الرئيسية / قضايا نظرية / اقتصاد وعولمة / 2016: عالم على حافة الهاوية

2016: عالم على حافة الهاوية

“وداعا للقديم، مرحبا بالجديد”، كانت هذه دائما هي عبارة الترحيب بالسنة الجديدة. لكن وسط كل الاحتفالات وزجاجات الشمبانيا، لم تكن هناك أية علامة على التفاؤل أو الأمل في المستقبل من جانب الطبقة الحاكمة ومفكريها، بل على العكس من ذلك تمتلئ أعمدة الصحافة البرجوازية بالتشاؤم والنذير.

يوم 28 دجنبر نشرت صحيفة فاينانشال تايمز مقالا بقلم جدعون راتشمان تحت عنوان مثير للاهتمام: “مضروب ومجروح وعصبي، العالم كله على حافة الهاوية“، حيث نقرأ ما يلي:

«يبدو أن شعورا بعدم الارتياح والتشاؤم ساد في عام 2015 جميع مراكز القوى الرئيسية في العالم. فمن بكين إلى واشنطن ومن برلين إلى برازيليا ومن موسكو إلى طوكيو – ساد بين الحكومات ووسائل الإعلام والمواطنين شعور بالعصبية والحصار.

هذا النوع من القلق المعولم أمر غير مألوف. فعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية، وأكثر، كنت تجد قوة عالمية واحدة، على الأقل، تشعر بالتفاؤل. في أواخر الثمانينات كان اليابانيون ما يزالون يتمتعون بطفرة استمرت لعقود طويلة – وكانوا يشترون بثقة الأصول في جميع أنحاء العالم. وفي التسعينات نعمت أمريكا بالانتصار في الحرب الباردة وتوسع اقتصادي طويل الأمد. ومع مطلع الألفية الثالثة كان الاتحاد الأوروبي في مزاج منتش، حيث أطلق العملة الموحدة وزاد عدد أعضائه بالضعف تقريبا. وطيلة معظم العقد الماضي، أثارت القوة السياسية والاقتصادية المتنامية للصين الاحترام في جميع أنحاء العالم.

لكن في الوقت الحالي يبدو أن كل اللاعبين الكبار يشعرون بالريبة، بل وحتى الخوف. وكان الاستثناء الجزئي الوحيد الذي رأيته هذا العام هو الهند، حيث ما تزال الشركات والنخبة السياسية منتشية بفعل الحماس الإصلاحي لرئيس الوزراء ناريندرا مودي.

وعلى النقيض من ذلك، في اليابان بدأ الإيمان يتلاشى بأن تتمكن الإصلاحات الجذرية، المعروفة باسم Abenomics، أن تخرج حقا البلاد من دورة الديون والانكماش. ويزداد القلق الياباني بسبب استمرار التوترات مع الصين. ومع ذلك فإن انطباعي الرئيسي الذي وصلت إليه من زيارتي إلى الصين، في وقت مبكر من هذه السنة، هو أن هذا البلد أيضا يشعر بأنه أقل استقرارا مما كان عليه حتى قبل بضع سنوات مضت. لقد انتهى ذلك العصر الذي كانت فيه الحكومة قادرة على تحقيق نمو بمعدل 8% أو أكثر في السنة. والمخاوف بشأن الاستقرار المالي المحلي في تصاعد مستمر، مثلما ظهر من خلال الاضطرابات التي شهدتها بورصة شنغهاي خلال الصيف».

انفجارات جديدة في الشرق الأوسط

بدأت السنة الجديدة بلقطة درامية قوية، كان مسرحها، كما يمكن للمرء أن يتوقع، هو صفيح الشرق الأوسط الساخن، بعد إعدام الشيخ نمر النمر، رجل الدين الاسلامي الشيعي البارز، والمنتقد الدائم للأسرة السعودية المالكة والذي شارك في الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي اندلعت في المملكة العربية السعودية في فترة الربيع العربي، إلى أن تم القبض عليه في عام 2012.

تنظر واشنطن إلى الوضع بخليط من الحذر والعجز. قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية، جون كيربي، كلمات مهدئة: «نحن سنواصل حث القادة في جميع أنحاء المنطقة لاتخاذ خطوات إيجابية لتهدئة التوترات، ونحن نعتقد أن المشاركة الدبلوماسية والمحادثات المباشرة ما تزال ضرورية.»

لكن في حين تبشر واشنطن بالمن والسلوى، يعمل أصدقائها وحلفائها في الرياض على صب براميل البنزين على نيران المنطقة الشديدة الانفجار أصلا. تشبه كلمات كيربي خطابا يلقيه نباتي في المؤتمر السنوي لأكلة لحوم البشر. والفرق الوحيد هو أن الرجل الذي ألقى الخطاب هو ممثل أشرس آكلي لحوم البشر على وجه الأرض.

إن النيران التي تحاصر منطقة الشرق الأوسط بأكملها هي نتيجة مباشرة للغزو الإجرامي الذي قامت به الإمبريالية الأمريكية للعراق وتدخلها المستمر في تلك المنطقة التعيسة. بعد أن زعزع الأميركيون وحلفائهم استقرار العراق وحولوه إلى بلد محطم مزقته الحرب، ساعدوا وحرضوا القوى الرجعية في سوريا والتي صارت تشكل الآن تهديدا خطيرا لمصالحهم. لكن ما يسمى “بالحرب على الإرهاب”، التي زعمت الولايات المتحدة وحلفاءها شنها على مدى السنوات الماضية، في العراق على وجه التحديد، لم تحقق أي شيء على الاطلاق. وقد اتضح أن مزاعم الجيش العراقي الجبان والمثير للشفقة، والذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، بأنه استعاد الرمادي من داعش مجرد كذبة.

بينما أنا أكتب هذه السطور، ما يزال الجهاديون يسيطرون على أجزاء كبيرة من تلك المدينة (أو ما تبقى منها) وما يزال القتال دائرا. لا شك في أن الجيش العراقي سينجح في نهاية المطاف في السيطرة على كومة من الأنقاض المشتعلة. لكن “الانتصار” في الرمادي لم ينفع سوى في فضح كون الجيش العراقي مجرد أداة غير مجدية. إن هذه المهزلة المخزية تفضح فراغ كل تلك الادعاءات المتبجحة لوزارة الدفاع الأمريكية، التي تدفع أجورهم وتضع البنادق في أيديهم، والتي سوف يرمون بها في أقرب وقت، عندما تسنح لهم أول فرصة مناسبة.

أمريكا وروسيا وإيران

إن الأمريكين، وبعد أن استيقظوا أخيرا على الخطر الذي تمثله القوى التي تمردت على سيطرتهم، بدأوا يبحثون بشدة عمن يمكنه أن يساعدهم في إطفاء الحرائق التي أشعلوها هم أنفسهم. لكن من سيكون ذاك؟ إن الأميركيين مضطرون إلى اللجوء، على مضض، إلى أكثر الحلفاء غير المتوقعين وغير المرحب بهم من بين جميع الحلفاء الذين يمكن تخيلهم، أي: روسيا وإيران.

لم يمض وقت طويل منذ أن كان الأميركيون، وحلفاؤهم في حلف شمال الاطلسي، يرددون باستمرار تلك الانشودة الرتيبة عن “عزل روسيا”. أواه نعم! “لقد تم عزل روسيا دوليا”، كان هذا هو الشعار الذي يتكرر كل يوم. لكن الآن، وكما لو بفعل السحر، روسيا ليست معزولة على الإطلاق، بل يتم التودد لها وتكريمها وكيل المديح لها، ولو بوجه عابس نوعا ما. وها هم الآن يرددون باستمرار: “ليست لدينا نية في عزل روسيا”، “يجب علينا التوصل إلى تفاهم مع روسيا”، ويأملون ألا يلاحظ أحد تغيير اللحن.

لم يكن ذلك تخبط الاحتضار الوحيد الذي قامت به واشنطن في عام 2015. حيث أن القفزة الأكثر إثارة للعجب في السيرك الدبلوماسي هي تلك التي قامت بها في العلاقة مع إيران. نفس إيران التي، مثلها مثل روسيا، كانت محكومة بالنبذ دوليا، والتي تعرضت للعقوبات، والتي كادت حتى أن تتلقى هدايا القوات الجوية الأمريكية، ها هي قد أصبحت الآن صديقة لأمريكا. وكما نعلم جميعا، فالصديق في وقت الحاجة هو الصديق الحقيقي!

ليس من الصعب فهم السبب وراء هذه الألعاب البهلوانية الدبلوماسية المذهلة. لقد كانت العمليات العسكرية الجدية الوحيدة ضد الجهاديين في سوريا هي تلك التي أنجزت من قبل الروس بالتعاون مع جيش بشار الأسد. والعمليات العسكرية الجدية الوحيدة ضد داعش في العراق (باستثناء الأكراد الذين يقاتلون في مناطقهم)، لا يقوم بها ما يسمى بالجيش العراقي والولايات المتحدة التي تدعمه، بل الميليشيات الشيعية المدعومة من ايران و عناصر من الجيش الإيراني.

لقد اضطر الأمريكيون عمليا إلى إدراك هذه الحقيقة، وأذعنوا لمطالب روسيا وايران بأن بشار الأسد يجب أن يبقى في السلطة في المستقبل المنظور. وجاء في تقرير للمحقق الصحفي الأمريكي البارز، سيمور هيرش، في مجلة the London Review of Books: «لقد قدمت هيئة الأركان العسكرية الأمريكية المشتركة للجيش السوري معلومات أمنية عبر ألمانيا وروسيا وإسرائيل».

يتوافق هذا مع التصريحات التي أدلى بها المدير السابق “لوكالة استخبارات الدفاع” الأمريكية(DIA) ، مايكل فلين، لنفس المجلة حول أن وكالته أرسلت، ما بين 2012 و 2014، عددا من رسائل التحذير من عواقب الإطاحة بنظام الأسد. وبدأت وكالته في إعطاء نظام الأسد معلومات استخباراتية (دون الحصول، على ما يبدو، على موافقة السياسيين) لمواصلة حربه ضد “العدو المشترك”.

لقد صارالأمريكان وحلفاؤهم مجبرين بقوة الواقع على التخلي عن الوهم المثير للسخرية عن “المعارضة الاسلامية المعتدلة” في سوريا. تتشكل هذه “المعارضة المعتدلة”، كما يعلم الجميع الآن، من الجماعات الجهادية المتطرفة مثل جبهة النصرة، التي دعمتها أمريكا، والتي هي الفرع السوري لتنظيم القاعدة. يرغب قسم من الإمبريالية الأمريكية (وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA) في مواصلة هذه السياسة، لكنها تتناقض مباشرة مع تغير موقف الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بروسيا وإيران. وفي الوقت نفسه، يواصل الروس قصف جميع القوى الجهادية، دون إعارة أدنى انتباه لصيحات الاحتجاج في واشنطن.

السعوديون والأتراك

تخلق هذه الانقسامات في واشنطن انطباعا بالارتباك والتردد، اللذان يتجسدان في شخص الرئيس أوباما. ليس هناك أدنى شك في أن إسقاط طائرة روسية من قبل الأتراك كان استفزازا متعمدا من جانب اردوغان، والقصد منه هو الوقيعة بين أمريكا وروسيا. وكما توقعنا فقد فشلت هذه المناورة تماما.

ويعتبر إعدام نمر النمر، تلك الجريمة القضائية التي أمرت بها الطغمة الحاكمة في السعودية، إجراء من نفس النوع. لقد كان استفزازا متعمدا يهدف إلى إثارة الفتنة الطائفية بين الشيعة والسنة، ودفع حكومة طهران إلى القيام بعمل عسكري ضد المملكة العربية السعودية، التي سوف تطلب المساعدة من الأمريكيين.

كان رد الفعل الفوري ضد هذه الجريمة القضائية الواضحة هو اقتحام السفارة السعودية في طهران. فقامت المملكة العربية السعودية على الفور بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران. كل هذا كان مدبرا بعناية. لقد رسمت الخطوات بعناية مثل خطوات راقصة الباليه. لكن هذا الباليه هو رقصة الموت. كان ذلك عملا يائسا من قبل النظام السعودي الذي يجد نفسه في ورطة كبيرة، ويواجه احتمال السقوط.

أخطأ المجرمون السعوديون الحسابات في اليمن، حيث تورطوا في حرب لا يمكنهم الفوز بها. وهم الآن أثاروا غضب الشيعة الذين يشكلون عشرين بالمائة على الأقل من الشعب السعودي، من بين أكثر الفئات فقرا واضطهادا. وقد اندلعت مظاهرات حاشدة في المدن السعودية بشعارات من قبيل: “الموت لأسرة آل سعود!”. إن الطغمة الحاكمة السعودية بهذا العمل زرعت الرياح وسوف تجني العاصفة.

أزمة اللاجئين

قال التحريفي والماركسي المزيف هوبسباوم، مرددا فكرة أعرب عنها كاوتسكي أفضل منه بكثير من قبل، بأنه في عصر العولمة سوف تتوقف الحدود الوطنية عن أن يكون لها أي معنى وأن الحروب ستصير شيئا من الماضي. لكن بدلا من ذلك تسود القرن الواحد والعشرين حروب لا تنتهي والعنف والصراعات القومية من كل نوع. وليس الشرق الأوسط سوى مثال واحد فقط عن هذا.

تتسبب الفوضى الدموية في سوريا في موجة نزوح جماعي لم يسبق لها مثيل ربما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. يصارع الآلاف والآلاف من اللاجئين، الذين يعانون البرد والانهاك والجوع، بقبضات عارية ضد أسوار الأسلاك الشائكة التي أقيمت على عجل من قبل قوات النظام والقانون في أوروبا المتحضرة. لا شيء يمكنه أن يفضح النفاق الإجرامي للبرجوازيين الأوروبيين أكثر من رد فعلهم تجاه أزمة اللاجئين.

لقد تم خداع شعوب أوروبا وأمريكا، لسنوات عديدة، بكذبة أن كل أعمال العدوان الإمبريالي مدفوعة بأطهر الاعتبارات الإنسانية. وقد خلقت هذه “الاعتبارات” أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية. وبعد أن أسهمت في فوضى هائلة في سوريا، ها هي حكومات أوروبا مشغولة الآن بالعمل، بأفضل وسيلة ممكنة، لإغلاق الباب في وجه الضحايا التعساء لتلك الحرب.

الوضع ليس أفضل حالا على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. فقبل مائة عام كتبت أمريكا على تمثال الحرية العبارات المشهورة التالية:

«أعطوني جماهيركم المنهكة، الفقيرة
المتعطشة لاستنشاق نسيم الحرية،
نفايات الشواطئ الذين عصفت بهم الرياح
ابعثوا لي بهؤلاء المشردين
لقد تركت مصباحي عند مدخل الباب الذهبي».

تبدو هذه الكلمات الآن وكأنها سخرية قاسية. فنفس أمريكا هي من تقيم أسوارا أعلى من أي وقت مضى للحفاظ على الجماهير المحتشدة الفقيرة على الجانب الآخر من ريو غراندي. ويدعو المرشح الرئاسي الرئيسي للحزب الجمهوري علنا إلى فرض حظر على جميع المسلمين الذين يرغبون في دخول الولايات المتحدة. هذا هو الصوت الحقيقي لرأسمالية القرن الواحد والعشرين: صوت الرجعية الصريحة والشوفينية وكره الأجانب والعنصرية.

بدلا من يوتوبيا ذلك التحريفي حول عالم بلا حـدود، يجري تعزيز الحدود الوطنية في كل مكان. وتجري إعادة الرقابة على الحدود ليس فقط على هوامش أوروبا، بل أيضا بين الدول الأعضاء في اتفاقية شنغن. والآن تعمل السويد اللطيفة الديمقراطية على فرض الرقابة على المسافرين القادمين من الدنمارك اللطيفة الديمقراطية. لم يتبق شيء من حلم أوروبا الموحدة، الذي كان دائما مستحيلا على أساس الرأسمالية.

أوروبا في أزمة

المزاج العام في أوروبا كئيب للغاية. وقد شوه عام 2015 في كل من بدايته ونهايته باثنتين من الهجمات الإرهابية الدموية في باريس. ولم يتمكن سكان ميونخ وبروكسل حتى من الاحتفال بالعام الجديد بالأسلوب المعتاد خوفا من اعتداءات إرهابية جديدة. وفي باريس تم منع عرض للألعاب النارية. الخوف والارتياب في كل مكان.

يتوقع جميع الاقتصاديين الجديين دخول الاقتصاد العالمي في ركود آخر، والذي يمكن أن يبدأ في آسيا نتيجة للتباطؤ الحاد للاقتصاد الصيني العظيم، لكنه قد يبدأ أيضا في أوروبا. ألمانيا، التي كانت سابقا قاطرة للنمو الاقتصادي في أوروبا، قد توقفت وسقطت في الأزمة بوصول أكثر من مليون لاجئ من منطقة الشرق الأوسط ومناطق الحرب الأخرى.

اليورو الذي كان من المفترض أن يكون ، مع اتفاقية شنغن، أساسا لمزيد من التكامل الاقتصادي، تحول إلى نقيضه. وقد انفتحت هاوية سحيقة بين ألمانيا وبين دول جنوب أوروبا، في حين أن أزمة اللاجئين قد دقت إسفينا بينها وبين بلدان شرق أوروبا. عذاب اليونان الطويل سيستمر، بما أن لا شيء على الإطلاق قد تم حله. وخروج اليونان من منطقة اليورو ليس سوى مسألة وقت.

وسوف يكون هذا بدوره سببا في أكبر الآلام والمعاناة للشعب اليوناني، ويمكن أن يكون بمثابة الحافز الذي سيدفع بلدانا أخرى نحو باب الخروج. ستجري بريطانيا استفتاء يمكن أن ينتهي بمغادرة المملكة المتحدة للاتحاد الأوروبي. والمشاعر المناهضة للاتحاد الأوروبي تتصاعد في فرنسا وغيرها من البلدان. لقد صار مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه، وليس فقط عملة اليورو، موضع سؤال.

غليان سياسي

تشاؤم البرجوازية له ما يبرره. لكنه جانب واحد للعملة فقط. إن أزمة الرأسمالية تلد حتما نقيضها: إنها ولادة روح جديدة من الثورة التي وحدها من يمكنها أن تعطي للبشرية الأمل في المستقبل. وببطء لكن بثبات يصحو وعي الجماهير. وفي الوقت الذي ليست البراعم الخضراء للانتعاش الاقتصادي سوى ضرب من ضروب خيال الاقتصاديين، فإن البشائر الأولى لانتعاش المزاج الثوري حقيقية وملموسة في نفس الآن.

من المسلمات الأساسية للمادية الجدلية أن الوعي البشري يتأخر دائما وراء الأحداث. لكنه عاجلا أم آجلا يدركها بطفرات. وهذا هو بالضبط ما تعنيه الثورة. وما نشهده اليوم في بريطانيا هو بداية ثورة سياسية. فبين عشية وضحاها تحولت المعادلة برمتها، وهذا في حد ذاته هو عرض من أعراض التغيرات العميقة التي تحدث في المجتمع. إن المنعطفات الحادة والتغيرات المفاجئة مسائل متضمنة في الوضع الحالي.

صحيح أن الوعي قد تشكل إلى حد كبير بذكريات الماضي. وسيستغرق الأمر وقتا قبل أن يتخلص وعي الجماهير من الأوهام القديمة في الإصلاحية. ولكن تحت ضربات مطرقة الأحداث ستكون هناك تغييرات مفاجئة وحادة في الوعي. الويل لمن يحاولون الاستناد إلى وعي الماضي الذي اختفى بالفعل نهائيا! يجب على الماركسيين أن يستندوا إلى السيرورة الواقعية وإلى منظورات المرحلة المقبلة، والتي ليس لها أي تشابه مع ما شهدناها حتى الآن.

إن الجماهير التي تبحث عن وسيلة للخروج من الأزمة، تضع على محك التجربة الأحزاب الواحد منها تلو الآخر. ويتم تحليل القادة والبرامج القديمة والتخلص منهم. وتلك الأحزاب التي انتخبت وخانت آمال الشعب ونفذت سياسة الاقتطاعات، في انتهاك لوعودها الانتخابية، تجد نفسها وقد فقدت مصداقيتها بسرعة. وما كان يعتبر أيديولوجيات سائدة يتعرض للاحتقار. والقادة الذين كانوا شعبيين يصبحون مكروهين. إن التغيرات الحادة والمفاجئة هي على رأس جدول الأعمال.

هناك غضب متزايد ضد النخب السياسية: ضد الأغنياء والأقوياء وأصحاب الامتيازات. رد الفعل هذا على الوضع الراهن، والذي يحتوي على البذور الجنينية للتطورات الثورية، يمكن أن يستمر ما بعد النقطة التي يبدأ عندها الاقتصاد في تسجيل علامات على التحسن. لم يعد الناس يصدقون ما يقوله السياسيون أو يعدون به. هناك خيبة أمل متزايدة في المؤسسة السياسية والأحزاب السياسية بشكل عام. هناك شعور عام وعميق بالضائقة الاقتصادية في المجتمع. لكنه يفتقر إلى وسيلة قادرة على إعطائه تعبيرا منظما.

في فرنسا، حيث اكتسح الحزب الاشتراكي الساحة في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، يسجل فرانسوا هولاند الآن أدنى نسبة شعبية سجلت لأي رئيس فرنسي منذ عام 1958. وفي اليونان شاهدنا انهيار حزب باسوك وصعود حزب سيريزا. وفي إسبانيا لدينا صعود حزب PODEMOS، الذي خرج من العدم ليفوز – جنبا إلى جنب مع حلفائه – بـ 69 مقعدا في البرلمان الإسباني، ويجعل من نفسه حزب المعارضة الوحيد الحقيقي.

رأينا نفس السيرورة تجري في ايرلندا خلال الاستفتاء الأخير. كانت أيرلندا، طيلة عدة قرون، واحدة من أكثر البلدان تشبثا بالكاثوليكية في أوروبا. لم يمض وقت بعيد منذ أن كانت الكنيسة تمارس سيادة مطلقة على كل جانب من جوانب الحياة. وكانت نتيجة الاستفتاء على زواج المثليين، حيث صوت 62% بنعم، صفعة للكنيسة الكاثوليكية الرومانية. كان ذلك احتجاجا واسع النطاق ضد سلطة الكنيسة وتدخلها في السياسة وفي حياة الناس. شكل هذا تغييرا أساسيا في المجتمع الأيرلندي.

وفي بريطانيا، وعلى عكس كل التوقعات، اجتاح جيريمي كوربين الساحة في انتخابات رئاسة حزب العمال. وكان هذا زلزالا سياسيا حول الوضع برمته في بريطانيا عمليا بين عشية وضحاها. استبق هذا التطور من خلال الأحداث في اسكتلندا، حيث انعكس التمرد ضد النظام في النمو السريع للحزب الوطني الاسكتلندي (SNP). لم تكن تلك حركة نحو اليمين بل نحو اليسار، ولم تكن تعبيرا عن النزعة القومية بل عن كراهية قوية ضد النخبة التي تحكم في وستمنستر. لقد صار حزب العمال، نتيجة لسياسات التعاون الطبقي الجبانة التي تنهجها قيادته، يبدو على أنه مجرد جزء من ذلك النظام.

على مدى عقود كان حزب العمال، تحت القيادة اليمينية، ركيزة لدعم النظام القائم. والطبقة الحاكمة لن تتخلى عنه دون مقاومة شرسة. خط الدفاع الأول عن النظام الرأسمالي هو برلمانيو حزب العمال نفسه. إن أغلبية البليريين [أتباع الزعيم اليميني لحزب العمال توني بلير – المترجم] بين برلمانيي الحزب هم عملاء مباشرون واعون لأصحاب الأبناك والرأسماليين في هذا الصراع وهذا ما يفسر إصرارهم المتعصب للتخلص من جيريمي كوربين مهما كلف الأمر. يجري الآن تحضير الشروط لانشقاق في حزب العمال والذي من شأنه أن يخلق وضعا جديدا تماما في بريطانيا. كل هذا هو تعبير عن الاستياء العميق الموجود في المجتمع، والذي يسعى للحصول على تعبير سياسي. هناك في جميع أنحاء أوروبا خوف من أن سياسات التقشف لن تكون مجرد إجراءات مؤقتة، بل هجوما دائما على مستويات المعيشة. وفي بلدان مثل اليونان والبرتغال وأيرلندا قد أدت هذه السياسات بالفعل إلى تخفيضات كبيرة في الأجور الإسمية وفي مخصصات التقاعد دون أن تحل مشكلة العجز. وهكذا فقد كانت كل المعاناة والحرمان اللذان فرضا على الشعب بدون جدوى. وفي كل مكان صار الفقراء أكثر فقرا والأغنياء أكثر ثراء.

لا تقتصر هذه السيرورات على أوروبا. تقدم الانتخابات الرئاسية الأمريكية تطورا أكثر إثارة للاهتمام. من المستحيل، بطبيعة الحال، التنبؤ بالنتيجة بأي درجة من اليقين، بالنظر إلى الظرفية السياسة الأميركية المضطربة للغاية والمتقلبة. لقد ركز السيرك الإعلامي بشكل حصري تقريبا على شخص الجمهوري دونالد ترامب. يبدو من غير المحتمل أن تعهد الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة بشؤونها إلى مهرج جاهل. لكنها فعلت ذلك في مناسبتين على الأقل في الماضي القريب. تمثل هيلاري كلينتون بالتأكيد رهانا أكثر أمانا من وجهة نظر الطبقة الحاكمة.

لكن التطور الأكثر أهمية من ترامب وكلينتون هو الدعم الكبير لبيرني ساندرز الذي يتحدث علنا عن الاشتراكية. إن ظهور بيرني ساندرز كمنافس للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لمنصب الرئاسة هو مؤشر من مؤشرات السخط العميق والغليان الموجودين في المجتمع. إن هجماته ضد طبقة أصحاب الملايير ودعوته لـ “ثورة سياسية” تجد صدى لها بين ملايين الناس، وعشرات الآلاف يحضرون لقاءاته الانتخابية.

يتم استخدام كلمة “اشتراكية” الآن في كثير من الأحيان في وسائل الإعلام. وأظهر استطلاع للرأي أجري سنة 2011 أن 49% من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 لديهم نظرة إيجابية للاشتراكية، مقابل 47% لهم نظرة ايجابية للرأسمالية. وكشف استطلاع للرأي أكثر حداثة، أجري في شهر يونيو 2014، أن 47% من الأمريكيين سيصوتون لصالح مرشح اشتراكي، وتبلغ النسبة 69% بين الذين تقل أعمارهم عن 30 سنة.

تحرص أعداد كبيرة من الناس، كثير منهم شباب ، على سماع خطاب بيرني ساندرز. صحيح أن هذا أقرب إلى النمط الاسكندنافي للديمقراطية الاجتماعية منه إلى الاشتراكية الحقيقية، لكنه بالرغم من ذلك أحد المؤشرات الأكثر أهمية على أن شيئا ما يتغير في الولايات المتحدة الأمريكية.

أدى الوضع في روسيا إلى خلافات في بقية أوروبا. ظاهريا قد يبدو متناقضا أن بوتين خرج قويا من الأزمات في أوكرانيا وسوريا. ولاقت جهود الغرب لعزله الفشل الذريع. ففي سوريا يعتبر هو الرجل الذي يدعو الآن للمبادرات. وحتى لو استمرت الولايات المتحدة في الحفاظ على العقوبات ضد شبه جزيرة القرم وأوكرانيا، فيمكننا التنبؤ بثقة أن حلفائها الأوروبيين سوف يسحبون عقوباتهم بهدوء. يحتاج الاقتصاد الأوروبي المأزوم إلى السوق الروسية والغاز الروسي بقدرما تحتاج البرجوازية الأوروبية للمساعدة الروسية لمسح الفوضى في سوريا و(إن شاء الله) وقف تدفق اللاجئين الذي لا ينتهي.

لكن إذا نظرنا أعمق في الوضع، فإنه سيظهر لنا من الواضح أنه ليس مستقرا جدا كما يبدو. لقد استمر الاقتصاد الروسي في الهبوط، وتضرر بفعل انخفاض سعر النفط والعقوبات الغربية. الأجور الحقيقية آخذة في الهبوط ولم يعد يمكن للطبقة الوسطى قضاء عطلة نهاية أسبوع ممتعة في لندن وباريس. إنها تبدي تذمرها لكنها لا تفعل شيئا. تأثر العمال الروس بالدعاية الرسمية حول أوكرانيا، لقد أصيبوا بالفزع من أنشطة الفاشيين الأوكرانيين والقوميين المتطرفين وكان بوتين قادرا على الاستفادة من تعاطفهم الطبيعي مع إخوانهم وأخواتهم في شرق أوكرانيا.

قد يكون بوتين قادرا على الحفاظ على قبضته على السلطة لبعض الوقت، ولكن كل شيء له حدود، وفي النهاية فإن التاريخ يصدر حكمه دائما. أدت الأزمة الاقتصادية إلى انخفاض حاد في مستويات معيشة العديد من العمال، خصوصا خارج بيترسبورغ وموسكو. الجماهير صبورة، لكن صبرها له حدود. شاهدنا الدليل على ذلك في نهاية عام 2015 عندما انخرط سائقو شاحنات المسافات الطويلة في الإضراب. ذلك مؤشر صغير ربما، لكنه مع ذلك مؤشر على أن استياء العمال الروس سيجد إن عاجلا أو آجلا تعبيره في احتجاجات أكثر جدية.

توقعات متشائمة

كل هذه الظواهر تعكس، في العمق، حقيقة أن النظام الرأسمالي قد وصل إلى حدوده. والعولمة، بعد أن استنفذت نفسها، قد تحولت إلى نقيضها، فبعد أن كانت عاملا قويا في تحفيز النمو صارت الآن تساهم في سحب كل البناء المهترئ إلى الهاوية. والحقيقة هي أن ما يسمى بالانتعاش – والذي ليس انتعاشا على الإطلاق – هو ذو طبيعة هشة وضعيفة إلى درجة أن أي صدمة، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو عسكرية، ستكون كافية لوضع نهاية مأساوية له.

تباطؤ الاقتصاد الصيني يهدد العالم بأسره. فالصين تستورد كميات كبيرة من السلع من دول مثل البرازيل، والآن يتقلص الاقتصاد البرازيلي بنسبة 4,5%. وتوجد بقية بلدان ما يسمى بالبريكس (BRICS) [مصطلح مكون من الأحرف الأولى لما يسمى بالبلدان الصاعدة: البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا – المترجم] في موقف مماثل. تنبؤات المتحدثين باسم الرأسمال حيال المستقبل متشائمة. ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال كلمات أدم باركر، الخبير الاستراتيجي في مورغان ستانلي، والذي قال: «نعتقد أنه من المرجح أننا ندخل عاما من العوائد المنخفضة، وأظن أن كثيرين آخرين يعتقدون الشيء نفسه».

وقال الرئيس التنفيذي لشركة هيونداي موتورز إن التوقعات لهذا العام “ليست مشرقة”. قال رئيس المجموعة تشونج مونج كو (Chung Mong-koo) لرؤساء وحدات صناعة السيارات في الخارج إن النمو في عام 2015 كان مقيدا بضعف الاقتصاد العالمي، والتباطؤ الاقتصادي في الصين، ثاني أكبر سوق للسيارات في العالم، وتراجع الطلب في الأسواق الناشئة. وقال: «بالنظر للعديد من المؤشرات الرائدة، فإن التوقعات لسوق السيارات في العام المقبل هي أيضا ليست مشرقة». ويمكننا الإدلاء بأي قدر نريد من الأمثلة المشابهة.

في المقالة التي ذكرناها أعلاه يرسم جدعون راتشمان النتائج الأكثر تشاؤما:

«إن الكآبة العالمية تجعل النظام السياسي الدولي يشعر وكأنه مريض ما يزال يكافح للتعافي من مرض شديد بدأ مع الأزمة المالية عام 2008. وإذا لم تحدث أي صدمات سيئة أخرى، فإن الانتعاش سيبدأ تدريجيا وقد تتلاشى أسوأ الأعراض السياسية. لكن المريض منهك، ويمكن لصدمة شديدة أخرى، مثل هجوم ارهابي كبير أو انكماش اقتصادي خطير، أن يسبب مشاكل حقيقية».

هنا هو الصوت الحقيقي لمنظري الرأسمال. إنهم يتطلعون إلى المستقبل برهبة. وهم، من وجهة نظرهم الطبقية الخاصة، ليسوا مخطئين. سوف تنتج سنة 2016 المزيد من الاضطراب والأزمة الاقتصادية والهجمات على مستويات المعيشة، والمزيد من عدم المساواة والظلم ومزيدا من سفك الدماء والفوضى.

ستكرر السنة الجديدة السنة القديمة، لكن بمزيد من الشدة. وسوف تنتج الحروب في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا نفس التسونامي من البؤس البشري الذي سيستمر في التدفق نحو أوروبا، حيث ستتم مواجهته بحواجز الأسلاك الشائكة والوحشية.

الإرهاب، الذي ينتشر عبر العالم مثل وباء لا يمكن السيطرة عليه، هو في حد ذاته واحد من أعراض المرض البنيوي لرأسمالية القرن الواحد والعشرين. وحدوث أعمال إرهاب أخرى أمر لا مفر منه. لا يمكن وقف الارهابيين عن طريق الأساليب البوليسية، وليس هناك ما يكفي من رجال الشرطة في العالم للتعامل مع ذلك العدد الكبير من الأشخاص العازمين والمتعصبين الذين يرغبون في ارتكاب أعمال القتل ضد المدنيين الأبرياء العزل.

كان لينين محقا عندما كتب أن الرأسمالية هي الرعب بلا نهاية. ومن غير المجدي الشكوى من هذه الفظائع مثلما هو من غير المجدي الشكوى من الآلام التي تصاحب الولادة. ليست مهمة الماركسيين هي الأنين بخصوص العواقب الحتمية لاحتضار الرأسمالية، إننا نترك هذا النوع من السلوك للدعاة والمسالمين.

إن مهمتنا هي العمل بلا كلل لنوضح للعمال والشباب الأسباب الحقيقية لهذه الفظائع ونشرح لهم الطريقة التي يمكن من خلالها القضاء نهائيا على المشكلة مرة واحدة وإلى الأبد، وذلك من خلال إحداث تغيير جذري للمجتمع. إن المشاكل الجذرية تتطلب حلولا جذرية. ووحدها الثورة الاشتراكية فقط من يمكنها أن تقدم الحل للمشاكل التي تواجه البشرية. هذه هي القضية الوحيدة التي تستحق أن يناضل المرء من أجلها اليوم.

آلان وودز
الاثنين: 04 يناير 2016

عنوان النص بالإنجليزية:

2016: A world on edge

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *