الرئيسية / كتب ومنشورات / كتب / لماذا ينبغي عليك قراءة “لينين وتروتسكي: ما هي مواقفهما الحقيقية؟” – حوار مع نيكلاس ألبين سفينسون

لماذا ينبغي عليك قراءة “لينين وتروتسكي: ما هي مواقفهما الحقيقية؟” – حوار مع نيكلاس ألبين سفينسون

لقد حان الوقت لنسلح أنفسنا بالدروس المهمة التي استخلصناها من الماضي مع اشتداد النضال الطبقي في كل مكان، وتأهب جيل جديد من الشيوعيين للنضال. ولهذا السبب، نعيد نشر كتاب “لينين وتروتسكي: ما هي مواقفهما الحقيقية؟” لآلان وودز وتيد غرانت. وهو عمل ماركسي كلاسيكي يكشف عن الإرث الحقيقي للبلشفية، مفندا عقودا من التشويه والافتراءات على يد الستالينيين.

يضم الكتاب فصولا تتناول تاريخ البلشفية، ونظرية الثورة الدائمة، ومعركة لينين الأخيرة – من بين موضوعات أخرى –، مما يجعله أساسي لفهم المبادئ والتقاليد التي بُني عليها أكثر الأحزاب الثورية نجاحا في التاريخ. احصل على نسختك الآن بالضغط هنا.

واحتفاء بإعادة اطلاق الكتاب، القى نيكلاس ألبين سفينسون، أحد أبرز قادة الأممية الشيوعية الثورية، محاضرة في المدرسة العالمية للشيوعية حول أفكار هؤلاء الثوريين العظام وإرثهم.


لماذا كُتب هذا الكتاب؟

بعد “الخطاب السري” لخروتشوف عام 1956 — وهو الخطاب الذي أثار أزمة عميقة داخل الحركة الشيوعية — أعاد كل من تمسكوا بما أرادت موسكو أن تطلق عليه اسم الماركسية اللينينية تقييم الأوضاع. فقد هاجم خروتشوف ستالين وسعى عمليا إلى تطهير الاتحاد السوفيتي، وفتحه قليلا.

أدى ذلك لاحقا إلى الانتفاضة في المجر — الثورة السياسية التي استولى فيها العمال على السلطة، قبل أن يقمعها الاتحاد السوفيتي — مما زاد من تفاقم الأزمة داخل الحركة الشيوعية.

كُتب هذا الكتاب عام 1969 ردا على شخص يُدعى مونتي جونستون، الذي كان عضوا في الحزب الشيوعي البريطاني (CPGB).

وجاء هذا الرد عقب أزمة أخرى شهدها عام 1968، وكانت ذات طبيعة مزدوجة: فمن ناحية، قمع الاتحاد السوفيتي ربيع براغ وحركة الإصلاح التشيكوسلوفاكية. ومن ناحية أخرى، استسلم الحزب الشيوعي الفرنسي أمام الحركة الثورية في مايو 1968، حيث احتل العمال والطلاب المصانع والمؤسسات، غير أن الحزب الشيوعي خانهم بعقد صفقة مع الرأسماليين الفرنسيين.

وفي هذا السياق، وجدوا أنفسهم مضطرين لإعادة تقييم بعض مقولاتهم السابقة. وهنا خرج مونتي جونستون بتقديم نوع من إعادة التقييم لتروتسكي، محاولا تقديم نقد لا يبدو زائفا بوقاحة كالسابق. لقد كان شكلا أكثر خبثا ومكرا من النقد، إذ كرر بعض الافتراءات ذاتها لكن دون إخراجها بتلك الصورة الفاضحة من عدم الأمانة.

ولهذا السبب تحديدا كُتب هذا الكتاب: للرد على تلك الانتقادات، ولإحياء الأفكار والمبادئ التي دافع عنها البلاشفة ولينين وتروتسكي حقا، ومِن ثَمّ ضخ نظريات الماركسية الحقيقية وأفكارها الأصيلة مجددا في شرايين الحركة الشيوعية.

لماذا يُوجه كل هذا القدر من الافتراء ضد تروتسكي والتروتسكية؟

السبب في ذلك يعود تحديدا إلى أن ليون تروتسكي دافع عن الإرث الحقيقي للينين.

بالعودة إلى عشرينيات القرن الماضي، بدأ بعض القادة يبتعدون عن التقاليد الثورية للبلشفية عندما توفي لينين، بل حتى خلال السنوات الأخيرات من مرضه قبل وفاته حين لم يكن قادرا على المشاركة بالشكل نفسه.

في ذلك الوقت، كانت هناك السياسة الاقتصادية الجديدة (NEP)، التي أعطت دفعة للشريحة الأكثر ثراء من الفلاحين، كما أدت أيضا إلى تطور قدر من الإنتاج الرأسمالي في المدن، وبشكل خاص إلى نمو بيروقراطية الدولة. وبدأ هذا يشكل ضغطا متزايدا على الحزب.

وقد اندلعت معركة حول من سيتولى قيادة الحزب عندما توفي لينين. كان من المعروف حينها — ويمكن قراءة ذلك في كتابات تلك الفترة — أن الحزب البلشفي كان يُعرف بحزب لينين وتروتسكي. لم يكن هذا معلوما داخل روسيا فحسب، بل في الخارج أيضا. ويمكن ملاحظة ذلك حتى في النصوص التي هاجمت تروتسكي عام 1925 في بريطانيا، إذ تبدأ بالقول: “نعرف هذا الحزب بوصفه حزب لينين وتروتسكي”، ثم تشرح لماذا لا ينبغي اعتبار تروتسكي كذلك.

وقد تشكلت زمرة تضم زينوفيف وكامنيف وستالين من أجل الانقضاض على قيادة الحزب. وبدأت هذه الزمرة مهاجمة تروتسكي للاستيلاء على القيادة.

وأعتقد أنهم لم يكونوا مدركين تماما لأبعاد ما يفعلونه في ذلك الوقت، بل شعروا فقط أن تروتسكي يشكل تهديدا لسلطتهم.

وبوجه خاص، ساءهم أنه كتب كراس “دروس أكتوبر”، الذي انتقد فيه زينوفيف وكامينيف — وبشكل غير مباشر ستالين — لمواقفهم الخاطئة في أبريل 1917 ثم في أكتوبر 1917، وهي مواقف كانت متعارضة مع موقف لينين. لقد كتب ذلك في محاولة لتعليم الحركة الشيوعية العالمية دروس عام 1917. ولم يظهر ذلك بعض كبار القادة بمظهر جيد لأنهم كانوا على خطأ، وهو ما أقروا به في حينها. لكن الأمر استمر في إثارة حفيظتهم.

ثم حاولوا إعادة إرساء سلطتهم عبر مهاجمة تروتسكي بطريقة خبيثة، بمحاولة فصل لينين عن تروتسكي، ونبش ماضي تروتسكي ومحاولاته قبل عام 1917 للتوفيق بين المناشفة والبلاشفة، إلى جانب مجموعة من القضايا النظرية التي جرى تحريفها بالكامل.

فادعوا أن تروتسكي لا يفهم أهمية الفلاحين، وأنه يحاول القفز على المراحل في الثورة، وكل هذه الأمور التي كانت في الحقيقة قضايا نظرية محسومة، وحُسمت جزئيا بفعل الثورة نفسها.

وقد اعترف زينوفيف وكامنيف لاحقا بأن هذه الهجمات لم تكن تستند إلى أي مبدأ، بل كانت مجرد وسيلة لتعزيز سلطتهما.

لكن الأثر الأشد سوءا لهذه الحملة لا يتعلق بتروتسكي فقط، بل كيف أنها حرفت ما دافع عنه لينين منذ عام 1903، ليس فقط من عام 1917 فصاعدا. وما مثله هذا في الواقع هو أن التقاليد الثورية لأكتوبر باتت تشكل تهديدا للبيروقراطية الجديدة الآخذة في النمو. إذ أدركت البيروقراطية غريزيا الحاجة إلى الفصل بين الحزب الشيوعي والأفكار الثورية للينين.

ويمكنك ملاحظة كيف حصدوا المزيد والمزيد من التأييد في مؤتمرات الحزب باستعمال أساليب تزداد قسوة وابتذالا. إذ بدأت بنقاشات علنية نسبيا، ثم تحولت مع الوقت إلى ممارسات عصاباتية تُقصي الكوادر وتستبعد الأشخاص من مناصبهم إذا أبدوا تعاطفا مع تروتسكي والمعارضة اليسارية.

لذا، فإن ما مثله تروتسكي حقا — والسبب وراء كل هذا الشيطنة التي تعرض لها — ليس أمرا شخصيا، بل لأنه جسد التقاليد الحقيقية للحزب البلشفي والتقاليد الأصيلة لثورة أكتوبر، بينما كان أولئك يمثلون شيئا آخر تماما.

حتى اليوم يسمي الستالينيون أنفسهم ماركسيين-لينينيين. فهل يحق لهم ادعاء الانتساب لإرث لينين؟

إن الستالينية في حقيقتها مفهوم جرى صياغته وبنائه بعد فوات الأوان. فما من أحد ادعى هذا المفهوم أو اعتمد عليه في السنوات الأولى التي تلت وفاة لينين مباشرة، ولم يُنظر إليها بتلك الطريقة في أي مرحلة حينها.

ولأن ستالين أصبح القائد غير المنازع للاتحاد السوفيتي في ثلاثينيات القرن الماضي، يُفترض أنه كان ورِيث لينين بوجه ما، غير أن هذا ليس صحيحا.

لقد كان لينين شديد النقد لستالين في السنوات الأخيرة قبل وفاته. إذ لمس مكامن الخطر في مسلكه، ولا سيما فيما يتعلق بالمسألة القومية، كما حدث بشأن جورجيا، حيث أبدى ستالين قسوة شديدة تجاه التطلعات القومية للجورجيين.

وفضلا عن ذلك، كتب لينين في وصيته الشهيرة أنه ينبغي عزل ستالين من منصب أمين عام الحزب.

ولكن ما هو أهم من هذه القضايا الشخصية هو التساؤل عما إذا كان ستالين قد سار على هدى إرث لينين من حيث الأفكار والمبادئ. وهنا يتضح جليا أننا أمام منظومتين فكريتين مختلفتين تماما.

بدأ الأمر حين شرعوا في تحريف أفكار لينين في السجال الفكري عام 1924. إذ أعادوا إحياء بعض صيغه المبكرة غير المكتملة التي كان هو نفسه قد أوضحها لاحقا، غير أنهم أهملوا تلك التوضيحات وتمسكوا بالنسخ المبكرة وحدها.

كانت لدى لينين فكرة  الديكتاتورية الديمقراطية للبروليتاريا والفلاحين، وظل متمسكا بها حتى عام 1917. وكان لهذا الشعار وجاهة حقيقية في مواجهة المناشفة، الذين رأوا ضرورة حصر الثورة فيما تريده البورجوازية وأن تكتفي البروليتاريا بدور ثانوي. وطرح لينين التحالف بين البروليتاريا والفلاحين ردا على ذلك، لكنه لم يستخلص كامل الاستنتاجات من هذا الطرح.

غير أن تروتسكي ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ قال: «حسنا، لدينا التحالف بين البروليتاريا والفلاحين، ولكن من سيقود هذا التحالف؟ وأي طبقة ستكون القوة القائدة فيه؟»

فالفلاحون ليسوا طبقة واحدة متجانسة، بل تتكون من شرائح متعددة لا تتفق في مصالحها. وماذا يحدث عندما تبدأ البروليتاريا في حل مشاكلها الخاصة، وليس فقط مشاكل الفلاحين أو البرجوازية؟ ستنتقل حتما إلى المهام الاشتراكية، مثل تأميم البنوك والصناعات الثقيلة. ومن ثَمَ تتطور الثورة وتتحول من ثورة ديمقراطية إلى ثورة اشتراكية. هذا هو بالضبط ما طرحه تروتسكي.

لم يكن لينين يرغب حقيقة في الذهاب إلى هذا الحد إلا بحلول عام 1917 نفسه، حين خرج بوضوح ليقول: إن الأمرين قد اختلطا، ولا يمكننا حسم الثورة الديمقراطية إلا عبر الثورة الاشتراكية، ومن خلال ما أسماه ثورة ثانية.

وعند هذه النقطة، لم يعد ثمة فارق حقيقي بين لينين وتروتسكي، ويمكنك العثور على ذلك بوضوح في كتابات لينين الصادرة في فبراير ومارس وأبريل من عام 1917.

أعاد ستالين إحياء شعار لينين القديم لما قبل عام 1917، وادعى أن تروتسكي تجاهل الفلاحين، وهو ادعاء لا يستقيم مطلقا إذا طالعت ما كتبه تروتسكي فعليا أو الدور الذي لعبه في الثورة. فلم يتجاهل تروتسكي الفلاحين قط، بل أكد أنه يجب على الطبقة العاملة قيادة الفلاحين بالتحالف معهم، غير أن الطبقة العاملة هي من ينبغي أن تمسك بمقود القيادة والهيمنة.

وهذا ما حدث بالفعل: فمن قاد الثورة الروسية لم يكن حزبا للفلاحين، بل كان البلاشفة، وهو حزب عمالي، بالتحالف مع الفلاحين.

ولكن ستالين لم يكتف بإعادة إحياء شعارات لينين القديمة، بل عاد في واقع الأمر إلى أفكار المناشفة ونظريتهم القائمة على المرحلتين: الثورة الديمقراطية أولا، ثم الثورة الاشتراكية في مرحلة لاحقة غير محددة. وهذا هو موقف المناشفة تماما. ومن هنا ظهرت فكرة إمكانية التحالف مع البرجوازية التقدمية.

وهذا يتناقض تماما مع كل ما قاله لينين. ثم ما لبثت نظرية المرحلتين هذه أن تغلغلت في أحشاء الحركة الشيوعية بدء من ثلاثينيات القرن الماضي فصاعدا، متسببة في خطأ إصلاحي تلو الآخر.

وتشكل فرنسا مثالا جليا على ذلك. فقد عقدوا صفقة سياسية بدلا من استغلال الحركة الثورية عام 1968 للإطاحة بالرأسمالية. وكانت نتيجة تلك الحركة عودة ديغول وليس حكومة عمالية.

ويرتبط بهذا المفهوم أيضا طرح الاشتراكية في بلد واحد. فموقف لينين —وهو الموقف ذاته لتروتسكي— كان يرى استحالة قيام الاشتراكية دون الامتداد إلى البلدان الرأسمالية المتقدمة.

بدأ ستالين بمراجعة هذا الطرح قائلا: يمكننا إقامة شيء يشبه الاشتراكية دون الحاجة إلى انتشار الثورة في أماكن أخرى. لكن هذا المفهوم استمر في التميع والانتقاص حتى أُسقط هذا الشرط تماما.

وكان معنى ذلك على الصعيد العملي أن الأممية الشيوعية لم تعد بحاجة لنشر الثورة، بل اقتصر دورها على صون مكتسبات الاتحاد السوفيتي فحسب. ومِن ثَمَ، أصبحت الحركات الجماهيرية في البلدان الأخرى تُستخدم أوراقا للمساومة.

وتعد الثورة الإسبانية أوضح مثال على ذلك. فقد خانوا الثورة الإسبانية عن عمد — وبعضهم أقر بذلك علانية — سعيا لبناء تحالف مع بريطانيا وفرنسا. لم يظفروا بذلك التحالف قط، ولكنهم خانوا الثورة بالفعل.

لقد كان موقف لينين ينطلق من أن واجب أي بلشفي هو التضحية بالثورة الروسية إذا كان ذلك يعني نجاح الثورة الألمانية، إذ كان يرى المستقبل مرهونا بالثورة الأممية. وثبتت صحة هذا الطرح في نهاية المطاف، وإن استغرق الأمر وقتا أطول بكثير مما ظنه تروتسكي أو لينين. فقد صمد الاتحاد السوفيتي حتى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لكنه انهار في النهاية تحت وطأة ضغوط تناقضاته الداخلية والسوق العالمية.

إننا نعيد نشر هذا الكتاب في عام 2026. لم يعد هناك اتحاد سوفيتي اليوم. فما مدى أهمية هذا النص للشيوعيين اليوم؟

لم تعد الأحزاب الشيوعية تحظى بنفس التأثير الذي كانت تمتلكه في الماضي، ومن ثم فإن هذه الأفكار لا تظهر اليوم بالشكل نفسه تماما. لكن المغزى هو أن هذه الأفكار لم تهبط من السماء، بل هي تجسيد لظواهر تتكرر في كل الحركات الثورية.

خذ بنغلاديش قبل عامين مثلا. فقد شهدت حركة ثورية أطاحت بالدكتاتورية، ضمت الطلاب والعمال جنبا إلى جنب. ويمكنك القول إنهم عاشوا لحظة فبراير 1917 الخاصة بهم.

ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟ لقد سلم قادة الحركة السلطة، لا للعمال، بل لزمرة أخرى من البرجوازية، ولجناح آخر من الإمبريالية، والذي شرع بدوره في إعادة ترميم الدولة القديمة.

والآن يشعر العمال بالخيبة: لماذا قمنا بكل ذلك إذًا؟ لم يتغير شيء. لقد أُجريت انتخابات لم تحقق أي تقدم يُذكر للطبقة العاملة.

ومصر مثال آخر. رئيس يُستبدل بآخر، دون أن يتغير شيء.

تكمن أهمية هذه الأفكار في أنها تمنحك أدوات فهم السيرورات الجارية، وتحليل العلاقة بين المطالب الديمقراطية والنضال من أجل الاشتراكية، واستيعاب السبب الذي يمنعك من التوقف في منتصف الطريق، ولماذا لا يكفي الإطاحة بالدكتاتور والظن بأن مشاكلك قد حُلت. إنها سيرورة أعمق بكثير.

ثم هناك طرح الاشتراكية في بلد واحد، وهو طرح مناهض للماركسية على عدة مستويات. فهو لا يستوعب الديناميكيات الحقيقية للاقتصاد الرأسمالي ومدى التشابك والترابط الذي أضحى عليه العالم.

كما أنه ينكر الحاجة إلى بناء الاشتراكية على قاعدة من القوى الإنتاجية المتقدمة.

ويتخلى هذا الطرح عن الواجبات الأممية للحركة الشيوعية، وهو ما ترتب عليه عواقب مأساوية في حالات عديدة كما أثبت التاريخ.

31 يوليو/تموز 2026

ترجم عن موقع الدفاع عن الماركسية:

Why you should read ‘Lenin and Trotsky: What They Really Stood For’ – interview with Niklas Albin Svensson