الرئيسية / الشرق الأوسط وشمال إفريقيا / شمال إفريقيا / مصر / مصر: من أجل إضراب للدفاع عن الطواقم الطبية والمرضى

مصر: من أجل إضراب للدفاع عن الطواقم الطبية والمرضى

قبل  أسابيع أصدرت نقابة أطباء مصر دعوة لجموع الاطباء لاتخاذ الاجراءات المناسبة لحماية انفسهم من وباء كورونا، وتحميل وزارة الصحة مسؤولية ازدياد حالات الاصابة والوفيات بين صفوف الأطباء، وذلك على اثر تقديم العديد من الاطباء استقالاتهم كخطوة احتجاجية على ظروف اشتغالهم وتعرض كثير منهم للعدوى ووفاة العشرات منهم.

في هذا السياق توصلنا من داخل سجون الدكتاتورية العسكرية في مصر بمقال من الرفيق المعتقل على خلفية ما يسمى بـ “قضية كورونا”، هذا المقال المكتوب في ظروف صعبة، مع غياب المعطيات المحينة والظروف الملائمة للاشتغال، لكنه رغم ذلك يقدم تصورا عمليا لبناء وتطوير اضراب الأطباء في مصر ، وراهنيته باعتبار أن هذا الاضراب هو تعبير عن الوضع المأساوي لقطاع الصحة، وعلى حجم الغضب المتراكم في المجتمع بما أن الأطباء فئة متميزة داخل الطبقة العاملة، وأنه بشير للتحركات المستقبلية ليس بين الأطباء وحدهم بل بين الفئات الأكثر اضطهادا والأكثر كفاحية (عمال النسيج والبناء والصناعة..)


من أجل إضراب للدفاع عن الطواقم الطبية والمرضى

في يوم الأربعاء الموافق 28 ماي/أيار 2020 استطعت الحصول على ثلاثة جرائد حكومية مصرية -بعد انقطاع دام لأكثر من أسبوعين- وهم: الأخبار والأهرام والجمهورية، وبغض النظر عن تشابه المقالات والتحقيقات والأخبار في الجرائد الثلاث، إلا أنه بدا لي، وبشكل واضح، أن الدولة مرتعبة من أن يمارس الأطباء حقهم المشروع في الإضراب عن العمل أو أن يقدموا استقالات جماعية أو أي تكتيك ضغط للمطالبة بحقوقهم، فقد نُشر في الصحف الثلاث صورا متشابه من الترغيب والتودد، أحياناً من أعلى منصب سياسي في البلد، والتهديد والوعيد أحياناً أخري، بأن أي محاولة للمقاومة سوف يتم اعتبارها عمل تخريبي يقوم به إرهابيين وعملاء وخونة الوطن. إن تلك الدعاية التي تبثها الدولة بأشكالها المختلفة، تبين أنها مرعوبة من أي مواجهة محتملة مع الأطباء والطواقم الطبية بشكل عام في ظل انتشار فيروس كورونا. ومن هنا يجب أن نسأل أنفسنا هل الظروف اليوم أصبحت مواتية لكي يحصل الأطباء على كامل أو جزء كبير على الأقل من مطالبهم الاقتصادية والاجتماعية بعد أن ناضلوا من أجلها طوال سنين؟

 إن إضراباً ناجحاً اليوم سيمثل مصدر إلهام لجموع الطبقة العاملة والجماهير، وقد يدفع الوطن بأكمله للانتصار أو على الأقل يعيد سريان المقاومة الاجتماعية في نهر المجتمع الراكد منذ سنين، مثل هذا الإضراب قد يعيد الأمل مرة أخري للجماهير ويطرح النضال الجماعي كخيار وحيد وأساسي مجدداً للجماهير المقهورة في مواجهة الدولة القاهرة.

نجح الأطباء سابقاً في تنفيذ العديد من الإضرابات والحصول على عدة مكتسبات في غضون سنوات الثورة المهزومة وحتى العام 2014، لكن حينها فشل في أن يكتسب دعم سياسي للمطالب العامة المشروعة، فشل الأطباء في التمدد داخل المحافظات والمراكز والقرى، ولم يتمكنوا عبر نضال طويل من تكوين قيادة ثورية حقيقية للمقاومة والمبادرة في زمن الأزمات والتراجع، مثل الوقت الحاضر الذي فيه اليوم في أمس الحاجة لقيادة ثورية، نجح الأطباء في البداية في انتزاع كثير من المطالب ثم فشلوا وتم الانقضاض على تلك المكاسب كلها، مثلما نجحت الثورة في انتزاع كثير من المكاسب ثم هزمت، وهزمت معها كل القطاعات العاملة والمقاومة. كان على قيادة نقابة الأطباء طوال موجات الإضرابات المتكررة في أعوام الثورة، أن تعمل على التوسع بشكل طولي وعرضي ليشمل الإضراب كل العاملين في وزارة الصحة، سواء كانوا أطباء أو تمريض أو صيادلة، وحتي من حيث الكم لم يتم دعم هذه الإضرابات بعدد كبير من الأطباء في المحافظات البعيدة والقرى. بشكل عام إن اتساع الإضراب من حيث الكم والكيف يشل ويضغط على الدولة وهو ما يفرض عليها التراجع وتنفيذ مطالب المضربين.

في دول العالم الثالث ينظر المجتمع للمتعلمين بصفة عامة والأطباء بصفة خاصة على أن لهم دور واضح وأساسي في نشر الوعي والثقافة في المجتمع، نظراً لحرمان جزء كبير من المجتمع من الحد الأدنى من التعليم والثقافة وانتشار الجهل والأمية، أدركت ذلك بوضوح داخل سجون الديكتاتورية العسكرية، التي أغلب القابعين فيها هم الفقراء الذين لم يحصل بعضهم على أدنى مستويات التعليم. على الأطباء أن يضطلعوا بهذا الدور ولا ينساقوا وراء الخلافات الدائمة والمستمرة التي تدور بين المرضى من جهة والأطباء والطواقم الطبية من جهة أخرى، والخطابات التي تعزز الأوهام والنزعة الفوقية والتسلطية والإحساس المزيف بالتميز، إن تلك النزاعات المستمرة التي سببها الأساسي هو رداءة الخدمات الطبية وعدم توافر أسرة للمرضى، تلك النزاعات تتحول من صراع على حق كل من الطرفين، إما في رعاية طبية آدمية ومتوفرة بشكل دائم، أو توفير ساحات عمل آمنة وأجور عادلة وشروط عمل انسانية، كل من الطرفين المقهورين (المرضى والعاملين في المجال الطبي) يصرخ في وجه الآخر بدلاً من الصراخ في وجه الدولة المسؤولة عن ذلك الوضع المزري. تلك الخلافات تحدث بشكل يومي بين أصحاب الحقوق في تغافل عن من هضم واستباحة حقوقهم جميعاً، تستفيد الدولة بشكل حصري من اشتداد تلك الخلافات وتأصيلها داخل المشافي العامة، فيصبح العدو اليومي للمريض هو الطاقم الطبي، أما الدولة التي تسلب حقوق كلا الطرفين تقف مشاهدة فرحة بانشغال المسروقين عن سارقيهم، بانشغال المقهورين والمستغلين بحربهم اليائسة ضد بعضهم البعض.

لذلك فطريق الأطباء لتحيق مطالبهم المشروعة عبر إضراب ناجح يستطيعون فيه الضغط على الدولة تقف أمامه عدة عوائق، منها إعداد برنامج مطلبي يستطيعون من خلاله اكتساب أكبر عدد للإضراب، دعاية ثورية كثيفة للإضراب، وتوفر الدعم الشعبي للإضراب، وقيادة ثورية ورقابة قاعدية لهذا الإضراب، والنجاح في التغلب على التحديات والمواجهات الأمنية.

أولاً، البرنامج المطلبي:

إن الإضراب يجب أن يرفع مطالب عادلة وجذرية لحل أزمة القطاع الصحي المتفاقمة، بداية من زيادة ميزانية وزارة الصحة من 3% إلى تلك النسبة التي تتحقق عندها رعاية صحية وتأمين صحي حقيقي وشامل، مستشفيات مجهزة، أجور مناسبة وكريمة لكل أعضاء الطاقم الطبي، بالإضافة لإقرار بدل عدوى مناسب وبدل مخاطر مناسب. كل هذا لن يتحقق إلا بتطبيق ميزانية تهدف لحماية الجماهير ورعايتهم صحياً، لنقل مثلا خمس الموازنة العامة كحد أدني لنكون قادرين على إصلاح كل المشافي القديمة ونعيد فتحها وتطويرها لتوفير علاج ورعاية وبيئة عمل وأجور آدمية وكريمة للمرضى وللطواقم الطبية.

 إن رفع مطلب ضم مستشفيات الجيش والشرطة لمنظومة وزارة الصحة لهو من أهم المطالب العادلة لأطباء مصر، هو مطلب هام لتحقيق التضامن الشعبي والسياسي مع الإضراب، إن الدولة تحاول مساومة الأطباء بتوفير من 20 إلى 40 سرير عناية مركزة في كل محافظة للمصابين منهم بفيروس كورونا، مع انه في كل محافظات مصر يتوفر المئات من الأسرة في كل الأوقات وفي ظل كل الظروف للجلادين وحماة القمع من ضباط الشرطة والجيش، وكأنهم هم وحدهم من يستحقون علاج مجاني ورعاية صحية متميزة. كما أن المطالب التي تخص رواتب الأطباء وإصلاح منظومة العمل في وزارة الصحة وغيرها من المطالب الاقتصادية لن يجد الأطباء وقت أفضل من هذا للتفاوض عليها، لجنة الإضراب السابقة في العام 2014، التي لم يبقى منها الكثير حيث عملت الدولة على إخراج عديد من الكوادر النقابية من مجلس النقابة الحالي، أعدت عشرات المطالب التي لن أخوض فيها بقدر ما سوف أخوض في الدعاية لتلك المطالب.

إن إطلاق دعوي للإضراب بشكل حازم وغير متذبذب سوف يضع الإضراب عند أول سلم النجاح، إظهار تهديد الدولة في حالة التعامل بشكل قمعي مع الإضراب أو مع الأطباء المحرضين والاستفادة من ذلك التصرف الهمجي المعهود من الدولة إعلامياً سوف يشل العصابة الأمنية ويستبعد الحل الأمني مؤقتاً على الأقل، إن القطاع الطبي يشكل الآن خط الحماية الوحيد حتي لا يتم هرس النظام تحت أقدام الأزمة الطاحنة والشاملة الناتجة عن الوباء، لهذا سيعمل النظام على عدم احتدام الموقف واستمالة الأطباء وهو ما يمكن الاستفادة منه بشكل تكتيكي.

قد يظن البعض أن كتابة خطة لنجاح إضراب الأطباء من داخل السجون المصرية، في ظل نقص المعلومات وعدم إتاحة الأخبار بشكل دائم يعتبر نوع من الجنون، بل يعتبر البعض بالفعل أن مجرد الكتابة والمقاومة بشكل عام من داخل السجون وطرح موضوع مثل الإضراب بشكل خاص هو جنون ما بعده سوي الذهان، لكن الحق أقول أن كل آمالي في الحياة والحرية تنبع من كل أمل حقيقي وواقعي تستطيع فيه قوى الثورة والجماهير تحقيق أي انتصار، إن المقاومة ليست حلم رومانسي، كما يعتقد البعض تحت وطأة الهزائم وتحت حكم الجنرالات، بقدر ما هي خطة ومحاولة أن تغيير هذه الحياة المليئة بالبؤس والعذابات والمآسي. أنا لا أضع خطة نهائية للإضراب من داخل السجون بقدر ما أحاول أن أفتح نقاش مع زملائي حول هل الظروف الآن مواتية وسانحة لظهور مقاومة جماعية من داخل القطاع الطبي؟

ثانياً، الدعاية الثورية:

إن تكثيف الدعاية الثورية للإضراب قبل البدء فيه هو واحد من أهم عوامل نجاح أي إضراب قوى، إن زيادة الدعاية حول المطالب العامة التي تخص الجماهير مثل إصلاح المستشفيات وتطويرها والعلاج المجاني الشامل، هو طريقنا من أجل زيادة الدعم الشعبي للإضراب، والذي سيمثل حاضنة ويجعل الدولة تتردد قبل أن تستخدم آلاتها العسكرية في مواجهة المضربين، كما أن الدفع بمطلب زيادة الميزانية الخاصة بوزارة الصحة وضم مستشفيات الجيش والشرطة للوزارة هو ضمان جدية الأطباء في الدفاع عن حق الشعب في علاج مجاني ورعاية شاملة. الدعاية الثورية والكثيفة هي ما ستمكننا من زيادة عدد المشاركين والداعمين للإضراب من حيث الكم والكيف، فتتسع رقعة الإضراب لتشمل العاملين بوزارة الصحة بشكل عام سواء كانوا أطباء أو تمريض أو صيادلة، ويتمدد ليشمل كل المحافظات، فيكتسب الإضراب بذلك قوة تنظيمية وجماهيرية ونضالية عظيمة تستعصي على القمع.

ثالثاً، القيادة:

يجب أن يتوافر للإضراب قيادة ثورية حازمة ومخلصة، لتكون حائط صد مبدئي في وجه الضربة الأمنية، والحقيقة أنني أشك في القيادات النقابية الحالية الذين من المفترض بهم أن يضطلعوا بتلك المهمة، سواء في نقابة الأطباء أو اتحاد المهن الطبية الذين راحوا يستجدون الدولة لتوفير معدات حماية للطواقم الطبية، في نفس الوقت الذي يزداد فيه عدد المتوفين من جراء العدوى في أماكن العمل وعدم توفير تحاليل كافية للطواقم الطبية.

لكن تلك هي نقطة البداية أو من خارج حدود الوطن أن اقتضت الضرورة، وأن يوضع أمام الدولة اختيارين إما تنفيذ المطالب أو الدخول في إضراب، في كلتا الحالتين يجب أن تبدأ الدعاوى بتحريض على الدولة وتهديدها أنه في حالة تنفيذها لملاحقات أمنية للكوادر النقابية أو غير ذلك فسوف يتم استخدام الإضراب كوسيلة ليس فقط لتنفيذ المطالب المشروعة ولكن أيضاً كوسيلة للدفاع. بالطبع هذه الخطوة يلزمها كثير من التخطيط والتنظيم كي لا تصبح الدعوة للإضراب مقتصرة على منصات التواصل الاجتماعي التي اعتادت نخب المعارضة المصرية أن تمارس فيها نشاطها “المعارض” في السنوات الماضية.

خاتمة:

قد تبدو هذه الخطة العامة وهذا النقاش هو ضرب من ضروب الأحلام والأماني للبعض، ولكنه بالتأكيد هو طريقنا الوحيد لمحاولة تفادي المأساة المحدقة بنا، أعتقد أن احتمالية أن تحمل الطواقم الطبية شعلة الحراك الاجتماعي اليوم مرتفعة وتتزايد يوماً بعد يوم، إن تضافر الظرف الموضوعي لنضال الطواقم الطبية من أجل الدفاع عن صحة الجماهير في مواجهة الوباء، مع نضالهم حول مطالبهم الاقتصادية والحقوقية، تضافر ذلك الظرف الموضوعي هو ما يجب استغلاله لخلخلة قبضة الدولة وانتزاع مكاسب فئوية واجتماعية منها من ناحية، ومن ناحية أخري كما قلت سيكون هذا الحراك النضالي خطوة تعيد الأمل مجدداً للطبقة العاملة والجماهير الشعبية أن احتمالية النضال الجماعي لم تمت، وانه لم يحكم علينا بالشقاء الأبدي، وأنه لايزال هناك فرصة لتنظيم الصفوف لمقاومة تلك السلطة التي لا تعرف غير القمع والسلاح وسيلة للتفاهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *