الرئيسية / قضايا نظرية / الاشتراكية ضد الرأسمالية / المبادئ الأخلاقية وصراع الطبقات 

المبادئ الأخلاقية وصراع الطبقات 

على مر التاريخ، وضعت المجتمعات البشرية قواعد أخلاقية تلتزم بها، ووفرت في الوقت نفسه قوة أيديولوجية جبارة للحفاظ على النظام القائم. واليوم، يتزايد فضح نفاق النظام الأخلاقي الرأسمالي، وتحدي الجماهير له. في هذا المقال، تشرح هيلين بيسونيت كيف تتطور الأخلاق، وطبيعتها المنافقة في ظل المجتمع الطبقي، وأزمة الأخلاق البرجوازية المعاصرة.

[نُشر هذا المقالة ضمن العدد 50 من مجلة “الدفاع عن الماركسية” – المجلة النظرية الفصلية للأممية الشيوعية الثورية. احصل على نسختك من هنا.]

«بصراحة، هؤلاء الطفيليون ببساطة استحقوا ما حدث لهم» 

كتب هذه الكلمات، لويجي مانجيوني، المُتَّهَم بقتل الرئيس التنفيذي لشركة يونايتد هيلث كير [الشركة المتحدة للرعاية الصحية]. ورداً على ذلك، أطلقت الأحزاب السياسية الرسمية في الولايات المتحدة أفضل نكتة خلال عام 2024: «لا يجب استخدام العنف أبداً لمعالجة الخلافات السياسية».[1]

باللغة المنفاقة ذات الطابع الأورويلي (Orwellian) التي يستخدمها أولئك ذوو القوة العظمى، علينا أن نفهم أن الحروب التي تشنها الإمبريالية الأمريكية في كل ركن من أركان الكوكب ليست ممارسةً للعنف السياسي. وكذلك الحال بالنسبة للإبادة الجماعية في غزة، التي تحظى بدعم كامل من الحكومة الأمريكية.

لسوء حظ قادتنا الواعظين أخلاقيًا، فإن الطبقة العاملة ليست بالسذاجة التي يتصورونها.

في سياق وقت آخر، كان من الممكن أن يثير اغتيال رئيس تنفيذي تعاطفا شعبيا مع الضحية، أما اليوم، فقد ظهر مستوى لافت من التعاطف مع القاتل المزعوم. ففي استطلاع للرأي أجري في ديسمبر 2024، بين أن 41% من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يعتبرون هذا القتل “مقبولا”.[2]

وعوضا عن التساؤل عن أخلاقية قتل شخص بدم بارد، كان السؤال الحقيقي الذي طرحه العديد من العمال هو: هل من المقبول أخلاقيا أن يجني شخص ملايين الدولارات من وراء موت آلاف الأشخاص الذين رُفِضت مطالباتهم التأمينية؟ وكان الجواب مدويا: “كلا!”

الأمور تتغير. واقع الحياة تحت ظل الرأسمالية يتغير. الوعي يتغير. وبهذا فإن الأخلاق أيضاً تتغير.

ما هي الأخلاق؟ 

تُعرَّف الأخلاق بوصفها مجموعة القواعد والتعاليم الموجهة للفعل البشري والحياة الاجتماعية. ففي المدرسة والكنيسة و[المسجد]، يُعلموننا أن الأخلاق ثابتة ومطلقة، أي أنها نفسها لكل فرد، في كل مكان، وفي كل زمان. 

غير أن الفهم الماركسي للأخلاق يرفض هذه المقاربة المجردة. بل يراها بوصفها شيئًا ملموسًا، فهي في جذورها مسألة مادية، تحددها مسيرة تطور المجتمعات البشرية عبر التاريخ.

أفكارنا عن العالم ليست ثابتة، بل تخضع لسيرورة تطور مستمرة. والأخلاق بالمثل تتغير وتتطور، مع تغير ظروفنا وعلاقاتنا الاجتماعية.

في جميع أنحاء العالم اليوم، يعتبر قتل الرضع جريمة مروعة ومقززة أخلاقيا. ولكن هناك أدلة كثيرة تشير إلى أن وأد الأطفال كانت ممارسة مقبولة في العديد من مجتمعات الصيد وجمع الثمار حول العالم. وبالمثل، كان امتلاك العبيد يُعتبر في الماضي مقبولا أخلاقيا بل وحتى جدير بالاحترام؛ أما اليوم فهو محظور في معظم البلدان، على الرغم من أنه لا يزال موجودا بأشكال مختلفة.

هذه الاختلافات ليست مجرد اختلافات في الرأي بين ثقافات مختلفة، قررت بمحض الصدفة أن تعيش حياةً بطريقة معينة. إن هذه الرؤى الأخلاقية المختلفة جذريًا تعكس تحولات في تطور المجتمع، وقبل كل شيء، في تطور قوى الإنتاج البشرية.

فمن المعروف أن وجود عدد كبير من الأطفال المعالين كان يقلل من إنتاجية مجتمعات الصيد وجمع الثمار المتنقلة، بينما يزيد من عدد الأفواه التي يجب إطعامها. في ظروف معينة، كان هذا يشكل خطرا وجوديا على المجتمع ككل. وبالتالي، عكست ممارسة وأد الأطفال قسوة الحياة في فترة كان فيها مستوى تطور قوى الإنتاج منخفضا للغاية.

صعود وسقوط العبودية يعكسان أيضا تغيرات في الأساس الاقتصادي للمجتمع. كان معظم العبيد إما أسرى حرب أو أفراد معدمين لم يعودوا قادرين على إعالة أنفسهم. بينما كان الوقوع في العبودية يُعتبر مصيبة خطيرة، إلا أنه كان في معظم الحالات خيارا أفضل من البديل الوحيد الآخر، وهو الموت. في الوقت نفسه، لعبت العبودية دورا أساسيا في إنتاج فائض كبير، اعتمدت عليه إنجازات عدد من الحضارات القديمة.

لذلك، في نظر العبرانيين أو الإغريق القدماء، لم يكن امتلاك المرء للعديد من العبيد جريمة أو حتى استغلالا. بل كان يُنظر إلى مالك العبيد كعضو بارز في المجتمع، فقد حظي بأسرة كبيرة بفضل شجاعته، وفطنته، أو محبة الآلهة.

لم تبدأ الجماهير العريضة في الاعتراض على العبودية ككل، إلا بعد أن أصبحت الأخيرة مجرد حالة غير ضرورية، بل وعقبة في طريق مزيد من التطور الاقتصادي. وليس من قبيل الصدفة أن تتحول حركة إلغاء العبودية إلى حركة جماهيرية في ذات الفترة التي كانت الطبقة العاملة – أي عمال الأجر الأحرار – تنمو فيها بشكل متسارع بفعل الثورة الصناعية. وهذا يجسد ما شرحه تروتسكي: «الأخلاق هي نتاج التطور الاجتماعي».[3]

الأفكار السائدة 

إحدى القواعد الأخلاقية الأكثر شيوعاً، والتي تبدو لكثيرين خالدة وصحيحة بطبيعتها، هي رفض السرقة. ففي الكتاب المقدس، يُصوَّر هذا الأمر على أنه قد نزل حرفياً من السماء، من سلطة أبدية فوق المجتمع، ضمن الوصايا العشر. 

تنفيذ حكم إعدام في ساحة الثورة (حوالي عام 1793)، الرسام بيير أنطوان ديماشي

ولكن هذه القاعدة هي أيضاً نتاج للتطور الاجتماعي. فطوال معظم فترات الوجود البشري، لم يكن هناك ملكية خاصة ولا تفاوت، وبدونهما يصبح مفهوم “السرقة” نفسه بلا معنى.

لقد كان تطور الزراعة، الذي يعود إلى حوالي 12.000 عام، والقدرة المتزايدة على إنتاج فائض، هما الأساس المادي لنشوء التفاوت والملكية الخاصة، وفي النهاية، انقسام المجتمع إلى طبقات متناحرة. 

العلاقات الاجتماعية الجديدة القائمة على استغلال الأكثرية، وَجدت انعكاسها الطبيعي في أخلاقيات جديدة للطبقة ذات الامتيازات، التي احتكرت أيضاً المؤسسات الأيديولوجية في ذلك الوقت، مثل الكتابة وتنظيم الدين، وغير ذلك. وعندما نشأت الأجهزة المسلحة للدولة، أصبحت حاميةً لممتلكات الأغنياء وحارسةً للنظام العام والأخلاق في آن معاً. وهو الأمر الذي مازال مستمر حتى يومنا هذا.

إن المجتمع الطبقي بذاته يخلق باستمرار سلوكيات “غير أخلاقية”، مثل السرقة، وفي نفس الوقت يخلق الحاجة إلى حظرها بشكل علني.

إلّا أنّ هذا المنع لا يستطيع، في واقع الأمر، القضاء على السلوك غير الأخلاقي؛ لأنه نتاج تناقضات موضوعية، مثل انعدام المساواة. فآلاف السنين من تلقين هذه الوصية لم تمنع وقوع عدد لا يُحصى من أفعال السرقة.

في كتاب “الأيديولوجية الألمانية”، أوضح ماركس وإنجلز: 

«أفكار الطبقة السائدة هي في كل عصر، الأفكار السائدة».[4]

أكانت الطبقة السائدة لِتُحافِظ على هيمنتها على الأغلبية الساحقة لو اكتفت بالاعتماد على القوة المجردة. فهي بحاجة إلى وسائل أخرى، تكون في جوهَرِها أيديولوجية، وتشكِّل الأخلاق عنصرًا جوهريًا فيها. وعليه، تعمل الأخلاق بوصفها أداة في يد الطبقة السائدة.

الانحدار الأخلاقي 

منذ أن انقسم المجتمع إلى طبقات مستغِلة ومستغَلّة، أصبحت الأخلاق تتماشى مع النفاق. فالأخلاق الرسمية تزعم دائمًا أنها تضع معايير سلوك للمجتمع بأكمله، نيابة عن الجميع. غير أنها، في الواقع، تُضفي الشرعية على العلاقات الاجتماعية القائمة وتُحافظ عليها، بل وتُحرّم أي سلوك من شأنه تقويضها. 

جوهريا، تلعب أخلاقيات الطبقة السائدة دورا بارزا في النظام الاجتماعي، من خلال محاولة توحيد الطبقات المتناحرة. فهي تروّج لوهم إمكانية تحقيق الانسجام المجتمعي عبر مبادئ حياتية مجردة وشاملة. لكن هذا الادعاء زائف بالكامل. وبالتالي، تخدم أخلاقيات المستغلين طمس الصراع الطبقي وإخفاءه، لصالح الطبقة السائدة.

وهكذا، عندما كانت الأرستقراطية الإقطاعية هي الطبقة السائدة في المجتمع، كانت قيمتا الشرف والولاء تُعدان قيمتين “عالميتين” مُهمَّتين، جرى الترويج لهما للحفاظ على نظام إقطاعي هرمي ومستقر. فبدلا من مبدأ “أن جميع الناس يولدون متساوين”، أصر الحكّام على أن يعرف كل فرد مكانته في التسلسل الهرمي الاجتماعي الصارم، والذي كان يُزعم أن الله نفسه هو من شرَّعه.

علاوة على ذلك، فإن الطبقة السائدة لا تحترم تشريعاتها الأخلاقية حقًا، بل ستتخلى عنها دون أدنى تردد إذا ما تعرضت مصالحها الحيوية للتهديد. فنفس الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تبشر الأغلبية بالخنوع والوداعة، ما كانت لتبالي في إصدار أوامر بإبادة مدن بأكملها إذا ما انحرفت نحو “الهرطقة”.

ولكن إذا كانت أخلاقيات الطبقة السائدة دائما ما تكون منافقة، فإن هذا يثير التساؤل: لماذا تقبلها الجماهير من الأساس؟ لو كانت مجرد مسألة دعاية أو قوة، لما استطاع نظام أخلاقي أن يترسخ في قلوب وعقول المظلومين لقرون. مرة أخرى، هذه المسألة ترتبط بالتطور الاجتماعي وبالصراع الطبقي.

فعندما تدفع الطبقة السائدة المجتمع إلى الأمام، وعندما يكون نظامها الاجتماعي مستقرا ويطور قوى الإنتاج، فإن حكمها “يبدو منطقيا” لجميع الطبقات، حتى بالنسبة للمضطهَدين. وبالمثل، فإن نظامها الأخلاقي يبدو منطقيا، ويُنظر إليه على أنه حارس ضروري ضد انهيار الأخلاق بكاملها والانحدار نحو الشهوات الحيوانية.

وبالتالي، فقد قُبلت الأخلاقيات الإقطاعية للكنيسة الكاثوليكية باعتبارها صحيحة من قبل الجميع، وإن كان بطرق متباينة من قبل مختلف الطبقات. وعندما اكتشفت الطبقة السائدة وجود انتهاكات لتلك الأخلاق، قامت بقمعها باعتبارها جرائم فردية. جحيم دانتي مليء بالملوك والباباوات الذين انتهكوا الأخلاق المسيحية في العصور الوسطى؛ بينما جنته مليئة بأفراد، من النبلاء والعامة على حد سواء، الذين اعتُقد أنهم جسّدوا هذه الأخلاق. باختصار، كان يُنظر إلى النفاق على أنه خطأ يجب تطهيره من النظام الأخلاقي، وليس سمة متأصلة في ذلك النظام.

إلا أنه عندما يتجاوز نمط الإنتاج في قاعدة المجتمع فترة فائدته، ويبدأ النظام الاجتماعي القائم على هذا النمط في الدخول في أزمة تاريخية، تصبح الطبقة السائدة عاجزة عن الحفاظ على هيمنتها بالطريقة ذاتها. فلم يعد نظامها الاجتماعي يبدو منطقيًا كما كان من قبل، وكذلك نظامها الأخلاقي. وكذلك الحال مع نظامها الأخلاقي. وهكذا يشرح تيد غرانت: 

«انحلال الأخلاق ليس شيئاً جديداً على التاريخ. فهو عادةً ما يتشكَّل في فترة انهيار النظام الاجتماعي القديم، والانتقال إلى نظام اجتماعي جديد. ومع فقدان الطبقة السائدة القديمة لوظيفتها، تتداعى أيضاً المدونات الأخلاقية المرتبطة بسيطرتها. وبالمثل، خلال فترة الانتقال، تحتاج الأخلاق الجديدة القائمة على علاقات إنتاج جديدة إلى وقتٍ لتتبلور».[5]

تُعد فترة انحدار وانهيار نظام العبودية الرومانية حافلة بأمثلة عن التفكك الأخلاقي، خاصة بين صفوف الطبقة السائدة. إذ في ظل حكم أباطرة مثل كومودوس وكاراكلا، أصبحت الاغتيالات والقتل الجماعي وشتى أنواع الانحلال الأخلاقي جزءاً مألوفاً من الحياة العامة. في هذا السياق، لجأ الملايين في الإمبراطورية الرومانية، بحثاً عن مجموعة جديدة من القيم، إلى اعتناق المسيحية مع نهاية القرن الثالث.

وبالرغم من نشأتها كفرقة يهودية غامضة في زاوية نائية من الإمبراطورية، انتشرت المسيحية بسرعة بين الوثنيين الرومان (غير اليهود). وساهم في ذلك جزئياً، الخطاب الناري الوارد في الأناجيل ضد رياء وفساد النخب، كما في النص التالي: 

«ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون! فأنتم كالقبور المبيَّضة تظهر من الخارج جميلة، ولكن من الداخل مملوءة بعظام الأموات وكل نجاسة». (متى 23: 27) 

وبالمثل، شكلت فترة عصر النهضة في أوروبا، خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، مرحلة انكسر فيها النظام الإقطاعي القديم بشكل لا رجعة فيه، فلم ينتج حكم الأرستقراطية سوى الأزمات، وأصبحت جميع مؤسساتها الأخلاقية موضع انتقاد عام للفساد. وقد تجلت حدة الصراع بين الطبقات، وبين المتنافسين على السلطة من برجوازية العصر الجديد، حول المنظومة الأخلاقية (أو انعدام الأخلاق) في ذلك الوقت. وقد ألقى تروتسكي الضوء على هذه الحالة بقوله: 

«لقد كان الفساد السمة الغالبة في السياسة الإيطالية. كانت فنون الحكم تُمارس داخل العُصَب وتتكون من الفنون الرقيقة للكذب والخيانة والجريمة».[6]

يشير تروتسكي إلى أن مكيافيلي، الذي عاش خلال تلك الفترة الانتقالية، رأى في الصراع على السلطة السياسية على أنه “مسلمة شطرنجية”، لا وجود فيها لمسألة الأخلاق. وغالباً ما يُصوَّر مكيافيلي نفسه باعتباره داهية لا أخلاقي. بيد أنه في الواقع، كان يستند في نظريته إلى ممارسات الطبقة السائدة في عصره، بما في ذلك البابوية. نتيجة لكشفه أساليبهم بهذا القدر من الوضوح للعامة، فليس من المستغرب أن يُحظَر عمله الأشهر، “الأمير”، من قبل الفاتيكان.

وفي ذات الفترة التي كتب فيها مكيافيلي “الأمير”، علّق مارتن لوثر “أطروحاته الخمس والتسعين” على باب كنيسة جميع القديسين في فيتنبرغ. واتهم لوثر البابا والكنيسة بالفساد والنفاق فيما يخص بيع “صكوك الغفران” (التي تمنح مغفرة الخطايا وتُيسِّر للمشتري دخول الجنة)، واكتناز ثروات فاحشة، جُمِعت باستنزاف الجماهير.

ما قدمه لوثر لم يكن إحياء النظام القروسطي القديم، الذي كان مستحيلا آنذاك، بل كان في جوهره شكلا جديدا للمسيحية: البروتستانتية. وأفرز ذلك رؤية أخلاقية مغايرة للرؤية التي يتبناها رجال الدين الأعلى مرتبة، تقوم على علاقة أكثر فردانية ومباشرة مع الله دون الحاجة إلى وساطات لا داعي لها. وقد عكست هذه الرؤية بشكل أوثق نظرة الطبقة الصاعدة: البرجوازية.

لقد كان البرجوازيون على وعي تام بأنهم يتصرفون لمصلحتهم الاقتصادية عندما حاربوا الكنيسة، وكذلك الحال بالنسبة للفلاحين عندما حاربوا لتحرير أنفسهم من القمع. لكن الجماهير كانت مدفوعة أيضا باشمئزاز أخلاقي من النظام الفاسد بأكمله، وهو اشمئزاز سيلعب دورا هاما في سلسلة من الثورات الدرامية، مثل حرب الفلاحين الألمان (1524-1526)، والثورة الهولندية (1568-1648)، والحرب الأهلية الإنجليزية (1642-1651).

إن هذا الاشمئزاز الأخلاقي هو في ذاته عَرَضٌ من أعراض التخمر الثوري في المجتمع، ويرافقه حزمٌ أخلاقي صحي. وقد تجلى ذلك بوضوحٍ خاص عندما أطلقت الثورة الفرنسية (1793-1789) عهد إرهابها الثوري ضد الملكية والكنيسة، ما دفع روبسبير إلى أن يعلن:

« ليس الإرهاب سوى عدالةٌ عاجلة، صارمةٌ لا تلين؛ وهو تجلٍّ للفضيلة.»[7]

الأخلاق البورجوازية

عندما حلت البرجوازية محل الأرستقراطية وأضحت الطبقة السائدة، أُزيحت القيم الإقطاعية القديمة التي فقدت هيبتها ومكانتها، وحل محلها حكمُ الحرية والمساواة أمام القانون الذي قيل عنه إنه عالمي.

لكن “الحرية” المجردة والعالمية أخفت المصالح الملموسة للبرجوازية، التي تحتاج إلى حرية التجارة، والأسواق الحرة، والعمال الأحرار تماماً في بيع قوة عملهم لمن هو مستعد للدفع. هذه العلاقات الاجتماعية الجديدة وجدت انعكاساتها حتما في أخلاق جديدة، وهي أخلاق البرجوازية. 

في هذا السياق، حاول مفكرون برجوازيون مختلفون تأطير الأخلاق عقلانيا، بتجريدها من طابعها الديني. من بين هؤلاء المفكرين، يُعد إيمانويل كانط (1724-1804) وجيريمي بنثام (1748-1832) الأكثر شهرة وانتشارا في المراجع اليوم.

وفقا “للأمر المطلق” لكانط، حتى يكون الفعل أخلاقيا، يجب أن «تتصرف فقط وفقا لتلك القاعدة التي يجب أن تكون قابلة لأن تصبح قانونا عاما ينطبق على الجميع»[8]. وبعبارة أخرى، قبل القيام بأي شيء، يجب على المرء أن يسأل نفسه: ماذا سيحدث إذا فعل الجميع الشيء نفسه؟ هل سيكون ذلك جيدا أم سيئا؟

على سبيل المثال، يخبرنا كانط أن عالما يكذب فيه الجميع سيكون عالما سيئا، لذلك لا ينبغي لأي فرد أن يكذب تحت أي ظرف من الظروف: الغايات لا تبرر الوسائل أبدا إذا كانت الوسائل غير أخلاقية في حد ذاتها.

من ناحية أخرى، ارتبطت النظرية “النفعية” للأخلاق عند بنثام بعواقب الفعل: أي الغاية تبرر الوسيلة. وبهذه الطريقة، فهي أكثر مرونة من الأمر المطلق لكانط.

وفقا لبنثام، تقوم الأخلاق النفعية على مبدأ السعي لتحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس.

خذ على سبيل المثال معضلة العربة الشهيرة. تخيل أنك تقود عربة ترام تسير باتجاه مسار قد رُبِط عليه خمسة أشخاص، وهي على وشك أن تقتلهم حتمًا. بإمكانك أن تتدخل بفعّالية وأن تحوّل العربة إلى مسار آخر لم يُرَبَّط عليه سوى شخص واحد.

ومن هنا ينبثق السؤال التالي: هل يتوجب عليك ألا تتخذ أي إجراء، بحجة أنك لست المسؤول عن وفاة الخمسة أشخاص طالما أنك لم تربطهم إلى السكة؟ أم ينبغي لك أن تتدخل بقوة لإنقاذهم، لكنك خلال هذه العملية تصبح مسؤولا مباشرة عن قتل شخص كان من الممكن أن يظل على قيد الحياة؟

حسب المذهب النفعي، فإن الإجابة بسيطة. أنت تنقذ الأشخاص الخمسة، لأن ذلك يحقق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس.

ولكن مع ذلك، كلا من النفعية والأمر المطلق لكانط قد عانا من النهج المجرد ذاته في معالجة المسألة الأخلاقية. فقد قام كلاهما بعقلنة الأخلاق البرجوازية الناشئة وتحويلها إلى مدونة قواعد، قابلة للتطبيق عالميا على جميع البشر. وبالتالي، فإن كلاهما يولد النفاق ذاته الذي تصاحبه جميع الأخلاقيات البرجوازية.

وكما تبين لاحقا، فإن المبادئ الأخلاقية الإيجابية التي افترض كانط استنباطها من أمره المطلق لم تختلف جوهريا عن الأخلاق البرجوازية الليبرالية التي كانت تتشكل في أوروبا خلال عصره: احترام الحرية الفردية، والمساواة أمام القانون، والتطور العقلاني والأخلاقي للجميع من خلال التعليم.

قد لا يتردد اسم كانط كثيراً في الأخبار، لكن هذا المنطق بعينه هو ما يعتمد عليه السياسيون عندما يطلقون تصريحات من قبيل “لا يجوز أبدا استخدام العنف لتسوية الخلافات السياسية”. وحقيقةُ أن مبادئهم “المطلقة” تُنتهك باستمرار في كل بلد – وأهمُّ من ينتهكها: الدولة ذاتها – تبقى من الأمورِ التي لا تلقي لهل الطبقة السائدة وأعوانها المأجورين في الجامعات بالًا. فالأهم بالنسبة لها هو قدرتها على التلويح بهذه المبادئ المزعومة كلما أرادت إثبات التفوق الأخلاقي لهيمنتها.

المنطق النفعي القائل بأن إجراءً أو سياسة ما تتخذ “للمنفعة العامة” هو شائعٌ بنفس القدر – إن لم يكن أكثر – في السياسة المعاصرة. بيد أن مشكلة هذا المنطق هي أنه يخلو من أي مضمون، وبالكاد يُعد نظريةً من الأساس. فهي تنتهي تماماً عند النقطة التي ينبغي أن تبدأ منها: ما هي حقاً أعظم سعادة لأكبر عدد من الناس؟ وكيف نحقق ذلك فعلياً؟

وكما يجادل تروتسكي:

«لا تُبرر الوسيلة إلا بغايتها. لكن الغاية، بدورها، تحتاج إلى تبرير».[9]

يستطيع شخص ما تبرير العنف الثوري في حرب أهلية بحجة أنه يُحَقِّق انتصار الثورة، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى سعادة أكبر. فيما يستطيع آخر تبرير عنف الثورة المضادة بحجة أن حماية الملكية الخاصة تؤدي في المحصلة إلى سعادة أكبر.

كِلا الحجتين نفعيتان بشكل متساو، وفي كلا الحالتين، فإن “النظرية” النفعية لا تفعل شيئا لتحديد أي الموقفين هو الصائب.

بل في الواقع، تتيح النفعية للمرء أن يبرر أي شيء تقريبا. فما تزال هذه الأخلاق منفصلة انفصالا تاما عن الواقع المادي والصراع الطبقي. ومثلما هو الحال مع الأمر المطلق لكانط، فإنها تفشل في تفسير الأشكال المتنوعة والمتناقضة للأخلاق التي نشأت واندثرت مع أنماط الإنتاج المختلفة عبر التاريخ. بل وكما لاحظ ماركس حول بنثام:

«فإنه يسعى بأقصى درجات السذاجة إلى اعتبار صاحب المتجر الحديث – ولاسيما التاجر الإنجليزي – إنسانا عاديا ومعيارا عالميا لجميع البشر. فكل ما هو مفيد لهذا الإنسان العادي الغريب وعالمه، يُعتبر نافعا بشكل مطلق. ثم يطبّق معياره هذا على الماضي والحاضر والمستقبل».[10]

هذه “النظرية” مُفيدة جدا للطبقة السائدة، لما توفره من مرونة هائلة تستغل لتبرير الحروب الإمبريالية أو إجراءات التقشف الصارمة: نعم، سيكون ثمة معاناة، ونعم، ستنتهك القواعد الأخلاقية، لكن ذلك كله – في نهاية المطاف – من أجل المنفعة العامة. يُخبروننا أن الديمقراطية والازدهار سيعمّان ما أن يسمح لهذه الحرب أو لبرنامج التقشف هذا أن يمضي قُدمًا حتى ينتهي.

عمليا، تَستخدم الطبقة السائدة بانتظام حججا من كلتا النظريتين المتباينتين ظاهريا في آنٍ واحد. فعلى سبيل المثال، تكرس الإمبريالية الأمريكية “الحق المطلق” في منع التعذيب ضمن القوانين، بينما تحتفظ في الوقت ذاته بمعسكرات التعذيب مثل الذي في خليج غوانتانامو، مدعية أن ذلك “يساعد في مكافحة الإرهاب”، وبالتالي ينقذ الأرواح.

النفاق

لطالما احتوت الأخلاق البرجوازية على النفاق في صميمها. غير أن هناك فترات – حين يتعاظم عمق الأزمة وتشتد وتيرة الصراع الطبقي – تضطر فيها الطبقة السائدة إلى التخلي علنًا عن جزء كبير من معاييرها الأخلاقية. وقد لاحظ تروتسكي هذا في عام 1940، قائلاً:

«لم تكن أي حقبة من حقب الماضي بقسوة عصرنا، ولا بوحشيته، ولا بسخريته. فسياسيًا، لم تتحسن الأخلاق البتة مقارنة بمعايير عصر النهضة وبعصور أخرى أقدم حتى».[11]

ويُقال الشيء نفسه عن العصر الذي ينفتح أمامنا. فالرأسمالية تغوص في أزمة تاريخية عميقة، عاجزةٌ عن دفع المجتمع إلى الأمام؛ وقد تَهَدَّم النظام السياسي والدبلوماسي والأخلاقي القديم تهدّمًا شديدًا؛ والصراع الطبقي يبدأ في التصاعد؛ وفي الوقت ذاته، تتجلّى وحشية الطبقة السائدة وسخريتها ونفاقها على مرأى من الجميع. فأزمة النظام الرأسمالي تعبّر عن ذاتها، أيضًا، بوصفها أزمة أخلاقية.

ملصق دعائي بولندي مناهض للبلاشفة، عام 1920

عندما يقول ترامب “أريد غرينلاند”، فإنه يعبّر عن النظرة الحقيقية للإمبريالية الأمريكية، لكن دون استخدام اللغة الدبلوماسية الملتوية. ولكن يجب أن نكون واضحين: فهو ليس أكثر قسوة ولا انتهازية من باقي أفراد الطبقة السائدة اليوم.

فقد ادعت الحكومات الليبرالية في جميع أنحاء العالم أنها المدافع الأكبر عن السلام، بينما تسلح وتدعم النظام الإسرائيلي الذي يرتكب الإبادة الجماعية. وبينما تدين بانتظام قصف روسيا للمدن الأوكرانية، بل وتتهم بوتين بـ“الإبادة الجماعية”، فإنها لا تتغاضى فحسب بل تساعد نتنياهو بكل طاقتها في قصف وتعذيب وتجويع مئات الآلاف من الفلسطينيين.

وكذلك فإن الطبقة السائدة الألمانية تسجن الناشطين لمجرد تنديدهم بما يجري في فلسطين ويطالبون بدعمها، مدعية أن ماضيها النازي يمنحها نوعا من السلطة الأخلاقية في مسألة معاداة السامية. وفي نفس الوقت الذي تتبارى فيه بالإشادة الذاتية بـ“تعلم دروس الماضي”، فإنها تخوض حملة إعادة تسليح محمومة، فارضةً سياسة التقشف على الجماهير من أجل تعزيز هيمنتها الإمبريالية على أوروبا.

وفي محاولةٍ كلبية للتغطية على سياساتهم التقشفية الإجرامية، يدَّعي السياسيون البرجوازيون أنهم يُدافعون عن العمال أصحاب البلد ضد المهاجرين، وعن النساء ضد المتحولين جندريًا، وعن أي طرف آخر يستطيعون اتخاذه كبش فداء.

ولكن اللافت بشكل خاص هو أن النفاق الفاضح للطبقة السائدة صار مُدرَكا على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم.

وخير دليل على ذلك الهجمات الوحشية التي تشنها المؤسسة الإمبريالية على الحركة المؤيدة لفلسطين. فبالرغم من الاتهامات الصاخبة بما يسمى معاداة السامية والعنف، فإن حركة التضامن مع فلسطين قد نمت بشكل هائل منذ السابع من أكتوبر 2023.

لقد أدرك الملايين من الناس حول العالم الحقيقة الكامنة وراء هذه الحملة التشويهية. بل إن دعم الحكومات لإسرائيل أصبح مصدراً رئيسياً لعدم شعبيتها في الأشهر الأخيرة، خاصة بين صفوف الشباب. فقد تصاعد غضب الكثير من الناس واشمئزازهم من نظام لا تكتفي النخبة الحاكمة فيه ببث العنف والكراهية، بل فوق كل ذلك تُلصق التهم وتدين الأشخاص الذين يعارضونها.

فكما قال أبراهام لينكولن ذات مرة: «يمكنك خداع بعض الناس طوال الوقت، وجميع الناس بعض الوقت. لكنك لا تستطيع خداع جميع الناس طوال الوقت»[12]. ها هي الأخلاق، ذلك السلاح الذي كانت الطبقة السائدة تلوح به، تعود لتصبح تهديدًا لمُلاّكها نفسه.

فقد كشفت قضية لويجي مانجيوني، أن هناك بالفعل رفض، إلى حد ما، للأخلاق الرسمية بين شريحة كبيرة من الجماهير. كانت الحركة العظيمة “حياة السود مهمة” في عام 2020 أيضاً مؤشراً على هذا. وكما كان موقف الملايين من قضية لويجي مانجيوني كاشفا، كان أيضاً موقف 54 بالمئة من الأمريكيين الذين رأوا أن حرق مقر شرطة مينيابوليس كان مبررا بعد جريمة قتل جورج فلويد.

يتنامى شعور واسع النطاق بأن النظام جائر، وأننا تحت حكم نخبة مصلحية ومنافقة. وهذا مؤشر على ازدياد عدم تحمل الجماهير لحكم البرجوازية، باعتبارها طبقة استنفدت وظيفتها التاريخية.

ويمكن رصد ذات النزعة في ظاهرة الترامبية. فطوال سنوات، أدانت وسائل الإعلام “المحترمة” والسياسيون وقادة الأعمال والمشاهير وغيرهم ترامب، ليس لأسباب سياسية فحسب، بل وفي المقدمة، لأسباب أخلاقية. فقد نعتوه بصفات كاذب، وغشاش، ومُولَع بملاذات الجسد، ومُتحَيز ضد المرأة، ومغتصب، ومُتعَصِب، وخائن للوطن، وديكتاتور، وفاشي، ولا أقل من ذلك! باختصار: شيطان بقصة شعر فريدة. لقد أحلوا دراسة الظواهر الشيطانية محل التحليل السياسي. حتى أنهم حاولوا إرساله إلى السجن، وارتعبوا من فكرة أن يصبح “مجرم مدان” رئيساً للولايات المتحدة.

ولم تنجح أي من هذه الهجمات الأخلاقية في إلحاق ضرر يُذكر بمستوى الدعم لترامب. بل إن الكثير منها أسدى إليه خدمة فعلية! وسبب ذلا لا يكمن في أن 77,3 مليون أمريكي يدعمون بحماس جميع تصرفات ترامب، وإنما يعود إلى أن ملايين الأشخاص، وشريحة لا يستهان بها من الطبقة العاملة، اتجهت نحو ترامب لاقتناعهم بأن ملاحقيه يتَّسِمون بكل ما يتهمونه به، وأنهم يحاولون بكلبية توظيف هذه الهجمات الأخلاقية لحماية نفوذهم وامتيازاتهم. وبالطبع لهم كل الاسباب الوجيهة للاعتقاد بذلك.

الصراع الطبقي

من المهم هنا عدم اعتبار هذه التطورات دليلا على اللامبالاة الأخلاقية أو الانحلال الأخلاقي لدى الطبقة العاملة. بل هي نتاج اشمئزاز أخلاقي عميق موجه ضد النظام القديم.  كما شهدنا بالفعل في تاريخ الصراع الطبقي، فإن لهذا تداعيات ثورية.

فكلما اشتدت وتيرة الصراع الطبقي، كلما ازداد تصادم النظرة الأخلاقية للطبقة العاملة مع الأخلاق الرسمية للطبقة السائدة.  وهذا يتجلى عندما يُضرب العمال، حيث تُنبذ مبادئ التضامن “الإنساني” المجردة تماماً ويحل محلها التضامن العمالي الملموس والكراهية للرأسماليين.  فثمة أخلاق نِقابية تتشكل على خط الاعتصام، هي أمضى وأرسخ وقعًا في النفوس من أي أخلاق مجردة، لِما تحمله من مضمون طبقي جلي.

يستند الشيوعيون إلى أسمى وأوضح أشكال الوعي الطبقي البروليتاري. وكما أوضح تروتسكي، فإن الشيوعي يعتبر أن الخير هو فقط ذلك الذي يخدم:

«… توحيد البروليتاريا الثورية، ويملأ قلوبها بعداء لا يلين إزاء الاضطهاد، ويعلمها احتقار الأخلاق الرسمية وصبيانها الديمقراطيين، ويغرس فيها وعيا بمهمتها التاريخية، ويعزز شجاعتها وروح التضحية في النضال».[13]

وهذا ما قاد تروتسكي للقول أن:

«إشكاليات الأخلاق الثورية تندمج مع إشكاليات الاستراتيجية والتكتيكات الثورية. والتجربة الحية للحركة تحت ضوء النظرية، هي التي تقدم الإجابة الصحيحة لهذه الاشكاليات.»[14]

العنف

ثمة سؤالٌ يَردُ غالبًا في هذا السياق: هل يدعم الماركسيون العنف؟ 

عادةً ما يُطرَح سؤال العنف بوصفه مسألة نظرية مجردة. فالسلميون، على سبيل المثال، يُعارضون العنف على إطلاقه، بلا اعتبارٍ للسياق. وهم يعتبرون اللاعنف معيارا أخلاقيا، ملزما للجميع وفي كل الأزمنة. كثيرًا ما يُردِّد قادة الطبقة العاملة الإصلاحيون مقولات السلميين، مدَّعين أن الثوريين لا يقلون سوءا عن الطغاة الذين يريدون الإطاحة بهم، إن هم لجأوا إلى العنف لتحقيق أهدافهم.

لكن الماركسيين ينظرون إلى العالم كما هو، وليس كما نود أن يكون. والواقع هو أن العنف والحرب يشكلان جزءا من أسس الرأسمالية.

فالطبقة الرأسمالية تمتلك العديد من الأسلحة تحت تصرفها لمحاربة رأسماليي الأمم المنافسة وعمال جميع الأمم، مثل الدعاية والدبلوماسية والخداع. لكن في النهاية، عندما يصل الصراع بين الأمم والطبقات إلى ذروته، تُحسم القضايا التاريخية الكبرى، في آخر المطاف، بالقوة المجردة السافرة.

ومن هنا تأتي كل الاستثمارات الضخمة في القطاعين الأمني والعسكري. فالدولة تحتكر استخدام العنف لصالح الطبقة السائدة، وهو ما تكرسه أخلاقيا عبر المنظومة الدينية ووسائل الإعلام والنظام التعليمي.

وطالما بقي النظام الرأسمالي، سيظل العنف واقعا مفروضا. لذلك نحن نقاوم هذا العنف المحدد. والاستنتاج الوحيد الذي يمكن استخلاصه هو أنه لوضع حد للعنف والحرب، يجب علينا الإطاحة بالرأسمالية. وفي هذا النضال الثوري، تتحول مسألة العنف إلى قضية ملموسة.

ففي السودان عام 2019، أطاحت حركة ثورية جسورة واسعة النطاق وقوية بالنظام الاستبدادي لعمر البشير. وما كان للطغمة العسكرية التي تولت الحكم مكانه أن تصمد في السلطة إلاّ من خلال ممارسة عنفٍ وحشيّ.

في هذا السياق، كان من الضروري لتحقيق أهداف الثورة تسليح الطبقة العاملة والفقراء كي يتمكنوا من قتال وصد هجمات قوات الدعم السريع المضادة للثورة. من الناحية العملية، كانت المسألة قضية حياة أو موت للثورة.

لكن قادة الثورة من البرجوازيين الصغار، الذين اتخذوا من “اللاعنف” مبدأً أخلاقيا موجها، لم يرغبوا في فعل ذلك. وهذا ترك العمال بلا أيّ حماية، عُرْضةً للضرب والاغتصاب والقتل على يدي النظام. و قدَّم هؤلاء القادة الثورة في النهاية قربانًا على مذبح السلمية. وكانت العواقب في غاية الوحشية والفظاعة.

مازال السودان غارقا في حرب أهلية دموية. هذا هو ما جلبته النزعة السلموية للطبقة العاملة السودانية: لقد أدت إلى عنف أكبر بكثير من “العنف” الذي كان على الجماهير تطبيقه لسحق النظام القديم ونزع سلاح العصابات المضادة للثورة. في الواقع، هناك قانون تاريخي عام يفيد بأن عنف الثورة المضادة، الموجه ضد أغلبية العمال والفلاحين الثوريين، يكون دائما أكثر وحشية وانتشارا من “عنف” الثورة، التي تتمثل مهمتها في نزع سلاح أقلية مستغِلة.

ما يتضح بالنسبة لنا هو أن النزعة السلموية ليست فقط عديمة الجدوى، ولكنها خطيرة للغاية على الحركة الثورية. ولا علاقة للماركسية بها على الإطلاق.

لسنا مع أو ضد العنف بشكل عام. سياستنا مبنية على الوضع الملموس أمامنا. بالنسبة لنا، العنف الذي يستخدمه الظالم لإبقاء عبده في القيود ليس مثل العنف الذي يستخدمه العبد لكسر تلك القيود. عنف الدولة الإسرائيلية ليس كعنف الشعب الفلسطيني.

غير أن المناصرين للسلمية يساوون في النهاية بين عنف المظلوم والظالم. وعندما يُؤخَذ هذا المنطق على محمل الجد، يصبح مصدر ابتهاج بالنسبة للإمبرياليين.

الإرهاب 

أإذا لم نكن نعارض العنف من حيث المبدأ، فهل يعني ذلك أننا نؤيد استخدامه على جميع الصُعُد، ما دام موجهاً بشكل عام للإطاحة بالرأسمالية؟ 

كلا. إذا كان تحرير البشرية لا يتحقق إلا من خلال ثورة اشتراكية، تستولي فيها الطبقة العاملة على السلطة وتدير المجتمع بنفسها، فإن التكتيكات الفعالة الوحيدة هي تلك التي تساعد في جعل الطبقة العاملة تدرك دورها في تغيير المجتمع.

أثارت قضية لويجي مانجيوني الأخيرة تعاطفا هائلا بين العديد من الشباب الذين يعتبرونه بطلا، مما جعل الغضب الطبقي الهائل الموجود في الولايات المتحدة يطفو على السطح. لقد أثارت سؤالاً مهماً: هل الاغتيالات والأفعال الفردية للإرهاب وسائل فعالة للإطاحة بالنظام؟

بالرغم من الضجة التي أحدثتها عملية الاغتيال، إلا أن الرأسمالية الأمريكية بقيت سليمة بالطبع. حيث يمكن استبدال المدراء التنفيذيين والسياسيين والأفراد. وبمجرد استبدالهم، سيستمر النظام الصحي الإجرامي في الحكم على الآلاف بالإفلاس والموت المبكر.

بطبيعة الحال، لدينا تعاطف كبير مع أولئك الذين يعتبرون لويجي مانجيوني بطلا، ونستنكر نظام “العدالة” المنافق الذي يدافع عن قتل الآلاف من قبل الطبقة السائدة. لكن بينما لا نثير اعتراضات أخلاقية مجردة على الأفعال المنسوبة لمانجيوني وآخرين مثله، فإننا نتساءل عن فعاليتها.

لقد أظهر لنا التاريخ أن الإرهاب الفردي وأساليب حرب العصابات، بمفردها ومنفصلة عن الصراع الطبقي، تميل إلى إحداث تأثير معاكس لما هو مقصود. فهي تستبدل أفعال أقلية، أو حتى مجرد فرد، بالفعل الجماعي للطبقة العاملة. وهذه الأفعال لا تعزز وحدتها أو مستوى تنظيمها، ولا تقوي إيمان العمال بقدرتهم على الإطاحة بالنظام.

هذا النوع من التكتيك يرسل رسالة للعمال مفادها أن عليهم الاعتماد على أفراد مخلصين للقتال نيابة عنهم. بينما يجب نقل الرسالة المعاكسة تماما.

إضافة إلى ذلك، تميل هذه الأساليب إلى تعزيز الجهاز القمعي للدولة، الذي يعتمد أساليب أكثر قسوة للتعامل مع ما يسمى بـ“الإرهابيين”. وبالتالي فإن هذه الأساليب تخدم في النهاية تعزيز قوى العنف البرجوازي دون أن تُنشئ في الوقت نفسه منظمات قوية للطبقة العاملة لمقاومة هجماتهم.

في ظل ظروف معينة، قد يؤيد الماركسيون عملياتٍ عنف أو تخريب فردية، متصلة بالكفاح الثوري للطبقة العاملة. ففي إطار ثورة وحرب أهلية، سيكون تصفية زعيم عصبة فاشية أو قائد جيش رجعي إجراءً عمليًا بامتياز. غير أن الإقدام على مثل هذا الفعل في خِضَم غياب أي حركة ثورية، قد يُحدِث أثرًا عكسيًا.

لهذا السبب لا يستطيع الماركسيون أن يحددوا مسبقا وبشكل مجرد، ما هي التكتيكات المسموح بها أو غير المسموح بها في أي لحظة معينة. فقط التجربة الحية للحركة العمالية في النضال، بمساعدة النظرية، يمكنها الإجابة على هذا السؤال.

مبادئ ثورية

لطالما تعرضت كل حركة ثورية في التاريخ للهجوم ونُعتت بأنها خطر دموي وغير أخلاقي على المجتمع، سواء أكان المسيحيون الأوائل في الإمبراطورية الرومانية، أم الشارتيون المنتمون للطبقة العاملة، أم الشيوعيون أنفسهم طيلة أكثر من مئة عام.

ما أن انتزعت الجماهير الروسية في عام 1917 السلطة تحت قيادة حزب البلاشفة بزعامة لينين وتروتسكي، حتى جرت شيطنة البلاشفة. فأطلقت الطبقة السائدة حملة من الأكاذيب والافتراءات لإدانتهم أخلاقيا. ولوحق الشيوعيين في جميع أنحاء العالم، وغالبا ما أبيدوا من أجل الحفاظ على “النظام” و“الحضارة” وبالطبع “الأخلاق”. وفيما بعد، أتاحت فظائع الستالينية فرصة ذهبية للرأسماليين لمهاجمة صرح الشيوعية بأكمله، ورميه بالمزيد من الاتهامات. 

في عام 1938، كتب تروتسكي “أخلاقهم وأخلاقنا” في سياق محاكمات موسكو الأخيرة. كان آلاف البلاشفة القدامى وآخرون موضوع اتهامات كاذبة من قبل النظام الستاليني. حُكم على الكثيرين بالإعدام لأنهم اتهموا بأنهم “تروتسكيون” و“عملاء فاشيون”.

ولكن لماذا كتب تروتسكي عن الأخلاق في تلك الفترة؟ 

الوحش (الرأسمالية) (عام 1907)، الرسام غابرييل غالانتارا

لأن المثقفين البرجوازيين الصغار الجبناء، من الإصلاحيين إلى الفوضويين، استدعوا فجأة مبادئ أخلاقية مجردة لإدانة الشيوعية ككل، والتي اكتشفوا أنها أصبحت “غير أخلاقية”.

البرجوازية الصغيرة، المحصورة بين الطبقتين الكبيرتين المتعارضتين، ليست قادرة على الاستقلال الأخلاقي والسياسي. لذا فهي غالبا ما تنتهي بأن تكون قناة نقل للأيديولوجيا السائدة لدى الرأسماليين، إِلى الحركة العمالية.

يكفينا أن ننظر إلى كم من “اليساريين” البارزين، الذين ارتدَّوا فزعا من إمكانية اتهامهم “بمُعاداة السامية” من قبل النخبة لمعارضتهم إسرائيل، لم يتركوا الشعب الفلسطيني فحسب، بل انضموا إِلى ملاحقة الساحرات ضد “معاداة السامية اليسارية” المختلقة.

في السنوات الأخيرة، استفادت الطبقة السائدة من تبني عقلية النقاء الأَخلاقي من قبل جزء كبير من اليسار. كان هناك هوس بصناعة “مساحات آمنة” وفكرة أن أي منظمة يسارية يمكن إثبات وجود سلوك غير أخلاقي فيها، تستحق الفصل والتصفية. غالباً ما يقضى وقت أطول في رقابة الأخلاق منه في الكفاح من أجل نظام اجتماعي جديد. على اليسار أن يرفض هذا المأزق الأخلاقي وإلا فعليه أن يواجه الانقراض!

لذلك، من الأهمية القصوى أن يظل الشيوعيون ثابتين في مواجهة أفكار الطبقات المُهيمنة. وكما أشار تروتسكي بحكمة:

«لا يمكن للماركسي الثوري أن يشرع في أداء مهمته التاريخية دون أن يتحرر أخلاقيا من تبعية الرأي العام البرجوازي وأدواته المؤثرة داخل صفوف البروليتاريا.»[15]

في كل مكان حولنا، هناك ضغط مستمر للخضوع للأخلاق السائدة و“الرأي العام”. يُقال لنا أنه لا ينبغي أن نكون “متطرفين” إلى هذا الحد؛ وعلينا الامتناع عن استقطاب المناصرين للحزب الثوري؛ وكذلك التوقف عن طلب الدعم المالي للحركة. باختصار، لا ينبغي أن نجرؤ على بناء تنظيم احترافي للإطاحة بالنظام القائم.

ففي النهاية، من المفترض أننا نعيش في مجتمع “متحضر”، تحكمه معايير السلوك الحسن. وقد استسلم الإصلاحيون بالكامل لهذه الأوهام الأخلاقية، حتى أنهم آمنوا بها أكثر من البرجوازيين أنفسهم!

وبفضل انتهازيتهم، فإنهم يحترمون قواعد النظام الرأسمالي ويقبلون ليس فقط بالدولة البرجوازية، بل أيضاً بالأخلاق البرجوازية. ومن خلال ربط حركة العمال بخنوع بهذه المعايير المنافقة، فقد نزعوا سلاحها وقادوها إلى الهزيمة في مناسبات لا تحصى.

من الطبيعي أن يرغب الإصلاحيون في إسكات أي شخص يرفض الخضوع لقواعدهم. وهذا مبدأ ثابت بالنسبة لهم وسيظل الحال هكذا دائما. لكننا نمتلك واجبا للدفاع عن مبادئنا الثورية. وعلينا واجب حماية مصالح الطبقة العاملة، وتجاهل رأي الطبقة السائدة و“اليسار” البرجوازي الصغير بالمطلق.

مقاومة هذه الضغوط فرادى مهمة شبه مستحيلة. فقوتنا تنبع من تنظيمنا، وفي النضال المشترك والخبرات المتراكمة لعشرات الآلاف من الماركسيين عبر العالم. وفي ظل الظروف الراهنة، أصبحت الحاجة إلى مثل هذا التنظيم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

وسط كل الفظائع والأكاذيب التي تنتجها الرأسمالية في مرحلة انحدارها، هناك حركة متنامية من أجل مجتمع جديد، يسعى للتحرر من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وعدم المساواة والنفاق الذي يرافقها. وكما قال تروتسكي بكلماته الثاقبة:

«…إن المشاركة الواعية في هذه الحركة بإرادة ثابتة وعزيمة لا تتزعزع – هي وحدها القادرة على منح الإنسان المفكر أسمى أشكال الإشباع الأخلاقي!»[16]

لهذه الحركة التحررية العظيمة، يكرس الشيوعيون وجودهم ويبذلون أرواحهم.


الهوامش:

[1] : J Shapiro, Quoted in ‘He is no hero’: Pennsylvania governor rips people praising UnitedHealthcare CEO’s suspected killer, Independent, 10 December 2024

[2] : Emerson College Polling, ‘December 2024 National Poll: Young Voters Diverge from Majority on Crypto, TikTok, and CEO Assassination’, 17 December 2024

[3] : L Trotsky, Their Morals and Ours, Pathfinder, 2013, pg 26

[4] : K Marx, F Engels, The German Ideology, Progress Publishers, 1976, pg 67

[5] : T Grant, ‘Marxism versus New Fabianism – Part Two’, The Unbroken Thread, Fortress, 1989, pg 535

[6] : L Trotsky, Stalin, Wellred Books, 2016, pg 682

[7] : Quoted in R Bienvenu (ed.), The Ninth of Thermidor, Oxford University Press, 1968, pg 38

[8] : I, Kant, Groundwork of the Metaphysics of Morals, Hackett, 1993, pg 30

[9] : L Trotsky, Their Morals and Ours, Pathfinder, 2013, pg 54

[10] : K Marx, Capital, Vol. 1, Progress Publishers, 1971, pg 571

[11] : L Trotsky, Stalin, Wellred Books, 2016, pg 3-4

[12] : A Lincoln, ‘Speech at Clinton, Illinois, September 8, 1858’, Complete Works of Abraham Lincoln, Vol. 3, Lincoln Memorial University, 1906, pg 349.

[13] : L Trotsky, Their Morals and Ours, Pathfinder, 2013, pg 54

[14] : ibid., pg 55

[15] : ibid., pg 40

[16] : ibid., pg 58