأن بعض هذه التنازلات للسوق كانت حتمية في مواجهة الضغوط الإمبريالية التي لا تُطاق في الأشهر الأخيرة، والتي أدت إلى اختناق شبه كامل للاقتصاد الكوبي. ولكن في هذه الحالة، ما يجب قوله علنا هو أن هذه الإجراءات تشكل تراجعا خطيرا للغاية، بدلا من الإشادة بها واعتبارها خطوة إلى الأمام أو تقديمها على أنها تعزيزا للاشتراكية.
وفي غمرة هذه الدوامة المتسارعة من القرارات، أعلن الرئيس دياز كانيل أيضا أنه استدعى من وصفهم باقتصاديين كوبيين “نقديين” لتقديم المشورة بشأن هذه الإجراءات. من بين هؤلاء عمر إيفرليني وتريانا كوردوفي، اللذان دافعا لنحو 20 عاما، داخل مركز دراسات الاقتصاد الكوبي وخارجه، عن المسار الصيني الفيتنامي للارتداد نحو الرأسمالية. يشبه هذا تعيين الثعلب حارسا للخم.
وفي خطابات عدة أُلقيت في الجمعية الوطنية للسلطة الشعبية واجتماعات اللجنة المركزية للحزب، شُرح أن المقترحات نشأت “من دراسة تجارب البلدان الاشتراكية الأخرى”، والمقصود بذلك الصين وفيتنام.
لنكن واضحين، لقد ارتدت قيادة الحزبين “الشيوعيين” في الصين وفيتنام للرأسمالية. واستغرقت السيرورة في تلك الحالات عقودا، أما في كوبا، فهم يريدون المضي قدما في غضون أيام وأسابيع.

الفارق هنا هو أن الارتداد للرأسمالية في بلد كبير مثل الصين، يمتلك احتياطيا هائلا من العمالة الرخيصة ودولة قوية، أدى في نهاية المطاف إلى تنمية سيادية حولت البلاد إلى قوة عالمية قادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية. إن الصين بلد رأسمالي، وتسيطر مصالح حفنة من المليارديرات، الذين تربطهم علاقات وثيقة بأجهزة الدولة والحزب الذي سُمي زورا بالشيوعي، على الاقتصاد وتستفيد من استغلال عمل الملايين. ولكنها على الأقل بلد رأسمالي يحدد سياسته الخاصة ويتنافس في السوق العالمية بشروط متساوية مع الإمبريالية الأمريكية.
لكن ليس بمقدور كوبا تكرار تلك السيرورة. علينا أن نتحدث بوضوح: إن التدفق غير المقيد وغير المنضبط لرأس المال الأجنبي إلى اقتصاد كوبا الهش سيؤدي سريعا جدا إلى هيمنته عليه وإخضاعه بالكامل. وسيتبع فقدان السيادة الاقتصادية، عاجلا لا آجلا، فقدان السيادة السياسية.
من الواضح أن هناك الكثيرين، حتى داخل اللجنة المركزية والجمعية الوطنية للسلطة الشعبية، ممن يتوجسون خيفة من هذه الإجراءات، لاسيما بسبب الأثر الاقتصادي الذي ستخلفه. فعلى سبيل المثال، أوضحت ميريام نيكادو، في اجتماع الهيئة القيادية للحزب، كيف أن الإجراءات الاقتصادية المتخذة “قد توسع التفاوتات بين السكان”… “وقد تؤدي أيضا إلى تركيز أكبر للثروة في قطاعات معينة”.
من أجل هذا، ولدعم المقترحات، عُرضت رسالة موقعة من راؤول كاسترو تزكيها. وبهذا، استُغل النفوذ الأدبي الكامل للقيادة التاريخية للثورة – أولئك الذين نزعوا الملكية الرأسمالية وفاء بوعد الثوريين الملتحين بالسيادة والعدالة الاجتماعية – لتبرير العكس تماما.
حملة الولايات المتحدة الوحشية والقاسية للخنق الاقتصادي
على الرغم من المزاعم بأن هذه الإجراءات تُتخذ بكامل إرادتهم الحرة والسيادية، فإن الواقع يقول عكس ذلك. إذ وصل الخنق الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة إلى مستويات لا يمكن تحملها.
فالحظر النفطي المفروض في يناير بات يشل اقتصاد البلاد، مسببا انقطاعات في التيار الكهربائي تستمر لأكثر من 24 ساعة، ومعطلا حركة نقل الأفراد والبضائع (بما في ذلك الأغذية)، ومؤثرا على الخدمات العامة (بما في ذلك المدارس والمستشفيات). كما أنه يمنع السكان من حفظ القليل من الطعام الذي يمكنهم الحصول عليه، مما يضطرهم إلى الطهي باستخدام الفحم.
ونجح ماركو روبيو في تهديد بلدان الكاريبي وأمريكا الوسطى لإجبارهم على طرد البعثات الطبية الكوبية، والتي تعد مصدرا حيويا للدخل.
كما علقت شركات طيران عديدة رحلاتها إلى الجزيرة بسبب نقص وقود الطائرات (بسبب حصار النفط)، مما وجه ضربة قاسية للسياحة، لا سيما القادمة من روسيا وكندا.
لقد أجبرت العقوبات التي فرضها روبيو، في 1 مايو، شركة التعدين الكندية (Sherritt International) – والتي كانت تشارك شركة حكومية كوبية لتعدين النيكل والكوبالت – على الانسحاب. كما أجبرت سلاسل الفنادق الإندونيسية والتركية والإسبانية والكندية على إنهاء شراكاتها مع شركة جافيوتا (Gaviota) الحكومية، ودفعت شركتي فيزا وماستر كارد إلى تعليق عملهما في الجزيرة، وأجبرت شركتي الشحن الأوروبيتين هاباج لويد (Hapag-Lloyd) وسي إم آي سي جي إم (CMA CGM) على تعليق خدمات الشحن. حتى إن موقع التجزئة (Envioscuba.com)، الذي يرسل البضائع إلى العملاء في الجزيرة نيابة عن أقاربهم في الولايات المتحدة، أُجبر على وقف عملياته.
استهدف الثنائي الإجرامي، ترامب وروبيو، بشكل منهجي جميع مصادر العملة الأجنبية لكوبا: تصدير الخدمات الطبية، والسياحة، والتحويلات المالية، والتعدين… كما قطعوا إمدادات الطاقة أيضا.
ويُضاف إلى هذا الابتزاز الاقتصادي غير المسبوق قرع طبول الحرب من جانب ترامب وروبيو، والتهديدات العسكرية – العلنية والسرية على حد سواء – وزيارة هيغسيث لقاعدة غوانتانامو بأسلوب رامبو.
المسار الصيني للارتداد للرأسمالية… مع رجال أعمال أمريكيين؟
لذا، فإن أحد التفسيرات المحتملة لهذه الإجراءات هو أن القيادة الكوبية قررت الارتداد نحو الرأسمالية مع الاحتفاظ بالسيطرة السياسية (على الطريقة الصينية)، من أجل منع التدخل العسكري الإمبريالي وتغيير النظام، من أجل التفاوض على رفع العقوبات مقابل ذلك.
يتماشى هذا مع سلسلة من التحركات والتصريحات الأخيرة. ففي نهاية مايو، زار رجل الأعمال الأمريكي والمرشح المدعوم من ترامب لمنصب حاكم ولاية رود آيلاند، فيك ميلور، كوبا “بناء على دعوة من رجال أعمال كوبيين”. والتقى في أثناء زيارته بحفيد راؤول كاسترو مرتين.
وصرح ميلور لوكالة فرانس برس: “لقد أتيحت لي الفرصة للقاء راؤول [رودريغيز كاسترو]. إن رؤيته لفتح كوبا أمام الأعمال التجارية تتماشى مع رؤيتي، وأعتقد أن كوبا بحاجة إلى هذا، وأعتقد أن العالم بحاجة إليه أيضا”، وأضاف: “أعتقد أن الوقت قد حان للمضي قدما، وحان وقت التغيير، وراؤول يؤمن بهذا أيضا”.
إنه أمر يثلج الصدر حقا.
وفي اليوم التالي لموافقة الجمعية الوطنية للسلطة الشعبية على الارتداد نحو الرأسمالية، – دون استشارة الشعب الكوبي، وبتفسيرات شحيحة للغاية – أجرى راوليتو مقابلة حصرية مع صحيفة ذا ناشيونال (The National) الصادرة من أبوظبي، دعا فيها إلى “علاقة ودية” مع الولايات المتحدة. وأضاف أنه يمكن التوصل إلى اتفاق بشأن تعويض الكوبيين الأمريكيين عن الممتلكات التي نزعتها الثورة منهم.
وفي المقابلة نفسها، وجه نائب وزير التجارة والسياحة، كارلوس مينديز، حديثه مباشرة إلى مجتمع الأعمال الأمريكي قائلا: “نريد من رجال الأعمال الأمريكيين أن يعرفوا ويفهموا أن كوبا بلد مفتوح للاستثمار… في قطاعات مثل التعدين والسياحة والعقارات والبنوك والتمويل”، وتابع: “هناك خلافات بين حكومتينا لا ينبغي أن تمنع مجتمع الأعمال من المشاركة في الاقتصاد الكوبي”.
من الواضح أن هناك اختلافات بين ماركو روبيو ودونالد ترامب في مواقفهما تجاه الثورة الكوبية. كلاهما يريد تدميرها، هذا أمر مؤكد، لكنهما يختلفان حول الهدف النهائي. فبالنسبة لروبيو، الهدف هو تغيير النظام وتمكين الديدان من الكوبيين الأمريكيين المناهضين للثورة في ميامي من الحكم. أما بالنسبة لترامب، فمن المحتمل أن يكفيه السيطرة على الجزيرة ومواردها الاقتصادية، وطرد الصين وروسيا، بغض النظر عمن يتولى المسؤولية في البداية: النموذج الفنزويلي.
ثمة مؤشر مر دون أن يلاحظه أحد تقريبا. فعندما أجبرت عقوبات روبيو شركة التعدين الكندية (Sherritt International) على مغادرة الجزيرة، أفلست الشركة التي تعتمد بالكامل تقريبا على استثماراتها في كوبا. وعند تلك النقطة، تدخلت شركة أمريكية يملكها مستشار سابق في إدارة ترامب الأولى، وعرضت شراء حصة أغلبية فيها.
فأي مصلحة يمكن أن تكون لمستثمر من تكساس في شركة كندية تُركت دون عمل بسبب عقوبات روبيو على كوبا؟ … إلا إذا كان يتوقع الحصول على رخصة من ترامب للعمل في كوبا! إن هذه الصفقة، في حال إتمامها، ستعني أن تعدين النيكل والكوبالت في كوبا سينتقل من السيطرة الكندية… إلى السيطرة الأمريكية، في وقت تسابق فيه الإمبريالية الأمريكية الزمن لتأمين الوصول إلى المعادن الحيوية.
فهل من الشطط الاعتقاد بأن سيرورة مماثلة قد تكون قيد الإعداد في قطاعات أخرى من الاقتصاد، بما في ذلك قطاع السياحة والضيافة؟
لقد أجبر الابتزاز الإمبريالي بالفعل الشركات متعددة الجنسيات الإسبانية والكندية على الانسحاب جزئيا من هذا القطاع. فهل ستكون السلاسل الأمريكية الكبرى مستعدة للحلول محلها؟ أم شركات من بلدان أخرى ليست منافسة للولايات المتحدة؟ هناك حديث عن مجموعة من الإمارات العربية المتحدة مهتمة ببناء “جزيرة ترامب” في كايو سانتا ماريا (!!).
ومهما يكن من أمر، وسواء تم ذلك عبر اتفاق مع جزء من بيروقراطية الدولة والحزب الشيوعي في كوبا أو بالقوة، فإن سيطرة مصالح الأعمال الأمريكية على الاقتصاد الكوبي ستعني الفقدان التام للسيادة.
علينا أن نكرر ما شرحناه مرارا وتكرارا. إن مكتسبات الثورة الكوبية قامت على نزع الملكية الرأسمالية. وإذا استُعيدت الرأسمالية فسيكون من المستحيل حتما الحفاظ على تلك المكتسبات (والتي ما تزال قائمة على الرغم من ضعفها الشديد بسبب عقود من الهجوم الإمبريالي).
إن استكمال عملية الارتداد نحو الرأسمالية سيعني بلا شك مزيدا من التمايز الطبقي، وتراكم الثروة في أيدي قلة، وظهور طبقة رأسمالية كوبية ستستخدم قوتها الاقتصادية لممارسة السلطة السياسية في نهاية المطاف. نحن لا نتحدث هنا عن حفنة من الشركات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة التي توظف بضعة عمال، بل عن مستثمرين أجانب كبار يسيطرون على القطاعات المدرة للربح في الاقتصاد. وعلاوة على ذلك، ستكون البرجوازية الكوبية الناشئة مدعومة من (أو بالأحرى تحت سيطرة) القوة الإمبريالية الأكثر نفوذا على وجه الكوكب، والتي تبعد 90 ميلا فقط.
ستتدمر كل مكاسب الثورة، بما في ذلك السيادة الوطنية، مع تدمير الاقتصاد المخطط. وستجد كوبا الرأسمالية نفسها في حالة من الخضوع شبه الاستعماري للولايات المتحدة.
هل كان هناك أي بديل آخر؟
يدرك العديد من الثوريين والشيوعيين في كوبا تماما مخاطر هذه المقترحات وعواقبها، على الرغم من إصرار القيادة على أن الأمر يتعلق بـ”تحسين النموذج الاشتراكي” و”تغيير ما يجب تغييره” (في استغلال منافق لمقولة فيدل كاسترو).
ولكن معارضة الارتداد نحو الرأسمالية تواجه صعوبات جمة.
تتمثل الصعوبة الأولى في غياب ثقافة نقاش سياسي حقيقي لإنضاج القرارات داخل الحزب والدولة عموما. شهدت كوبا مشاورات واستفتاءات كثيرة من قبل، فقبل 15 عاما خضعت التوجهات الاقتصادية لنقاش واسع النطاق، لكن القرارات اتُخذت في النهاية من أعلى، دون أي مشاركة مباشرة من الطبقة العاملة في العملية.

أما الصعوبة الثانية، فهي الرغبة المفهومة في الوحدة وتوحيد الصفوف في مواجهة العدوان الإمبريالي، أو ما يُعرف بمتلازمة “القلعة المحاصرة”. الرد على هذا الطرح يكمن في التاريخ. فأثناء المفاوضات بشأن معاهدة برست ليتوفسك في روسيا السوفيتية، وفي وقت كان الخطر العسكري فيه وشيكا، نظم البلاشفة نقاشا واسع النطاق داخل الحزب والمؤسسات السوفيتية. برزت حينها ثلاثة مواقف متعارضة، واستخدم أصحابها وسائل الإعلام الحكومية والاجتماعات العامة للترويج لوجهات نظرهم، ولم يُتخذ القرار على عجل إلا في النهاية.
وخلال ستينيات القرن الماضي، في وقت كان التهديد العسكري وشيكا للثورة الكوبية، دارت نقاشات حادة ومكثفة بين الثوريين حول استخدام الكتيبات السوفيتية، والنموذج الاقتصادي، والحاجة إلى ثورة عالمية، والسياسة المتعلقة بالفن والثقافة. لم يضعف أي من هذا الثورة، بل العكس تماما.
تُسهم الوحدة بمواجهة العدو في الدفاع عن الثورة، أما الوحدة مع من يقترحون الارتداد للرأسمالية فهي وحدة زائفة، لأنها تعني الإذعان لقرار يخدم في الواقع تقويض الثورة وتدميرها.
وتبرز النقطة الثالثة في غياب إجابة واضحة عن سؤال: “ما هو البديل الآخر؟”. هذا هو السؤال الأهم.
يجب القول إن الوضع يائس تماما، هذه حقيقة واضحة، لكن من الضروري التحدث بوضوح وتسمية الأشياء بمسمياتها. لا يمكن إخفاء ما هو في الواقع تراجع كبير للغاية وراء بلاغة إنشائية تتحدث عن “تعزيز المشروع الاشتراكي”. فقد حدث هذا بالفعل مع إصلاحات الترتيب الاقتصادي عام 2020، والعواقب الكارثية واضحة للعيان الآن.
مواجهة البيروقراطية بالرقابة العمالية
قد تكون التنازلات للسوق ضرورية، بل هي كذلك بالفعل، لكن ثمة فرق هائل بين تقديم بضعة تنازلات والارتداد الكامل للرأسمالية. هذا ليس خلافا في الدرجة بل في النوع. يجب أن يقترن أي تنازل للرأسمالية بآليات الرقابة العمالية وإدارة الاقتصاد والمجتمع، تماما كما كان الحال مع السياسة الاقتصادية الجديدة (النيب) في روسيا السوفيتية.
يتطرق الاقتصادي الكوبي ليو موك إلى جانب من هذا الأمر في مقال نُشر بمجلة (Juventud Técnica) الكوبية تحت عنوان: “هل يوجد بديل آخر لكوبا؟“:
“إن الاعتراف بالحاجة إلى التغيير لا يعني قبول أن السبيل الوحيد للمضي قدما يكمن في التوسع التدريجي لنطاق تراكم رأس المال الخاص، أو تحويل الشركات المملوكة للدولة إلى شركات مساهمة مفتوحة أمام مستثمرين جدد…
من اللافت للنظر غياب أي نقاش حول بدائل تُعمق المشاركة المباشرة للعمال والمجتمعات المحلية في الإدارة الاقتصادية. يبدو أن النقاش يتأرجح بين طرفين أقصيين: إما الإبقاء على الهياكل البيروقراطية الجامدة وغير الفعالة، وإما التنازل عن مساحات أكبر لرأس المال الخاص. ويقع بين هذين الخيارين مسار لم يُستكشف بعد إلى حد كبير…
يتمثل الخيار المختلف في الانتقال نحو أشكال من الإدارة الذاتية العمالية والمجتمعية. وبدلا من تحويل الشركات المملوكة للدولة إلى شركات مساهمة تعتمد سلطة اتخاذ القرار فيها في نهاية المطاف على من يملك رأس المال الأكبر، يمكننا الانتقال نحو شركات يُديرها عمالها ديمقراطيا.”
وقد أكد آخرون في السنوات الأخيرة على ضرورة الرقابة العمالية لمحاربة البيروقراطية، وهذا طرح صحيح تماما.
الثورة العالمية لكسر العزلة
علاوة على ذلك، تبرز الحاجة إلى سياسة تدفع نحو الثورة العالمية، إذ إن عزلة الثورة هي المصدر الأساسي لمعظم المشاكل التي تهددها في نهاية المطاف، بما في ذلك البيروقراطية. لا يمكن بناء الاشتراكية في بلد واحد. لم يكن ذلك ممكنا في روسيا السوفيتية التي امتدت عبر قارة كاملة بموارد مادية وبشرية هائلة، وهو أقل إمكانية بكثير في جزيرة كاريبية صغيرة تبعد 90 ميلا فقط عن القوة الإمبريالية الأكبر والأكثر رجعية في العالم.
ومن اللافت للنظر أن كوبا، ورغم كل صعوبات “الفترة الخاصة”، لم ترتد للرأسمالية في تسعينيات القرن الماضي عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. لقد استفادت الجزيرة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من تطور الثورة البوليفارية في فنزويلا، والتي مثلت لها شريان حياة اقتصاديا وسياسيا. ومع ذلك، دخلت الثورة الفنزويلية في أزمة، لكونها لم تكتمل بتصفية الرأسمالية، أثرت بدورها على كوبا.
لو سارت الثورة الفنزويلية على نهج الثورة الكوبية في المدة بين 1959 و1962 بنزع ملكية الإمبريالية والأوليغارشية الرأسمالية، لشكل ذلك قوة جذب هائلة عبر القارة بأكملها وخارجها، ولعزز مكتسباتها، لكن هذا لم يحدث.
يقع جزء كبير للغاية من مسؤولية هذا الفشل على عاتق سياسة القيادة الكوبية. فبدلا من تشجيع الثورة الفنزويلية على التعلم من تجربتها، دأبت على تقديم نصائح بالاعتدال، و”عدم استفزاز العدو”، و”تفهم الاختلافات”، و”عدم استنساخ النماذج”. بل إن شخصيات كوبية بارزة كرست جهودها للحملة ضد السيطرة العمالية في فنزويلا، معلنة أنها “مناهضة للثورة”.
أدى دحر الثورة الفنزويلية – بسبب عدم المضي بها حتى النهاية – إلى تعميق عزلة الثورة الكوبية، ممهدا الطريق للوضع الحالي. لا يمكن لأحد أن ينكر التضامن الأممي الذي أظهرته الثورة الكوبية بإرسال الأطباء إلى جميع أنحاء العالم، ولا مآثر كوبا البطولية في أنغولا. لكن، وباستثناء حقبة تشي غيفارا التي نادت بـ “خلق فيتنامين وثلاث، بل فيتنامات عديدة” في ستينيات القرن الماضي، لم تتبع القيادة الكوبية سياسة لينينية قائمة على الأممية البروليتارية، أي رعاية وتهيئة الظروف للثورة العالمية.
بدلا من ذلك، انتهجت القيادة في الماضي سياسة الخضوع لمقاربة “المرحلتين” الستالينية السوفيتية (والتي أسفرت عن نتائج كارثية في نيكاراغوا)، وتبعت ذلك باليوتوبيا الإصلاحية لـ”مناهضة النيوليبرالية” التي تبنتها الحكومات “التقدمية”، ومقاربة الجغرافيا السياسية لـ”عالم متعدد الأقطاب” عبر الاعتماد على الحكومات الرأسمالية في روسيا والصين.
لقد دافعت الأممية الشيوعية الثورية عن ضرورة الديمقراطية والرقابة العمالية والثورة العالمية في جميع الأوقات والمحافل التي أتيحت لنا، بما في ذلك داخل كوبا وفنزويلا على مدار الأعوام الخمسة والعشرين الماضية.
قد يقول البعض إن هذه السياسة – الرقابة العمالية والأممية البروليتارية – هي سياسة خيالية. حسنا، إن “واقعية” أولئك الذين جادلوا لصالح الجغرافيا السياسية مع الإبقاء على الاختناق البيروقراطي هي المسؤولة إلى حد كبير عن إيصالنا إلى نقطة يبدو فيها الارتداد للرأسمالية للكثيرين بمثابة الخيار الوحيد.
لم يكن هناك نقصا في الفرص الثورية بأمريكا اللاتينية والعالم في الفترة الأخيرة. فمن الانتفاضات الشعبية في الإكوادور وتشيلي عام 2019، والإضرابات الوطنية في كولومبيا، والثورة في السودان، إلى الإطاحة بالحكومات في سريلانكا وبنغلاديش ونيبال، والإضرابات العامة الحاشدة في فرنسا وإيطاليا ضد الإبادة الجماعية الإمبريالية في غزة.
لقد بذلت جماهير العمال والفلاحين في كل هذه الأحداث، بدرجة أو بأخرى، كل ما في وسعها لتغيير ظروف معيشتها جذريا ووضع حد للاضطهاد والبؤس. الشيء الوحيد الذي كان مفقودا هو القيادة الثورية التي ترتقي إلى مستوى مهمة إيصال الطبقة العاملة إلى السلطة.
ويعد التأخر في بناء العامل الذاتي – الحزب الثوري – عاملا رئيسيا يساهم في عزلة الثورة الكوبية ويدفع البلاد نحو الارتداد للرأسمالية. إن مسؤوليتنا، في أثناء دفاعنا عن الثورة الكوبية بكل قوتنا، تتجسد في تسريع بناء الأداة التي يمكن لطبقتنا من خلالها الإطاحة بالرأسمالية.
سيكون انتصار الطبقة العاملة في أي بلد رافعة قوية لكسر عزلة الثورة الكوبية ومنع الارتداد للرأسمالية.
من الضروري والعاجل أن نكرس أنفسنا لهذه المهمة.
22 يونيو/حزيران 2026
ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:
Faced with unbearable imperialist pressure, Cuba moves towards capitalist restoration
ماركسي موقع الأممية الشيوعية الثورية الناطق بالعربية