الرئيسية / الشرق الأوسط وشمال إفريقيا / شمال إفريقيا / الجزائر / المغرب- الجزائر: فلنرد على محاولات التقسيم بالوحدة الطبقية بين عمال البلدين

المغرب- الجزائر: فلنرد على محاولات التقسيم بالوحدة الطبقية بين عمال البلدين

نشرت هذه المقالة الهامة للرفيق أنس رحيمي من المغرب، في العدد الثامن من مجلة “الشيوعية والحرية”، المجلة العربية للتيار الماركسي الأممي، وكان كتبها الرفيق رداً على اعلان قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والمغرب، ويوضح الرفيق سبب الأزمة وموقف الماركسيون من ذلك التصعيد الأخير.


يوم الثلاثاء 24 غشت/أغسطس، أعلن وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، وبهكذا خطوة يكون النظامان الجزائري والمغربي قد وصلا إلى الخلاصة “المنطقية” لذلك التصعيد الكبير الذي تعرفه علاقاتهما وخاصة في الآونة الأخيرة.

وكما كان منتظرا انخرطت وسائل الإعلام من كلا البلدين في حملة بث السموم الشوفينية ودق طبول الحرب والدعوة إلى تمتين الجبهة الداخلية ضد “العدو الخارجي”. نحن الماركسيون نقول لا ذرة دعم لأي من النظامين فكلاهما رجعيان وعدوان لشعوب المنطقة، ونؤكد أن الطبقة العاملة وعموم الكادحين في كل من المغرب والجزائر إخوة مصالحهما مشتركة وعدوهما المشترك هو النظام الرأسمالي والدكتاتورية في كلا البلدين، ونضالهما واحد من أجل بناء فدرالية اشتراكية للمنطقة المغاربية.

عداوة دائمة                                                              

تعرف العلاقة بين النظامين توترا دائما تارة يصعد إلى السطح على شكل أفعال وتصريحات عدائية، وتارة يبقى مستترا وراء عبارات دبلوماسية وابتسامات منافقة.

فخلال أكثر من ستين سنة لم تفتح الحدود بين البلدين سوى حوالي 12 سنة، في حين تم إغلاقها مرارا، في المرة الأولى بسبب حرب الرمال سنة 1963، ثم بسبب المواجهات العسكرية التي خاصها المغرب مع جبهة البوليساريو في منطقة أمغالا الحدودية سنة 1976، وفي أعقاب الهجوم الذي استهدف فندق اسني بمراكش سنة 1994، والذي اتهم المغرب الجزائر بالوقوف وراءه.

وبينما يتهم النظام المغربي الجزائر بدعم جبهة البوليساريو والإضرار بمصالحه، اتهم النظام الجزائري المغرب في بيان لعمامرة الأخير بـ”القيام بأعمال غير ودية وأعمال عدائية ودنيئة” ضد الجزائر، والتي من بينها الاعتراف بمنظمتي الماك ورشاد، اللتين تعتبرهما الجزائر منظمتين ارهابيتين، واتهمتهما بالوقوف وراء الحرائق التي عرفتها منطقة القبايل مؤخرا. إضافة إلى التصريح الاستفزازي الذي قام به رئيس البعثة المغربية لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، حيث عبر عن دعمه لما أسماه “حق الاستقلال الذاتي لمنطقة القبايل”، ثم تطبيع النظام المغربي مع اسرائيل والصمت على التصريح العدائي ضد الجزائر الذي أطلقه وزير خارجية الدولة الصهيونية من الرباط، ناهيك عن فضيحة استعمال المخابرات المغربية لبرنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس” للتجسس على أرقام هواتف 6000 من كبار المسؤولين الجزائريين…

أخوة دائمة

لن نتمكن في هذا الحيز من سرد كل تفاصيل العلاقة الوثيقة بين شعوب البلدين، لذا سنتعامل معها بانتقائية شديدة، وباختصار نقول إنه لشعوب البلدين تاريخ طويل من التمازج والتآخي. فبالإضافة إلى الارتباطات العائلية عميقة الجذور، هناك تضامن نضالي تعود جذوره، على الأقل، إلى القرن التاسع عشر ومرحلة النضال ضد الاستعمار المباشر.

ودون الدخول في التفاصيل نشير إلى أنه مباشرة بعد احتلال فرنسا للجزائر، 1830، وانطلاق المقاومة المسلحة في الجزائر، انخرطت القبائل المغربية، خاصة المتاخمة للجزائر، في حملة تضامن وصلت إلى المشاركة الفعلية في النضال. وذلك رغم رفض السلطة المركزية بالمغرب، المخزن، وتواطئها مع السلطات الاستعمارية من خلال المشاركة في قمع القبائل الثائرة.

ازداد هذا التضامن اتساعا وعمقا بعد اندلاع الثورات التحررية المغربية ضد الاحتلال الفرنسي والاسباني. كان كل انتصار يتحقق على أحد طرفي الحدود يشكل مصدر فرحة وإلهام للجانب الآخر.

كان جيش التحرير المغربي وجبهة الانقاذ الجزائرية رفاقا في السلاح، وصل التعاون بينهما والتنسيق إلى مستويات جد متطورة، وهو ما ساهم فيه إلى حد كبير المقاوم الكبير عبد الكريم الخطابي من منفاه في مصر.

وقد كانت لجيش التحرير الوطني الجزائري قواعد تدريب ومخابئ سلاح في المغرب بدعم من جيش التحرير المغربي وعموم الشعب المغربي. كما وجد المقاومون المغاربة والمعارضون لنظام الحسن الثاني، ملاذا آمنا في الجزائر خلال سنوات القمع في الستينات والسبعينات.

استمر التضامن بين شعوب المغرب والجزائر حتى في أحلك فترات التوتر بين النظامين، وبالرغم من كل دعايتهما المسمومة. وكان آخر مظاهر هذا التضامن ذلك التعاطف الكبير الذي لاقى به عمال وشباب الجزائر الحراك الثوري الذي عرفه المغرب خلال العشرية الأخيرة، من جهة، والتعاطف الكبير الذي استقبل به عمال وشباب المغرب الحراك الثوري الذي عرفته الجزائر خلال السنتين الأخيرتين، مؤكدين بذلك أن الحدود الوحيدة الحقيقية هي الحدود بين الطبقات وليس حدود العار التي رسمها الاستعمار ويحرسها النظامان الدكتاتوريان القائمان على هذا الطرف وذاك.

الأزمة

لكي لا يتم خلط الأسباب بالنتائج لا بد من الاشارة إلى أن التصعيد الأخير بين النظامين، والذي انخرط فيه بحماس إعلام العهر في كلا البلدين، ليس سوى نتاج للأزمة وتعبير عنها.

السبب الحقيقي للأزمة هو وجود هذين النظامين بالذات. نظامان رأسماليان تابعان، تقتضي مصالحهما الصراع ضد بعضهما البعض من أجل النفوذ في المنطقة وحول من يستحق أن يلعب دور الكلب الأمين لمصالح الامبرياليات في المنطقة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني. وبالتالي ما داما موجودان فإنه لا أمل في أي انفراج أو تنمية في مصلحة شعوب المنطقة.

ومثلما يدفع الجوع الضباع إلى نهش بعضها البعض بوحشية أكبر، تصير الأنظمة السياسية أكثر شراسة في الدفاع عن مصالحها والصراع ضد منافسيها عندما تغرق في الأزمة وتصير مهددة في وجودها. والنظامان المسيطران في المغرب والجزائر كلاهما يعيشان اليوم أزمة تاريخية عميقة غير مسبوقة، وكلاهما يجلسان على فوهة بركان من الغضب الشعبي والسخط ضد الاستغلال والقهر والدكتاتورية. وهو ما يجعلهما معا أكثر حدة في الدفاع عن مصالحهما الضيقة، وفي حاجة حيوية إلى توجيه السخط الشعبي نحو “العدو الخارجي”، باستغلال الخلافات الموجودة واختلاق خلافات جديدة، لتسعير نيران الشوفينية، وتغذية نفسية القلعة المحاصرة ضد “الجيران الذين يتربصون بنا شرا”.

فالجزائر تمر بأزمة خانقة، وهو ما عبرت عنه الباحثة المقيمة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، داليا غانم، قائلة إن “الوضع الاقتصادي للجزائر يزداد سوءا يوما بعد يوم ويؤدي إلى إفقار شرائح كاملة من السكان وارتفاع معدلات البطالة وباختصار جميع المؤشرات الاقتصادية حمراء”. وقد تراجع الاقتصاد الجزائري بنسبة 08% خلال العام الماضي  2020 وحده. وفي الوقت الذي تقول فيه المصادر الرسمية أن نسبة البطالة بين الشباب تبلغ 15 %، فإن الحقيقة هي أن أكثر من ثلث الشباب في سن العمل يعيشون البطالة.

أستاذ الاقتصاد، علي حاجي، يعتبر أن هذه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية “تهدد استقرار البلاد”، أي، بعبارة أصح: استقرار الطبقة السائدة وأسيادها الإمبرياليين. وفعلا فالصراع الطبقي يعرف تصاعدا واتساعا وعمقا بشكل غير مسبوق: النهوض النضالي عارم والطبقة العاملة الجزائرية تزداد ثقة في قدرتها وتزداد كفاحيتها يوما بعد يوم.

الطبقة السائدة في المغرب ونظامها ليسا أحسن حالا، بل ربما أسوء. وفي هذا الصدد سبق لنا أن استشهدنا في مقالة سابقة (المغرب: عاصفة تختمر!) بتصريح مرعوب لوزير المالية المغربي، محمد بنشعبون، قال فيه  إن الوضع الحالي “محفوف بالمخاطر”. وهو التصريح الذي صادقت عليه صحيفة البرجوازية المغربية –L’économiste– عندما أكدت في افتتاحيتها أن: «وزير المالية محق تمامًا في وصف الوضع الحالي بأنه “محفوف بالمخاطر”». وأضافت: «ربما يتعين علينا العودة إلى سنوات الاستقلال الأولى لنجد ما يشبه هذا الوضع الصعب».

مضيفة أن: «الوضع اليوم أسوأ مما كان عليه خلال أعوام 1980-1985. في ذلك الوقت كان المغرب يعيش الانهيار المالي، وجفاف تاريخي سواء في مدته أو حدته، وكان الدولار قد أصبح فجأة باهظ الثمن، بينما كانت العلاقات المالية الخارجية مقومة بهذه العملة. إضافة إلى تضخم وصل مستوى لم يسبق له مثيل، ولم يحدث ما يشابهه منذ ذلك الحين: 15٪ في عام 1983».

البطالة وصلت مستويات غير مسبوقة، وهو ما يؤكده  البنك العالمي حيث جاء في تقريره إن: «سوق الشغل يواجه صدمة ذات أبعاد تاريخية، حيث سيتأثر على وجه الخصوص العمال الأكثر هشاشة، ولا سيما العاملين في القطاع غير الرسمي […] حيث فقد 66٪ من العمال وظائفهم». وكان وزير المالية قد أشار إلى أن الاقتصاد الوطني يفقد 10.000 وظيفة يوميا.

كل المؤشرات في الأحمر، والطبقة السائدة لا تتوانى عن تطبيق المزيد من الهجمات على مستويات عيش وظروف عمل الطبقة العاملة وعموم الكادحين. مما يعتبر وصفة مكتملة لاندلاع صراع طبقي عارم في المستقبل.

هذا هو الواقع الذي تعرفه الطبقات السائدة في المغرب والجزائر، وهو ما تحاول تجاوزه من خلال القمع من جهة ومن خلال سياسة الالهاء والشوفينية من جهة أخرى. وشعوب البلدين والمنطقة بأسرها هي من تؤدي الفاتورة على شكل استمرار الفقر والبطالة والتخلف…

فحسب بعض التقارير تبلغ كلفة إغلاق الحدود على الاقتصاد المغربي حوالي أربعة مليارات دولار سنويا، والوضع ليس أفضل بالنسبة للاقتصاد الجزائري، مما يعني فرصا للنمو مهدرة ومئات الآلاف من مناصب الشغل الضائعة سنويا. وكان  صندوق النقد الدولي قد أشار في دراسة سابقة إلى أن الاتحاد الاقتصادي بين المغرب والجزائر من شأنه أن يرفع من معدل دخل الفرد بالبلدين بـ57% في المائة للجزائر و38% بالنسبة للمغرب[1].

كابح مطلق

يشرح ماركس أن المبرر الموضوعي لبقاء أي نظام اقتصادي سياسي هو قدرته على تطوير قوى الانتاج. والآن إذا حاكمنا نظامي البلدين اعتمادا على هذا القانون سنجد أنهما فاقدان بشكل كلي لأي مبرر للبقاء، حيث يشكلان معا كابحا مطلقا أمام تطور قوى الانتاج وسببا في التخلف والخراب في منطقة غنية بثرواتها البشرية والطبيعية الهائلة.

هذا ما قدمته لنا الطبقات السائدة على طرفي الحدود، بعد 60 سنة من “الاستقلال”. ولا إمكانية لانتظار أي تغير في الوضع ما دامت الطبقة الرأسمالية هي الحاكمة هنا وهناك. إنها طبقة رجعية وكابح مطلق أمام الازدهار والتنمية وبالتالي ينبغي القضاء عليهما بطريقة ثورية.

وفي هذا السياق نقول إن كلا النظامان رجعيان ولا ذرة دعم لأي منهما، مهما كان البادئ بالاستفزاز أو بالأعمال العدائية. إن صراعهما مع بعضهما البعض ليس لخدمة مصالح شعوب المنطقة، بل فقط وحصريا لخدمة المصالح الضيقة للطبقة السائدة في البلدين، أي نفس الطبقة التي تستغل وتنهب وتقمع وتفرض التخلف على شعوب البلدين. إن السياسة الخارجية لأي دولة هي استمرارية لسياستها الداخلية، وسياستهما الداخلية معا سياسة رجعية عدوة للطبقة العاملة والشعب الكادح على طرفي الحدود.

من أجل فدرالية اشتراكية في المنطقة

كل المشاكل التي تعاني منها شعوب المنطقة: الفقر والاستغلال والتخلف والقهر القومي والقمع والدكتاتورية، ليست قضاء وقدرا. إن المنطقة غنية بثروات هائلة، الجزائر تمتلك الغاز والنفط وأراض شاسعة وغيرها من الثروات، كما أن المغرب يمتلك أكبر احتياطي للفوسفاط ومناجم غنية بالذهب والفضة والكوبالت وغيرها من المعادن والثروات الطبيعية الأخرى، وقبل كل ذلك يزخر البلدان بطاقات شابة هائلة، لكنها مهدرة بسبب النظام الرأسمالي المأزوم.

في ظل نظام اشتراكي يقوم على التخطيط الديمقراطي العقلاني للاقتصاد، متحرر من الهيمنة الامبريالية وسيطرة الأوليغارشيات المحلية التي تنهب البشر والحجر، سيصير من الممكن إطلاق مشاريع للأشغال العمومية لتوفير ما يكفي من مناصب الشغل والمدارس والمستشفيات والمنازل، وحياة أكثر رفاهية وسعادة للجميع، كما سيصير من الممكن توفير الحقوق القومية لكل شعوب المنطقة.

إن الشروط الموضوعية للثورة الاشتراكية في البلدين، وكل شمال افريقيا، متوفرة وناضجة، والطبقة العاملة وعموم الفقراء يعبرون من خلال نضالاتهم البطولية عن الرغبة العميقة في التغيير، ويعطون الدليل على القدرة على إحداث التغيير. لا ينقص إلا شيء واحد فقط: إنه الحزب الثوري القادر على تقديم برنامج ومنظورات وقيادة لتلك النضالات لكي تصل إلى تمكين الطبقة العاملة من حسم السلطة.

هذه هي مهمة الشباب الثوري في المنطقة، وهي المهمة التي ينبغي الشروع فيها بأسرع وقت ممكن. الرأسمالية لا تنتج إلا الفقر والاستغلال، وتقود المنطقة والعالم إلى المواجهات والاضطرابات والعداوات القومية. والدليل هو نظاما البلدين. لذا فمهمة الثورة الاشتراكية صارت أكثر راهنية وملحاحية من أي وقت مضى.

والأكيد هو أنه عندما ستندلع الحركة الثورية، في أحد البلدين، سرعان ما ستمتد إلى الجانب الآخر من الحدود وستشكل مصدر إلهام وتحفيز لعمال وشباب المنطقة بأسرها. عندها سنجد الطبقات السائدة ودولها تتحالف مع بعضها البعض لسحق جذوة الثورة. لذا علينا أن نبني الحزب القادر على التصدي لهذه السياسة بسياسة مضادة تقوم على توحيد صفوف الطبقة العاملة والكادحين فوق الحدود المصطنعة في نضال موحد من أجل فدرالية اشتراكية للمنطقة المغاربية وشمال افريقيا.


[1]  ندلي بهذه الأرقام للاستئناس فقط ولمعرفة حجم الفرص المهدرة، رغم أن الأمور في ظل الرأسمالية لا تسير بالضرورة بهذا الشكل.

27 غشت/أغسطس 2021