المغرب: عاصفة تختمر!

ننشر، في ما يلي، الترجمة العربية لمقال الرفيق أنس رحيمي، الذي نشر لأول مرة بتاريخ 13 نوفمبر 2020، على موقع جريدة منظمة Revolution (الثورة)، الفرع البلجيكي للتيار الماركسي الأممي. ونعتبر أن الأفكار التي يتضمنها لا زالت راهنية خاصة بعد إعلان  النظام المغربي تطبيع وترسيم علاقته مع إسرائيل.


الوضع الاقتصادي

إن الأزمة الاقتصادية في المغرب عميقة للغاية. وبحسب البنك الدولي فإنه «على الصعيد الاقتصادي، دفعت الصدمة التي أحدثتها جائحة كورونا الاقتصاد المغربي فجأة إلى حالة من الركود الحاد، وهو أول ركود منذ عام 1995».

ومن جهته اعتبر وزير المالية محمد بنشعبون أن الوضع الحالي “محفوف بالمخاطر”.

كما أن صحيفة L’économiste أعلنت في افتتاحيتها اتفاقها التام مع الوزير قائلة: «وزير المالية محق تمامًا في وصف الوضع الحالي بأنه “محفوف بالمخاطر”». بل وأضافت: «ربما يتعين علينا العودة إلى سنوات الاستقلال الأولى لنجد ما يشبه هذا الوضع الصعب».

وأن: «الوضع اليوم أسوأ مما كان عليه خلال أعوام 1980-1985. في ذلك الوقت كان المغرب يعيش الانهيار المالي، وجفاف تاريخي سواء في مدته أو حدته، وكان الدولار قد أصبح فجأة باهظ الثمن، بينما كانت العلاقات المالية الخارجية مقومة بهذه العملة. إضافة إلى تضخم وصل مستوى لم يسبق له مثيل، ولم يحدث ما يشابهه منذ ذلك الحين: 15٪ في عام 1983.»

لنتذكر أن السنوات 1980-1985 كانت قد شهدت تنظيم إضرابين عامين وانتفاضتين كبيرتين (1981-1984) هزتا النظام الذي لم ينقذ نفسه إلا باستعمال الجيش والدبابات والرصاص لإنهاء الحركة الثورية.

لذلك فإذا كان استراتيجيو الطبقة السائدة اليوم يقولون إن الوضع الحالي «أسوأ من الوضع في الأعوام 1980 – 1985»، فذلك لأنهم قلقون ويعرفون جيدا الخصائص الثورية للوضع الحالي.

كما يتفقون أيضا على حقيقة الافتقار التام للرؤية. وفي هذا السياق تؤكد صحيفة حزب الاستقلال (lopinion.ma) أن الحكومة: «في مواجهة التوقعات القاتمة للركود، قامت بإعداد ميزانية العام المقبل في ظل ظروف استثنائية، تتميز بعدم وجود رؤية للوضع الاقتصادي…».

يمر المغرب بمرحلة من التراجع، كما يتضح من توقعات الركود التي يتوالى صدورها يوما بعد يوم. كان البنك المركزي قد أبلغ عن انكماش اقتصادي بـ 6,3٪، بعد أن كانت المندوبية السامية للتخطيط قد حددت معدل الركود في 5,8٪ لنهاية عام 2020.

وبحسب المندوبية فإن النشاط الاقتصادي «سينخفض ​​بنسبة 4,6٪ بدلا من 2,4٪ خلال الربع الثالث من عام 2019».

وفيما يتعلق بالعجز، يؤكد البنك الدولي أنه «على الرغم من انخفاض الواردات، من المتوقع أن يتسع عجز الحساب الجاري في 2020 ليصل إلى 8,4٪، مما يعكس انخفاضا حادا في عائدات الصادرات والسياحة وكذلك التحويلات […]

ونتيجة لذلك، من المتوقع أن يتسع عجز الميزانية الإجمالي في عام 2020  إلى 7,5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يقرب من 4 نقاط مئوية أعلى مما كان متوقعًا قبل كوفيد 19».

ستدمر الأزمة “سوق الشغل”. يقول البنك الدولي إن: «سوق الشغل يواجه صدمة ذات أبعاد تاريخية، حيث سيتأثر على وجه الخصوص العمال الأكثر هشاشة، ولا سيما العاملين في القطاع غير الرسمي».

ويضيف أن: «الآثار السلبية مجتمعة أدت إلى تعميم خسائر الوظائف والدخل، خاصة في القطاع غير الرسمي حيث فقد 66٪ من العمال وظائفهم».

وقد أكد وزير المالية أن الاقتصاد الوطني يفقد 10.000 وظيفة يوميا. وبلغ حجم البطالة 1.477.000 شخص على المستوى الوطني. وبذلك انتقل معدل البطالة من 8,1٪ إلى 12,3٪ على المستوى الوطني!

وحسب المندوبية السامية للتخطيط فالبطالة أعلى بين صفوف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 عاما (33,4٪) والخريجين (18,2٪) والنساء (15,6٪).

وبالطبع فإن هذه الأرقام لا تعكس الواقع لأن لديهم أساليبهم في تزوير الأرقام مثل عدم احتساب العمال الذين يعملون بدون أجر (ورشات عائلية، إلخ) والعاطلين عن العمل الذين فقدوا كل أمل في العثور على منصب شغل وتوقفوا عن البحث …

ووفقا للإسقاطات الديموغرافية للمندوبية السامية للتخطيط 2014-2050، فإن 6 ملايين من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 عاما، في عام 2019،  يتعرضون للتجاهل بشكل تام، فهم عاطلون عن العمل وخارج النظام المدرسي ولا يخضعون لأي تدريب.

وفي هذا السياق يصبح وضع الطبقة العاملة أكثر فأكثر صعوبة. تقدر المندوبية السامية للتخطيط أن: «القوة العاملة في حالة العمالة الناقصة، المرتبطة بعدد ساعات العمل، قد وصلت إلى 957.000 شخص، بمعدل 9,1٪. وهؤلاء الذين هم في حالة العمالة الناقصة بسبب عدم كفاية الدخل أو عدم التوافق بين التدريب والتوظيف يصلون إلى 402.000 شخص (3,8٪). وإجمالا بلغ حجم العمالة الناقصة في مكونيها 1.359.000 شخص. وقد ارتفع المعدل الإجمالي للعمالة الناقصة من 9٪ إلى 13٪ على المستوى الوطني، من 7,8٪ إلى 12,2٪ في المناطق الحضرية، ومن 10,6٪ إلى 14,1٪ في المناطق الريفية».

من سيدفع الثمن؟

الحل الوحيد الذي لدى الحكومة لكي تواجه هذا الوضع هو تطبيق سياسة تقشف شديدة القسوة لإجبار الفئات الأكثر هشاشة على دفع ثمن أزمة لم يتسببوا فيها، وهم الأكثر تضررا منها والأقل قدرة على تحملها.

وفي هذا السياق أعلن رئيس الحكومة عن تأجيل الترقيات لموظفي القطاع العام إلى أجل غير مسمى، وتطبيق ما سمي بضريبة “التضامن” وإلغاء مباريات التوظيف في عدة قطاعات، وهذا لا يشمل طبعا الإدارات المسئولة عن الأمن.

وبينما شهدت غالبية الوزارات تخفيضات في الميزانية، فإنه وبعقلية قمعية محضة قامت الحكومة برفع ميزانيات معظم الوزارات السيادية. هذا هو الحال بشكل خاص بالنسبة لوزارة الداخلية: التي ارتفعت ميزانيتها إلى 2,6 مليار يورو، مقارنة بـ 2,3 في عام 2018، بزيادة قدرها 11,9٪.

Palace Maroc

لكن إذا كان الفقراء يعيشون في الجحيم على الأرض، فإنه يمكن لـ”ملك الفقراء” أن يؤكد أن “الحياة وردية”. فثروته بلغت، حسب فوربس، 5,7 مليار دولار. كما نقرأ في مقال نشره موقع Middleeasteye أنه: «على الرغم من الأزمة الخانقة، لم تنخفض ميزانية القصر الملكي في عام 2020. بل على العكس من ذلك، يتلقى القصر الملكي ميزانية بنحو 2,5 مليار درهم (ما يزيد قليلا عن 230 مليون يورو)». وقد قام مؤخرا، وفي خضم الأزمة، بشراء قصر فاخر في باريس، يطل على برج إيفل، بمبلغ 80 مليون يورو!!

كما أن كبار الرأسماليين في محيطه، ولا سيما أصحاب البنوك، يواصلون جني أرباح بالكاد يمكن تخيلها…

أجل لقد كان ماركس محقا عندما قال: «إن تراكم الثروات في أحد الأقطاب هو في نفس الوقت تراكم الفقر والمعاناة والجهل والوحشية والانحلال الأخلاقي والعبودية في القطب الآخر».

الوضع السياسي

للحفاظ على هذا الوضع الذي لا يطاق، من وجهة نظر الغالبية العظمى من المجتمع، يفرض النظام القائم شريعة الإرهاب على المجتمع.

يتسم الوضع، من جهة، بإفلاس جميع الأحزاب السياسية، وضعف جميع الحكومات المتوالية. لقد وصلوا جميعا إلى طريق مسدود وليس لديهم أي حل. والجواب الوحيد الذي لدى الطبقة السائدة هو القمع (وهو أمر غير قادر على الاستمرار طويلا)…

ويتسم من ناحية أخرى بافتقار الطبقة العاملة إلى منظمات جماهيرية مكافحة يمكنها أن تتولى مهمة تنظيم النضال، وغياب القيادة الثورية التي يمكنها أن توفر برنامجا وبديلا.

كما يستغل النظام خيانة البيروقراطيين المهيمنين على النقابات وانعدام أي منظور أو شجاعة من جانب قادة أحزاب اليسار، لكي يستمر في مواصلة الهجمات.

ما الآفاق؟

إذا أخذنا في الاعتبار معدل البطالة المروع، واختلال ميزان القوى ضد الطبقة العاملة، وخيانة قادة النقابات، وعدم وجود بديل ثوري واضح ومقنع، وكذا القمع الوحشي بالإضافة إلى الآثار الضارة للوباء، وما إلى ذلك. فإن يبدو أن الطبقة العاملة ستبقى، لفترة من الوقت، تعض شفتها حنقا وتنتظر اللحظة المناسبة للتدخل والانتقام.

هذا لا يعني أن الوضع راكد من وجهة نظر النضالات الاجتماعية. فعلى الرغم من كل شيء فإن الطبقة العاملة لن تستسلم بدون معركة، ونحن نشهد بالفعل بعض النضالات الدفاعية في عدد غير قليل من المناطق الصناعية. ونرى أيضا تحركات في البلدات المهمشة الصغيرة وأحياء الطبقة العاملة وبين الشباب. لكن هذه مجرد حركات تسخينية وتباشير لما سنراه في الفترة التي تنفتح أمامنا.

عاجلا أم آجلا، ستعبر الضرورة، أي الانفجار الاجتماعي، عن نفسها من خلال حادثة، بطريقة أو بأخرى، لهذا السبب أو آخر، هنا أو هناك. أجل تعتبر الحوادث عناصر بنيوية في الوضع الثوري، مثل هذا الذي نعيش فيه. نحن لا نعرف متى أو أين سيندلع، لكنه أمر حتمي.

النظام يعرف ذلك جيدا، ولهذا فإنه يلجأ إلى القمع الوحشي ضد كل حركة، حتى ولو كانت مجرد حركة صغيرة، في أي مكان، ولأي مطلب، خوفا من أن تصبح نقطة مرجعية لبقية الجماهير الغاضبة.

هذا هو المنظور الذي يجب علينا الاستعداد له. لكن وفي انتظار انفجار النضالات الجماهيرية وتدخل الطبقة العاملة على الساحة، نعتقد أن الوضع الحالي مناسب جدا من وجهة نظر القوى الماركسية. فمن جهة هناك تراكم الغضب بين الجماهير، وخاصة الشباب الذين بدأوا في البحث عن بديل لوضعهم الذي لا يطاق، ومن جهة أخرى هناك لحظة هدوء نسبي مؤقت، الشيء الذي يعطينا فرصة لبناء قواتنا والاستعداد الجيد لفترة العواصف التي تنفتح أمامنا.

أنس رحيمي
13 نونبر 2020

مترجم عن موقع جريدة منظمة Revolution (الثورة)، الفرع البلجيكي للتيار الماركسي الأممي.

Maroc: Une tempête se prépare!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *