الرئيسية / قضايا نظرية / الاشتراكية ضد الرأسمالية / انكشاف “طبقة إبستين”: كيف تحكم الطبقة السائدة

انكشاف “طبقة إبستين”: كيف تحكم الطبقة السائدة

تمنحنا وثائق إبستين شيئا غير عادي. فلم يسبق لنا قط أن حظينا بمثل هذه الرؤية لآليات العمل الداخلية للطبقة الرأسمالية، وإن كانت جزئية وغير شاملة.

لقد أعطتنا وثائق بنما المسربة في عام 2016 ووثائق بارادايس بعدها بعام لمحة عن ذلك. ورأينا كيف ينقل رأسماليو العالم أموالهم سرا عبر الحدود إلى جزر صغيرة، حيث يمكنهم التهرب من الضرائب والرقابة.

وبين الحين والآخر، نلمح الباب الدوار الهائل الذي ينقل الأفراد بين الوظائف الحكومية والقطاع الخاص. وتعد هذه الممارسة شائعة جدا لدرجة أن لا أحدا يحاول حتى إبقاءها سرا، إذ إنها صلة مقبولة بين الرأسماليين وممثليهم السياسيين.

ولدراسة هذه الحالة، انظر إلى بريطانيا. ففي السنوات الأخيرة، ألقى كل من فضيحة جواسيس الشرطة (Spycops)، وقضية جيمي سادفيل، والإطاحة بحكومة ليز تراس، والتهديدات التي أطلقها جنرالات في الخدمة بعدم إطاعة حكومة كوربين، الضوء على الغرف الخلفية المظلمة التي تقطنها الطبقة السائدة.

لكن هذه حالات فردية. وتكمن أهمية وثائق إبستين في أنها تكشف عن هذه السيرورة بوصفها كلا متصلا ومترابطا، فهي تعرض لنا النسيج الاجتماعي الذي تتحرك من خلاله الثروة والسلطة.

أوضح ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي كيف ينقسم المجتمع الرأسمالي إلى طبقات متناحرة، بناء على علاقتها بوسائل الإنتاج. فالطبقة الرأسمالية مجبرة على استغلال الطبقة العاملة من أجل تحقيق الأرباح والحفاظ على قدرتها التنافسية في السوق. ومن ثَمَ، فإن التمركز الناجم للثروة الخيالية في قطب، والبؤس في القطب الآخر، ليس خطأ بل هو أمر أصيل في النظام. وخلافا لما اعتقدوه الاشتراكيون الطوباويون، لا يمكن إقناع الطبقة السائدة بالتخلي عن هذا من أجل تقدم البشرية جمعاء، بل إنهم في الواقع سيفعلون كل ما هو ضروري للحفاظ على حكمهم.

وقد طور ماركس وإنجلز نظريتهما عن الدولة في هذا السياق من الصراع الطبقي. ومنهما نفهم أن “السلطة التنفيذية للدولة الحديثة ليست سوى لجنة لإدارة الشؤون المشتركة للبرجوازية بأسرها” (ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي). والدولة، في جوهرها، أداة للسيطرة الطبقية والقمع عن طريق احتكار العنف: “فصائل مسلحة من الرجال” لحماية علاقات الملكية. ولهذا السبب، فإن الأهم من ذلك هو أن “الطبقة العاملة لا تستطيع ببساطة الاستيلاء على جهاز الدولة القائم واستخدامه لأغراضها الخاصة”، بل يجب عليها “تحطيمه” إذ لا يمكن إصلاحه (ماركس في الحرب الأهلية في فرنسا).

لقد أُفصح عن الملايين من وثائق إبستين، وهناك ملايين أخرى لم تُنشر بعد. وهناك حتما ملايين لم تُجمع أساسا، وأخرى دُمرت. وبالطبع، فإن الأمور الأكثر حساسية لن تُسجل على الإطلاق: أحاديث خافتة ولقاءات سرية لن ترى النور أبدا.

ما نراه هو شبكة كثيفة من العلاقات. خبراء ماليين وأفراد من العائلات المالكة وسياسيين ومليارديرات وأكاديميين وعلماء، وغيرهم الكثير، يتقابلون ويتعاونون ويساعدون بعضهم البعض، ويتكاتفون لحماية بعضهم البعض. تُظهر لنا الوثائق نظاما بيئيا معقدا للطبقة السائدة، لا يشبه الآلة أو المؤامرة بقدر ما يشبه غابة كثيفة لا قانون فيها، لها دروبها الممهدة وطرقها المنتظمة، لكنها تحتوي أيضا على زوايا أشد ظلاما، تقطنها كافة أنواع الكائنات السامة والخطرة.

يمكن أن يبدو هذا، من الخارج، فوضويا ومترابطا في الوقت نفسه. وتستكمل الوثائق ظاهريا تأكيد أعتى نظريات المؤامرة حول زمرة من مستغلي الأطفال تجتمع في جزر خاصة لإدارة العالم. لكن الوثائق تظهر في الوقت نفسه احتيالا وجشعا ويأسا وعشوائية بين إبستين وشركائه، وهو ما لا يتوافق مع مؤامرة كلية القدرة.

كلا الأمرين يمكن أن يكون صحيحا. فطبقة إبستين لا تجتمع معا بموجب مؤامرة مدبرة مسبقا، بل بروابط المصلحة الذاتية المتبادلة. إن ما يجمعهم هو فهم مشترك بفعل وعي طبقي متماثل، رغم تنوع آرائهم. وتُشكل ثروتهم وسلطتهم الهائلة طوق حماية حولهم، مما يخلق بيئة من الإفلات من العقاب، يمكن فيها ارتكاب أكبر الانتهاكات دون عواقب.

تمنحنا وثائق إبستين نظرة أعمق على كيفية إعادة إنتاج الطبقة السائدة لنفسها والحفاظ على بقائها من خلال علاقاتها ومؤسساتها الداخلية. وهذا النظام جزء مما يجعلها طبقة شديدة المرونة. ولكنه أيضا، كما أثبتت الفضيحة المحيطة بكشف إبستين، أمر يمكن أن يقوضها عندما يُسلط الضوء على أعماقها.

المليارديرات

كان إبستين خبيرا ماليا. وتجلت مهارته الاستثنائية في التلاعب بأسواق العملات، ونقل الأموال عبر الحدود، وإخفائها عن سلطات الضرائب.

ولذلك، ليس من المستغرب أن نجد عددا كبيرا من المليارديرات في وثائق إبستين. فقد حافظ على أواصر وثيقة مع أثرى أثرياء العالم. واستعانت بخدماته بعض من أكبر الشركات العالمية، مثل “جلينكور” (Glencore)، و”أبولو جلوبال مانجمنت” (Apollo Global Management)، ومجموعة “روتشيلد” (Rothschild Group).

تمنحنا الوثائق رؤية عميقة لعالم جزر الملاذات الضريبية، وهي ركن أساسي في حياة أي ملياردير. فجزيرة إبستين نفسها جزء من جزر العذراء الأمريكية، المعروفة بنظامها الضريبي المريب. وكانت له علاقات مع مصرفيين في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في البنوك السويسرية مثل “روتشيلد” (Rothschild)، بتشريعاتها الصارمة بشأن السرية المصرفية.

أما بالنسبة للطبقة الرأسمالية، وحين يتعلق الأمر بالمال، فلا وجود للحدود، وتصبح الضرائب أمرا اختياريا، وتغدو المشروعية والقانونية بلا أدنى قيمة، ولا سيما في الحقبة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، وهي الحقبة المسماة بالعولمة. ومع مرور الوقت، تنامت حول العالم شبكة من المؤسسات المكرسة للحفاظ على هذه الثروات الهائلة. ويساعد أفراد، مثل إبستين، يمثلون عقدة اتصال المليارديرات على التنقل داخل هذه الشبكة مقابل حصة من المال. إنها عائلة واحدة كبيرة وسعيدة من الطفيليات البرجوازية.

الدبلوماسيون

إن إحكام السيطرة على أسواق العملات، والالتفاف على العقوبات، والتهرب الضريبي، كلها شؤون عابرة للحدود. ومن ثَمَ، تغدو المعرفة الدبلوماسية عملة مهمة لخبراء المال من أمثال إبستين، فلا عجب إذًا أن تمتليء الوثائق بأسماء الدبلوماسيين.

تبرز الأسماء النرويجية على نحو خاص. وذلك ليس وليد المصادفة. إذ دأبت المؤسسة الحاكمة في النرويج على ترسيخ صورتها بوصفها قوة دبلوماسية ناعمة، يُحترم سفرائها، وتُطلب خبراتها على نطاق واسع.

لطالما كان السياسيون الرأسماليون الذين يحرصون على تلميع صورتهم، ويبدون في الظاهر النقاء والنزاهة، منافقين تفوح منهم رائحة الفساد. ففي ظل الرأسمالية، تقتضي الضرورة وجود “سيادة القانون” لكي يطمئن الرأسماليون المتنافسون إلى الاستثمار والتجارة دون خوف من الخديعة. وحول هذه الضرورة، تنشأ الأوهام بقدسية القانون وعدالته، رغم أنه يتعرض للانتهاك والالتفاف المستمر عمليا على يد الأثرياء.

وهكذا نشأ تقسيم عالمي للعمل. حيث تخصصت دول بعينها – مثل الدول الاسكندنافية وهولندا وبلجيكا وسويسرا، وهي دول صغيرة ليس لها دور إمبريالي كبير – في ترويج هذه الأوهام عبر مؤسسات مثل الأمم المتحدة، وهيئات حقوق الإنسان، والقانون الدولي، ومنابر الخطابة، وجوائز نوبل، وما إلى ذلك. لقد كانت هذه الوسائل نافعة في إضفاء مظهر من العدالة الدولية تحت مظلة النظام الإمبريالي الأمريكي، غير أن رخاء هذه البلدان نفسه اعتمد على الطبيعة الأكثر بشاعة للإمبريالية الأمريكية.

ومن هنا، فإن الانتشار اللافت لسفراء ودبلوماسيين من بلدان مثل النرويج في هذه الوثائق يكشف الكثير. فباعتبارهم فاعلين في عالم الدبلوماسية والمفاوضات الدولية تراكمت لديهم أسرار جمة. ولرجل مثل إبستين، كانت هذه الأسرار قابلة للمساومة مقابل خدمات، أو للمضاربة بها في الأسواق، أو لاستخدامها في الابتزاز والمناورة.

كما وصلت اتصالات إبستين الدبلوماسية إلى أعلى المستويات في البيت الأبيض، وشملت سفراء روسيين وفرنسيين، ومجلس أوروبا، والحكومات البريطانية والسعودية واليمنية والهندية، وغيرها الكثير.

وكان من بين أهم اتصالاته عملاء إسرائيليين في الخارج، أقام معهم مشاريع تجارية مشتركة، ومول من خلالهم الجيش الإسرائيلي والمنظمات الاستيطانية.

لقد يسر إبستين مسار الإمبريالية عبر هذه الشبكة الدبلوماسية. إذ تشارك مع اتصالاته الإسرائيلية لبيع البنية التحتية الأمنية والتكنولوجية لحكومتي ساحل العاج ومنغوليا، وتحالف مع ملياردير إماراتي للاستحواذ على موانئ نيجيرية، واستغل علاقاته في فنزويلا للمضاربة بسندات النفط الدولية.

لقد تموضع إبستين عند نقطة التقاطع بين تصدير رأس المال المالي والدبلوماسية الدولية. فكان يتكسب بوصفه سمسار صفقات، وحقق ثراء فاحشا لمجرد الخدمات التي كان الآخرون مستعدون لتقديمها لتغذية صداقتهم معه. تكشف لنا الوثائق الشكل الحقيقي للإمبريالية الحديثة على أرض الواقع، لا تحركها جحافل الجيوش على الأرض، بل يديرها المصرفيون والدبلوماسيون.

رجال الدولة

تجاوزت شبكة إبستين حدود الدبلوماسيين لتصل إلى عمق مؤسسات الدولة وأجهزة الاستخبارات حول العالم.

إن الطبقة السائدة، عبر جهاز دولتها، تستخدم أفرادا من أمثال إبستين للقيام بأعمالها القذرة، وفي المقابل توفر لهم الحماية. فعندما كُشف إبستين بوصفه العقل المدبر لأكبر مخطط احتيال هرمي (سلسلة بونزي) في تاريخ الولايات المتحدة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي تفادى الملاحقة القضائية على نحو غامض. وعندما أُلقي القبض عليه في عام 2008 بتهمة الاتجار بالأطفال بغرض الاستغلال الجنسي نجا بعقوبة صورية لا تُذكر لأن المدعي العام للولايات المتحدة أُبلغ حينها بأن إبستين “تابع للاستخبارات”.

وعلى قدر ما كان “يتبع للاستخبارات”، لم يعمل إبستين حصريا لصالح أي دولة بعينها. فمثل زبائنه المليارديرات، لم تكن الحدود الوطنية تعنيه إطلاقا إلا بوصفها وسيلة لتأليب الشعوب بعضها ضد بعض، وخلق المنافسة، والتربح منها.

ولهذا السبب كان على صلة وثيقة بأيديولوجيي اليمين من أمثال ستيف بانون. وكان من المشجعين بحماسة لأحد بلطجية الحرب الثقافية البريطانية، تومي روبنسون، والسياسيين الداعمين للبريكست مثل بوريس جونسون ونايجل فاراج. فقد رأى في هؤلاء وسيلة لتوفير فرص تجارية ومربحة للطبقة السائدة العالمية.

وكما كتب في بريد إلكتروني وجهه إلى الملياردير بيتر ثيل تعقيبا على البريكست، أشار إلى كم هو أمر رائع لأمثاله ممن يمكنهم الانقضاض وتجريد البلاد من أصولها:

“العودة إلى القبلية في مواجهة العولمة. تحالفات جديدة ومذهلة. لقد اتفقنا كلينا على أن أسعار الفائدة الصفرية كانت مرتفعة للغاية، وكما قلت لك في مكتبك: إن العثور على أشياء في طريقها للانهيار أسهل بكثير من العثور على الصفقة الرابحة التالية.”

وتذهب الملاحظات التي شاركها في بريد إلكتروني مع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك إلى أبعد من ذلك، إذ تتسم ببهجة متجردة من الإنسانية في استغلال المآسي البشرية لجني المال: “مع تفجر الاضطرابات المدنية في أوكرانيا وسوريا والصومال وليبيا، ويأس من هم في السلطة، أليس هذا مثاليا بالنسبة لك.”.

ليجيبه إيهود باراك ببرود: “أنت محق بطريقة ما. لكن ليس من السهل تحويل ذلك إلى تدفق نقدي.”.

لم تكن هناك أي مبادئ سياسية حاضرة هنا، بل كان الأمر مجرد أعمال تجارية. فكان بإمكان إبستين الحفاظ على علاقات ودية مع بانون، وفي الوقت نفسه مع أكاديمي “يساري” مثل نعوم تشومسكي. “ليبرالي” أو “محافظ”، مؤمن أو ملحد، لم يكن ذلك يهم على الإطلاق طالما أن هناك مالا يمكن جنيه.

إن ما تكشفه الوثائق هو كيفية ارتباط الدولة بالطبقة السائدة عبر السماسرة والوسطاء من أمثال إبستين. ففي ظل الرأسمالية ثمة قوى موضوعية وضغوط سوقية ومصالح دول متنافسة. لكن هذه الأمور لا تحلق في الفضاء فوق المجتمع بمعزل عنه، بل تنتج حتما أفرادا يعبرون عنها ويوجهونها، وبالطبع يجنون ثرواتهم منها. وكان إبستين أحدا هؤلاء الأفراد الذين ينتهزون الفرص لركوب أمواج الرأسمالية والعلاقات العالمية.

لم يُنجز أي من هذا وفق خطة مؤامرة معقدة، وهذا أمر جلي تماما في الوثائق. كان إبستين يلاحق ببساطة مصالحه الضيقة من أجل المال والنفوذ والمتعة من خلال الشبكات التي بناها. وهذه هي الطريقة التي تعمل بها الطبقة الرأسمالية برمتها، حيث يسعى كل فرد فيها لخدمة مصالحه الفردية. وفي بعض الحالات، يتضمن ذلك فسادا مباشرا لمسؤولي الدولة، وقد تورط إبستين في ذلك حتما. ولكن في حالات أخرى، يكون الفساد غير مباشر، حيث يُحفظ الشكل الظاهري للدولة الديمقراطية، ولكن من خلال المجموع الكلي للأفراد الأثرياء والنافذين الذين يلاحقون مصالحهم العشوائية والشخصية يُعاد تشكيل الدولة لتعمل لصالح الطبقة السائدة ككل.

عارضات الأزياء

إن عمل استخبارات الدول والقطاع المالي العالمي لا يقتصر على عقد الصفقات فحسب، بل يتعداه إلى تبادل المزايا وأدوات الضغط. وبهذا المعنى، فإن السياسيين المتأنقين والمليارديرات المتألقين لا يفصلهم عن العصابات الشرسة والمجرمين المنحرفين سوى خطوة واحدة. وقد وقف إبستين عند نقطة التقاطع هذه تحديدا.

إن التاريخ المشترك بين الدولة والجريمة المنظمة طويل ومثير للتقزز. حيث يتشارك كلاهما في استخدام الجنس، والمصائد الجنسية، والصور الفاضحة للضغط على الشهود، أو تجنيد الجواسيس، أو للابتزاز المباشر.

ويُقال إن جي. إدغار هوفر، أول مدير لمكتب التحقيقات الفيدرالي، كان متورطا في أنشطة من هذا النوع جنبا إلى جنب مع عصابات الجريمة المنظمة الوطنية. كما أن المحامي روي كوهن – الذي امتلك روابط مع عائلات ريغان وكلينتون وترامب، ومديري وكالة الاستخبارات المركزية، وأعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي – كان مرتبطا بأشخاص يديرون شبكات لاستغلال الأطفال جنسيا.

لقد ظل الجنس والابتزاز لزمن طويل بمثابة العملة المتداولة بين المجرمين وعملاء الدولة والمليارديرات المتنفذين. هذه هي الأخلاق الحقيقية لأولئك الذين يوعظون بـ”القيم العائلية” و”الاستقامة”.

وقد أصبح لهذه الممارسات طابعا صناعيا على يد إبستين. إذ امتدت شبكته للاتجار الجنسي عبر العالم، واكتست بطلاء محترم عبر بوابة صناعة عروض الأزياء. فالملفات مليئة برؤساء وكالات عروض الأزياء، وكشافي العارضات، والعارضات أنفسهن.

كانت شبكات علاقاته في القطاع المالي والبنكي تزوده باستمرار بوكالات عروض أزياء جديدة ليستثمر فيها أو يستولي عليها. وكان مهتما بوجه خاص بشرق أوروبا، حيث تركت الأزمة التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي النساء المستضعفات في حالة يأس وبحث مضنٍ عن عمل.

وكان من المحتوم بطريقة ما لطبقة تتكون من أفراد متنافسين، يسعون دائما لطعن بعضهم البعض في الظهر، أن يجدوا أنفسهم مكبلين معا بسلاسل الإغواء والابتزاز.

الأكاديميون وعمالقة التكنولوجيا

تمثل النساء والفتيات الشابات وجه واحد للعملة بالنسبة لطبقة إبستين. أما الوجه الآخر فيتمثل في البيئة الفكرية المتقدمة التي تحيط بالأوساط الأكاديمية والتكنولوجية. وتُعد الفئة الأكبر على الإطلاق في هذه الملفات هي فئة الأكاديميين، الذين استغلهم إبستين لإضفاء بريق وزخرفة على شبكة طبقته السائدة.

وجاءت العديد من صلات إبستين الأولى بالعالم الأكاديمي عن طريق روبرت ماكسويل، والد غيسلين ماكسويل، والذي كان رائدا في مجال المجلات العلمية القائمة على الاشتراكات التي احتكرت الأبحاث العلمية وحجبتها خلف جدران الدفع (فضلا عن كونه عميلا استخباراتيا للموساد الإسرائيلي).

كان إبستين مهتما بوجه خاص بالأكاديميين والأفراد العاملين في المجالات المبتكرة وغير التقليدية، ولا سيما ما يتعلق منها بالتكنولوجيا. فعلى سبيل المثال، كان مقربا من أولئك العلماء الذين بدأوا في تطوير الذكاء الاصطناعي في مراحله الأولى. كما ارتبط بعلاقات وثيقة مع رؤساء شركات مايكروسوفت وغوغل وميتا وإكس. مما أتاح له الوصول إلى معلومات قيمة حول الاستثمارات المحتملة، واستقطاب شخصيات مثيرة للاهتمام لرفع المكانة الاجتماعية لحفلاته، فضلا عن الاستفادة من النفوذ العام الذي يتمتع به العلماء المرموقين.

لقد مول إبستين أبحاثا في جامعات النخبة الأمريكية (Ivy League)، وجرى تعيينه زميلا زائرا في جامعة هارفارد. وهذا وحده يسلط الضوء على طبيعة التمويل في المؤسسات الأكاديمية، إذ أن حاجتها الماسة للمال تدفعها لقبول التمويل من أي فرد ثري ذي خلفية مشبوهة، دون طرح الكثير من الأسئلة.

لم يكن إبستين عبقريا شريرا، بل كان رجلا متوسط القدرات من خلفية عادية جدا./ الصورة: Stephen Ogilvy, Wikimedia Commons

كما يوضح هذا الواقع حقيقة أن الأفكار السائدة في أي مجتمع هي أفكار الطبقة السائدة. فأصحاب الثروات والنفوذ الممتد إلى الرأسماليين العالميين وأجهزة الدولة قادرون على تمويل الأبحاث التي تخدم مصالحهم وتثير اهتمامهم. وتكشف الملفات أن إبستين كان – من بين اهتماماته – متحمسا لنظريات تحسين النسل (Eugenics). إن ملفات إبستين توضح الآلية الحقيقية للقنوات التي تربط الأكاديميين ببقية أفراد الطبقة السائدة.

لم يكن إبستين عبقريا شريرا، بل كان رجلا متوسط القدرات من خلفية عادية جدا، تعثر وحالفه الحظ ووسائل التملق ليشق طريقه إلى قلب الطبقة السائدة العالمية. وقد وصفه عالم النفس ستيفن بينكر – وهو أحد العلماء الكثر الذين تهافتوا حول إبستين – بأنه كان “مدعيا فكريا”، يتنقل بين الموضوعات و”يغير مجرى الحديث فجأة”، و”يزدري أي ملاحظة بدعابة صبيانية”.

ربما كان هذا جزء من محاولة بينكر لرد الاعتبار لسمعته الشخصية، لكن الأدلة تشير بالفعل إلى أن إبستين كان كسولا ومغرورا في تفكيره وكتاباته. من المستبعد أن يكون أي من هؤلاء العلماء قد واجهه بحقيقته هذه. لكن لا بد أن إبستين كان يشعر بضحالة قدراته، فوجد عزائه في إحاطة نفسه بمتملقين أدعياء للفكر لتغطية ذلك الفراغ الداخلي.

احرقوه عن بكرة أبيه

بصفته رجلا متوسط القدرات، عمل على جمع الناس حوله ولكن دون تخطيط استراتيجي. إذ كان، شأنه شأن بقية أبناء طبقته السائدة، نفعيا أنانيا وقصير النظر. ضارب في أسواق العملات، وفي الأسرار الدبلوماسية والدول، وفي الانحطاط الجنسي، فضلا عن الفضول الفكري. كان يضخ استثماراته في الأسواق والأفراد دون معرفة ما إذا كانت ستؤتي أكلها، غير أنه كان يدرك أنه لو وسع محفظته الاستثمارية بما فيه الكفاية فسيجني الأرباح حتما.

انتهى المطاف بإبستين إلى اكتساب نفوذ تجاوز الحد الذي يعود عليه بالنفع، إذ اتسعت شبكته وزادت معرفته عن الحد المسموح، فأصابه الغرور والتساهل والوقاحة، ومِن ثَمّ كانت سقطته. بيد أن النظام الرأسمالي لا يمكنه الاستمرار دون وجود أمثال إبستين. والسؤال هو: من الذي يضطلع بهذا الدور الآن؟ فبحكم الضرورة، سيوجد دائما أفراد يملأون هذا الفراغ في السوق الذي شغله يوما ما.

تمنحنا هذه الملفات رؤية شاملة لكيفية هيمنة الطبقة السائدة، فهي تُسخر المال والدبلوماسية وأجهزة الاستخبارات والجريمة المنظمة والجامعات في سبيل الحفاظ على ثروتها ونفوذها. وكل جزء في هذا النظام يرتبط بالأجزاء الأخرى بألف خيط وخيط. إن الدولة والإعلام والقضاء وكل مؤسسات المجتمع الرأسمالي التي تدعي توفير «الرقابة والتوازنات» تُعد في حقيقة الأمر جزء أصيلا من هذا النظام الفاسد. إنه فضاء أسود كابوسي يكاد يكون اختراقه مستحيلا.

في مقال نُشر بمجلة برافدا عام 1918 بعنوان ‘الديمقراطية’ والديكتاتورية، صاغ لينين رؤية نظرية عميقة. فكل مجتمع – حتى الأكثر ديمقراطية مع وجود جمعيات تأسيسية وانتخابات عامة – يظل ديكتاتورية لرأس المال ما دامت البرجوازية هي التي تحكم. وذلك لأن النظام نظامهم، بغض النظر عن عدد اللمسات “الديمقراطية” التي يُضفونها عليه. فهناك ألف حيلة لتجنب إخضاع رأس المال للرقابة الديمقراطية، ونظامهم مصمم ليستوعبها جميعا. لقد أثبتت ملفات إبستين تطبيقيا ما شرحه لينين نظريا.

وبالنظر إلى كل هذا، نصل إلى نتيجة واحدة لا مفر منها: هذه الغابة لا يمكن إصلاحها، فهي مسمومة من جذورها حتى أعلاها. وتقليم بضع أشجار هنا، أو زراعة بعض الزهور هناك، لن يحدث أي فارق جذري. إن الأمر برمته، أي الطبقة السائدة بأكملها ونظامها، يجب حرقه عن بكرة أبيه.

29 مايو/أيار 2026

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

The ‘Epstein class’ exposed: how the ruling class rules